مذكراتي حسن جعفر البناي
الجزء األول. الجزء الثاني. الجزء الثالث. الجزء الرابع. الجزء الخامس. الجزء السادس. الجزء السابع. الجزء االثامن. الجزء التاسع الجزء العاشر.
تعليقاتي على تداعيات وأصداء مذ ّكراتي
مذكراتي الجزء ()1
مذكراتي – الجزء ()1
الجزء األول ان المرحوم المير از حسن يمنع أياً من مقلديه من الذهاب للدراسة في النجف األشرف أو في قم المقدسة، وال ندري ما هو السبب في ذلك ؟؟!
وكان ينصح كل من يأتي إليه ملتمساً إياه اإلذن له بطلب العلم ،كان ينصحه بالذهاب إلى سوريا ،وأنا
سمعته بنفسي وقد كنت جالساً بجنبه في الحسينية الفاطمية في سوريا.
وكان طالب العلم من مقلديه -وأنا واحد منهم -يحبون أن يبارك لهم مرجعهم خطوتهم األولى في طلب العلم ،وذلك من خالل إذنه بتوقيعه على الورقة التي يجلبها الطالب من وكيله في األحساء آنذاك الراحل الشيخ حسين بن شبيث (رحمه هللا) وذلك بعد أخذ اإلذن من الوالدين وموافقتهما على ذلك. وبعد ذهابي هناك مطلع عام ١٤١٩هـ ،الموافق لشهر حزيران من عام ١٩٩٨م ،بدأت األمور تتضح لي تدريجياً ،خصوصاً بعد وفاة الشيخ حسين (رحمه هللا). تركت تقليد المولى في ذلك الوقت ،بل ألن كثي اًر من عالمات االستفهام وأقول بدأت األمور تتضح ال أني ُ بدأت ُترسم في ذهني من غير إجابة.
ومنها على سبيل المثال : نحن نقيم في سوريا في منطقة السيدة زينب (عليها السالم) وفيها الكثير من مكاتب مراجع الطائفة ُ هناك ،إذ يقومون بإصدار نشرات شهرية أو نصف شهرية أو إصدارات خاصة للمسائل الفقهية المستجدة، خصص فيها زاوية فقهية ثابتة في كل عدد للمسائل الفقهية أو بعض المجالت أو الدوريات ،بحيث ُت ُ المستجدة لمرجع التقليد أو أكثر من مرجع في بعض األحيان .لكن كل مكتب تابع ألي مرجع ينشر الفتاوى المستحدثة لذلك المرجع على األكثر واألغلب. إال مرجعنا المير از حسن ال يوجد له نصيب من هذا !! لماذا ؟؟! ممثليته ؟ أين تالمذته أين وكيله ؟؟ أين ُ وهلم ج ارً من هذه األسئلة وعالمات االستفهام المشروعة. ّ وكنت أقول لبعض األخوة الزمالء ممن هم معي على نفس خط التقليد : ُ 5
مذكراتي – الجزء ()1
إننا نقّلد شخصاً أشبه ما يكون بالميت ؛ ألننا ال نجد فتاوى مستجدة أو مستحدثة له ،حتى الرسالة ّ العملية طبعاتها قديمة ،ويوجد فيها بعض األخطاء حتى على المستوى الفتوائي ! ناهيك عن الكثير من األخطاء المطبعية واللغوية وما أشبه .فال يوجد أي مراجعة لبعض المسائل والفتاوى الشرعية فيها ! ونواجه الكثير من اإلشكاالت في حلقات الدرس هناك ،سواء من بعض األساتذة ،أو من بعض الطالب الزمالء في مختلف األماكن التي نحضر فيها دروسنا ،سواء في مكتب سماحة آية هللا العظمى السيد (مّد ظله) أو في مكتب آية هللا العظمى المير از جواد التبريزي (قدس سره) أو في الحوزة علي السيستاني ُ الزينبية أو ما إلى ذلك من األماكن األخرى. ونحن نحاول بأساليبنا الملتوية أن نبرر لمرجعنا بمختلف أنواع التبريرات الواهية. ُ وإذا ألقينا هذا النوع من اإلشكاالت -سواء طلب المسائل المستحدثة أو إثبات اجتهاد المولى (رحمه هللا) -على مشائخنا ال نرى جواباً ،وإنما نواجه وجوهاً عابسة مكفهرة غاضبة ،أو كيالً من اتهامنا بالعدول عن المولى تارة ،أو بالتخلي عن نهج الشيخ األوحد (رحمه هللا) تارًة أخرى. جر من هذه االتهامات والدخول في النوايا. وهّلم ّاً فكأنما كّنا َّ مخد ِرين بهذه التربية والتلقين من بيئتنا ومحيطنا. وضعت صورة في الصالون (الصالة غرفة الجلوس الدائمة) في مرة من المرات كنت قد ُ حتى أني أذكر ّ الشخصيات الالمعة ،كنت معجباً به كثي اًر ،فامتعض أحد الزمالء الذين يقطنون معي شقتنا هناك ألحد ّ في نفس الشقة ،وقال لي :رجاء ..ارفع هذه الصورة من الصالون !!
قلت له :لماذا ؟! يحدد انتماءه في غرفته الخاصة به وليس هنا !! فقال لي :كل واحد ّ فقلت له :ياسيدي ..أنا لم أضع صورة كافر أو ناصبي ،وإنما صورة عالم ومفكر ..وهو ليس مرجعاً،
حتى ال تقول بأني أقّلده !!
وحدد انتماءك في غرفتك. فقال :وإن ..ارفع هذه الصورةّ ، فقلت له :إن شاء هللا..
6
مذكراتي – الجزء ()1
التحول : بداية ّ
فبدأت أتساءل : اج ُه بالسب والتعصب في أغلب األحيان ،أو بالطعن في تقليدنا للمير از (رحمه هللا) عندما ترى لماذا ُنو َ نطرح سؤاالً بريئاً ،نطلب فيه من مشائخنا (حفظهم هللا) إثبات اجتهاد المولى أو نطلب المسائل المستحدثة أو ما شابه من هذه األمور ؟؟!
هل في ذلك ضير أو جرم ؟ مع العلم أننا عندما نواجه إشكاالت على المذهب على مستوى النبوة أو اإلمامة أو العصمة أو غيرها من األصول االعتقادية ،ال نواجه هذا اللون من األسلوب الشنيع والمقزز ،وإنما نستقبل ذلك بصدر رحب ؛ لعلمنا بأننا نقف على أرضية صلبة من المعتقد والفكر الذي ال يمكن معه أن نهتز عند أول ضربة. ولكن عندما تصل النوبة إلى مرجعية المولى ؛ فإن األمر يختلف تماماً. ولعل ذلك هو السر من وراء تلك األساليب غير المرضية منهم ؛ ألنهم غير واثقين مما هم عليه من تقليد للمولى. فكل هذه األمور أسررتها في نفسي ولم أ ُْب ِد َها ،بل صارت ضمن التراكمات والقضايا الفكرية لجماعتي
التي أنتمي إليها.
البد أن يأخذه البعض بعين االعتبار عندما يريد أن يعرف قصة انتقالنا في التقليد ؛ ألن وهذا األمر ّ
القصة ال تحصل عبر جلسة أو موقف أو ما إلى ذلك ،وإنما القصة تحصل عبر تراكمات ومواقف كثيرة. وللحديث بقية إن شاء هللا تعالى
7
مذكراتي الجزء ()2
مذكراتي – الجزء ()2
الجزء الثاني كنت حينها في لما توفي المولى مير از حسن الحائري (رحمه هللا) في ١٦رمضان ١٤٢١هـ في طهرانُ ،
األحساء ؛ ألننا في شهر رمضان نعطل دروسنا في سوريا ونقضي أيام شهر رمضان في بلدنا بين أهلنا.
وفور سماعنا بهذا النبأ المفجع الغير متوقع ،ذهبنا مع مجموعة من المؤمنين إلى الكويت الشقيقة ؛ لتقديم واجب العزاء والمواساة للمولى المير از عبدالرسول (رحمه هللا) وألسرة الفقيد الراحل. وبعد صالة العشاءين خلف المير از عبدالرسول في جامع اإلمام الصادق (عليه السالم) بالكويت ،اجتمع بنا -نحن الطلبة من مقلدي المولى -الشيخ توفيق البوعلي في مكتبة اإلمام الصادق (عليه السالم) الواقعة فوق المسجد الجامع مباشرًة ،وأمر الشيخ المذكور أن ال يحضر ذلك االجتماع المغلق أحد ممن ال يقّلد المولى.
حتى دار بيني وبين الشيخ توفيق حوار حول أحد اإلخوة الطلبة ،وقد كان الشيخ توفيق يساوره الشك بينت في الحلقة الماضية بأن المولى يمنع والريبة حوله ؛ ألنه من طلبة العلم في قم المقدسة ،وكما ّ الذهاب للدراسة في قم ،إال أن هذا الزميل قد ذهب ؛ ألنه أراد أن يكون مع قريب له هناك ،وكان هذا صديقنا قبل أن نفترق ،فهو ذهب إلى قم وبعد أقل من سنة ذهبت أنا إلى سوريا. المهم ..أنه قد صعد معنا من أجل حضور ذلك االجتماع ،إال أن الشيخ توفيق ساوره الشك في أمره، فالتفت إلي وقال : ّ هل فالن هذا يقّلد المولى!؟ فقلت له :نعم .هو زميلي وأنا أعرفه.. فقال لي :طيب. تبين لي فيما بعد بأنه قد ترك التقليد بعد ذهابه إلى قم بفترة. ثم ّ المهم ..دار كالم في ذلك االجتماع حول بعض األوضاع في األحساء ،وصار انتقاد الذع لبعض المشائخ الذين ال يسيرون في َرْك ِب الشيخ توفيق وجماعته ،ممن يملكون االستقاللية في القرار كوكالء مستقّلين 9
مذكراتي – الجزء ()2
للمولى مير از حسن (رحمه هللا) مثل الشيخ عبدالرؤوف القرقوش ومن معه من المشائخ كالشيخ عقيل الشبعان والشيخ نجيب الحرز ،طبعاً ألسباب مختلفة ربما نوفق إلثارتها في حلقة مستقلة من حلقات هذه السلسلة من المذ ّكرات.
وفي هذا الجو المفعم بالحزن على فقد مرجعنا الراحل ،بادر الشيخ توفيق البوعلي بقوله في ذلك االجتماع : اليوم بعد فقدنا لمرجعنا الراحل المولى المير از حسن الحائري (رحمه هللا) ال يوجد أحد من يمّثل هذه المدرسة األوحدية ويرفع رايتها ،إال شخص واحد فقط ،وهو البقية الباقية لهذا الفكر العقائدي األصيل، نتردد في تقليده. وهو المولى مير از عبدالرسول، فنحن سنقّلده بال منازع ،وال يمكن أن ّ ُ وفي هذه األثناء بادر أحد المشائخ الموجودين معنا في االجتماع -مع التحفظ على اسمه -بسؤال وجهه للشيخ توفيق بشكل خاص ،وإلى جميع الحضور بشكل عام ،وهو السؤال التالي: ّ شيخنا ..إننا نواجه الكثير من اإلشكاالت واألسئلة من شرائح كثيرة من الشباب وغيرهم في المجتمع، حول فكر الشيخ األوحد (رحمه هللا) ومدرسته ،ولكنني كواحد ينتمي إلى هذا الفكر والمنهج أجد نفسي جاهالً به ،فال أملك حتى أبجدياته ،باستثناء كتاب (حياة النفس) في األصول الخمسة للشيخ األوحد، يتسن لي دراسته بالشكل الصحيح والمطلوب. الذي لم َّ
نصه بالحرف الواحد " :فأنا ال أملك إال فأنا أطالبكم جميعاً بإعطائي الدروس عن هذا الفكر .وأضاف ما ّ صف اًر من هذا الفكر للشيخ ومدرسته" . فقال له الشيخ توفيق: كلنا ال نعرف إال شيئاً يسي اًر عن أفكار هذه المدرسة ،فلسنا أساتذة فيها ! إال بمقدار يسير .فأنا أملك من هنا فكرة ،ومن هناك اطالع يسير ،وهكذا اجتمعت لدينا حصيلة بسيطة عن مدرسة الشيخ األوحد ،فلسنا
أساتذة فيها كما تتصور! فقال له :على أقل تقدير أن تعطوني درساً بما هو متاح لديكم ومتوفر بالشكل الصحيح والمطلوب ؛ لكي ندفع عّنا إشكاالت الجمهور.
فسكت الشيخ توفيق وجميع المشائخ الحاضرين ولم يبدوا جوابا!! ً 10
مذكراتي – الجزء ()2
تفرق الجميع ونزلنا من المكتبة. ثم ّ كنت متردداً كثي اًر في الرجوع إلى المير از عبدالرسول (رحمه هللا) ،ولكنني بطريقة أو بأخرى أما أنا فقد ُ
التردد ،وأحاول أن أقنع نفسي بضرورة الرجوع إليه ؛ خاص ًة وأن أباه مرجعنا الراحل أحاول أن أخفي هذا ّ
وهلم ج اًر من هذه األوسام والمقامات (رحمه هللا) قد أوصى مقلديه به ،وأنه حامل راية المدرسة األوحديةّ ،
العليا للرجل.
وبدأ بعض المشائخ الراجعين للمولى المير از حسن (رحمه هللا) في األحساء والكويت بالترويج لمرجعية مكون من عدة وريقات، ولده المولى مير از عبدالرسول (رحمه هللا) عبر خطب الجمعة ،ونشر ّ كتيب صغير ّ
إذ يحتوي على (٢٤صفحة) وفيه ذكر ُم ُّ وجامعه الشيخ توفيق البوعلي نبذ ًة مختصرة عن حياة عده ُ المرحوم المير از عبدالرسول ،ومن بين األعمال التي ذكرها للمولى ذكر قائمة بمؤلفاته وهي كالتالي: -١شرح الزيارة الجامعة الكبيرة بالفارسية. -٢شرح وتفسير آية الوصية. -3تفسير سورة الحمد والتوحيد. -٤حكمة أهل البيت (عليهم السالم). -5األدب العربي في الجملة وأقسامها. -٦الدر الفريد في علم التجويد. -7الوالية في إثبات اإلمامة ،أجزاء خرج منه جزءان. -٨ألف موضوع وموضوع :تاريخي وأدبي وفلسفي وديني وأخالقي. -٩قرنان من االجتهاد والمرجعية ،ترجمة له وآلبائه وأجداده. -١0ديوان شعر في فضائل أهل البيت (عليهم السالم). -١١التحقيق في مدرسة األوحد. -١٢حقائق الشيعة ،في الدفاع عن الشيخ.
11
مذكراتي – الجزء ()2
-١3نداء الشيعة ،في رجحان ذكر الشهادة الثالثة في األذان واإلقامة. -١٤توضيح الواضحات. -١5مقدمة لصحيفة األبرار ،شرح حياة أسرة حجة اإلسالم. وقد قرأت هذه القائمة من المؤلفات وحاولت أن أقنع نفسي بعطاء المولى العلمي ،ولكن في النفس أشياء وأشياء ،أحاول أن أخفيها حتى على نفسي ،وأبعدها عن تفكيري ،ولكن ما باليد حيلة ،فإني أراها تطفو على سطح فكري على الدوام. ثم قلت في خاطري: ّ فليسمح لي المولى المير از عبدالرسول بهذه األفكار وإن كانت أفكا اًر شيطانية ،ولكنها مشروعة ؛ لكي
أقوم بتقليده على علم وبصيرة وعلى وعي ،وأستطيع الدفاع عن تقليدي له بقوة فيما لو تعرضت إلشكاالت من قبل البعض. يدل على ومن أبرز تلك األفكار الطافحة ،أنه لم ُيذكر في تلك القائمة من المؤلفات اسم مؤلف واحد ّ تضّلع المولى في حقل تخصصه األهم من بين تلك الموضوعات الهامشية بالنسبة له كعالم وفقيه ،وهو
على وشك أن يكون مرجعنا بعد وفاة أبيه المير از حسن (رحمه هللا).
كنت في بداية مشواري المشكلة أني لست من عوام الناس الذين لم يدرسوا في الحوزة العلمية ،وإن ُ
العلمي في الحوزة ،ولكني على األقل أجد نفسي أني مسؤول أمام هللا تعالى عما انتهى إلي من علم ّ بالضوابط والقواعد الشرعية في اختيار مرجع التقليد ،فأنا لست جاهالً بها ،وأن المولى المير از عبدالرسول
مصنفاً واحداً يدعو إلى الدفاع عن اجتهاده بقوة ،ليس على مستوى َّ التميز لم أجد في قائمة مؤلفاته ّ العلمي أو األعلمية على الغير ،وإنما على مستوى االجتهاد التقليدي الكالسيكي في الحوزات العلمية
فقط. أقول هذا بالنسبة إلى مؤلفاته وهي إحدى الوسائل التي يثبت من خاللها العالم علمه واجتهاده ،إذ من خاللها يشهد له أهل الفن والخبرة على أنه من أهل االجتهاد والرأي. وأما الوسائل األخرى ومنها حضوره في األوساط العلمية ومنارات العلم والمعرفة كالحاضرة العلمية في النجف األشرف أو قم المقدسة ،وإبراز نفسه عبر تالمذته وأبحاثه كما هو موجود لدى اآلخرين ،فهذا قد 12
مذكراتي – الجزء ()2
غضضت الطرف عنه ؛ لعدم وجوده أصالً ،ناهيك عن شهادة أهل الخبرة في حقه (رحمه هللا) إال من قبل أقاربه من والده المير از حسن وعمه المير از علي الحائري (رحمهما هللا).
صطلح المحدثين فيما ُي أقول شهادة أهل الخبرة له باالجتهاد والفقاهة ،وليس بالدخول في سلسلة الرواة و ّ ُ عليه بإجازة الرواية ،فإن هذه اإلجازة الروائية بإمكان الطالب المبتدئ الثقة في الحوزة العلمية أن يحصل عليها. ومع ذلك فإن كل تلك اإلجا ازت الروائية للمولى المير از عبدالرسول (رحمه هللا) إنما صدرت من أناس غير معروفين في األوساط العلمية. وإذا كان البعض منهم معروفاً ؛ فقد تم التأكد منهم ،وعن مدى صدور تلك اإلجازات الروائية من قبلهم
للمولى ،فجاء الجواب بالنفي عن تالمذتهم المباشرين.
وعندي وثيقة خاصة صادرة من مكتب أحد المجيزين للمير از عبدالرسول (رحمه هللا) وهو المرحوم السيد إبراهيم الخوئي (رحمه هللا) وسوف أعرضها في وقتها إن شاء هللا تعالى. مع األسف الشديد أني أقول هذا الكالم ،وليس بوسعي أن أقول غيره ؛ ألن عقلي هو من قادني إلى ذلك تعبدنا بالعقول ،وأن الرسول الكريم (صلى هللا عليه وآله) قال لنا : بعد جهد جهيد ،أليس هللا تعالى قد ّ "إن العقل رسول باطن وأن الرسول هو عقل ظاهر؟؟ " ولذا أرى عقلي مطمئناً بما توصل إليه من نتائج بعد طول مقدمات ،وإن كانت عاطفتي مستاءة كثي اًر بما
شخص ينزعج ويتضرر من هذا الكالم كما ورد في قادني إليه عقلي من نتائج .وحق لي أن أقول لكل ٍ
الحديث الشريف :
يضر خير من باطل يسر" ُّ. "حق ُّ
13
مذكراتي الجزء ()3
مذكراتي – الجزء ()3
الجزء الثالث تقدمت المسيرة البشرية في علومها تنوع حاجات اإلنسان وتشعبها .وكلما ّ اقتضت حكمة هللا تعالى ّ تلبي احتياجات البشر وتشبع وحياتها ،برزت حاجات جديدة ،تبرز ِب َد ْو ِرها الحاجة إلى اختصاصات جديدةّ ، رغبتهم فيها.
وعلى ضوء هذا فمسألة أن يرجع اإلنسان إلى صاحب االختصاص ،هو أمر طبيعي وعليه تسير الحياة. اب في وضع بدنه ،نراه يلجأ إلى الطبيب المختص ،وهو توعك في صحته ،واضطر ٍ فالمرء عندما يشعر ب ّ يقوم بتوجيهه إلى دواء معين بعد تشخيص حالته المرضية ،ويطلب منه أن يلتزم بالدواء حتى زوال ذلك
المرض أو التخفيف منه. يكانيكيي السيارات ؛ لكي وهكذا حينما يجد اإلنسان عطالً في سيارته ؛ فإنه يبادر إلى من يعتمده من م ّ يقوموا بإصالح ذلك العطل والخراب وما شاكل ذلك. شخص أو جه ٍة معينة ،فإن هذا وإذا حدث لرجل أن استدعي لمحكمة ،أو أراد إقامة دعوى قضائية على ٍ
الرجل يجد من المنطقي والمعقول أن يلجأ إلى محامٍ متضّلع باألمور القانونية ،يستشيره فيما يريد أن
يقدم عليه من دفاع أو ادعاء ،ونراه يلتزم بما ينصحه به ذلك المحامي .وكلما كانت القضية ذات أهمية كبيرة ؛ نجد التزامه بالتعليمات والتوجيهات أشدّ. وهكذا هي الحياة في صورها المختلفة ،أن يرجع اإلنسان إلى صاحب االختصاص في مختلف شؤون
حياته وأنماطها. فهذه الضوابط والقواعد يأخذها اإلنسان بعين االعتبار في كل حياته ؛ ولكن عندما تصل النوبة إلى المرجع الديني المختص في إصدار األحكام الشرعية لتنظيم حياة اإلنسان ؛ نجد أن العامل العاطفي يدخل وبقوة في وجدان اإلنسان وضميره ،ويتحكم بمصيره. فحاجة اإلنسان إلى معرفة أحكام دينه ،وتعليمات الشريعة اإلسالمية المقدسة ،في عباداته ومعامالته هي حاجة أساسية وكبرى من حاجاته.
