لتصفح العدد إلكترونيا w w w . y o u m 7 . c o m العدد 5226السبت 20سبتمبر 28 - 2025ربيع األول 1447هـ
Saturday - 20 September 2025 - Issue NO 5226
8صفحات
املصريون وصفوا املدارس بـ«بيت الحياة» ..املرحلة األولى من التعليم تبدأ بنسخ الكلمات البسيطة ..واملناهج الدراسية توضع حسب احتياجات بناء الدولة ..ومثلث التعليم «األدب والرياضيات والدين» ..ومعايير النجاح أو الرسوب تقاس بالكفاءة وليس بالدرجات ..وتلميذ نابغ يتفوق على معلميه وحكماء مصر
4جنيهات
أكرم القصاص يكتب:
a.elkasas@youm7.com
كأنه
سليمان شفيق وجيله.. «األهالى» والصحافة واملحتوى فى العصر الرقمى
تفاصيل أحد أيام تلميذ فى مصر الفرعونية
«سى أوزير»:
الكتابة أفضل المهن كتبت -بسنت جميل أيام قليلة تفصلنا عن بدء العام الدراىس الجديد، حيث يتسابق التالميذ للجلوس ىف املقاعد األوىل داخل الفصول ،لتبدأ بعدها رحلة الشغف بالدراسة والتعلم. وإذا عدنا بالزمن إىل الــوراء ،لوجدنا أن هذه اللحظات كانت موجودة أيضا ىف الحضارة املرصية القديمة حيث ضمت املدارس التالميذ الذين يتلقون املناهج الدراسية ،ومن هذا املنطلق ،كان ال بد من الرجوع إىل املتخصص الدكتور عمر املعتز بالله، أستاذ تاريخ وفلسفة الفن املرصى القديم ،إللقاء الضوء عىل هذه الجوانب التعليمية ىف حضارتنا ونعيش يوما ىف حياة التلميذ املرصى القديم، باالستناد إىل العديد من الربديات املوثقة ،خاصة أن التعليم ىف مرص القديمة كان حرصياً ،عملياً، وأخالقياً ،مغروسا ً فيه قيم الــ«ماعت» داخل كل املمارسات ،ومن خالل نصوصنا ورسدياتنا القديمة نلمس كيف تصور املرصيون املعرفة باعتبارها مهارة تقنية وأمانة مقدسة ىف آن واحد. ومن هنا نقدم قصة تخيلية ليوم ىف حياة التلميذ املرصى القديم ،بمعلومات حقيقية جاءت من الربديات املرصية القديمة. عرف عن التلميذ النابغ «ىس أوزير» بأنه أدهش معلميه وتفوق عىل حكماء مرص بعلمه وأخالقه فرغم حداثه سنه فإنه نبغ
ىف علوم الرياضيات واألدب والفلك ،وقبل تفوقه ىف املدرسة استرشق أبواه ذكاءه وأنه سوف يكون له شأن كبري ىف بناء الدولة وخاصة فيما يتعلق باملناهج العلمية واملوضوعية والبيانات لحل املشكالت. وحرص والد «ىس أوزير» عىل إلحاقه باملدرسة ليكون له شأن عظيم ىف بناء الحضارة ومن بني النصائح التى وجهها له« :انظر يا ىس أوزير ،ال توجد مهنة تخلو من رب العمل إال الكاتب ،فهو رب العمل، إذا فهمت الكتابة ،فسيكون ذلك أفضل لك من جميع املهن». ومع بداية العام الدراىس ،ذهب «ىس أوزير» إىل املدرسة الرسمية ىف مرص القديمة املرتبطة بشكل مبارش بمعابد «بر .عنخ» التى تعنى بالعربية «بيت الحياة» ،حيث لم تكن املعابد املرصية بيوت عبادة فحسب بل كانت مراكز إدارية كبرية ،كما عملت أيضا ً كمكتبات وأرشيفات وورش نسخ للنصوص والربديات القديمة. وكانت كلمات والده ترتد ىف ذهنه بشكل مستمر وشعر بمسؤولية كبرية وخوف ىف نفس الوقت، لكن حماسه كان أكثر من خوفه الذى تغلب عليه عندما اقنع نفسه أنه مختلف وقادر عىل إدارة العالم بالكتابة والعلم. وتسارع التالميذ للجلوس ىف املقاعد األوىل بالفصول التى كانت تتفاوت عىل حسب حجم املكان ومدى رسميته فاملدرسة الرسمية تختلف عن كتاب القرية ،وكان «ىس..أوزير» متأخرا ً ىف الحركة وكأنه يعلم بمدى أهميته منذ صغره وأنه سوف يكون له شأن كبري ىف املستقبل ،وجلس ىف املقعد قبل األخري