15
مذكراتي – الجزء ()3
ولذلك وجدت نفسي أمام هذه الخيارات .إما أن أستسلم لواقع البيئة التي درجت فيها ،والتي ال تقيم وزناً
للعقل والعلم ،بل ُيراد لإلنسان فيها أن يعيش معصوب العينين وأن يسّلم قيادة وأزمة أموره بيد جه ٍة ما دون أن يدري إلى أين ؟ ولماذا ؟ وكيف؟
أتمرد على تلك البيئة والواقع ،وأن أسير على وفق األحكام الشرعية أو أن أعيش الغربة في مجتمعي و ّ والضوابط العلمية التي درستها في الحوزة ،معرضاً عن كل أعراف وتقاليد البيئة بتصرفاتها غير العلمية الحر غير المألوف في ؛ ألن في الحوزة العلمية تتفتح ذهنية الطالب الفكرية ،مستفيد ًة من الجو الدراسي ّ
العامة بل حتى في المقيد بقيود الشكل الروتيني المعروف ،ليس فقط في تلك األجواء جو العوام وغير ّ ّ ّ خالقاً، الجدي طموحاً ّ المدارس والجامعات الحديثة ،والذي يخلق -أي النمط الدراسي -لدى الطالب ّ فضالً عن أن المنهج الدراسي الحوزوي القائم أساساً على أسلوب االستدالل المنطقي ،وهو خير حافز
تمت إلى الجانب وتحريها ،وكذلك يتأقلم بالقساوة العقلية التي ال ّ لتنمية الروح الموضوعية وحب الحقيقة ّ العاطفي بصلة ،وإنما على ِصر ِ ف الروح النقدية والنزاهة والحياد.. ْ
المتدينين، كل فرد مكّلف من تهم وتعني َّ ّ ولذا ومن هذا المنطلق رأيت أن المرجعية الدينية شأن عيني ،أي ّ حيث َّ البد له ما لم يكن فقيهاً مجتهداً أن يعمل باالحتياط ،أو أن يرجع
إلى من تتوفر فيه شروط المرجعية والتقليد ؛ ليكون حج ًة فيما بينه وبين هللا تعالى. وبعض تلك الشروط مذكورة في الرسالة العملية للمولى مير از حسن الحائري (رحمه هللا). يحز في النفس ويصدع له الرأس -إني ترعرعت في بيئة ال ترى ولكن مع األسف الشديد -وهذا ما ّ
شاع في ذلك الوسط اإليماني الذي أنتمي إليه الكثير من أجواء الخرافة والجهل. للعلم والتفكير وزناً ،بل ُي ُ إذ يمكن للمرء أن يستخلص من ذلك الجو نتيجة مؤداها أن الخرافة غذاء دائم لكثير مّنا نحن الشباب وكذلك الكبار ،وهناك بعض المشايخ -سامحهم هللا وعفا عنهم -ينقلون فتاوى خاطئة وينسبونها
للمولى إما تزوي اًر ومسخاً للحقائق من أجل أغراض شخصية ،أو جهالً وعدم إحاطة بالمسائل الشرعية. يظن البعض بأني غير دقيق في تشخيص تلك الحالة ؛ ولكن االنطباع الذي تش ّكل عندي على مدى وقد ّ سنوات من البحث والتنقيب في تراثنا -وبصرف النظر عمن ننتمي إليه وهو شيخنا األوحد أحمد بن زين
الدين األحسائي (رحمه هللا) -هو أن العلم أو المنهج العلمي -ببساطة شديدة -ليس موضع ترحيب،
16
مذكراتي – الجزء ()3
وربما أيضاً ليس موضع تقدير داخل وسطنا ،وبتعبير آخر :إننا كثي اًر ما نرى عداء للعلم والمعرفة والتفكير ً
السليم في وسطنا الديني.
والدليل على ما أقول ،أني سأسرد دليلين اثنين فقط تاركاً العشرات من المواقف الكثيرة التي تدل على
ذلك
الدليل األول: إني ومنذ الصغر أحب أن أجالس كبار السن ؛ ألني أشعر فيهم أنهم يملكون تركة مثقلة من التجارب ومرها. في الحياة ،فقد عركتهم الحياة بحلوها ّ تعرفت على شخص مؤمن من كبار السن منذ عام ١٤١١هـ ،وكان ممن عاصر المرحوم المولى وقد ُ المير از علي الحائري (رحمه هللا) في األحساء ،وهو من ساللة المرحوم الشيخ عبدهللا الوايل (رحمه هللا) المتوفى عام ١٣٠٠هـ ،وهو أحد تالمذة السيد كاظم الرشتي (رحمه هللا). على كل حال.. هذا الشخص هو المرحوم الحاج أحمد الوايل /بو إدريس (رحمه هللا) وكنا أكثر ما نلتقي به في حسينية الحداديد والحسينية العباسية بالفوارس في وسط الهفوف ،وكان يختزن في ذاكرته الكثير مما كان يسمعه منذ صغره ،ويسرد لنا كثي اًر مما يحفظه من سير أعالم مدرسة الشيخ األوحد األحسائي (رحمه هللا)
والمنتسبين لفكره ،ومنهم السيد كاظم الرشتي والشيخ محمد أبوخمسين والشيخ موسى أبوخمسين والسيد
ناصر السلمان األحسائي والمولى المير از علي الحائري (رحمهم هللا جميعاً) .وأكثر ما كان يحدثنا عن
سيرة المير از علي الحائري (رحمه هللا) بحكم معاصرته له في األحساء أيام إقامته فيها.
صح ويغلب على ذلك العرض القصصي في سيرة المولى وغيره من األعالم ،الطابع األسطوري -إن ّ التعبير -أو لو ٌن من الكرامات وخوارق العادات ،وفي ذلك العرض المألوف في السيرة عندنا آنذاك، بعض المواقف التي شاهدها الحاج المذكور (رحمه هللا) للمولى مير از علي وغيره.
وموطن الشاهد في هذا السرد الروائي للحاج بوإدريس (رحمه هللا) كان يؤكد على االلتفاف حول تقليد المولى مير از حسن رحمه هللا ،وعدم العدول عنه إلى غيره في التقليد الفقهي ؛ ولكن ليس بطريقة علمية، وإنما بأسلوب كرامات ومناقب يغلب عليها الطابع األسطوري ،وكالم العجائز.
17
مذكراتي – الجزء ()3
وكان كثي اًر ما يشير إلى أسباب العدول عن المولى ،مؤكداً على جلسائه من الشباب وندمائه من الكبار سبب لهم العدول عن المولى إلى غيره ،كما حصل أن ال يقعوا في تلك الشراك الذي َّ المطبات أو الفخ و ِّ ّ للشيخ علي بن دهنين والشيخ محمد بن شهاب وغيرهما من المشائخ. ومن تلك األسباب هو الدراسة في الحوزة العلمية ،وخاص ًة في النجف األشرف وقم المقدسة ،وكذلك الحوزة العلمية بالمبرز .وكان ينتقد وبشدة المشائخ الذين ذهبوا للدراسة في المبرز ،كالشيخ توفيق البوعلي والشيخ أحمد الرمضان .وكان يقول لي شخصياً ألكثر من مرة (رحمه هللا وعفا عنه) بلهجته
المعهودة:
شّلِي يخّلِيني يا عيالي ما خّليت أوالدي يروحون يدرسون في النجف وغيرها!!؟؟ من كذا ...كلما راح واحد من أوالدنا هناك يدرس يخترب! طبعاً كلمة ( يخترب) بمعنى يترك تقليد المولى مير از حسن الحائري (رحمه هللا) ويقّلد غيره من المراجع. ولذلك أذكر أن أحدهم قد سألني سؤاالً بريئاً ومهماً بعد إعالني عن موقفي بفترة ،فقال: تغيرون لماذا أنتم الطلبة الراجعين للمولى فور ما تدرسون في الحوزة العلمية وخاص ًة خارج البلدّ ، تقليدكم ..لماذا!؟
فقلت له :أحسنت وبارك هللا فيك ..ونعم السؤال... مر من حديث عن أجواء الحوزة العلمية. فأجبته على سؤاله كما ّ تطبعوا وهناك نظائر كثيرة من كبار السن ممن هم على شاكلة الحاج أبو إدريس الوايل (رحمه هللا) وقد ّ
الر ِ اوية ؛ ولكن معظم تلك الحكايات يغلب عليها الطابع األسطوري كما ذكرت ،وأعرف بأسلوب الحكواتي و َّ الكثير منهم ومن حكاياتهم ،ومعظمهم غادروا الحياة الدنيا (رحمهم هلل جميعاً وعفا عنهم وسامحهم). يشجعون على إشاعة مثل هذا الجو األسطوري ،وال والمشكلة أن من ينتمي إلى جماعتنا من المشائخ ّ
يوجد من يساعد على إشاعة الجو العلمي ونشر التفكير السليم .بل إن بعضهم يقول تلك القصص
يسطرها في كتاب وينشره بين العوام ،كالشيخ عبدالجليل والروايات األسطورية على المنبر ،والبعض اآلخر ّ
18
مذكراتي – الجزء ()3
األمير في كتابه :فكر ومنهج ..دراسة تحليلية في منهج الشيخ أحمد بن زين الدين األحسائي ،وذلك في طبعته الثانية في عام ١٤١٥هـ ١٩٩٥ -م. وفي الكتاب المذكور ذكر فيه مؤلفه الشيخ عبدالجليل الكثير من القصص وسرد فيه الكثير من الحكايات من أمثال الحاج حسين القريشي والحاج أحمد الوايل وغيرهما ،كما وضع بعض الصور ،ومنها خمس صور للبيضة التي كّنا نعتبرها كرامة للمولى مير از حسن (رحمه هللا) والتي خرجت في جمادى األولى من
صوروها وباعوا نسخاً كثيرة منها في مساجد األحساء وحسينياتها وكذلك عام ١٤١٢هـ في الكويت ،وقد ّ في الكويت في ذلك الوقت. وقد أخبرني عنها المير از كمال بن المير از علي الحائري السليمي عندما رافقته في إحدى السنوات إلى
الحج .فقال لي :أنا أعلم بقصة هذه البيضة بالتفصيل .فقد قامت اللجنة الكويتية في جامع اإلمام الصادق (عليه السالم) بالكويت بالكتابة عليها ،بتراكيب كيميائية معينة ،وقد أجريت التجربة على أربعة عشر بيضة ،ولم يضبطوها بالشكل المطلوب إال في التجربة األخيرة ،وهي هذه البيضة ،وقد جاءوا بها وصدقهم بها ،من حسن ظنه بهم. كذباً وزو اًر إلى عمي المقدس المير از حسن (رحمه هللا) ّ خصت الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء (عليها السالم) وبالفعل كّنا نعتبرها ُ نحن من أعظم الكرامات التي ّ ولدها اإلمام الحسن (عليه السالم) بطلب منها في قصة مفصلة معروفة المولى بها ،وقد كتب عباراتها ُ قامت بترويجها اللجنة الكويتية.
وقد كتب فيها األستاذ أحمد عبدهللا العبدالنبي كتاباً خاصاً ،وكتب له المولى (رحمه هللا) تقريظاً في
مستهله ،يشكره على ذلك .في نفس الوقت الذي كان العبدالنبي متردداً قبل كتابة بحثه على أمل أن يقوم
لما لم يُق ْم أحد بذلك ،قام بهذا العمل أحد الطلبة المشائخ من جماعتنا مقلدي المولى ،وليس هو ،ولكن ّ هو بكتابته متوّكالً على هللا تعالى.
فأنا لم أشك قيد أنملة في هذه الك ارمة العظيمة للمولى ،بل كّنا نعتبرها بمثابة اإلجازة والتزكية من الصديقة
الزهراء (عليها السالم) للمولى.
19
مذكراتي – الجزء ()3
يدي كتاب اسمه ( :الخزائن) للشيخ أحمد بن محمد مهدي النراقي ( ولكن بعد سنوات عدة ،وقع بين َّ
وشدني ،وهو ( البيضة تلين في الخل) فقال رحمه هللا) فتصّفحت عناوينه ،فرأيت عنواناً ملفتاً وقد جذبني ّ
المؤلف في صفحة ٨٣تحت هذا العنوان ما نصه بالحرف الواحد:
فائدة: شمع البيضة إذا انتقعت البيضة في الخل تلين ،فحينئذ ُتدخل في زجاجة رأسها أصغر منها .وأيضاً ُت ّ مشبكة" . ُ ثم ُتنقع في الخل ثم ُتقلع بآلة ،فتبقى البيضة ّ وتنقش قلعاًّ ، قمت بزرقه في معينة على البيضة بواسطة مرهم ُ فقمت بالتجربة بنفسي في المنزل ،فقد ُ كتبت عبارات ّ كيس نايلون ،أشبه ما يكون بالقلم ،كــ (قمع الحناء) كما يسمى ،التي تعمله النساء وتبدأ بالرسم والتزيين به على األيدي بالضغط عليه ،فيخرج منه الحناء من فتحة معينة كأنها رأس قلم يخرج منه حبر .ولكن بدل الحبر أو الحناء مرهم أو مادة دهنية ثخينة كالفازلين أو الفيكس ،بحيث ال يتآكل موقع الكتابة وهي طبقة القشرة من البيضة حينما توضع في الخل والليمون ويغمرها من جميع جوانبها ،فتبدأ القشرة التي تتغير .فإذا اكتملت تلك العملية ُيزال يمسها المرهم أو الفازلين بالتآكل والزوال ،وتبقى الكتابة بارزة ال ّ لم ّ الخل من اإلناء بطريقة الشطف ،بحيث ال ُتمس البيضة ؛ ألن قشرها بات رقيقاً جداً ،فالبد أن ُيزال الخل من اإلناء بطريقة حذرة جداً.
فتبقى البيضة هكذا في الهواء الطلق ح ّتى تتماسك قشرتها ،فتبقى الكتابة عليها وكأنها ُكتبت بيد قادر
حكيم!!
طلعوا على حقيقتها ،ولذلك يعتبرونها كرامة أو فهذه الطريقة العلمية يجهلها الكثير من الناس ،ولم ي ّ
معجزة ؛ ألنها أمر خارق للعادة أو للنواميس الطبيعية.
وقد رأيت الكثير من هذه النماذج ،واطلعت على بعض األخبار التي نشرت مثل هذه األمور ،كما حصل ذلك في حسينية المويل في الكويت ،وهي ذاتها الحسينية التي وضعوا البيضة المذكورة تحت منبرها ،كما وهلم ج اًر ،وقد ذكر كل وقد صنعوا عدة بيضاتُ ،كتب عليها عبارات مختلفة (يا حسين ،يا فاطمة الزهراء) ّ
هذه األمور الشيخ األمير في كتابه :فكر ومنهج.
20
مذكراتي – الجزء ()3
بعضهم -بعد اطالعه على تلك النظرية العلمية -بيض ًة، وحتى في فلسطين قبل عدة سنوات ،صنع ُ وقد كتب عليها لفظ الجاللة الذي هو سيد أسماء هللا تعالى ،وبعد إثارة هذه الضجة المفتعلة سرعان ما
مزيفة مفتعلة. اكتشفوا بأنها قضية ّ ومع شديد األسف يتم التهاون بكل بساطة باألسماء المقدسة على البيضة وما شابه ،من أجل أغراض دنيئة. ما أريد الوصول إليه من نتائج بعد طول مقدمات ؛ أن هناك بعض النظريات العلمية حينما تتحقق على أرض الواقع من خالل التجربة ،قد يعتبرها البعض قضية إعجازية ،أو هي من خوارق العادات أو النواميس خصهم هللا تعالى الطبيعية ،أو الكرامات التي تجري عاد ًة على يدي بعض األولياء والصالحين الذين ّ بالكرامة والمعجزة. فمثالً : محملة بشحنات كهربية ،كما درسناه ،وكما نحن إذا فهمنا اليوم بأن البرق نتيجة حركة جسيمات دقيقة ّ هو ثابت في محّله ،وليس نتيجة غضب األرباب ،كما يعتقد أهل الجاهلية وبعض المجتمعات المتخّلفة يغير سبل تفكيرنا. في ذلك ؛ فإذا فهمنا ذلك فإن هذا الفهم من شأنه أن ّ والسؤال اآلن بعد هذا العرض: المزيفة عن طريق كشف ومراجعة الوقائع بهذا القدر من إذا كان إثبات خطأ العلم الزائف أو الكرامات ّ المزيفة قائم ًة ومنتشرة من حولنا!؟ السهولة ،فلماذا ال يزال العلم الزائف والكرامات ّ نياتهم ،وفيهم أيضاً دكاترة وأساتذة تأسفت كثي اًر على جماعتنا وهم مؤمنون بسطاء على ّ ولذلك ّ القصاصين - ومهندسون ،ولكن كيف غدوا ألعوب ًة بيد اللجنة الكويتية ،وكذلك بيد البعض اآلخر من ّ
نية أو بدونها -أصبحوا ألعوب ًة بيد كل هؤالء وذلك باعتقال عقولهم وتخديرها واغتيالها بهذا بحسن ّ اللون من السطحية والسذاجة!؟ وكما قال أحدهم:
إن التجارة باألديان هي التجارة الرابحة في المجتمعات التي ينتشر فيها الجهل .وإذا أردت أن تتحكم في جاهل فعليك أن تغلف كل باطل بغالف ديني. 21
مذكراتي – الجزء ()3
المزيفة -ال نرى لها وجوداً عند الجماعات األخرى ؛ ألن تلك الجماعات ثم إن هذه األمور -من الكرامات ّ ّ
وبشدة. أو أتباع المرجعيات األخرى نجدهم يحاربون هذا التجهيل للناس ّ
وأنا أتذكر أنه حينما توفي زعيم الحوزة العلمية السيد أبو القاسم الخوئي (رحمه هللا) في شهر صفر من عام ١٤١٣هـ ؛ أشاع بعض العوام بأن صورة سماحة السيد أبي القاسم الخوئي قد ظهرت في القمر!! وصدق ! ولكن أتباع السيد من العقالء والمشائخ وغيرهم ،حاربوا هذه الفكرة وبالفعل سمع بها البعض ّ
محاربة شعواء ،ورفضوها في وسطهم جمل ًة وتفصيالً ،وسرعان ما انتهت وتالشت إلى غير رجعة. فتساءلت في نفسي :
نحن أتباع المولى ،وفي نفس الوقت لماذا ال تروج تلك القصص والروايات األسطورية إال في أوساطنا ُ حارب التفكير السليم والعلم والمعرفة!؟ ُي َ
الدليل اآلخر: أذكر في سنة ١٤١٥هـ أو ١٤١٦هـ تقريباً ،خرج أحد الشباب المنحرفين من قرية القارة باألحساء ،وهو بالرد والمناقشة ،وقد ُس ّجل ذلك الحوار ينكر فريضة الخمس ،فتصدى له سماحة الشيخ حسين العايش ّ
العلمي بين الشيخ العايش وذلك الرجل في شريط كاسيت ،وكنت مع أحد المشائخ في سيارته ،وقد
مسجل السيارة عبر شريط الكاسيت ،ولكن صديقي الشيخ أطفأ استمعت إلى جزء من الحوار الدائر في ّ
المسجل ،محتجاً بأن هذا الشيخ ال يصلح لك ! ّ فقد يسحرك بيانه وتغتر بعلمه وبشخصيته!
والغريب في األمر -وهذا أمر ملفت للنظر -أن مذهب اإلمامية عندما يتعرض للشبهات والطعن والتشكيك أي أصل من أصوله من قبل أعدائه وخصومه ،فإننا ال نرى دفاعاً ملحوظاً من قبل مرجعنا ومشائخنا في ّ عن المذهب الحق ،وكأن األمر ال يعنينا في شيء ال من قريب وال من بعيد ! يربونا على أننا كاملو العقيدة وغيرنا ناقصو العقيدة ! وقصاصينا ّ مع العلم بأن مشائخنا ّ 22
مذكراتي – الجزء ()3
والحال أننا ال نرى من يتصدى بالدفاع عن المذهب الشيعي إال ناقصو العقيدة مع األسف الشديد!! تعرضت الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء (عليها السالم) للتشكيك في شهادتها وأنها ماتت حتف فحينما ّ تم ْت مقتولة شهيدة كما يزعم المش ّككون!! أنفها ولم ُ
عجل هللا فرجه الشريف) والخمس وما شاكل ذلك ؛ فإننا وكذلك قضايا المذهب األخرى ،كاإلمام الحجة ( ّ ال نرى من يرفع عقيرته للدفاع ويتصدى في الواجهة إال الحوزة العلمية في النجف األشرف أو قم المقدسة، أي دور في الساحة!! وال نرى لجماعتنا أي صوت أو ّ فمن هذه األحداث وغيرها من المواقف واألمثلة الكثيرة التي شاهدتها بعيني ،وقد ش ّكلت بمجملها تراكمات
شجع على العلم مهمة على مدى سنوات في نفسي، ُ أدركت من خاللها أن المجتمع الذي أنتمي إليه ال ُي ّ
شجع على نشر الخرافة والجهل ،وهذا ما نراه واضحاً من خالل نشر المنامات واألحالم والمعرفة ،بل ُي ّ المزيفة التي في حقيقتها قد تكون نظرية علمية وليست كرامة ،وإنما هم يجهلون الشخصية والكرامات ّ حقيقتها.
واألمر الملفت للنظر أن المشهود لهم بعمق الفكر والعلم ال يستطيعون العيش في ذلك المجتمع ؛ ألنهم يرون أنفسهم غرباء وبالتالي يف ّكرون بالهروب إلى مجتمع آخر ،أو يحاولون العيش في ذلك المجتمع
ويتكيفون فيه ،مع التحفظ بالخصوصيات واستعمال التمثيل ،أو التظاهر ألتباعهم بأنهم منساقون معهم ّ إما خوفاً على مصالحهم ولديهم قناعة بما يجري ؛ بمعنى أنهم يستخدمون ّ التقية في أوساط جماعتهمّ ،
الذاتية أو خوفاً من النبذ والطرد واتهامهم بمختلف االتهامات أو إهانتهم.
يدخل في الحوزة العلمية لتطوير نفسه، يسجل فرحه ونجاحه وفخره بأنه لم والبعض اآلخر من المشائخ ّ ْ هللا تعالى أن يميته عليه كما يزعم ذلك مفتخ ارً بهذا وإنما يكفيه فخ اًر أنه يملك الحب للمولى فقط ،ويسأل َ
على منبر الجمعة ،مع األسف الشديد.
ذلك المنبر المقدس الذي يجتمع المؤمنون حوله في أشرف مكان ،وفي أكرم يوم ؛ ليستمعوا إلى كالمٍ أجر وثواب ،وتوجيه نحو الخير وابتعاد عن الشر ،بدل أن ال يكون كل ذلك فيه هلل تعالى رضاً ولهم ٌ 23
مذكراتي – الجزء ()3
ليرووا قصصاً وأحالماً شخصية ُ القصاصين ُ ويستثمر هذا الجمع الغفير من المؤمنين ،يقوم بعض المشائخ ّ
بأية صلة ! فيخرج المؤمن من المسجد في يوم الجمعة بعيدة عن مذاق الشريعة وال ّ تمت إلى واقعنا ّ وحنق على إخوانه المؤمنين! غل ٍ أي فائدة .أو قد ُي َ شحن عقله وصدره ِب ٍّ وحصيلته فارغة من ّ فلماذا كل هذا !؟ القصاصين يريدون مجتمعاً جاهالً ال متعلماً !! وحينما يكتسب المجتمع وعياً وفهماً ألن الكثير من أولئك ّ ويفيق من سبات الجهل ،عند ذلك يصبح خصماً ألطروحاتهم. وللحديث بقية إن شاء هللا تعالى
24
مذكراتي الجزء ()4
مذكراتي – الجزء ()4
الجزء الرابع بعد وفاة مرجعنا الراحل المولى مير از حسن الحائري (رحمه هللا) في شهر رمضان من سنة ١٤٢١هـ، فرض علينا مشائ ُخنا ومجتمعنا الذي ننتمي إليه مرجعية ابنه المولى مير از عبدالرسول (رحمه هللا) فرضاً
ال خيار آخر غيره.
علي بقوله: أقول ( :فرضاً) وأنا أعني ما أقول ،حتى ال يأتي أحد ويعترض َّ وتزور الحقائق ،إنما ُوضعت خيارات أخرى لمن يريد أن يرجع إلى فقيه آخر، أنت تكذب على الناس ّ حر فيمن يختار من الفقهاء .على أن ال يتجاوز الضوابط الشرعية في اختيار المرجع. فالمكلف ٌّ سأبين باألدلة التالية: وهذا الكالم غير صحيح وغير دقيق ،كما ّ الدليل األول وصية المولى مير از حسن رحمه هللا: في تاريخ ٢3من شهر صفر من سنة ١٤٢١هـ ،كتب المولى مير از حسن (رحمه هللا) وكالته المطلقة لولده المولى مير از عبدالرسول (رحمه هللا) والتي ُس ّميت فيما بعد بــ (وصية المولى مير از حسن في حق نجله مير از عبدالرسول) أي قبل وفاة المولى مير از حسن بسبعة أشهر تقريباً. وهذا هو نصها بالكامل كما وردت: بسم هللا الرحمن الرحيم الحمد هلل الواحد األحد ،الفرد الصمد ،الحي القيوم ،الذي ال تأخذه ِسن ٌة وال نوم ،فهو ليس كمثله شيء ّ وسر أمره، وهو السميع البصير ،وأصلي وأسلم على أشرف خلقه ،ومح ّ ط لطفه ،ومعدن علمه وحلمهّ ،
بريته ،ومجري فيضه ،الذي أقامه مقامه ،في سائر عالمه ،إذ كان ال تدركه ومحل مشيئته ،وعضد ّ ّ وصفيه ،وحبيبه ونجيبه، األبصار ،وال تحويه خواطر األفكار ،وال تمّثله غوامض الظنون واأل نظار ،رسوله ّ وصفية صفوته من خلقه محمد صلى هللا عليه وآله أجمعين ،وأصلي وأسلم على أهل بيته الذين حّلهم ّ محّله ،وأورثهم علمه ،وجعلهم معادن لحكمته وأمره ،وعالّهم بتعليته ،بأمر من خالقه ورازقه ومحييه
ومميته ،واللعن الدائم على أعدائهم ،وغاصبيهم حقهم من اآلن إلى قيام يوم الدين ،أبد اآلبدين ،ودهر
الداهرين ،آمين رب العالمين.
26
مذكراتي – الجزء ()4
وبعــــــــد نقياً ،نجيباً شريفاً ، أنه مما أنعم هللا به َّ تقياً ّ علي من النعم الظاهرة والباطنة ،أن رزقني هللا ولداً با اًرّ ، عالماً عامالً ،فقيهاً مجتهداً ،حوى المعقول والمنقول ،من الرواية والدراية ،من علمائنا األعالم،
الرشاد ،محمد وآله وسر المعبود ،وغاية المراد ،وسبل ّ والمجتهدين العظام ،من عين أقطاب الوجودّ ، شمس ،أو نجم غاب عليهم أفضل الصالة والسالم ،ولدي العزيز المجاهد في سبيل األطياب ما طلعت ٌ
الوالية ،روحي فداه آية هللا المير از عبدالرسول حفظه هللا وأبقاه ،وجعله ذخ اًر للدين والمؤمنين ،تحت رعاية عجل هللا فرجه. وحماية موالنا اإلمام الحجة بن الحسن ّ
وعينته ،ووّكلته وكال ًة عامة على جميع ما يصدر فولدي الحبيب جناب المير از عبدالرسول قد جعلتهّ ،
ورد الحقوق إلى أهلها، مّني ،من األمور الحسبّية ،كالحقوق الشرعية وغيرها ،من األوقاف واألمانات ّ الدمام ،والكويت، وعلى إدارة أموري كلها الداخلية والخارجية ،من إدارة وكالئي كلهم في األحساء ،و ّ
وسوريا ،وإي ارن ،وباكستان ،وغيرها من البلدان ،وإدارة الهيئة ،هيئة ولجنة جامع اإلمام الصادق عليه السالم بالكويت ،وإدارة الحسينيات والمساجد ،والمدارس ،والمستشفيات ،والمراكز اإلسالمية في بقاع العالم أجمع. فكل ما خرج من قلمه فهو يفعل كما أفعل بال فرق بيني وبينه ،فهو بعضي بل كّلي ،في حياتي ومماتيّ ، الشريف ،أو لسانه اللطيف ،أو عمله المنيف ،فهو عّني ،وعن طريقي ،وبأمري ،فرأيه رأي ،ورأي رأيه، وقوله قولي ،وقولي قوله ،وفعله فعلي ،وفعلي فعله ،بال فرق وال اختالف ،إال عن األمور الخاصة له،
يبينها. يبينها أنه غيري فيها ،الراجعة له كما ّ التي ّ كالرّاد فهو وكيلي عام مطلق ،على جميع ما خرج مّني وإ فالرّاد عليه ّ لي ،فكلمته كلمتي ،وعمله عمليّ ، ّ علي ،والمخالف له مخالف لي ،ألنه مّني وأنا منه ،فهو ولدي األرشد ،وتلميذي األمثل ،وعلمي الخاص، ّ وعيني الناظرة ،وأذني السامعة ،ويدي الباطشة ،التي أصل إلى اآلخرين عنها. حبي ،أو رجع إلي ،فليرجع فكل من ّادعى ّ ألنه ثمرة عمليّ ، وبقية ذكري ،وصالح فعلي ،ونبتة غصنيّ ، ّ إليه كما يرجع إلي ،في جميع ما يرجع إلي ،ألنه ال يتكّلم إال عّني ،وال يكتب إال بأمري ،فهو لساني ّ ّ المعبر ،وقلمي المفتي ،ويدي األمينة ،وعيني الساهرة. ّ
27
مذكراتي – الجزء ()4
أحبني من أبغضه ،وما رجع إلي من رفض فتواه ،ألنه ال يفتي إال عّني ،وفي الختام أسأله أن ال فما ّ ّ الس َحر ،كما أني ال أنساه. ينساني في مظان الدعاء ،وبالخصوص في ّ والسالم عليكم ورحمة هللا وبركاته،،،،
الداعي مير از حسن الحائري األحقاقي ّ مير از حسن السليمي ٢3من شهر صفر المظ ّفر ١٤٢١هـ ______________________________
منضدة ومكتوبة بواسطة جهاز طبعاً هذه الوصية المتداولة بين المؤمنين ليست مخطوطة بالقلم ؛ وإنما ّ ّ ذيلها المولى بكتابة اسمه الشريف وتاريخ صدورها. الحاسوب (الكمبيوتر) ثم ّ ولذا يوجد فيها الكثير من األخطاء اإلمالئية وربما بعض األخطاء النحوية واللغوية ،ولكنني غضضت الطرف عن تلك األخطاء ،وكتبتها كما وجدتها في الورقة المنشورة .وربما أشير إلى تلك األخطاء الموجودة فيها بعد تصويرها إن شاء هللا. ومضافاً إلى ذلك إجازة المولى باالجتهاد في حق ابنه المير از عبدالرسول ،وهي قبل هذه الوكالة المطلقة
بسنوات.
الحقا. ً وسأعلق عليهما معاً إن شاء هللا الدليل الثاني القول ببطالن أعمال المكّلف فور عدوله عن المرجع: من يقوم بتغيير تقليده إلى مرجع آخر ؛ فإنه أوالً يحكم على نفسه ببطالن أعماله كلها ،منذ تكليفه وحتى
أي موقع كان يشغله عند جماعتنا مقلدي المولى ،سواء كان عدوله عن مرجعه .وثانياً ُينبذ ُ ويطرد من ّ بر. إمام مسج ٍد أو خطيباً حسينياً ،أو ما شابه ذلك ،من حلقات درس أو جمعية ّ َ
28
مذكراتي – الجزء ()4
م-ع العلم بأن المولى لم ِ يشر في رسالته العملية من ّأولها إلى آخرها إلى بطالن أعمال المكلف إطالقاً.
غاية ما في األمر أنه ال يجيز العدول عن مجتهد إلى آخر إالّ إذا لم يعمل بمسائله فيجوز حينئذ( .مسألة .)13
لكن ال يعني أن كل أعماله السابقة تصبح باطلة أو غير صحيحة .ربما ارتكب إثماً بعدوله عن مرجعه،
ولكن ال تكون أعماله السابقة باطلة ،هذا أو ًال.
وثانياً إن جماعتنا يعتبرون عدم تقليد المولى مير از عبدالرسول (رحمه هللا) عدوالً ،مع العلم أن المكّلف لم يقّل ْده من األصل ؛ ولكن لكون المولى مير از حسن ونجله ُيعتبران كياناً واحداً ال انفصام لهما .إذن من
لم يقّلد المولى مير از عبدالرسول فيعتبر عادالً عن المولى ،وأكثر من هذا فإنه ال يثق بمرجعه السابق وكأنه يخدش في شهادته ويك ّذبه في حق نجله المرجع المير از عبدالرسول!!
فكل العلماء على هدى وإن قال جماعتنا على المستوى النظري بأن من يقّلد مرجعاً آخر ال بأس عليهّ ، وبأيهم اقتديتم اهتديتم ،وهّلم ج اًر من هذه الكلمات المعسولة. ونورّ ، ولكن على المستوى العملي والسلوكي فلينتظر التعامل المناسب الذي سيأتيه!! اخترت بعد ولذلك أذكر أن إحدى قريباتي من جهة سيدي الوالد ،قالت لي عندما َس ِم َع ْت عّني بأني قد ُ وفاة المولى مير از حسن مرجعاً آخر ،قالت في وجهي هذه العبارة بالّنص دون زيادة أو نقيصة وأمام
والدي:
يقبلون راسك وأياديك" !! . " َ خسرت الدنيا واآلخرة ...چان هلحين ّ فقلت لها :إذا كان الهدف من وراء هذا اللباس والزي الديني ،من أجل الكذب على الناس بأني أرجع للمولى وأنا ال أرجع في الواقع ؛ لكي أحضى بهذا التبجيل والتقدير الذي ذكرتيه ؛ فال خير في هذه (المشيخة) إذن ؛ ألني ال أريد أن أصرف وجوه الناس إلي عبر هذه المظاهر ؛ ألن طلب العلم ليس لهذه ّ الدوافع الشخصية. التقيت مع أحد الخطباء الذين أحترمهم ،فدار حوار بيننا عن األحداث األخيرة والغريب في األمر بأني ُ التي تجري في وسطنا آنذاك ،فقال لي في نهاية اللقاء:
29
مذكراتي – الجزء ()4
ولما أنت معروف بمقاصدك وأغراضك هذه ،إنما تريد أن تصل إلى المحراب (تريد الحصول على مسجد) ّ قمت بنشر الكذب والبهتان على مرجعنا وجماعتنا!! خابت مساعيكَ ، قلت له مبتسما ً : ألن أَ ْق َصَر الطرق لو أني أسعى إلى الغرض الذي ذكرت ؛ الختصرت الطريق على نفسي منذ فترة ؛ ّ للحصول على ما ذكرت هو كالتالي : ▪أستعمل األسلوب العاطفي إلبكاء الناس ،وذلك بالحديث عن مظلومية مراجعنا ومشائخنا وجماعتنا. سمعت منه من أحاديث ▪أغتنم فرصة قربي من المولى مير از عبدالرسول ،وأذكر مواقفي معه ،وما ُ وقصص ،فإن ذاكرتي تختزن الكثير من ذلك ،سواء ما كان منها في الحج في عامين على التوالي مقرب منه ويعرفني ١٤١٦هـ ١٤١7 -هـ ،وخصوصاً العام األخير ،أو في سوريا أو في الكويت ،فأنا ّ تماماً ،بينما ال يعرف الكثير من المشائخ الراجعين له. ▪أختلق الفضائل والمناقب وأسردها على المنبر. وهكذا أستعمل أساليب من هذا القبيل ؛ للوصول إلى مآربي الخاصة كما ذكرت. ولكن كل هذه األساليب الملتوية ليس لها قيمة عندي ؛ ألنه يمكن أن أكذب على الناس ،وتسير األمور كما يحبه هواي ويرضاه الناس ،ولكن هناك إثنان ال يمكن أن أكذب عليهما :هللا تعالى ونفسي. الدليل الثالث إصرار مشائخنا على تقليد المولى مير از عبدالرسول: وبينوا عبر االجتماعات والخطب في المساجد والحسينيات ؛ بأنه ال يوجد بديل آخر يحمي هذه حيث قالوا ّ
المدرسة ومكتسباتها وعطائها العلمي والمعرفي من االنقراض واالندراس ؛ سوى المولى المير از
عبدالرسول ،فهو البقية الباقية لهذا الفكر العقائدي السليم ،والمنبع الصافي من كل الشوائب ،القادر على قيادة هذه السفينة والسير بها إلى ّبر األمان. السري الذي أشرت إليه في مذ ّكرة سابقة، وأذكر من ضمن من شارك بكلمة توجيهية ،في ذلك االجتماع ّ والذي ُعقد في مكتبة اإلمام الصادق (عليه السالم) بالكويت ،وقد حضرته بنفسي ،شارك فيه بعد كلمة
الشيخ توفيق البوعلي الخطيب الشيخ حسين الفهيد بكلمة مختصرةَّ ، حث فيها على تقليد المولى مير از
30
مذكراتي – الجزء ()4
هام ،وقد ذكره في اليوم السابع من مجلس العزاء للمولى عبدالرسول وااللتفاف حوله ،وأشار إلى ٍ أمر ٍ
(رحمه هللا) قائالً :
أنوه لنقطة هامة : أريد أن ّ عندما تريد أن تقّلد مرجعاً ؛ فإنك تسأل :من أقّلد؟ فيقال لك :اسأل أهل الخبرة. ُ ثم فعندنا في األحساء لما توفي السيد أبو القاسم الخوئي (رحمه هللا) جاء الناس يسألون أهل الخبرةّ ، وجدنا أئمة مساجد أخرجوا بياناً موّقعاً ،حيث دعوا فيه إلى تقليد السيد الگلبيگاني (رحمه هللا) آنذاك. ونحن نسّلم مرجع تقليدهم، فإذا كان أئمة المساجد بوسعهم أن يكونوا من أهل الخبرة ويش ّخصوا للناس ُ َ نحن خبيرنا الذي أمرنا بتقليد المولى مير از عبدالرسول هو مرجعنا السابق مير از حسن لهم ذلك ،ولكن ُ
(قدس سره) فهل أولئك أخبر من مرجعنا الراحل !؟
نصدقه ونقّلده في أحكام الصالة والصيام وسائر فمهما كانت خبرتهم ولكن ليست كخبرة مرجعنا، ونحن ّ ُ
األحكام الشرعية ،فلماذا نتوقف في هذه المسألة!؟
أقروا بالصالة والصيام وجميع التكاليف إال والية أمير المؤمنين (عليه السالم) مثل الذين ّ يعني ال نصير َ ثم قالوا لرسول هللا (صلى هللا عليه وآله): أمرت قد جئتنا بالصالة فصّلينا وبالصيام فصمنا وبالحج فحججنا و ...إلخ أما كفتك هذه األوامر ح ّتى ّ
عمك علي بن أبي طالب (عليه السالم) ليكون حج ًة وخليف ًة علينا ؟! إلخ علينا ابن ّ طبعاً للمعلومية فقط: أريد أن أقول للشيخ حسين الفهيد:
ياسيدي العزيز ..إن الذين عنيتهم في كلمتك تلك ،ليسوا بأئمة مساجد فحسب ،كما تقول ،وإنما الحوزات تخرجوا منها، العلمية في النجف األشرف وكربالء وقم المقدستان تعتبرهم فضالء كبار ،وأساتذة فيها ،وقد ّ
ومنهم من يقال له (آية هللا) بمعنى أنه وصل إلى درجة االجتهاد والفقاهة ،كالسيد طاهر السلمان (قدس
31
مذكراتي – الجزء ()4
هللا روحه) والسيد محمد علي العلي (حفظه هللا) وكالشيخ محمد الهاجري والشيخ حسين الخليفة (رحمهما هللا) وغيرهم من المشائخ والفضالء. عودة: ثم ذكر الشيخ حسين الفهيد في كلمته تلك ،بعض العيوب واألم ارض الفكرية التي تكتنف المدارس الفلسفية األخرى المختلفة مع مدرسة الشيخ األوحد األحسائي (رحمه هللا) التي ننتمي إليها ،وهذه المدارس تشرب وتستقي فكرها من فلسفة اليونان وغيرها ،وهي بعيدة عن تراث أهل بيت العصمة (عليهم كل المراجع والفقهاء الموجودين في الساحة حالياً ،مما يعني أنهم ال يصلحون السالم) والتي ينتمي إليها ُّ
للتقليد!