وكل حواسه نشطة الستقبال كل املعلومات برتكيز ووعى شديد. وىف منتصف اليوم ،حصل التالميذ عىل وقت الراحة ملواصلة دراسة بقية املواد ،وتجمع التالميذ ىف فناء املدرسة وكانت جدران الفناء ال تخلو من الشعارات والعبارات التحفيزية ،وأول عبارة تلتقطها عني «ىس أوزير» نص تدريب وتهذيب للتالميذ جاء فيه اآلتى« :إن لوح الكتابة يقول لك ال تكن كسوالً ،لئال أرضبك» ،وكانت العبارة بمثابة الرشارة التى الحقته وجعلته حريصا عىل مواصلة الطريق وتحول الخوف إىل شغف بالنجاح. أظهر «ىس أوزير» تفوقه حيث إنه تميز ىف تقليد العالمات ونسخ الكلمات البسيطة أو القوائم ،ثم االنتقال إىل نصوص الحكمة والوثائق اإلدارية، ونتيجة لتميزه من بني جميع آقرانه وضعت املدرسة مناهج إلعداد املسؤولني ملتطلبات صناع الحضارة، من متخصصني ىف الرياضيات ،والكمياء ،والفلك، والطب ،والقانون وغريها من مبادئ أساسية تسهم ىف إيقاظ ضمري اإلنسانية. كما درس «ىس أوزير» الكتابة واألدب ،عىل سبيل املثال كان إتقان الخط الهرياطيقى للنصوص اليومية ،وأحيانا ً الخط الهريوغليفى ،باإلضافة إىل نسخ نصوص كالسيكية مثل تعاليم «بتاح .حتب»، التى اشتملت عىل حكم ومواعظ وتعاليم أخالقية مهمة لبناء عقلية الطالب ىف التعلم ،وكذلك تعاليم «أمنمحات األول» ،واألناشيد املختلفة ،وقد حفظت لنا «بردية أنستاىس الخامسة». وأظهر تفوقه أيضا ىف الرياضات ،حيث إنه برع
ىف الحساب والهندسة ،واملقاييس املختلفة وحساب الكسور ،مثلما جاء ىف بردية «ريند» الرياضية (حواىل 1650ق.م ).التى احتوت عىل مسائل رياضية عن القسمة والجرب وحساب األحجام مثل املسألة رقم « 24كمية ومعها سبعها تساوى ..19فما هى الكمية؟». ولم يتوقف ذكاؤه عند هذا الحد ،بل أبدع ىف حل املشكالت اللوجستية ،وكتابة الرسائل فتظهر ىف بردية «أنستاىس األوىل» مهارات كتابة الرسائل وحل املشكالت اللوجستية مثل حساب الحصص أو الطوب الالزم للبناء ،فجاء فيها «احسب ىل كمية الطوب الالزمة لبناء منحدر طوله 730ذراعا ،وعرضه 55 ذراعا ،وارتفاعه 60ذراعا». وكــان للدين دور بــارز ىف حياته ،واشتملت معرفته الدينية عىل التعليمات الكهنوتية واألناشيد والطقوس والنصوص الطبية/السحرية مثل بردية «إيربس» ،وكلما اتقن هذه العلوم تنوع شغفه أكثر ىف تعلم دراسات آخرى مثل الفلك والتقويم التى كانت أساسية لحسابات الوقت واالحتفاالت الدينية واملواسم الزراعية وشعائر املعبد. ورغم تفوقه املذهل ىف املدرسة إال أن والديه شعروا بحاجة «ىس أوزير» إىل أن يتعلم ىف املنزل أيضا لينمو ذكاؤه وتميزه بني مختلف أبناء جيله ،لم يوجد نظام «دروس خصوصية» باملعنى التجارى الشائع الذى نعرفه اآلن ،ولكن التعليم الفردى كان شائعاً ،حيث كان املتعلمون يتلقون التدريب تحت إرشاف أساتذة غالبا ً اآلباء أو األعمام أو الكتبة الكبار ،فنرى مجددا ً دليل عىل ذلك من نص تعاليم «دوا.