وطرح عدة تساؤالت قائالً : شخص يرى شريكاً للباري عز وجل!؟ ▪ هل تقبل على نفسك أن ترجع إلى ٍ ▪هل نقّلد شخصاً يقول أن هللا تعالى َعَل ٌم على الذات المقدسة!؟ يقر بوحدة الوجود!؟ ▪هل نرجع في التقليد إلى من ّ ▪هل نرجع في التقليد إلى من يرى نجاسة مدفوعات المعصومين (عليهم السالم) بما فيها نجاسة دمائهم!؟ تصور الذات إجماالً ؟! أو أن هللا تعالى علة العلل!؟ ▪هل نرجع في التقليد إلى ٍ شخص يرى جواز ّ ولذلك ليس من فراغ نطلق على هؤالء بأنهم ناقصو العقيدة ؛ ألنهم يؤمنون بهذه األباطيل ،وعقيدتهم بها شوائب. نرددها وهلم ّاً جر من هذه األسئلة والقضايا الشائعة ،والتي كثي اًر ما كّنا نسمعها في وسطنا الديني ،وكّنا ّ ّ بيننا وال نفهم معظمها ،إال بعد دخولنا الحوزة ،ودراستنا لبعض كتب الفلسفة والكالم ؛ ألنها كانت ونحن لم نفهمها آنذاك. مصطلحات فلسفية، ُ
32
مذكراتي – الجزء ()4
تأسف وحيرة: نحن فتأسفت كثي اًر على حالنا ،إذ كيف ُتنشر تلك المصطلحات العلمية في حقل الفلسفة والكالم بيننا ُ
العوام ،وال ندرك معناها ،والتي مكانها في أروقة الحوزات العلمية وليست مبتذلة في ساحة العوام!؟
المقدمات لبسطها وشرحها ،فكيف ُتنشر في سوق الخضار فهي عبارات ومصطلحات تفتقر إلى كثير من ّ
العاديين في المدارس ،مع كامل االحترام والتقدير لكل المدرسين الخبازين ،و النجارين و ّ وبين ّ ّ الحدادين و ّ ّ هذه المهن وأصحابها!؟
المتخصص بهذه المصطلحات العلمية العامي غير فباهلل عليك أخي الكريم ...فما أدرى هذا الشخص ّ ّ التالية: (شريك الباري ،هللا عَلم على الذات ،هللا ِعّلة ِ العَلل ،تصور الذات إجماال ً). َ ٌ وهلم ج اًر من هذه المصطلحات المعّقدة!؟ ّ وح ّتى كتب الشيخ األوحد أحمد بن زين الدين األحسائي والسيد كاظم الرشتي والمير از حسن گوهر والمير از
محمد باقر الحائري األسكوئي والشيخ محمد أبوخمسين (رحمهم هللا جميعاً) التي يقتنيها الكثير من شبابنا
التبرك ومثقفينا وحتى بعض مشائخنا ،إنما يقومون باقتنائها واالحتفاظ بها في مكتبة المنزل ؛ من أجل ّ
ذكرت ال يعرف قراءتها أصالً ،فضالً عن فهم مطالبها ؛ ألنها أوالً بحاجة بها ليس أكثر ،وإال فالكثير ممن ُ
ويحررها من سجن الكتابة الحجرية ،إذ ال يزال معظمها مخطوطاً آنذاك. إلى من يخّلصها ّ
وتضج بالمصطلحات الفلسفية والكالمية المعّقدة وثانياً إذا قرأها ال يفهم معناها ؛ ألنها أبحاث عالية، ّ مقدمات ،وهي فوق مستوى عامة الناس. التي تحتاج إلى ّ ولذا نرى الكثير ممن يقتني تلك الكتب المخطوطة من أجل التباهي بها ليس إال. فنحن نحمل اسم الشيخ ونجهل كنهه ،ونأخذه بالوراثة أكثر مما نأخذه بالمعرفة. ُ كنت أقول لبعض األخوة : ولذلك ُ ونحن شيء آخر. إن الشيخ األوحد (قدس سره) شيء ُ
33
مذكراتي – الجزء ()4
تنم عن عدم اتباعنا لفكر الشيخ األحسائي (رحمه بمعنى أننا نقوم ببعض الممارسات و ّ السلوكيات التي ّ يدعي هللا) ألننا نعتقد بأن الفكر جزء من الممارسة ،وأن المفكر ينبغي له أالّ ينفصل عن المنهج الذي ّ أصرح بها إال لمن أثق أنه تابع أو منتسب له أو عن سياقه .ولكنها أفكار وخواطر تختلج في النفس وال ّ المّدعى في محله. به .وسوف أشير إلى هذا ُ الركام الذي ورثناه عن أسالفنا وأخذناه من محيطنا ،وهو أننا فبقيت حائ اًر جداً لعدة أشهر ؛ بسبب ذلك ُّ ُ وحدنا من نملك التوحيد الخالص والعقيدة الصافية الكاملة ،دون غيرنا من أبناء الطائفة المحّقة. وهناك اعتقاد سائد عند كثير مّنا ،بأن أصغر فرٍد من جماعتنا أكمل عقيد ًة من السيد الخوئي (رحمه هللا)
!!
وهذا األمر ال ِ كنت أسمعه منذ الصغر ،سواء من كبار السن الذين أجالسهم ،أو أفتريه على جماعتنا ،بل ُ خاصة في الجنة ؛ لقربنا من أهل البيت حتى من كبار مشائخنا ،بل إن بعضهم يرى بأن لنا مقامات ّ
تدل على ذلك في مذكرة الحقة إن شاء هللا (عليهم السالم) أكثر من غيرنا .وسأسرد بعض المواقف التي ّ تعالى.
فأصبحت أدور في حلقة مفرغة ،ال أدري ماذا أصنع؟ صرت ما بين جاذب ودافع .بين وصرت أشبه بالشيء المعّلق في الهواء ،ال إلى هؤالء وال إلى هؤالء ،إذ ُ ُ
جه ٍة تجذب بعقائدها وتدفع بفقهها ،وجه ٍة تجذب بفقهها وتدفع بعقائدها.
كل العلماء والفقهاء عقائدهم ناقصة ،وأنا عقيدتي الكاملة ؛ ألني تابع ألن بيئتي ّ ربتني وعّلمتني بأن ّ ومشايع للشيخ األوحد (أعلى هللا مقامه) الذي يقول: أثبت في كتبي فهو عنهم ،وهم عليهم السالم معصومون "....لم يتطرق على كلماتي الخطأ ؛ ألني ما ُّ عن الخطأ ،والغفلة والزلل ،ومن أخذ عنهم ال يخطئ ،من حيث هو تابع.. ". المصدر/شرح الفوائد للشيخ. البد لي أن أضع معيا اًر وضابطاً لنفسي ؛ حتى أتخّلص من هذه العقد الموروثة ؛ ألنه فقلت في نفسي ّ
لست ليس من المعقول وال من المنطق وال من الشرع أن أبقى هكذا معّلقاً في الهواء بال مرجع تقليد ،وأنا ُ
34
مذكراتي – الجزء ()4
يتعين لي أن أقّلد مجتهداً ،والمولى المير از حسن (رحمه مجتهداً وال طاقة لي أن أعمل باالحتياط ،فإذن ّ هللا) يقول في المسألة رقم ٢من الرسالة العملية ما نصه بالحرف الواحد : "الذي يعمل من غير اجتهاد وال تقليد ،وال يعرف طريق االحتياط عمله باطل" . وتوسلت بالسيدة زينب (عليها السالم) وأنا بجوارها آنذاك. فاستعنت باهلل تعالى، ّ الرقيات ،والتي ساهمت في كشف الكثير من الحقائق ورفع الكثير وفي تلك الفترة حدثت حادثة مسجد ّ من اللبس ،وكانت بمثابة الحدث الفاصل والمنعطف الخطير بالنسبة لي ،وسوف أشير إليها الحقاً في مذكرة مستقلة ،إن شاء هللا تعالى.
وقد أُثيرت عالمات االستفهام الكبرى في ذهني ،ومنها: لماذا ال ألتزم بأوامر مرجعي السابق؟؟ ووصيته في حقه ؟ أين موقعها من اإلعراب بالنسبة أين شهادته وإجازته البنه المولى مير از عبدالرسول ّ لي!؟ وهللا تعالى يقول: ( َفم ْن بَّدَل ُه بع َدما س ِمع ُه َفِإَّنما ِإ ْثم ُه عَلى َّال ِذين يبِّدُلوَن ُه ۚ ِإ َّن َّ ِ يم). يع َعلِ ٌ َّللا َسم ٌ َ ُ َ َ َُ َ َ َْ َ َ َ َ سورة البقرة181 وهنا بدأت الوساوس ُتثار في ذهني ،ومنها : منضدة ومكتوبة بواسطة جهاز الحاسوب ما الذي يثبت لك بأن هذه الوصية للمير از حسن ؟! خاص ًة وأنها ّ
وليس بخط يده!؟
وكذلك اإلجازة التي يقول عنها المولى مير از عبدالرسول (رحمه هللا) أنها إجازة اجتهاد ودراية ،بل هي إجازة رواية ،فلماذا تعتمد عليها؟ فقلت لكل تلك اإلشكاالت التي ُترسم في ذهني: الضير أن ُتكتب الوصية بجهاز الحاسوب واآللة الكاتبة؟ وما ّ
35
مذكراتي – الجزء ()4
المهم أن المولى قام بمعاينتها والتوقيع عليها بنفسه. ذيل المولى وثانياً إن تلك اإلجازة صحيح هي إجازة رواية ،ولكن ال عليك ؛ فإنه يوجد نسخة أخرى قد ّ فيها مالحظته التالية فيها بقوله: "وال يخفى أن ولدي العزيز مير از عبدالرسول حفظه هللا وأبقاه قد نال درجة االجتهاد والدراية ويقتدر على استنباط األحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية مثل كل مجتهد جامع للشرائط والحمد هلل الذي جعله سنداً وذخ اًر وفخ اًر لعائلتنا وطائفتنا ولشيعة أهل البيت عليهم السالم ومجاهداً في سبيلهم وناش اًر لمعارفهم
وفضائلهم علماً وعمالً ولساناً وقلماً وصلى هللا على محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين" . وأنا األحقر مير از حسن الحائري اإلحقاقي ولكن تلك الوساوس الشيطانية ال تبرح مكانها.
الوصية ؛ الحدية والنبرة في الخطاب المكتوب في فإن المولى مير از حسن (رحمه هللا) لم يستعمل هذه ّ ّ ليجبر مقلديه على ذلك ؛ ألن هذا فيه أمر بالرجوع إلى المولى مير از عبدالرسول ،فإذا كان هللا تعالى يقول بالنسبة إلى دينه: (َال ِإ ْكراه ِفي ِّ الدينِ) ََ سورة البقرة256 منزل من السماء!؟ فكيف يستعمل المولى مير از حسن خطاباً حاداً ويأمر مقّلديه بهذا األمر وكأنه وحي ّ وما نعلمه أن المولى مير از حسن حينما ُو ّجه له سؤال من قبل أحدهم : ترشحونه للقيام مقامكم بعد وفاتكم من بعد عمر طويل إن شاء هللا ؟ وترون فيه من هو الشخص الذي ّ
التكرم باإلجابة على ذلك ،إن لم يكن لديكم الشروط المطلوبة للتقليد ،وتأمرون مقّلديكم بتقليده .أرجو ّ مانع ،وشك ًار. علي محمد المهدي
36
مذكراتي – الجزء ()4
جواب: أرشحه للقيام بأموركم ،والدفاع عن المظلومين ،والجهاد في سبيل الحق والحقيقة، وأما الشخص الذي ّ
فانظروا إلى كل مجتهد جامع للشرائط فيه هذه الصفات والخصال ،وال يخاف من إلقاء كلمة الحق ،وال
يداهن وال ينافق. ولكن إن َم َّن هللا على ولدي المجاهد ،وقرة عيني المجتهد ،الحاج مير از عبدالرسول اإلحقاقي ،حفظه هللا أن ُي َّتبع ،وأسأل هللا أن يوفقني وإياه وأبقاه بعدي ،فهو بحمد هللا مستعد جاهز ،والئق لهذا المقام ،وأهل ْ وإياكم لخدمة دينه ،والجهاد في سبيله ،ولكل ما يحب ويرضى ،آمين بحق محمد وآله الطاهرين ،صلوات
هللا عليهم أجمعين ." .انتهى.. المصدر /الدين بين السائل والمجيب ج ١ص. ١30 - ١٢٩ المرة حتى في نفس خط ولكن اإلشكاليات ال تزال قائمة في الذهن على شكل وساوس شيطانية ،وهذه ّ المولى مير از حسن ،بالنسبة إلى اإلضافة في إجازة الرواية ،وهذه اإلشكالية المثارة في الذهن : ما الذي يثبت لك بأن هذا الخط هو خط وكتابة المولى نفسه!؟ طه الحقيقي من قبل وتعرفه تماماً بأن فيه شيء من االرتعاش ،وعدم الوضوح ،ما يدل أيت خ ّ وأنت قد ر َ ط األصلي للمولى ،ففيها وتقدمه في العمر ! بينما هذه اإلضافة تختلف تماماً عن ذلك الخ ّ على ِكَب ِر سّنه ّ طتها هي بكامل صحتها وثباتها وعدم ارتجاجها وارتعاشها.. يدل على أن األنامل التي خ ّ ما ّ
ولكن أستغفر هللا وأتوب إليه من هذه الخواطرالواردة.. فاستعذت باهلل من الشيطان الرجيم ومن وساوسه وحبائله ومكره. وكان الجواب حاض اًر عندي وهو: الضير في ذلك ،إذا كان قد كتبها بأمر من والده ح ّتى لو كان الكاتب المولى مير از عبدالرسول نفسه ،فما ّ
!؟
ومع كل هذا الركام الهائل من اإلشكاليات لكنني أصررت على موقفي الراسخ.
37
مذكراتي – الجزء ()4
وبعد نزولي لألحساء أطلعني أحدهم على جواب للشيخ األوحد (رحمه هللا) على سؤال ُو ّجه لحضرته،
وذلك في كتابه :جوامع الكلم ،في النسخة المخطوطة في الجزء الثاني منه ،في صفحة ،3٢ويقع هذا السؤال حالياً في الجزء ٢١من الطبعة الحديثة ضمن موسوعة تراث الشيخ األوحد في صفحة ،١5٩ وهذا السؤال صار بمثابة المرجع والمعيار بالنسبة لي.
ندعي فرأيت أن أدرسه وأتمعنه وأتأمل فيه ؛ ألن الشيخ يعتبر مرجعية فكرية لنا كأتباع له ولنهجه كما ّ
ذلك.
وسأنسخ السؤال والجواب من جوامع الكلم للشيخ (رحمه هللا) مع التعليق عليه. مسألة الشيخ األوحد في الجوامع: العامي؟ قال السائل ما عالقة الفقيه الكامل والمجتهد الجامع لشرائط الترجيح والفتوى ،وكيف يعرفه ّ أقول (أي الشيخ أحمد بن زين الدين األحسائي رحمه هللا): عالمة ذلك حاله ومقاله وذكره. متحرٍز عندها من حضور أهل العلم والفضالء والمجتهدين أما حاله :فأن يكون منتصباً للفتوى ،غير ّ مع إقرارهم ّإياه على ذلك وإذعانهم له. وأما مقاله :ف ُيعرف بما يكتب من تصنيفه ،واختباره ال ّتام أن يبرهن على المسألة التي فيها القوالن مثل انفعال الماء القليل وعدمه ،فيبرهن على انفعاله بما هو من نوع استدالل العلماء المجتهدين ،بحيث ال يعيبه َمن خالفه فيها بما يقدح في نوع استدالله ،ثم يبرهن على عدم انفعاله كذلك بما ال يعيبه َمن خالفه فيها بما يقدح في نوع استدالله.
العامي هو من نقص عن هذه الرتبة فيعرفه بهذه وأما ذكره :فأن يكون مشهو اًر بين العلماء بذلك ،و ّ األمور أو بأحدها على اختالف مراتبهم وبشهادة عدلين وبالشياع المعتبر هنا شرعاً وباألخبار المتواترة
والمحفوفة بالقرائن ." .انتهى كالم الشيخ (رحمه هللا). التعليق:
أوضحه في الحلقة القادمة من مذ ّكراتي إن شاء هللا سأبينه و ّ وهذا ما ّ 38
مذكراتي الجزء ()5
مذكراتي – الجزء ()5
الجزء الخامس في الحلقة الماضية ذكرنا كالم الشيخ األوحد (رحمه هللا) من كتابه جوامع الكلم ،وكان بمثابة المعيار والمرجع الذي يحسم النزاع. البد أن نسقطه على المير از عبدالرسول ،لنرى هل ينطبق على حضرته أم وبعد سرد جوابه العلمي هناكّ ،
ال؟
أوالً حاله: عندما نضرب للقارىء مثاالً على النحو التالي: هناك عالمان (س -ص) قد عاشا في زمن ما من األزمنة ،فالعالم (س) قد أجمع علماء الطائفة على فقاهته واجتهاده ،والعالم (ص) قد أجمعوا على عدم فقاهته واجتهاده ،أو قد شهد في حقه عالم أو
ِ بينات أخرى تدل على فقاهته. أي ّ عالمان ،وربما من أقاربه ،وال يوجد ّ فأي العالِم ِ ِ يه ِ تتبع وتأخذ بقوله؟ ين ّ ين الفق َ ّ َ
من الطبيعي أنك تأخذ بالعالم الذي أجمعت عليه الطائفة ؛ ألنك تبحث عن االطمئنان واليقين ،وعدم إشغال الذهن بالقيل والقال. فحينما ندرس شخصية الشيخ األحسائي (قدس سره) على ضوء المثال السابق ،نجد أن المجيزين له هم أساطين وفحول أعالم الطائفة في وقته ،إذ لم يختلف أحد على علمه واجتهاده وفقاهته .إنما االختالف وقع على الشيخ في بعض أطروحاته الفلسفية والكالمية ،وليس على فقاهته ،وورعه وتقواه. المريخ أو من كوكب الزهرة أو ما شابه ذلك، فالشيخ األحسائي (رضوان هللا عليه) لم ْ يجزه علماء من ّ قيموه إنما خرجوا إنما أجازه علماء عصره من أساطين الطائفة في النجف األشرف وغيرها ،وكل الذين ّ من رحم تلك الحوزة العلمية بالنجف األشرف وغيرها.
البد أن نجري عليه هذا التطبيق في المثال السابق ؛ ألن المسألة علمية بحت فكذلك المير از عبدالرسولّ ، وال دخل للعاطفة والمجاملة فيها.
40
مذكراتي – الجزء ()5
يتصورون أنه حينما ُينفى اجتهاد إن مشكلتي ومشكلة الكثيرين ممن يرجع للمير از (حرسهم هللا وهداهم) ّ يسبونه ويشتمونه ،وينطلقون في المير از عبدالرسول اعتماداً على تشخيص علماء الطائفة ؛ نقول إنهم ّ
حكمهم عليه من موقع الحقد والضغينة !! وخصوصاً على الشيخ األوحد (قدس سره الشريف).. من قال ذلك؟ أن من ينفيها عنه أنه يشتمه ويحقد عليه. فحينما ُتنفى الطبابة عن زيد ،ال يعني ّ فقد يأتي أحد ليقول: كيف يعرفه فقهاء عصره ،وهم ليسوا على نهجه ،بالتأكيد سيأتي عامل الحسد في هذا المقام!؟ لكن ُيقال لهؤالء: قيمه من العلماء؟ إن الشيخ من الذي ّ
قيمه من العلماء والفقهاء إنما خرج من رحم الحوزة العلمية بالنجف ،ولم يكن الشيخ على نهجهم كل من ّ
يدعي ويزعم البعض ،وإن كان على طريقتهم في الفقه واألصول ؛ ألنه عالم في الكالم والفلسفة ،كما ّ
أصولي وليس على نهج األخبارية ،كما يتهمه البعض ؛ ألن كتبه تشهد له على أنه فقيه أصولي. فعلى ضوء هذا ،نقول وباهلل المستعان:
الشيعية المعاصرين للمير از عبدالرسول إن المعتبرين الموجودين في الساحة إن معظم العلماء والفقهاء ّ َ عية لم يكن كلهم ،ال ُّ يقرون وال يذعنون له باالجتهاد والفقاهة .بل صدرت من الكثير منهم الفتاوى الشر ّ
بنفي اجتهاده مطلقاً .وحتى الذين أجابوا السائلين لهم بعدم معرفتهم إياه ،أحالوهم على من يحيط بمعرفة
الرجل.
وسأوضح ذلك على النحو التالي: ّ -١آية هللا العظمى المير از جواد التبريزي (قدس سره): عندما سئل عنه ،أجاب: باسمه تعالى
41
مذكراتي – الجزء ()5
الشخص المذكور ال نعرفه باالجتهاد ،بل ثبت بخبر الثقات من أهل الخبرة عدم اجتهاده ،وعلى كل حال، فالشخص المذكور ليس أهالً ألن يكون مرجعاً للتقليد. وهللا الهادي إلى سواء السبيل والصراط المستقيم .هذا وننصح إخواننا المؤمنين صانهم هللا من شرور آخر الزمان بأن يأخذوا سبيل االحتياط في أمور دينهم ،فإنه سبيل النجاة وهللا المسدد. وقد سئل الشيخ التبريزي (قدس سره) عن المير از عبدالرسول مرًة أخرى من قبل جماعة ،عندما أثيرت
أقر باجتهاد المير از عبدالرسول متراجعاً إشاعة في أوساط مقّلدي المولى ،مفادها بأن الشيخ التبريزي قد ّ عن فتواه السابقة في حقه ،فأجاب مرًة أخرى: أما ما يتعلق بالشخص المذكور فقد ذكرنا أنه ال يجوز تقليده (أجارنا هللا وإياكم من الزلل في القول والفعل وهو ولي المؤمنين) هذا والمكتبان لنا في قم المقدسة والشام بريئان مما ُذكر. الختم -٢آية هللا العظمى الشيخ بشير النجفي ( ُمّد ظله): عندما سئل عنه أجاب: باسمه تعالى ِ أي منهما. ا لم يثبت لدينا اجتهاد ميرز حسن اإلحقاقي وال اجتهاد ابنه عبدالرسول ولم نفت بجواز تقليد ّ وهللا الهادي التوقيع والختم -3آية هللا سماحة الشيخ محمد الهاجري (رحمه هللا): إن الشيخ الهاجري (قدس سره) ال يرى اجتهاد مير از عبدالرسول ،وهذا األمر مشهور عنه ،حتى بلغ يصرح بذلك. بشهرته آفاق األحساء وغيرها ،وأنا سمعته م ار اًر ّ -٤آية هللا العظمى السيد محمد الشيرازي (قدس سره):
42
مذكراتي – الجزء ()5
يدل على ذلك، لما سئل سماحة السيد عن اجتهاده ،أجاب بأنه ال يعرفه ،ولم َير من أبحاثه وعلمه ما ّ وأنه لم يحضر درسه أو بحوثه ،وعندما قيل له بأن الشيخ الهاجري (قدس سره) ينفي اجتهاده قال :أنا معه. -5آية هللا العظمى السيد كاظم الحائري (دام ظله): عندما سئل عنه أجاب بقوله: ال يوجد عندي اطالع على الوضع العلمي للمير از اإلحقاقي ،ولكني أقول ُ :يشترط في التقليد أن يكون مرجع التقليد مجتهداً أعلم. ختم المرجع وختم مكتبه التابع له مع التاريخ. -٦آية هللا العظمى الشيخ الفاضل الّلنكراني: لما سئل عنه في موقعه الرسمي أجاب بقوله: ال يجوز تقليده. -7آية هللا العظمى السيد علي السيستاني (دام ظله): سأله جماعة من المؤمنين في األحساء ،عن اجتهاد مير از عبدالرسول بن مير از حسن اإلحقاقي الموجود وعما إذا كان سماحة السيد يرى تقليده كما قد نقل عنه أحد األشخاص! حالياً في الكويتّ ، فكان الجواب من مكتبه الرسمي ومختوم ومؤرخ: األخوة المؤمنون ...دامت توفيقاتهم السالم عليكم ورحمة هللا وبركاته ..وبعد اطلع سماحة السيد (دام ظله) على رسالتكم المؤرخة في /٤شعبان١٤٢٢ /هـ وأفاد تعقيباً على ما ورد فيها بأنه ال أساس بتاتاً لما ُنسب إليه من الكالم في أمر التقليد ،والوكالء المعتمدون في المنطقة
كثيرون ،يأتي في مقدمتهم سماحة السيد علي السيد ناصر السلمان وفضيلة الشيخ عبدهللا الدندن وفضيلة الشيخ علي بن علي الدهنين دامت بركاتهم.
43
مذكراتي – الجزء ()5
-٨آية هللا العظمى السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم (دام ظله): عندما سئل عنه أجاب بقوله: السالم عليكم ورحمة هللا وبركاته هدف كل مؤمن من تقليد العالم واتباع رأيه ،هو إبراء ذمته والخروج عن عهدة التكاليف الشرعية ،لئال البد من الموضوعية والدقة في تطبيق الموازين يكون جهده وعمله هباء منثو اًر ،وعلى هذا األساس ّ ً المتميز من حيث المستوى الشرعية ،لذلك ننصحكم بالرجوع للثقات من أهل الخبرة يرشدوكم إلى الفقيه ّ العلمي على غيره ،وكذلك المرتبة العالية من العدالة. سددكم هللا للصواب الختم والتاريخ -٩آية هللا السيد إبراهيم الخوئي (رحمه هللا): المسمات بـــ ( قرنان من االجتهاد والمرجعية هذا السيد المرحوم ذكره المير از عبدالرسول في سيرته الذاتية ّ
) على أنه أحد أساتذته ومجيزيه ،وقد وضع له إجازة ذكر بأنها إجازة اجتهاد !
وم َوّق ٌع من مجموعة ممن لهم صلة بهذا السيد الجليل، فصدر بيان من مكتبه الرسمي -السيد الخوئي ُ -
ينفون ما ُنسب للسيد على أنه أجاز المير از عبدالرسول باالجتهاد ،وأن إجازته له هي محض افتراء
وكذب ،وأما اإلجازة التي ُنشرت بين العوام فهي إجازة رواية ،ويمكن أن ُتعطى ألي طالب علم ،وإن لم
مجتهدا. ً يكن والبيان هو: باسمه تعالى
بيان إلى المؤمنين األعزاء حفظهم هللا نفيدكم علماً بأن ما ُنسب إلى سماحة آية هللا السيد إبراهيم الخوئي (رحمة هللا عليه) من إعطائه إجازة
اجتهاد للمير از عبدالرسول اإلحقاقي ،فإنه حسب معرفتنا الدقيقة من هذه النسبة هي إفتراء وكذب محض.
44
مذكراتي – الجزء ()5
وفي الوقت نفسه لم يثبت لدينا اجتهاد المير از عبدالرسول. فلهذا نهيب باألخوة المؤمنين من الموالين الشيعة أن ينتبهوا لهذه االفتراءات التي ُنسبت إلى هذا السيد
الجليل الزاهد .والسالم عليكم.
توقيعات العلماء على هذا البيان الصادر: العبد السيد عباس الحسيني الگوه گمري( .ختمه). األحقر سيد حسين الموسوي (توقيعه). األحقر السيد اسماعيل األميري (توقيعه). األحقر محمود النوبهاري (توقيعه). العبد هادي المددخواه (توقيعه). سند هذه الشهادات إلى أصحابها فهذا هو حال المير از عبدالرسول في الحوزات العلمية. فنحن لم ُن ْ ُ المدونين أعاله كذباً وزو اًر ،وإنما من باب (و َش ِه َد َش ِ ابن على َهِل َها) أي من الحوزة في حق ٍ اهٌد ِم ْن أ ْ ّ َ اعتبار أنه من أبنائها. وسوف نرفق صو اًر من النسخ األصلية لتلك الشهادات في ملف خاص ضمن هذه المذكرة إن شاء هللا
تعالى.
وال يمكن أن يأتي شخص من العوام ،ممن ال يدري ما يدور في أجواء الحوزة العلمية من أمور وقضايا، لي ّتهم هؤالء العلماء بالكذب والحسد والضغينة للمير از عبدالرسول -والعياذ باهلل -. تصوره .وهؤالء العلماء ،إن لم نحمل فعلهم بشهاداتهم إن من الحيف الحكم المسبق على الشيء قبل ّ المّدعى، هذه على الصدق والصحة في القول ،فعلى أقل تقدير أن يثير قولهم الشك والريبة في االجتهاد ُ ببينة جديدة. وعلينا أن نطالب من ّ يدعي االجتهاد ّ ثانياً مقاله: قال الشيخ (رحمه هللا) في جوامع الكلم :
45
مذكراتي – الجزء ()5
فيعرف بما يكتب من تصنيفه ،واختياره ال ّتام أن يبرهن على المسألة التي فيها القوالن ...إلخ وأما مقاله ُ فالميرز عبدالرسول (رحمه هللا) عندما نجري مسح ًة شامل ًة لقائمة مؤلفاته ومصّنفاته -وقد سردناها في ا مذكرة سابقة -فإننا ال نجد األبحاث الفقهية واالستداللية التي نراها عند قرنائه من الفقهاء والمجتهدين، فهذه العالمة ال تنطبق عليه البتة. إذ يقول اإلمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السالم: "رسولك ترجمان عقلك ،وكتابك أبلغ من ينطق عنك" . نهج البالغة/الكلمات القصار -الجملة. 30١ ويقول اإلمام الصادق (عليه السالم): " ُيستدل بكتاب الرجل على عقله وموضع بصيرته ،وبرسوله على فهمه وفطنته" . ِ المرسل فالكتاب دليل على شخصية اإلنسان الكاتب ،كما أن حامل الكتاب والرسول دليل على شخصية أيضا. ً وقد قيل بأن أسلوب اإلنسان هو نفس اإلنسان. تبين علمي يؤلف فيه أربابه من حقل كل ٍ أن َّ ونحن نجد ّ ُ متخصصيه الكثير من األبحاث والدراسات التي ّ ٍ ّ تضّلعهم في ذلك العلم الذي يكتبون فيه. ومقامه العلمي إال بأبحاثه ومؤلفاته ،سواء كتبها المتخصص في الحوزة العلمية ال َيبين شأُنه فالعالِم ّ ُ بنفسه أو ألقاها على شكل محاضرات على مستوى األبحاث العلمية العالية فيما ُيعرف بالبحث الخارج
وقررها طالبه .إذ ال يمكن لعالم الفقه واألصول أن ُيشغل نفسه بالكتابة في األدب والشعر وما شابه ،مما ّ ليس له أي عالقة بتخصصه الفقهي واألصولي ،إذ يمكن له أن يكتب في الشعر أو الرواية أو ما شاكل
ذلك من أجناس األدب األخرى ؛ ولكنه ال يجعله شغله الشاغل ،بحيث يصرفه عن األمر األهم في حقل تخصصه. مع األسف الشديد أن أحد وكالء المير از عبدالرسول وهو الشيخ عبدالجليل بن علي األمير ،يقول في إحدى حلقات ندواته التي عنونها بــ (أضواء على المرجعية) والتي ألقاها بأمر من المير از عبدالرسول في
46
مذكراتي – الجزء ()5
األحساء ،وهناك وثيقة تثبت ذلك -وهي موجودة عندي -على أن المير از عبدالرسول أمره بإقامة هذه الندوات. قال في الجلسة الثانية من تلك الندوات: ليس شرطاً أن يكون المجتهد ذا مؤلفات أو أبحاث في الفقه واألصول ؛ ألننا لسنا بحاجة إلى الفقه،
نحن اآلن بحاجة إلى فضائل وأخالق وبناء والحوزة العلمية الشيعية تكاد تنفجر من الفقه واألصولُ ،
حسينيات ،أجل الناس وين تقعد! .؟.
إذن ماذا نحتاج يا أعلم أهل زمانك !؟ وأقسم باهلل العلي العظيم أن المير از عبدالرسول لو كان عنده أبحاث أو حتى مقاالت ُيشتم منها رائحة التخصص الذي ينتمي إليه ،لما قال الشيخ عبدالجليل هذا الكالم. ّ وإال ماذا يعني هذا الكالم ،أننا لسنا بحاجة إلى الفقه ؛ ألن الحوزة العلمية تكاد تنفجر من الفقه!؟؟ أوال ً : كيف ُيعرف اجتهاد هذا العالم وذاك العالم ،إن لم يملك رصيداً من علم الفقه واألصول ،وغيرهما من العلوم األخرى التي تدل على اجتهاده ؟ ثانياً : إن الشيخ عبدالجليل األمير كأنما يريد مع هذا الزعم ؛ أن يغلق باب االجتهاد الذي تمتاز به مدرسة أهل البيت (عليهم السالم) عن سائر المدارس األخرى ،وبالتالي يدعو إلى تجميد القرائح والبحوث العلمية، ويوقفها على جه ٍة ما ،أو رجل ما ،أو ما إلى ذلك ،وكأنه يتحدث عنه بصفته أنه هو المنتج لتلك األبحاث الفقهية. فالبد لنا أن نغلق باب االجتهاد ،وإذا أُغلق هذا الباب وإذا أردنا أن ننساق مع هذا المنطق للشيخ األميرّ ،
ستتجمد الحركة العلمية في الحوزات لدى الشيعة! ّ
47
مذكراتي – الجزء ()5
والحال أننا نرى االختالف قائماً حتى بين الفقيه المجتهد الذي يعطي رأياً ،وبين طالبه ،رغم تتلمذهم على
يديه وأخذهم من مائدته المعطاءة ،وهذا ما نراه واضحاً من خالل مراجع الطائفة في الوقت الحالي،
وأستاذهم السيد الخوئي (قدس سره). ثالثا ً :
وآلياته الحديثة المعاصرة، إن العلم ليس له حدود ،فهناك قضايا جديدة مستحدثة يفرزها الزمن بوسائله ّ فالبد للفقيه أن يعمل اجتهاده في سبر أغوار النصوص ؛ من أجل أن يستنبط للناس المسائل والفتاوى ّ
حد له ،فهو معين ال ينضب ،وبعيد الغور ،يفتقر إلى علم ال ّ المستحدثة التي يحتاجون إليها ؛ ألن الفقه ٌ س طويل. قدم راسخ ،وترسيخ عميق ،وإلى َن َف ٍ
س طويل ،واستمرارية في الدرس وأجواء العلم ؛ ألنه بالفعل يحتاج ترسي ُخ ِعْل َمي الفقه واألصول إلى َن َف ٍ كل يوم ،بل في كل ساعة ،ولو لم يتابعه الفقيه سيغرق فيه كما يغرق الطفل في المحيط ،إذا لم يتقدم َّ ويتدرب على السباحة و َّ الن َفس الطويل. ينضج ّ
القيمة وفي هذا الصدد أذكر موقفاً طريفاً للعالمة الشيخ محمد جواد مغنية (رحمه هللا) صاحب المؤلفات ّ
في الفقه واألصول والتفسير وغيرها ،ذكره في كتابه التجارب (تجارب محمد جواد مغنية بقلمه) قال في
صفحة ١35 - ١3٤ط .األولى (أنوار الهدى -قم): ِِ ِ وإن سألني سائل :ما بالك تق أر وتكتب " َح َّت ٰى َت ُكو َن َحَر ًضا أ َْو َت ُكو َن م َن اْل َهالكين؟ " َ الركب ،ومن فاته الركب فهو من الهالكين ..أنا من أهل المعرفة ،هكذا ّأدعي، تركت لفاتني أجبته :لو ُ ُ لكذبت في دعواي على نفسي، مزقت عمري في األكل والنوم والحديث عن هذا وذاك، أو هكذا ُيقال ..ولو ّ ُ وعلى هللا والناس ..إن العالِم وبخاصة في هذا العصر ،عصر التغيير السريع ،والتطور الهائل هو الذي يواصل السير على طريق المعرفة والعلم ،فإذا أحجم عن طلبه ؛ ألنه النهاية بزعمه ،فقد انتهى العلم منه ،ولم ِ شيء منه. ينته هو إلى ٍ
وقال مضيفاً في صفحة أخرى من كتابه المذكور: سمع شي ٌخ الثناء على كتاب فقه اإلمام الصادق -وهو أحد مؤلفات الشيخ مغنية -فقال : وكتب الحديث والفقه وأصوله ! ولكن صاحبه َج َم َعه من آيات األحكام في القرآن ُ 48
مذكراتي – الجزء ()5
وتجاهل هذا الشي ُخ أن هذي هي طبيعة ُكتب الفقه وحقيقتها ،وأن مصادرها الكتاب والسنة وإجماع العلماء
شك أني لو أتيت بفقه جديد ،ألصدر حكمه علي بالمروق والتكفير، والعقل وبناء العقالء ،وليس من ّ ّ وهكذا يكشف المرء عن دخيلته من حيث ال يريد. وصدق الشيخ مغنية (رحمه هللا). رابعاً : صح التعبير -في أروقة إن العلم هو معجزة العالِم التي يتحدى بها قرناءه من أساطين العلماء -إن ّ الحوزات العلمية ؛ ألن العلماء هم ورثة األنبياء كما ورد في الحديث الشريف عن رسول هللا (صلى هللا
يتحدون الناس الذين ُبعثوا لهدايتهم فيما لو طلب منهم بعض عليه وآله) فكما أن األنبياء والمرسلين ّ ِ مدعاهم ؛ فكذلك العلماء والفقهاء الذين هم ورثة األنبياء دق ّ الناس معجزًة أو أم اًر خارقاً للعادة ليثبتوا ص َ وأمناء الرسل ،فإنهم يقومون بأدوار عظيمة لهداية الناس ؛ ألن رسالتهم من جنس رسالة األنبياء و
األوصياء. البد أن يأتي بمعجزة أو كرامة من جنس فكما أن َّ أي نبي من األنبياء والمرسلين ،حينما يأتي بمعجزة ّ
التحدي أو الموضوع السائد في مجتمعه ،فكذلك العلماء ،الذين هم حفظة الدين والعقيدة. ذلك ّ
تحد صارخ أو شبهات خطيرة ،فإن علماء الطائفة ُيشهرون يتعرض الدين أو المذهب الحق إلى ٍّ فعندما ّ عدو األمة والمذهب. ويظهرون معاجزهم ومناقبهم المتمّثلة بالعلم الذي يلقف ما يأفكه ُّ وكما قال رسول هللا (صلى هللا عليه وآله): "إذا ظهرت البدع في أمتي فعلى العالم أن ُيظهر علمه ،وإال فعليه لعنة هللا والمالئكة والناس أجمعين" . الزكية، وهكذا بالنسبة إلى العلم في الحوزة العلمية ،إنما علماء الطائفة المحّقة ينفخون فيه من أرواحهم ّ لتدب فيها الحياة ،حيث يبعدون تلك العلوم عن الجمود ويمدون علوم الشريعة ّ ّ بالنظريات العلمية ؛ ّ وينعشونها بالحركة والحيوية والنشاط.
قدموا من لننظر إلى علماء الطائفة على امتداد التاريخ ،منذ عصر الغيبة إلى اليوم ،ماذا صنعوا ؟ وماذا ّ علوم ومعارف ؟ وماهي خدماتهم العظيمة للدين والمذهب؟
49
مذكراتي – الجزء ()5
إن ثقة اإلسالم الشيخ محمد بن يعقوب الكليني (قدس سره) المتوفى عام 3٢٩هـ ،هو خالد بمعجزته البهية). ومنقبته (أصول الكافي وفروعه والروضة ّ وهكذا الشيخان الصدوقان األب واالبن (رحمهما هللا). وإن العالمة الشيخ المجلسي (قدس سره الشريف) هو خالد بمعجزته ومنقبته وبحاره (بحار األنوار). وهكذا العالمة الشيخ يوسف البحراني هو خالد بحدائقه (الحدائق الناظرة). وكذلك العالمة المحقق الشيخ محمد حسن النجفي (أعلى هللا مقامه) صاحب (جواهر الكالم في شرح شرائع اإلسالم) هذا الكتاب العظيم الذي يعتبر مرجعية فكرية من الوزن الثقيل للفقهاء ،ودائرة معارف مجلدا. ً في الفقه واألصول ،ويقع في أكثر من أربعين والعالمة المحقق الشيخ مرتضى األنصاري الذي كان آية عظمى في علمه ،وكان زعيم الشيعة في وقته، الخالدين المكاسب والرسائل وغيرهما. بكتابيه َ ودونك في الوقت المعاصر اآلية العظمى وزعيم الحوزات العلمية سماحة السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي (أعلى هللا درجاته) الذي كان معجزًة وآي ًة في علمه وإنتاجه الغزير في الفقه واألصول والرجال والتفسير وغيرها من العلوم ،والذي يستقي ويتغذى مراجع الطائفة في الوقت المعاصر من موائده العلمية ،من
علمية عظيمة ،وغيرها. نظريات ّ ّ حتى أن أحد العلماء عندما سمع أحد المتزّلفين المادحين ألحد أتباعهم ،متجاو اًز بذلك حدود االعتدال ير) بقوله عندما خاطبه ،وهو يسمعه (الممدوح) واالتزان في المدح والثناء ( ِب َغ ْي ِر ِعْل ٍم َوَال ُه ًدى َوَال ِك َت ٍ اب ُمِن ٍ دون اعتراض ،في قصيدة طويلة مليئة بالغلو والجهل وهي باللهجة الشعبية الدارجة: أفالك لو تبغي تدير اتدير! تحير شمسها تحير! وبطوعاك لو ّ رداً على ذلك الشاعر الذي يهيم في كل وادي: فقال أحد العلماء عندما سمع أبيات تلك القصيدة ّ مخوالً من هللا تعالى أن إن آية هللا العظمى السيد أبا القاسم الخوئي ،ال يستطيع أن يدير األفالك ،وليس ّ
يقوم بذلك ،وهو ال يملك القدرة ،وليس مكّلفاً أن يقوم بهذا العمل ،وهذا ليس عيباً فيه .ولكنه يستطيع
50
مذكراتي – الجزء ()5
أن ُي ِّ خرج لنا مئات العلماء والفقهاء المجتهدين ! وهو قادر على ذلك ،وقد َف َع َل ! وهذه هي معجزته التي التحدي في األوساط العلمية ومنارات الفقه ظهرت على يديه في هذا العصر ؛ ألنها منسجمة مع واقع ّ واألصول في النجف األشرف وكربالء وقم المقدستين وغيرها من الحواضر العلمية.