خيتى». وبالفعل تلقى «ىس أوزير» تعاليم إضافية ولم يكن املعلمون لديهم مهنة مستقلة ،بل مارسوا التعليم ضمن مكاتب كتابية أو كهنوتية ،كانوا يتقاضون أجورهم وحصصهم كجزء من مناصبهم الرسمية ،ال من خالل رسوم تعليم خاصة ،ففى «دير املدينة» عىل سبيل املثال تظهر السجالت مدفوعات من الحبوب والزيت والجعة للكتبة الذين كانوا عىل األرجح يدربون املتعلمني ،وعىل ذلك يبدو لنا أن مثل تلك النماذج جاءت لتدلل عىل نقل الخربة املعرفية من أهل الخربة واملمارسة العملية ما يؤدى بطبيعة الحال لعملية نقل إبداعى بني املعلم واملتعلم بشكل علمى وعمىل ىف ذات الوقت. ورغم براعة ىس أوزير ىف دراسة املواد التعليمية، إال أن املواد التى أحبها مادة حل مشكالت لوجستية ومادة رياضية معقدة ،وكانت هذه املواد يطلبها املسؤولون باستمرار ألنها تساهم ىف بناء الدولة. توقف نجاح «ىس أوزير» ىف املدرسة عىل الكفاءة، فإما أن يستطيع الكتابة بدقة ،وتأليف الرسائل، وحل الحسابات ،أو ال ،ونجاحه قيس عىل حسب األداء ،والرعاية ،والتعيني ،ال عىل الدرجات. وبالفعل وصل «ىس اوزير» لجميع أحالمه ،وأذهل معلميه وتفوق عىل حكماء مرص ،تقلد مناصب مهمة ىف البلد قادته لبناء الحضارة املرصية العريقة، والتاريخ املرصى القديم زاخر بالعديد من التالميذ والطالب النابغني أمثال «ىس أوزير». تجدر اإلشارة ،إىل إن قصة ىس أوزير ،من وحى الخيال لكنها مدعومة بحقائق ومعلومات حقيقة عن التعليم ىف الحياة املرصية القديمة رسدها الدكتور عمر املعتز بالله أستاذ تاريخ وفلسفة الفن املرصى القديم ،لـ«اليوم السابع» ،وغصنا ىف تفاصيلها وتم إخراجها ىف شكل قصة.
تجدد سرية سليمان شفيق ،الصديق الراحل، الكثري من األسئلة حول الصحافة وأجيالها، وكيف تتسلم األجيال الراية من بعضها، ربما ونحن نتحدث عن الصحافة واإلعالم، وما يجرى معها من تطورات ونقالت تقنية تجعل السباق الهثا ،نسرتجع التاريخ القريب للصحافة ،وربما معها األحزاب ،ألن الصحافة حتى مطلع ثمانينيات القرن العرشين ،فقط تقترص عىل الصحافة القومية «األهرام ،واألخبار، والجمهورية» ،ثم الصحف الحزبية« ،الوفد، واألهاىل» ،والواقع أن العمل ىف الصحافة الحزبية كان شاقا وعائده ليس كبريا ،وكان يشبه لعبة الكرة قبل االحرتاف ،حيث املتعة هى األصل، لكن أيضا كان هناك تداخل بني الصحافة كمهنة ،والكتابة كصنعة ومهنة أخرى ،والكتابة بمعناها البحثى أو التاريخى الذى ينتهى بني دفتى كتاب. ّ سليمان شفيق من جيل يعترب هو جيل التالميذ بعد األساتذة ،وكانت تجربة حزب التجمع ىف حد ذاتها نموذجا لتكتل أو كتلة حزبية تجمع اليسار من أقىص اليسار إىل أقىص يمني اليسار، والقوميني والنارصيني ،واملستقلني أحيانا ،وهى تجربة مهم أن يدرسها الحزبيون اآلن ،بالذات من اليسار ،وأن يسعوا لفهم التحوالت والتعامل معها. تأسست صحيفة األهاىل عىل نفس املنوال وعكست األفكار ذاتها ،حيث كان عىل رأس الصحيفة «حسني عبدالرازق ،وصالح عيىس، وفريدة وأمينة النقاش» ،وطبعا فيليب جالب الكاتب الساخر الكبري الذى توىل رئاسة تحرير األهاىل لفرتة قبل أن يرحل فجأة ،ومن كتابها وصحفييها كان شفيق أحمد عىل ،واستقطبت كتابا وكاتبات ،مثل نوال السعداوى ،ونبيل زكــى وأمينة شفيق والدكتورة عواطف عبدالرحمن ،وغريهم ،وأيضا ناجى جورج، كان كاتبا ساخرا ،ومرسحيا مهما ،وكان هناك جيل قام عىل أكتافه العمل امليدانى ىف األقسام املختلفة« ،أحمد إسماعيل ،وسليمان شفيق، ومصطفى الحفناوى ،ومصباح قطب ،وبهيجة حسني ،وحازم منري» ثم «حسني البطراوى، وعبداللطيف وهبة ،وعىل حادى» وغريهم ممن ال تسعفنى الذاكرة بأسمائهم ،والقول هذا ألن سليمان شفيق كان ممثال لجيل من الصحفيني تسلم من جيل األساتذة. وكانت تجربة األهاىل ثرية بصحافتها ،بجانب انها كانت تستقطب املفكرين والكتاب ،وتجرى معهم حوارات ثرية ،فقد كان من نجومها الدكتور إسماعيل صربى عبدالله ،والدكتور فؤاد مرىس ،صحاب كتاب مبكر «الرأسمالية تجدد نفسها» عن تحوالت االشرتاكية والرسمالية التى تتصاعد. ومن كتاب «األهاىل» أيضا« ،حسني أحمد أمني، وجالل أمني ،وخليل عبدالكريم ،ومصطفى عاىص ،ومحمد أحمد خلف الله» من أصحاب اآلراء املهمة التى تتعلق بالتنوير ونقد التطرف والتعصب واإلرهاب. كانت «األهاىل» تجربة متنوعة وثرية ،تعلم فيها جيل سليمان شفيق ،وتسلم الراية ،ونقول هذا لنؤكد أن الصحافة مراحل تسلم بعضها، وأن البطل ىف كل األوقات هو املحتوى ،والقدرة عىل التنوع ،وامتالك األدوات العرصية. طبعا فإن التكنولوجيا واالتصاالت ومواقع التواصل خلقت متغريات ،لكن األجيال العابرة للتحوالت ،نجح منهم من استطاع الجمع بني حيازة التكنولوجيا ،واإلبقاء عىل املحتوى ،ومن املفارقات أننى كنت أتعلم ىف الكمبيوتر ىف نقابة الصحفيني نهاية التسعينيات ،وبجوارى كان أستاذنا حسني عبدالرازق ،بل إن نقيب النقباء كامل زهريى كان يأتى ملتابعة تعلم الحاسب، بمعنى أنهم كانوا أسطوات وأساتذة ولم يمنعهم ذلك من السعى لتعلم التكنولوجيا. ومن هؤالء صديقى سليمان شفيق ،ومصباح قطب وحازم منري ،وغريهم ،بل إن سليمان شفيق ظل حتى رحيله قادرا عىل طرح أفكار جديدة والتعامل مع التحوالت بدون رؤية مسبقة ،وهو أمر يجعل من املهم ونحن نتحدث عن الصحافة أن نؤكد أن املحتوى هو البطل. وأكرر أن سليمان شفيق هو خلطة مرص التى ال تنضب ،وال تفقد رونقها وقدرتها عىل الطرح والتفكري ،وهو ما أحرص عىل قوله ىف محارضاتى وجلساتى مع طالب اإلعالم ،أو الصحافة ،أن املحتوى هو األصل وأن حيازة التكنولوجيا أحدث إصداراتها وكيفية عمل مواقع التواصل واملواقع الرقمية ،كلها مهمة ،مع أهمية التعلم من أجيال حملت الرايات وسلمتها ،وهذا هو ما يمنح األمل ىف مواجهة اإلحباط الذى يعيشه البعض بسبب ارتباكهم أمام التكنولوجيا.
طبع بمطابع األهرام بـ « 6أكتوبر»