التحدي في واقعه ،فكذلك زعيم هذا العصر الحديث السيد فكما أن كل نبي يأتي بمعجزة من جنس ذلك ّ ّ الخوئي (قدس سره). التحدي فلو أن النبي (صلى هللا عليه وآله) -على سبيل المثال -قد أتى بمعجزة ال تنسجم مع ذلك ّ
أناس غيرنا بمعرفة ما القائم في مجتمعه ،لقال له قريش ُ : نحن ال نفهم وال نعلم ما جئتنا به ،فقد ُيحيط ٌ نحن فال نملك هذه القدرة، جئت به من ٍ معجز كما تقول ،ومن َث َّم قد يأتوا بمثله أو قد ال يأتوا بمثله ،أما ُ أو لم نفهم ما جئتنا به.
ولكنه جاءهم بمعجزة هم يفهمون لغتها وطبيعتها ،وهي القرآن الكريم ببالغته التي وصلت إلى أعلى درجات الكمال آنذاك. وهكذا الحال بالنسبة إلى النبي موسى (ع) الذي جاء إلى قوم قد انتشر بينهم السحر والشعوذة ،وبلغ كل سحرهم .وكذلك النبي عيسى السحر عندهم إلى أعلى درجات التعقيد ،فجاءهم بمعجزة َح ِبطت وأبطلت َّ (ع) الذي جاء إلى قومه بألوان من المعاجز ،سواء على مستوى إحياء الموتى أو إبراء األكمه واألعمى وحيرت الناس آنذاك. واألبرص وغيرها من المعاجز التي أبهرت كبار األطباء ّ وهكذا الحال بالنسبة إلى سائر األنبياء والمرسلين بمعاجزهم وكراماتهم التي ال حصر لها. وهكذا الحال بالنسبة إلى سيد الطائفة السيد الخوئي (رحمه هللا). فقد قال عن السيد الخوئي أحد تالمذته ،وهو أحد المراجع والفقهاء في النجف األشرف ،وهو آية هللا الفياض: العظمى الشيخ محمد إسحاق ّ القطب الذي تدور حوله الحركة العلمية ،فكان كالشمس ترسل "كان السيد الخوئي (قدس سره) بحق َ أشعتها على الدوام" . لملمة للحديث:
51
مذكراتي – الجزء ()5
فيما لو اعترض علينا معترض -وما أكثر المعترضين -بقوله: تردون وترفضون شهادة مرجعكم مير از حسن (رحمه هللا) في حق ابنه ؟ أليس هذا تكذيب لمرجعكم كيف ّ
أي استناد بنيتم هذا الرفض!؟ السابق ؟! فعلى ّ نقول:
هذه قاعدة عامة عند علماء الشيعة ،يقولون فيها: إن (س) من العلماء شهد باجتهاده عالم أو أكثر ،وفي نفس الوقت نفى اجتهاده مجموعة من العلماء، فأي التقييمين نأخذ به؟ ُّ هل نأخذ بالتقييم األول ونحضر الثاني ونلغيه ؟ مرجح. فهذا ترجيح بال ّ أم نأخذ بالتقييم الثاني ونذر األول وال نصغي إليه؟ مرجح. وهذا أيضاً ترجيح بال ّ إذن ما الحل في هذا المقام؟ بينة جديدة البينات والشهادات عندئ ٍذ تسقط عن االعتبار ،ونحتاج إلى ّ يقول العلماء :إذا تعارضت ّ البينة الجديدة؟ لتوضيح اجتهاد (س) .فما هي ّ تدعي أنك مجتهد أو ُيّدعى بأنك مجتهد، البينة الجديدة هي أن نسأله ونقول :أيها العالِم (س) الذي ّ ّ وعلمك؟ بين من خاللها فضُلك هل عندك أبحاث علمية ُم ّ عدة ؛ لكي َي َ ُ علمية ،سواء في النجف األشرف ،أو قم المقدسة ،ودخل المدعين جاء إلى حاضرة يعني لنفرض أن أحد ّ ّ على العلماء في حلقات الدرس هناك ،وقال لهم: قروا جميعاً بعلمي واجتهادي ،وأني أعلمكم جميعاً على اإلطالق! يجب عليكم أن ُت ّ المّدعى منك؟ فعندئ ٍذ يقولون له :لماذا ؟ ما الدليل على هذا ُ فيقول لهم :عندي شاحنة في الخارج مليئة بشهادات االجتهاد والفقاهة من كل علماء الطائفة! 52
مذكراتي – الجزء ()5
بينتم لنا مصدا َق ِّادعائكم هذا؟ السعة .ولكن َهالَّ ّ فيقولون له :أهالً وسهالً بكم موالنا ،وعلى ّ الرحب و ّ ونحن كلنا آذان صاغية إلى أبحاثك وأطروحاتك. تفضل لنرى ذلك من لسانك على المنبرّ ، ُ فمن ّادعى بما ليس فيه ك ّذبته شواهد االمتحان.. ويقر العلماء له بذلك. وإذا كان هذا االدعاء فيه َّ وتبين مصداقه ؛ فعندئ ٍذ يكون صادقاً في دعواهّ ، أي وز ٍن لإلجازات والشهادات ،غاية ما في ولذلك كثير من العلماء والفقهاء في العصر الحاضر ال يقيم ّ التبرك ال أكثر. المجيز من أجل ّ المجاز يأخذها من ُ األمر أن ُ ويقال أن آية هللا العظمى الشيخ المير از جواد التبريزي (قدس سره) عندما يستجيزه أحد الفضالء في الحوزة -يطلب منه إجازة رواية أو دراية -فإنه رأساً يشير إلى منبر الدرس ويقول :هذا َم ْن يشهد لك، ولست أنا! ُ وحسب المثل الشعبي السائد بيننا: (هذا الميدان يا حميدان). ولذا نجد أن اإلمام محمد الجواد (سالم هللا عليه) توّقف بعض الشيعة عن اإلذعان بإمامته ،ال عن عناد، تدل على إمامته (ع) بالنسبة لهم ،ومنها العلم الذي بل لعدم وضوح الرؤية عندهم وسطوع ّ البينات التي ّ هو من أبرز الصفات والسمات في الشخصية القيادية. أقروا بإمامته في النهاية ؛ لما أروا بأن اإلمام كان معجزًة في علمه ،وال يوجد أعظم فما كان منهم إال أن ّ بركة على الشيعة منه (سالم هللا عليه) كما وصفه أبوه اإلمام علي بن موسى الرضا (عليهما السالم) فكان اإلمام يخرج مرفو َع الرأس من كل تلك المجالس العلمية التي ُتعقد له ويحضرها مختلف الطبقات من
الناس ،سواء تلك المجالس العلمية من طرف المأمون العباسي ،أو من طرف رؤساء الشيعة وكبرائهم لتبيين فضل اإلمام (ع) ومقامه. ثالثاً ذكره: قال الشيخ أحمد بن زين الدين األحسائي (رحمه هللا وأعلى درجاته) تحت هذا الشرط في جوامع الكلم كما نقلناه في المذ ّكرة السابقة :
53
مذكراتي – الجزء ()5
العامي هو من نقص عن هذه الرتبة فيعرفه بهذه "وأما ذكره :فأن يكون مشهو اًر بين العلماء بذلك ،و ّ األمور أو بأحدها على اختالف مراتبهم ،وبشهادة عدلين وبالشياع المعتبر هنا شرعاً وباألخبار المتواترة
والمحفوفة بالقرائن " .انتهى.
فالمير از عبدالرسول بحسب هذا الكالم للشيخ (رحمه هللا) ليس مشهو اًر بين العلماء باالجتهاد ،بل بالعدم
ِ سنبين ذلك. بينا ذلك سابقاً -وإن ُوجدت بعض الشهادات المعارضة كما ّ -كما ّ
عمن لم يبلغ رتبة عبر العامي) عامة ،وهم الناس كا ّفة ،واصطالحاً ُ :ي َّ بالعامي ّ ّ العامي جمع ّ ّ قوله ( :و ّ ظ من العلم أم لم يكن( .القاموس الفقهي ومعجم المصطلحات الفقهية). االجتهاد ،سواء كان ذا ح ٍّ عت ِبر هذا المصطلح كلم ًة مستبشع ًة، في َ العامي) عند الفقهاءَ ، وقد يستوحش البعض من تعبير مصطلح ( ّ عبر عن استصغار وتوهين لعامة الناس ،واعتبارهم بسطاء وال يرضى بها ؛ ألنه يتصور بأن الكلمة ُت ّ
التصور خاطئ جمل ًة وتفصيالً .إذ كيف يمكن أن نعتبر مجتمعاً يضم ظ لهم من العلم ،وهذا وس ّذج ال ح ّ ّ اماً بالمعنى العرفي عند الناس؟ بين جوانحه الكثير من الشرائح المثّقفة والواعية عو ّ
فمنهم دكاترة على مستوى طب األبدان ،وعلى مستوى الفكر والثقافة والعلوم اإلنسانية ،وأساتذة بمختلف تخصصاتهم العلمية. تكرست حالة الهامشية في واقع األمة من خالل هذه الرؤية في كتب الفقه، ولذلك ّ يدعي البعض بأنه قد ّ التعبيرية السائدة في اللغة الفقهية ،إ ْذ َّ يتحفظ هذا البعض على التقسيم الفقهي وتحديداً بعض الصيغ ّ
ام) .فاألمة -حسب التصنيف لألمة في الرسائل العملية ،فهي ّ تقسم الناس إلى ( :فقهاء) وإلى (عو ّ ام بمفكريها وكفاءاتها العلمية في قبال الفقهاء. المعت َمد في الرسائل العملية -عو ٌّ َ تتحسس من هذا المصطلح ،فكما أن الفقيه قد يعتبر لكّننا نقول :ال ينبغي للكفاءات العلمية في األمة أن ّ تخصصه الفقهي واألصولي ،فكذلك أصحاب الكفاءات العلمية األخرى في األمة من عوام الناس في غير ّ تخصصهم ؛ ألنهم ال يملكون القدرة على استنباط الرؤية الفقهية أو األحكام الشرعية، هم عو ٌّ ام في غير ّ
تخصصاتهم ،وربما تخصصه الفقهي وأولئك علماء في ّ تخصصاتهم ،فالفقيه عالم في ّ لكنهم علماء في ّ يرجع الفقيه في بعض الحاالت والصور إلى أصحاب تلك الكفاءات فيما يتعلق بالتشخيص الموضوعي للفتوى.
54
مذكراتي – الجزء ()5
ِ الخاصة به وال يألفها لكل حقل علمي مصطلحاته ولذلك ال ّ ّ مشاحة في األلفاظ أو المصطلحات ؛ ألنه ّ عامة الناس ،إال عن طريق الدراسة. ّ فإذن ال يمكن أن نعتبر األمة بمفاصلها وشرائحها كلها ،وكفاءاتها الفكرية والعلمية والثقافية والسياسية اماً بالمعنى المألوف عند البعض ،وإال نكون قد صنعنا حال ًة من االنهزامية واالقتصادية واالجتماعية عو ّ وروحيتها. في وعي األمة ّ على العموم ..أشرت إلى هذا المعنى بالمناسبة ؛ ليكن معلوماً لدى الجميع. فموضع الشاهد. . إن الشيخ األوحد (قدس سره) قال بأن العامي هو من نقص عن هذه الرتبة ،بمعنى عدم كونه مصداقاً ّ لألمور المذكورة (الحال ،المقال ،الذكر). العامي يعرف الفقيه الكامل والمجتهد من خالل هذه األمور الثالثة أو أحدها. فهذا ّ طبعاً ال يمكن أن يعرفه من خالل مقاله ؛ ألنه ليس من أهل الفن والخبرة ،حتى يراقب إنتاج هذا العالم ويميز بينهما ،وإنما من خالل سؤاله ألهل الخبرة في ذلك. وذاك العالم ّ مناقشة في اإلجازتين: قال الشيخ (رحمه هللا): "وبشهادة عدَلين" . يعني يشهد شاهدان عادالن من أهل الخبرة في حقه. ولنفرض أن هذا الشرط موجود ومتحقق في شخص المير از عبدالرسول (رحمه هللا) بصرف النظر عن الموانع األخرى ،ومنها شهادات النفي ،كما ذكرنا. قد يقول قائل في هذا المقام :لماذا لم تعترفوا إذن بشهادة العدلين ،بعد تحققهما في هذا المقام ؟ فعلى أقل تقدير قد شهد في حقه أبوه المير از حسن (رحمه هللا) واآلخر هو المرحوم المير از فتح هللا ثقة اإلسالم باالجتهاد ،والعبارات واضحة في اإلجازتين؟
55
مذكراتي – الجزء ()5
وللجواب على هذا اإلشكال نقول: أما إجازة المير از حسن في حق ابنه ،فهي إجازة رواية ،اللهم إال إذا اعتبرنا بالمالحظة المضافة ،وفيها يجيز الوالد المير از حسن ولده المير از عبدالرسول باالجتهاد .وهنا نقول : إن المير از عبدالرسول في كتابه ( :قرنان من االجتهاد والمرجعية) يعتبرها (إجازته له بدون اإلضافة المتأخرة) ضمن اإلجازات األخرىُ ،معنوناً إياها بإجازات اجتهاد ،مع لحاظ عدم وجود اإلضافة فيها في
الكتاب المذكور ! وأخواتها مثلها أيضاً ،بمعنى أنها إجازات رواية وليست دراية ،باستثناء إجازة المير از سيمر علينا النقاش حولها. فتح هللا ثقة اإلسالم كما ّ
فإذا كانت إجازة مير از حسن لولده إجازة اجتهاد ؛ فلماذا اإلضافة المتأخرة بعد مضي حوالي ثالثين عاماً
عليها!؟
ألن اإلجازة األصلية في الرواية تاريخها ١3٨٨هـ ،واإلضافة غير المؤرخة كما نعلم انتشرت في سنة ١٤١٨هـ ،أو بعدها بسنة أو سنتين كما أتذكر. يقررون في الرسائل العملية في كتاب ولكن لنقل أنها إجازة اجتهاد بالجملة ،مع العلم أن الفقهاء ّ الشهادات هناك ؛ بأن الشهادة التي تجلب نفعاً أو تدفع ضر اًر فهي غير مقبولة ،وهنا قد يعتبرها البعض موضع تهمة -شهادة الوالد في حق ولده (أقول قد يعتبرها) ولكن هذا مستبعد ،ونحن ال نريد أن نثبت
هذا األمر ،مهما كانت الدوافع ؛ ألنه قد يعتبر دخوالً في محاسبة النوايا ،وهو مرفوض من الناحية العلمية وعار عن الصحة. ؛ ألنه بعيد عن النزاهة والحيادٍ ،
ولكن لنقل أنها إجازة اجتهاد ،لكنها تتعارض مع شهادات نفي أخرى ،فعندئذ تسقط هي كما تسقط الشهادات األخرى المعارضة لها عن االعتبار ؛ ألن كالم الفقهاء واضح باالتفاق ،أنه ال ترجيح في نرجحها البينات بأكثرية العدد ،مع العلم بأن شهادات النفي أكثر بكثير من شهادات اإلثبات ،ومع ذلك لم ّ ّ مرجح. على شهادات اإلثبات في هذا المقام ؛ ألنه ترجيح بال ّ بينا ذلك في النقطة السابقة ،بما ال مزيد ولذلك ّ بينة جديدة إلثبات اجتهاده ،كما ّ البد من البحث عن ّ عليه.
56
مذكراتي – الجزء ()5
وأما المجيز اآلخر له ،وهو المرحوم المير از فتح هللا ثقة اإلسالم (رحمه هللا) ،فقد قال في إجازته له بصريح العبارة: "مستعداً على استنباط األحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية المعهودة ....إلخ. وهنا نقول: إن هذه اإلجازة يمكن النقاش فيها في ثالث جهات: الجهة األولى: موقع المجيز ومنزلته العلمية في الحوزات العلمية ،وهل هو من أهل االجتهاد والفقاهة ،وهل هو أهل أن ُيجيز غيره أم ال؟ فالعرش أوالً ثم النقش كما يقال. الجهة الثانية: في أصل صدور اإلجازة ،وهل صدرت من المجيز أم ال؟ فنحن نرى في الحوزة العلمية ،عندما يستقبل الفقيه أي رواية ،فإنه أول شيء يدرسه فيها هو سلسلة ُ
رجال السند فيها ،وهل فعالً هذا الكالم صدر من المعصوم (ع) أم ال ؟ ألننا لم َنر ولم نسمع المعصوم تخصص أم اًر يقول هذا الكالمّ ، فالبد من دراسة السند .ويتأكد أكثر إذا كانت الرواية ّ تقيد أم اًر مطلقاً أو ّ
عاماً ،أو ما إلى ذلك.
فكذلك هذه اإلجازة الصادرة من هذا الشخص المذكور وهو المرحوم المير از فتح ثقة اإلسالم. بين وهناك رأي جميل للمولى المير از حسن (رحمه هللا) في كتابه (منظرة الدقائق على تبيان الحقائق) إذ ُي ّ
في كتابه المذكور حول ما إذا كان المرحوم السيد كاظم الرشتي أجاز الحاج كريم خان الكرماني (رحمه
هللا) أو لم ُيجزه ؟ فقد ذكر أدلة تدل على عدم إجازته له ،ومنها مطالبته بنسخة األصل بعد الشك في صدورها عن السيد، ومنها نفي تالمذة السيد كاظم الرشتي لصدور تلك اإلجازة جمل ًة وتفصيالً ،والتصرف والتغيير بعد وفاة
السيد كاظم (رحمه هللا) في بعض إجازاته من خالل االستيالء على خاتمه.
57
مذكراتي – الجزء ()5
وغيرها من األدلة. وقد حدث مؤخ اًر بأن كسر أبناء المرحوم آية هللا العظمى السيد محمد الشاهرودي (قدس هللا روحه) ختمه
الخاص ؛ لكي ال يتم استعماله من أجل أغراض دنيئة ،وهذه أصبحت شبه عادة م ّتبعة خصوصاً عند
العوائل العلمية.
وهنا أريد أن أنقل كالم المير از حسن (رحمه هللا) الهام ،وأجعله معيا اًر وقاعدة ،من أجل أن نجري عملية
إسقاط على إجازة المير از فتح هللا ثقة اإلسالم (رحمه هللا) انطالقاً من كالم المير از حسن في منظرة الدقائق
كما حصل معنا في كالم الشيخ األوحد من قبل ،استناداً إلى قاعدة اإللزام التي يخضع ويذعن ويسّلم بها
كل العقالء في العاَلم.
( ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم) ولكن إن شاء هللا ال نكون مصداقاً لقوله تعالى: ِ ِِ َرَي ُتم ِإ ْن ُكْن ُت عَل ٰى بِيَن ٍة ِم ْن ربِي و َ ِ وها َوأَْن ُت ْم َل َها آتاني َر ْح َم ًة ِم ْن عْنده َف ُع ِّمَي ْت َعَل ْي ُك ْم أَُنْل ِزُم ُك ُم َ َ َّ َّ َ ال َيا َق ْو ِم أَأ ْ ْ ( َق َ َك ِارُهونَ). سورة هود28 بل نقبل بالحق حتى لو كان ُمَّر المذاق. قال المير از حسن (يرحمه هللا) في كتابه منظرة الدقائق في صفحة١٦ : "مقابلة النسخة باألصل: فنقول في جواب ذلك: أوالً :إن الفاضل الكرماني َّادعى أن هناك إجازتين من السيد لوالده ،على خالف المستفاد من عبارة فصل
طبع إجازتين فارسية وعربية ونشرهما بين األنام إلثبات َّ مدعاه. الخطاب ،و َ فأسأله وأجعل نفسه حكما ً :
هل يكفي النافي و ِ ويصح سكوته عليه ؟ أو يزول ُّ شكه ويحصل له المنكر منه بهذا النشر والطبع فقط ّ
القطع ،أو الظن بوجود اإلجازة بمجرد مشاهدته سواد اإلجازة؟
58
مذكراتي – الجزء ()5
أفيكون هذا حج ًة قاطع ًة على المنكر أو على سائر الناس ،أو يكفيه قوله سّلمه هللا " :وهما اآلن موجودتان عندي؟ " ويدقق. ّ فهال بعث أصل النسخة إلينا خصوصاً ،أو بين م ٍأل من الناس مع ثقة أمين من قومه ح ّتى ُينظر ُ يد الجعل والتصرفُ ،كالً أو بعضاً فذاك هو فإن خرج أصالً أصيالً نقياً عن كل تحريف وتصحيف ال تناله ُ
يشد الرحال ،ويقطع الفيافي والقفار ،ويخوض البرهان القاطع له ،ال نشر السواد .فإنه ال يكّلف النافي أن ّ لجج البحار ويقصد كرمان لتحقيق أن فالناً المدفون تحت أطباق الثرى هل كان له إجازة في زمان كذا
أو ال؟
المَّدعي أن يتكّلف ويتعب نفسه في إقناعه بل حق النافي أن يجلس على ّ منصة االستراحة ،وعلى ُ شيء وال يريحه عن كل تكليف ومحنة. وتسكيته بأي وسيلة كانت .ونشر السواد ال يسمن وال يغنيه من ٍ االستشهاد بأقوال العلماء في عصره: وقال المير از حسن (رحمه هللا) تحت هذا العنوان في صفحة ١٨ما نصه بالحرف الواحد: "سيما مع مصادمته لِما ُيستفاد من عبارة فصل الخطاب مع ما طرق سمع النافي عن ثالثة من تالمذة السيد ومشاهير من استفاد من محضره الشريف ،أنهم شهدوا استجازة والده من السيد ُقدس سره ،وهو أبى من ذلك وامتنع .مثل ما حكى ُّ جدنا المقدس عن أستاذه ،تلميذ أرشد للشيخ األوحد ،وركن وثيق ووصيه والمصلي عليه وقاضي دينه موالنا المير از حسن الشهير بگوهر ،وعمدة الفقهاء للسيد األمجد ّ والمجتهدين الشيخ المعتمد والمجاز من المير از المذكور والسيد األمجد المولى الشيخ محمد أبي خمسين األحسائي ،وقدوة الحكماء واألساطين المير از محمد شفيع التبريزي الملّقب بثقة اإلسالم ،وغيرهم من المالزمين له والمستفيدين من محضره الشريف .فالمعروف ممن حضر مجالس هؤالء األعالم من تالمذتهم وثقاة أصحابهم أنه سمع منهم أعلى هللا مقامهم في َّ ألح على السيد أصر و َّ عدة مجالس أن والده كّلما َّ
ويجري قلمه على في أمر اإلجازة لم ُيوفق لذلك ،ولم ت َ رض نفس السيد الزكية قدس سره أن ُيجبر قلبه ُ جد ِه سالم هللا عليه. ". بعض مرامه ومطلوبه ،وصار ميؤوساً ح ّتى انتقل إلى جوار ّ التصرف والتغيير بعد وفاة السيد: ّ وقال المير از حسن تحت هذا العنوان في صفحة ١٩مانصه بالحرف الواحد:
59
مذكراتي – الجزء ()5
الركون إلى ذلك "فمع هذا االشتهار كيف يبقى ألحد وثوق بهذا المنشور أو تقنع نفسه بالسكوت أو ُّ كل ما يقال حان وقته )....إلخ ،ل َذكر ذاكر بعض ما ُعلم كل ما ُيعلم يقال وال ُّ المسطور .ولوال أن ( :ما ُّ جد ِه عليه تحقيقاً ،مما نالته أيادي التصرف والتغيير في خاتم السيد قدس سره ،بعدما انتقل إلى جوار ّ
وشبهوا بإمضائه وقلمه الشريف في خاتمه بعض اإلجازات الموضوعة بقلم بعض السالم .وما تجاسروا ّ المالزمين لخدمته والمنتحلين لمحبته .ومعروف لدينا اسماً ورسماً الذي كان َّ تصرف مسلطاً وماه ارً في ُّ كل بخطه وقلمه.". الخطوط وتشبيه اإلمضاءات ٌّ نسخة األصل سبب الوثوق: وقال المير از حسن تحت هذا العنوان في صفحة ١٩ما نصه بالحرف الواحد : "ومن ذلك يستريب اإلنسان في كل إجازة لم تكن بقلمه الشريف من البداية إلى النهاية .وقد اعترف فأي الفاضل الكرماني أن اإلجازة العربية المنشورة لم تكن بخطه وقلمه ،بل فيها إمضاء السيد وخاتمهّ . ق يبقى لمن علم بعض هذه األمور أو سبق ذهنه ببعض الشبهة إال أن يرى أصل النسخة وتقوم وثو ٍ
الصحة. عنده إمارات ّ
بعض اإلجازات ال تفيد إال مدحاً : وقال تحت هذا العنوان في صفحة ٢0من كتابه المذكور: صحت وثبتت فهي توصية ومدح ال تسمى إجازة. وأما اإلجازة الفارسية فإن ّ وقال تحت عنوان: اإلجازة قد تفيد حسن الظن بالمستجيز فقط: أن النسخة المنشورة لها أصل أصيل ،ولم يتطرق إليها شائبة الوضع وثانياً :على فرض الصحة ،وتسليم َّ
التصرف واالختالف كالً أو بعضاً ،فغاية ما في الباب أن اإلجازة تفيد حسن ِّ ظن والجعل ،وما نالته يد ّ المجيز بالمستجيز ،ووثوقه به حين صدور اإلجازة منه ،لما ظهر من المستجيز من إمارات اإلسالم
واإليمان ،وتظاهر بحسن الحال واألفعال ،وال تكون اإلجازة كاشفة عن باطنه وسريرته ،وال تكون ص ّكاً من تطور ،وكل صورة ُت َص َّور ،وحج ًة باقي ًة له إلى يوم أي ٍ حال ّ هللا ورسوله على وجوب اتباع المستجيز على ّ
الساعة.
60
مذكراتي – الجزء ()5
غيروا فطرة هللا ،و ُّ ارتدوا عن الديانة اإلسالمية ،وانقلبوا عن لك َّملين َّ كم وكم من المجتهدين المجازين من ا ُ
األصلية ،ولم تنفعهم تلك اإلجازات في الدارين ." .انتهى الفطرة ّ
المصدر /منظرة الدقائق على تبيان الحقائق( ،ص) ٢١ - ١٦ معيارية كالم مير از حسن: العْرض المسبق من كالم المير از حسن (رحمه هللا) فلنجعل ذلك بمثابة القاعدة أو المدخل إلى وبعد هذا َ ما سنناقشه في هذه الجهة الثانية ،من أصل صدور اإلجازة من الشيخ فتح هللا ثقة اإلسالم للمير از عبدالرسول. طر هذا الكالم الالحق على مقدمات في كالم المير از حسن السابق ،نس ّ فاعتماداً على ما رأيناه سابقاً من ّ
ضوئه ؛ وذلك بغية الحصول على النتائج القهرية التي نريد الوصول إليها بعد ذلك. فنقول وباهلل المستعان:
إن المير از عبدالرسول (رحمه هللا) قد طبع سواد اإلجازة من الشيخ فتح هللا ،ونشرها بين األنام إل ثبات ونحن نطالبه كما نطالب من نشر صورة هذه اإلجازة بنسخة األصل ،كما طالب المير از حسن اجتهاده، ُ الحاج كريم خان الكرماني بنسخة األصل من إجازة السيد له .فال يتهمنا ُم َّت ِه ٌم أننا ُنك ّذبه في دعواه.
يدعي ،بل لزيادة االطمئنان بصدورها من المجيز. البينة ال يعني تكذيبه فيما ّ المدعي بإحضار ّ فمطالبة ّ أي مواطن بوثائق األصل مع الصور، كما يحصل ذلك على المستوى القانوني والرسمي ،حينما ُيطالب ُّ
مجتهد وفقيه، مد ٍع بأنه هب َّ لكل من َّ ٌ ودب ،ولكل ّ وإال فالقضية ستصبح فوضى ،والباب يغدو مفتوحاً ّ فنجري عليه قاعدة ُح ِ سن الظن ،ونأمر الناس بأن يؤسسوه أمامهم ويمشوا خلفه ،دون ضوابط أو معايير
أو قيود.
يدعي صدور اإلجازة له من السيد ثم أن المير از حسن استشهد بأقوال العلماء في عصر الكرماني ،الذي ّ ّ الرشتي ،وهم ينفون صدورها جمل ًة وتفصيالً منه .وهذا األمر أيضاً نراه في إجازة السيد إب ارهيم الخوئي بيان ُم َوّق ٌع من تالمذة السيد إبراهيم الخوئي ينفون (رحمه هللا) في إجازته لمير از عبدالرسول ،فقد خرج ٌ بينا ذلك في نقطة سابقة من البحث. صدور اإلجازة منه للمير از ،كما ّ
61
مذكراتي – الجزء ()5
فقد يكون الشيخ فتح هللا ثقة اإلسالم ممن ال بواكي عليه ،بحيث ينفون صدور إجازته للمير از ،كما فعل ميت منذ فترة طويلة ،وليس بوسعنا التأكد منه أو تالمذة السيد إبراهيم الخوئي ألستاذهم ؛ ألن الرجل ّ مقربين منه .والتصرف والتغيير بعد وفاته وارد ومحتمل ،كما قال مير از حسن بالنسبة إلى السيد من أناس ّ
وشبه بإمضائه وقلمه وخاتمه ،وقد ذكر أن هناك الكثير من كاظم الرشتي ،وكيف أن البعض تجاسر ّ اإلجازات الموضوعة بقلم المالزمين لخدمته والمنتحلين لمحبته( .منظرة الدقائق).
ثم أنه على فرض صدورها من الشيخ المذكور ،فإن غاية ما فيها أنها تفيد ُحسن ِّ ظن المجيز بالمستجيز، ّ ووثوقه به حين صدور اإلجازة منه -كما قال المير از حسن -وال تكون اإلجازة كاشفة عن باطنه
تطور ،وكل صورة أي ٍ حال ّ وسريرته ،وال تكون ص ّكاً من هللا ورسوله على وجوب اتباع المستجيز على ّ ُت َص َّور ،وحج ًة باقي ًة له إلى يوم القيامة. فكل هذا الكالم الذي ذكره المير از حسن في منظرة الدقائق ،ما المانع أن نسوقه في هذا المقام بالنسبة إلى إجازة المير از فتح هللا ثقة اإلسالم لمير از عبدالرسول !؟ قانونا. ً أما أن نكيل بمكيالين فال يجوز ،ال شرعاً وال بينا وكذلك هذه الشهادة ال يمكن أن نأخذها بعين االعتبار ؛ ألنه هناك شهادات ّ مضادة في مقابلها ،كما ّ
ذلك سابقاً ،وال نعيد. الجهة الثالثة:
في مدلول العبارة ،وإفادتها. للمجاز : المجيز ُ فما هو المقصود بقول ُ "....مستعداً على استنباط األحكام الشرعية ،عن أدلتها التفصيلية.؟؟ ... ". وأنا ال يمكنني هنا أن أتحدث عن معنى االستعداد لتحصيل ملكة االجتهاد باستنباط األحكام الشرعية من المختصين من العلماء أدلتها التفصيلية ؛ ألني لم أصل إلى ذلك المستوى ،وإنما أستطيع أن أنقل كالم ّ والفقهاء في ذلك.
62
مذكراتي – الجزء ()5
وكأن كاتبه ومؤلفه قد فرغ منه باألمس وهنا أحيل القارئ الكريم إلى كتاب هو في غاية الروعة واألهميةَّ ، القريب ،وما ذلك إال لبراعة المؤلف وجودة إنتاجه ،الذي سبق عصره بعش ارت السنين. الكتاب هو من تأليف آية هللا العظمى السيد مهدي القزويني (رحمه هللا) المتوفى عام ١300هـ١٨٨3 /م. والكتاب هو : االستعداد لتحصيل ملكة االجتهاد. وهو محقق تحقيقاً رشيقاً من قبل أحد أحفاد المؤلف وهو الدكتور جودت القزويني. والكتاب يقع في 300صفحة من الحجم المتوسط. تم سنة ١٢75هـ١٨5٨/م ،أي في عصر ازدهار مدرسة االجتهاد وظهور وكان تأليف الكتاب قد َّ
المجتهدين الكبار ،وهو العصر الذي أُطلق عليه تسمية (عصر الكمال العلمي) الذي تجلى بمدرسة الشيخ
مرتضى األنصاري (ت ١٢٨١ :هـ١٨٦7/م) العلمية ،مما يعني أن تأليف الكتاب جاء في عصر ازدهار مدرسة االجتهاد بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى. وهذا الكتاب الرائع ،يتكون من مقدمة وأبواب وخاتمة. أما المقدمة فقد تناول فيها المؤلف موضوع االجتهاد وغايته. وأما أبواب الكتاب ،فقد أسماها مؤلفه بالتأسيسات ،وهي على النحو التالي: التأسيس األول :في االستعداد. وفيه فصول كثيرة ال يسعني ذكرها هنا ،منعاً لإلطالة. التأسيس الثاني :في المستعد. وهو أيضاً فيه فصول وعناوين. التأسيس الثالث :في بيان المستعد له ،ويقع فيه فصول وعناوين أيضاً. خصصها المؤلف (رحمه هللا) في بيان كيفية االستدالل بواسطة الملكة ،والكالم فيها وأما الخاتمة ،فقد ّ بتطويل وتفصيل. 63
مذكراتي – الجزء ()5
أدعو لقراءة الكتاب ودراسته بتمعن وتدقيق ،حتى يدرك من ال معرفة له بأجواء الحوزة العلمية وما يدور فيها من أمور وقضايا معقدة ،وخاص ًة على صعيد االجتهاد والمرجعية ،وتشخيص المجتهد والفقيه الكامل يمر بقنوات من بين العديد من العلماء والفقهاء ،وأن من يصل إلى ذلك المستوى التكاملي ّ البد له أن ّ ثم فضالً غاية في العسر والحرج ،وليس من السهل أن يحصل على ملكة االجتهاد فضالً عن األعلمية ّ
عن المرجعية ،بسهولة ويسر. عودة إلى كالم الشيخ األوحد: قال (رحمه هللا):
"وبالشياع المعتبر هنا شرعاً واألخبار المتواترة والمحفوفة بالقرائن" . إنما قال بالشياع المعتبر هنا شرعاً ؛ ألن الشياع على قسمين: شياع مفيد لالطمئنان. وشياع غير مفيد لذلك. الجهال ،بل بين العلماء وفي فالشياع المعتبر هنا شرعاً المفيد لالطمئنان ،وليس الشياع بين العوام و ّ العادية وفي أوساط العوام ،وغير أوساط العلم في الحوزات العلمية لدى الشيعة ،وليس في األماكن ّ
المتخصصين.
متمسكون ليت شعري هل ما ذكرناه مما سبق ،وعلى طبق رأي الشيخ األوحد (رحمه هللا) الذي نزعم أننا ّ الميرز عبدالرسول اإلحقاقي أم ال !؟ ا بنهجه وطريقته ،موجود ومتحقق في شخص علمية مسكتة ،بل العاطفة ذمة من يقّلده ،ويرجع الناس إليه ،حتى تاريخه ،وبدون أدلة ّ والجواب في ّ والحب األعمى هو سيد الموقف. أقدم اعتذاري للقراء بسبب اإلطالة ؛ لكون الفكرة طويلة ،وتتطّلب تسويد الكثير وللكالم بقية إن شاء هللا ،و ّ من األوراق ،لكن أرجو أن ال تكون الفكرة في هذه المذ ّكرة ممّلة ،وأن ال أكون قد أثقلت على الجميع، بالقيل والقال وكثرة المقال.
والسالم عليكم..
64
مذكراتي الجزء ()6
مذكراتي – الجزء ()6
الجزء السادس البعض علينا إشكاالً ويقول: بعد سرد تلك الدراسة المتأنية في المذ ّكرة السابقة -الخامسة -قد يطرح ُ ُأيعقل أنك حينما رأيت كالم الشيخ األوحد (رحمه هللا) متناوالً في كتابه (جوامع الكلم) شرائط الفقيه الكامل،
وحينما أسقطتها على المير از عبدالرسول رأيتها غير منطبقة عليه ،وبالتالي لم ترجع له في التقليد ؟ وهل
هذا سبب مقنع الدعائك أمام الناس بعدم تقليده!؟ أقول :ليس األمر كذلك ،أبداً.. كنت أغير تقليدي ؛ إنما ُ قوياً ومن العيار الثقيل ،ولكنه ليس هو السبب الذي جعلني ّ وإن كان ذلك سبباً ّ كنت كالمسافر الذي يتردد في في البداية متردداً في تقليده بعد وفاة والده المير از حسن (رحمه هللا) .فقد ُ
ذكرت ذلك في مذكرة سابقة بقولي : فت ألشهر ،كما ُ ثم بعد ذلك توّق ُ ّ نيته بين اإلقامة وعدمهاّ ،
المرجعيات األخرى) وبين جه ٍة جاذب ودافع .بين جه ٍة تجذب بفقهها وتدفع بعقائدها ( صرت ما بين إ ْذ ٍ ُ ّ ومرجعيتي التي أنتمي إليها) وهذا ما سأوضحه وأفيض فيه أكثر تجذب بعقائدها وتدفع بفقهها (جماعتي ّ في هذه الحلقة إن شاء هللا.
يتصور َّن إنسان ما ،بأن موقفاً واحداً يكفي لمثلي ممن عاش في بيئ ٍة قد بلغت الغاية في المهم ..ال ّ مرجع آخر .وإنما حصل ذلك بحكم التراكمات يتحول بهذه السهولة والبساطة إلى ٍ التعصب للمير از ؛ أن ّ ّ
بشكل تدريجي ،وبعد سلسلة طويلة من التجارب والتبريرات لكثير غيرت قناعاتي ٍ والمواقف الكثيرة التي ّ امتدت قرابة العشر سنوات .ثم جاءت مجموعة من المواقف والقضايا التي ال يمكن من المواقف ،التي ّ
رمم من خالل التبرير أو حملها على وجه من الوجوه البعيدة ،من أجل أن ُتصرف عن الجانب السلبي أن ُت َّ
الق ّشة التي قصمت ظهر البعير. إلى الجانب اإليجابي ،وإنما صارت بمثابة القطرة التي أفاضت الكأس ،و َ
وإال فكالم الشيخ أحمد بن زين الدين األحسائي(رحمه هللا) ما هو إال وضع النقاط على الحروف ،أو ُق ْل صح التعبير -لموقفي الجديد ،أو قل عّلة حالة من االطمئنان واليقين ،أو هو بمثابة اإلمضاء -إن ّ
تامة ،أو ما شابه ذلك من التعبيرات المرادفة. ناقصة وليس عّلة ّ
غير تقليده من المولى إلى فقيه آخر، ولذا فإننا حينما نسمع بين وقت وآخر ،بأن (س) من الناس قد ّ نصدق هذا النوع من األنباء بسرعة ،إال بعد أخذه من قنواته السليمة والصحيحة فإننا ال يمكننا أن ّ 66
مذكراتي – الجزء ()6
تحول بهذه والجلوس مع صاحب الشأن ؛ ألن ذلك الجو المكهرب بتلك الثقافة المعروفة ال يمكن معها ال ّ السهولة والبساطة وتغيير القناعة. وخصوصاً الشيخ األوحد (قدس سره) إذ يعتبر بالنسبة لنا بعد المعصومين (عليهم السالم) وإن لم نعتبره
صرح في كتبه بأنه ي ّتبع من ال يخطؤون ،كما نقلنا عبارته معصوماً ّ نظرياً ،ولكن عم ّلياً نعتبره ذلك ؛ ألنه ّ
في المذ ّكرة الرابعة من كتابه شرح الفوائد ،والتي نتغنى بها على الدوام ،بقوله :
أثبت في كتبي فهو عنهم ،وهم عليهم السالم معصومون "....لم يتطرق على كلماتي الخطأ ؛ ألني ما ُّ عن الخطأ ،والغفلة والزلل ،ومن أخذ عنهم ال يخطئ ،من حيث هو تابع.. ". المصدر/شرح الفوائد للشيخ. صرح بمثل هذا الكالم أيضاً في بعض كتبه ،وهو مع العلم بأن المرحوم المال صد ار الشيرازي (رحمه هللا) ّ الذي له تفسير كامل للقرآن الكريم ،وشرح ألصول الكافي للكليني (رحمه هللا) والشيخ األوحد ليس له ذلك! ولكن الحب يعمي ويصم. الفالحين: تحول من تقليده للمير از إلى مجته ٍد آخر وهو من ّ ح ّتى قال لي أحدهم ممن ّ بالخزامة -وله شيء العَلم العظيم إلى أشبه ٍ ّ أنتم مع األسف الشديد ّ حولتم الشيخ األوحد (رحمه هللا) هذا َ
الم َث ُل األعلى. - َ
الخزامة!؟ قلت له :وما هذه ّ ُ فقال :هي التي توضع في أنف البقرة أو الثور أو البعير ،فينساق أو ينصاع الحيوان معها تلقائياً مع
الخزامة هذه تؤلمه كثي اًر ،فيضطر أن ينساق مع قائده بكل سهولة .ومنه القائد دون أدنى مقاومة ؛ ألن ّ قوله تعالى:
ِ ن). ْكُلو َ وب ُه ْم َو ِمْن َها َيأ ُ ( َوَذَّلْلَن َ اها َل ُه ْم َفمْن َها َرُك ُ سورة يس72
67
مذكراتي – الجزء ()6
بخالف ما إذا كان أحدهم يحاول أن يقود الثور أو البقرة أو البعير من القرن أو من األذن أو الذيل أو عبث به عن طريق هذه األعضاء ،وربما ينطحه أو يرمحه!! ما شابه ؛ فإنه يقاوم من َي ُ فقلت له :وما هي عالقتنا بهذا الم َثل؟ وكن هادئاً معي! فقال لي :أوالً ال تنفعلُ ، فقلت له :تفضل ..أوضح. يحدثكم عن الشيخ األوحد (رحمه هللا) كأنه قد لزمكم من الجهة التي تؤلمكم، قال لي :إن الشخص الذي ّ
غير صحيح ،وال يلتقي ولذا فإنكم تطمئنون له وتنساقون معه انصياعاً ال حدود له ،ح ّتى ولو كان كالمه َ بفكركم ال من قريب وال من بعيد ،بل فيه إشكاالت وعيوب أو ما أشبه ،ولكن بما أن فالناً قاله ،إذن فهو
في منتهى الصواب ،بصرف النظر عن القائل من يكون؟
لشيء إال وكم رأينا من يستحسن القبيح من قريب أو حبيب ،ويستقبح أحسن الحسن من آخر ،أبداً ال ٍ
أنه أكمل منه وأفضل!
الدجالين والك ّذابين من خارج السرب ،ممن َدَر َسكم عن كثب ،وعرف كل شيء عنكم حتى أن البعض من ّ ؛ من نقاط القوة والضعف ،كان إذا أراد منكم شيئاً ،وربما تكون ّنيته سيئ ًة للغاية تجاهكم -كما حدث عدة من قضايا مالية أو ما شابه -فما عليه إال أن يتلبس بلباس الشيخ األوحد (رحمه هللا) في مواقف ّ
يصل إلى مآربه بكل سهولة !! مع أنه شخص غريب عنكم وغير معروف ويزعم أنه من أتباعه ،ثم ُ عندكم ،وربما نصحكم باالبتعاد عنه بعض محبيكم ،ممن كان على صل ٍة به ،ويعرفه بأتم المعرفة ،إال يتلبس بلباس الشيخ (رحمه هللا) وهو في صورة حمل إنكم تتخذون الناصحين لكم أعداء ،والعدو الذي ّ ً وديع ،ولكن قلبه قلب وحش كاسر ،تتخذونه صديقاً حميما!! ً ولكنكم تكتشفونه متأخرين مع األسف الشديد ،وكما يقال حسب المثل العربي :سبق السيف العذل! المر ،الذي تعيشونه مع بعض الغرباء الذين يدخلون في بيئتكم ،دون أن تكّلفوا أليس هذا هو الواقع ّ أنفسكم عناء البحث والسؤال عنهم!؟ من هم؟
68
مذكراتي – الجزء ()6
من أين جاءوا ؟ وما هو هدفهم وغرضهم؟ لماذا تسمحون لهؤالء أن يقودوكم لمآربهم الخاصة؟ طبعاً ..كالم هذا الناصح الصادق صحيح ،%١00وللعلم هناك شواهد على هذا الكالم المؤلم ،وقد رأيتها وشاهدتها ،سواء في الخارج أيام إقامتي في سوريا ،أو في األحساء.
فعلى كل حال.. البد له من أن يلتحم ببيئته وظروفه االجتماعية ،شاء أم أبى ،فكيف يكون إن من يولد في بيئة ماّ ،
اإلنسان ُحّاًر وهذه هي حاله !؟ وقد صدق من قال :
مسيٌر واقعا" ً. مخيٌر ظاه اًرّ ، "إن اإلنسان ّ فالبد أن يكون متطبعاً بنفس تلك البيئة ،مستصحباً ولذلك مثلي مثل غيري ممن يولد وينشأ في بيئة ماّ ، ّ أحوالها ،حامالً بصماتها وسماتها. بالرقيات ،من عائلة ملتزمة -وهلل الحمد والمن -تؤمن فقد كانت والدتي ونشأتي في مدينة الهفوف ّ فقهياً إلى من ي ّتبع بعمق بتعاليم الشيخ أحمد بن زين الدين األحسائي (األوحد) -رحمه هللا -والرجوع ّ مسلكه في العقيدة والكالم ،ولهذا كان من الطبيعي أن أ ّتبع ما ألفيت عليه آبائي وأجدادي.
بعد انكشاف عدم اجتهاده:
مفصالً في الحلقة الماضية بعد أن انكشف لي عدم اجتهاد مير از عبدالرسول اإلحقاقي -كما ّ بينت ذلك ّ -واجهني أمر جديد ومشكلة عويصة جداً ،وهو األمر الذي أوقعني في حيرة شديدة أال وهو موضوع
العقيدة!!
69
مذكراتي – الجزء ()6
كيف أختار لي شخصاً من الفقهاء وأقّلده وهو ال يؤمن بما جاء به موالنا الشيخ األوحد (قدس سره)!؟ كيف أقّلد شخصاً يرى هذه األمور التي أشار إليها الشيخ حسين الفهيد -كما ذكرتها في الحلقة الرابعة، حيث طرح عدة تساؤالت قائالً :
شخص يرى شريكاً للباري عز وجل!؟ ▪ هل تقبل على نفسك أن ترجع إلى ٍ ▪هل نقّلد شخصاً يقول أن هللا تعالى َعَل ٌم على الذات المقدسة!؟ يقر بوحدة الوجود!؟ ▪هل نرجع في التقليد إلى من ّ ▪هل نرجع في التقليد إلى من يرى نجاسة مدفوعات المعصومين (عليهم السالم) بما فيها نجاسة دم اإلمام!؟ تصور الذات إجماالً ؟! أو أن هللا تعالى علة العلل!؟ ▪هل نرجع في التقليد إلى ٍ شخص يرى جواز ّ ولذلك ليس من فراغ أن نطلق على هؤالء بأنهم ناقصو العقيدة ؛ ألنهم يؤمنون بهذه األباطيل ،وعقيدتهم بها شوائب !! إذن كيف لي أن أسّلم رقبتي لواحد من هؤالء الذين يؤمنون بهذه األباطيل كما نراها!؟ تدريجياً من خالل معايشتي تبين لي ّ لكن بعد دخولي الحوزة العلمية ودراستي على أيدي الفضالءّ ، هامة منها: ألجواء أهل العلم والفضل أمور ّ أناس عوام ال صلة لهم بالعلم والمعرفة ،وأننا أناس ظالمون للعلماء أننا نعيش في أوهام نسجها لنا ٌ التشيع ال مظلومون ،كما نصف أنفسنا بذلك ؛ ألننا نقوم بجرم كبير وظلم عظيم ،ال سابقة له في تاريخ ّ
كله ،وهو الوقيعة في العلماء والطعن فيهم ،وفي عقائدهم .والمشكلة األعظم من ذلك أننا ال نشعر بهذا الداء العضال!!
التكبر أننا نصف أنفسنا بأننا أصحاب العقيدة الصحيحة والكاملة التي ليس بها شوائب ،وهذا عين ّ
والغرور ؛ ألن هذا فيه اعتداد بالنفس وحدها ومصادرة ما عداها من المؤمنين. ولذلك فإن جميع المشائخ من أتباعنا يقولون للعامة من الناس:
70
مذكراتي – الجزء ()6
أن العقائد على مستوى التوحيد الخالص ،واالعتقاد بمقامات المعصومين (عليهم السالم) ال يوجد ذلك نحن األوحدية أتباع الشيخ األوحد -وإن كل العلماء المعاصرين وغيرهم ،أهل شرك من إال عندنا ُ - حيث ال يشعرون -والعياذ باهلل -وأهل تقصير في حق المعصومين (عليهم السالم) ونقص عقيدة ،وال يجوز الرجوع إليهم في التقليد الفقهي ! ولذلك يدندن البعض ويتغنى بذلك البيت الشعري البائس القائل: الجبار إال من به ما ّ وحد ّ علقت عقائدنا فكان األوحدا وكأن هذا البيت آية من السماء ،أو حديث شريف عن أهل البيت (عليهم السالم). بأي صلة. وهلم ّاً جر من األفكار المسمومة التي ال ّ ّ تمت إلى مدرسة أهل البيت (عليهم السالم) ّ ويمكن مناقشة هذا األمر على قسمين: أ -هل العقيدة من شروط التقليد؟ عندما نبحث في مصطلح التقليد نجد بأنه من المصطلحات الفقهية دون العقدية ،وأنه ينحصر في المسائل الشرعية ،أما العقائد فال تقليد فيها ،وهذا ما ذهب إليه علماء الطائفة كلهم ،بما فيهم علماء اإلحقاقية الذين نرجع إليهم في التقليد ،كما كان يرجع إليهم آباؤنا وأجدادنا من قبل .ومنهم المير از موسى صرح كل واحد منهم بهذا األمر، الحائري (رحمه هللا) وابناه المير از علي والمير از حسن (رحمهما هللا) فقد ّ سواء من خالل الرسالة العملية أو من خالل اإلجابة على بعض المسائل الشرعية. المسماة بـــ (لطائف الدرر) فمثالً المير از موسى الحائري (رحمه هللا) ذكر في رسالته العملية المختصرة ّ أنه ال يجوز التقليد في أصول الدين ،بل يجب على جميع المكّلفين العلم بها بطريق القطع واليقين ،فال الظن الحاصل من تقليد الغير والحدس والتخمين( .لطائف الدرر :ص.)٨ يكفي ّ وكذلك ما ذكره المولى المذكور في رسالته األخرى المفصلة المعروفة بـــ (درر األحكام في معرفة الحالل ّ والحرام). العملية المعروفة بمنهاج الشيعة. وكذلك المير از علي في رسالته ّ 71
مذكراتي – الجزء ()6
وكذلك المير از حسن (رحمه هللا) ذكر في رسالته العملية (أحكام الشيعة) هذا العنوان العريض: ال يجوز التقليد في أصول الدين. وكذلك ابنه المير از عبدالرسول في رسالته (أحكام الشريعة) وهي عينها رسالة أبيه بال فرق بينهما ،وقد ذكر نفس الكالم. وقد ذكر المرحوم المير از موسى في بعض أجوبته على بعض المسائل الشرعية بأن األولى أن تكون
المقَّلد. المسائل العقائدية متوفرة لدى العالم َ
فأوالً :إن األولى هو مصطلح فقهي بصيغة أفعل التفضيل ،بمعنى أن المسألة ُتحمل على نحو االستحباب.
ورأيه ذكره (رحمه هللا) في معرض إجابته على سؤال ُو ِّجه إليه ،وألهل العلم الحق في مناقشته ومعرفة مدركه في هذه المسألة. وثانياً :هذا تحصيل حاصل ؛ ألن كل أعالم الطائفة العظام متوفر فيهم هذا األمر. وفي هذه المسألة كالم ،كما وقد ناقش الشيخ األوحد (قدس سره) هذه المسائل الفقهية ولم يختلف رأيه
ِ قرره علماء عن رأي العلماء األصوليين المتقدمين والمتأخرين ،ولم ُيض ْف شرطاً جديداً زائداً على ما ّ مدرسة األصول .وباإلمكان مراجعة ذلك في كتابه جوامع الكلم. ولما سئل المير از حسن (رحمه هللا) عن تقليد المجتهد كامل العقيدة ،وإنه بماذا يتحقق كمال العقيدة ّ ليصبح تقليد العالِم جائ ازً عندكم؟ قال رحمه هللا : "يكفي أن يؤمن بمضامين الزيارة الجامعة الكبيرة". وهذا الشرط متوفر عند جميع طالب العلوم الدينية ،فضالً عن العلماء والفقهاء العاملين. نؤرخ لمصطلح كامل العقيدة وناقص العقيدة ،فإننا نجد أن هذا المصطلح مصطلح متأخر، وإذا أردنا أن ّ ولم نعثر عليه في تراث الشيخ األوحد (رحمه هللا) وال في تالمذته المباشرين! فإن مسألة كمال العقيدة ونقصها في المجتهد لم يذكره الشيخ األوحد في كتبه .وبإمكان القارئ أن يراجع كتبه في ذلك ،فإن عثر على شيء من ذلك فنحن له شاكرون. 72
مذكراتي – الجزء ()6
مد ٍع أن مصطلح كمال العقيدة هو متولد من تراث الشيخ األوحد ،فهذا غير صحيح البتة يدعي ّ وإن كان ّ ؛ ألن نواقضه في كتبه كثيرة يطول في بسطها المقام.
وما الشيخ (قدس سره) إال عَلم من أعالم الشيعة الكبار ،ولم ِ يأت بما ُيخالف ما هم عليه ،وإن تراثه ذو السمة اإلبداعية -كما يصفه أتباعه -في مجال األصول واللغة والكالم والحكمة ،ال يمكن أن ُيتداول ّ العامة أو اتخاذه بالتشدق بمصطلحاته وبعض عباراته فوق المنابر إلطراب إال بين أهل العلم ،وليس ّ ّ عنواناً يحوز مكاناً خاصاً بين شيعة آل محمد عليهم السالم.
تامة أم ال؟ ب -هل علماء الطائفة (أعلى هللا كلمتهم) عندهم عقائد كاملة ّ إنه من الفداحة بمكان إذا كان علماء الطائفة ليس عندهم عقائد ! فمن أين تؤخذ العقائد إذا!؟؟ ً العامي هو صاحب العقيدة الكاملة ،وأنه أفضل من ذلك العالِم كبير العمامة وإذا كان يتردد عندنا كثي اًر أن ّ
ِ أي ما، في النجف األشرف وقم المقدسة ،فهذا يعتبر من الجهل بمكان .حيث أن العالم إذا وصل إلى ر ٍ شك ؛ ألنه أقل مما عند باجتها ٍد وتفحص ودليل ،ح ّتى على فرض أنه َّ العامي كنتيجة ،فهو أفضل بال ّ ّ ّ يملك لرأيه الدليل .فالمسألة عند هللا عز وجل ال تقوم على النتائج دون البحث عن دالئل تلك النتائج،
وهذا هو الفرق بين العالِم والجاهل.
فإن العالِم يملك الدليل على ما يقول ،والعدل اإللهي ينسجم مع النتائج القائمة على األدّلة ،ال النتائج
هرف بها دون أن ُيعرف. نعق بها دون معرفةُ ، وي َ التي ُي َ
ومن هنا فقد قال النبي األعظم (صلى هللا عليه وآله وسلم): ِ خير من عبادة الجاهل". "نوم العالم ٌ أجمل بها هذه المذ ّكرة ؛ وإليك أخي الكريم (رعاك هللا) بعضاً من عقائد بعض أعالم الطائفة المعروفينّ ، ألنه راعني كثي اًر ما سمعته وأسمعه عن مشائخنا أنهم يقولون سواء في جلساتهم الخاصة أو ح ّتى على منابرهم وفي بياناتهم دون حياء وال رادع من دين أو ضمير ،بأن العلماء الموجودين ليس عندهم عقائد،
يدق عليه أولئك النفر من أتباعنا مقّلدي المولى (هداهم هللا) ما ذلك إال من أجل أن وإن الناقوس الذي ّ
73
مذكراتي – الجزء ()6
اقعيون ،وأنه ال وجود لعقائد صحيحة وصافية يحبسوا الناس عن تقليد علماء الطائفة وهم الفقهاء الو ّ من الشوائب إال عند التابعين للشيخ األوحد فقط! عز وجل ،أال يخافونه! .؟. أال ي ّتقون هللا ّ تثبت ،ونسوا قوله تعالى : إنهم يضربون ضرب عشواء دون ّ ِٰ ان َعْن ُه َم ْسُئوًال). س َل َك ِب ِه ِعْل ٌم ۚ ِإ َّن َّ ( َوَال َت ْق ُ الس ْم َع َواْلَب َصَر َواْل ُف َؤ َاد ُك ُّل أُوَلئ َك َك َ ف َما َل ْي َ سورة اإلسراء36 وقال سبحانه وتعالى: ِ (وَال َتُقوُلوا لِما َت ِصف أَْل ِسَن ُت ُكم اْل َك ِذب ٰه َذا ح َال ل و ٰه َذا حرام لِ َت ْف َتروا عَلى َّ ِ ِ ين َي ْف َتُرو َن َعَلى ُ َّللا اْل َكذ َب ۚ ِإ َّن َّالذ َ َ َ َ ٌ َ َ ََ ٌ ُ َ َ ُ َ َّ ِ َّللا اْل َك ِذ َب َال ُي ْفلِ ُحونَ). سورة النحل116
فمن العلماء الماضين: يقول زعيم الحوزة العلمية آية هللا العظمى السيد أبو القاسم الخوئي (رحمه هللا تعالى) في مصباح الفقاهة الجزء الخامس صفحة 33 : "الظاهر أنه ال شبهة في واليتهم (عليهم السالم) على المخلوقات بأجمعهم ،كما يظهر من األخبار ؛ لكونهم واسطة في اإليجاد وبهم الوجود ،وهم السبب في الخلق ،إذ لوالهم لما خلق هللا الناس كلهم ،وإنما ُخلقوا ألجلهم وبهم وجودهم ،وهم الواسطة في اإلفاضة ،بل لهم الوالية التكوينية لما دون الخالق ،فهذه الوالية نحو والية هللا تعالى على الخلق" . فحينما نالحظ قوله (رحمه هللا): " لكونهم واسطة في اإليجاد وبهم الوجود " فهذا مجمل ما قاله الشيخ األوحد (رحمه هللا) وأعالم مدرسته في ذلك.
74
مذكراتي – الجزء ()6
ويقول آية هللا العظمى السيد روح هللا الخميني (قدس سره): "وثبوت الوالية والحاكمية لإلمام ال تعني تجرده عن منزلته التي هي له عند هللا ،وال تجعله مثل من عداه من الحكام ،فإن لإلمام مقاماً محموداً ،ودرجة سامية وخالفة تكوينية ،تخضع لواليتها وسيطرتها جميع
ذرات هذا الكون". ّ
راجع الحكومة اإلسالمية ص. 25
ويقول المحقق األصفهاني (رحمه هللا) في تعليقته الشريفة على كتاب المكاسب للعالمة الشيخ األنصاري : " النب ي واألئمة لهم الوالية المعنوية والسلطنة الباطنية على جميع األمور التكوينية والتشريعية ،كما أنهم مجاري الفيوضات التكوينية ،كذلك مجاري الفيوضات التشريعية ،فهم وسائط التكوين والتشريع وفي المفوض إليه دين هللا. نعوت سيد األنبياء (صلى هللا عليه وآله) ّ راجع تعليقة ج ٢ص. 379 ويقول آية هللا العظمى الشيخ الفاضل اللنكراني(رحمه هللا) في أجوبته على بعض األسئلة المتعلقة بموضوع الغلو: "من ال يعتقد بربوبية أمير المؤمنين (عليه السالم) وال يعتقد بتفويض األمور إليه ،أو إلى أحد من ُوْلده
وإنما يعتقد بأنه وغيره من المعصومين بعده والة األمر ،وإنهم كما ثبتت لهم الوالية التشريعية ثبتت لهم الوالية التكوينية ،فيقدرون على اإلماتة واإلحياء ،والشفاء واإلغناء بإذن هللا تبارك وتعالى وإقداره لهم مع أزمة حفظ كمال قدرته واستقالله تعالى وعدم انعزاله ،وأن كل شيء بيده وال حول وال قوة إال به ،وكون ّ
ِ المعتقد بهذه العقيدة األمور طُ اًر بيده ،فهذا مع أنه ال يكون مستلزماً للكفر يكون كمال التوحيد ؛ ألن
الصحيحة يعتقد بأن دائرة قدرة هللا ليس لها ٌّ حد محدود ،وإنه تعالى كما يقدر نفسه على اإلماتة واإلحياء، المزية لنفسه فكيف المزية له مع حفظ قدرته وثبوت كذلك يقدر على إقدار الغير على ذلك ،وإعطاء هذه ّ ّ يكون من الكفر والشرك ؟! مع أنه ال محيص من االلتزام بذلك ،باإلضافة إلى طائفة اصطفاهم هللا من
75
مذكراتي – الجزء ()6
وفضلهم على غيرهم ،بمقتضى اآليات والروايات الكثيرة في هذا الباب( .أ َْم َي ْح ُس ُدو َن َّ اس بين الناس ّ الن َ َّللا ِم ْن َف ْضلِ ِه). َعَل ٰى َما َ آت ُ اه ُم َّ ُ سورة النساء 54 للتشيع المعتقدين باإلمامة ،كيف يرى أنه ال فضيلة لألئمة ومن العجب بعد ذلك من بعض المنتحلين ّ (عليهم السالم) على غيرهم ،وأن امتيازهم في مجرد استجابة الدعاء ،وأنهم ال يقدرون على شيء من األمور المذكورة ،فإذا كان المسيح قاد اًر على إحياء الموتى ،غاية األمر بإذن هللا ،كيف ال يكون اإلمام قاد اًر عليه!؟
وتأويل اآلية الظاهرة في ذلك من دون قيام دليل على خالف ظاهره ال مجال له أصالً ،ودعوى رجوعه
إلى الشرك واضحة الفساد ،فإن الشرك ال يتحقق إال باالعتقاد باتحاد الرتبة في الذات أو الفعل أو في العبادة ،وما نعتقده في أئمتنا (عليهم السالم) ال يرجع إلى ذلك بوجه ،فإن قدرتهم تابعة لقدرة هللا وال تكون واقعة في عرضها ،كما أن قدرة الوكيل في طول قدرة الموّكل" .
ويقول آية هللا العظمى الشيخ المير از جواد التبريزي (قدس سره) في جواب سؤال حول الوالية التكوينية: "باسمه تعالى إن المراد بالوالية التكوينية أن نفس الولي بما له من الكمال ،متصرف في أمور التكوين بإذن هللا تعالى، ال على نحو االستقالل ،وهذا هو ظاهر اآلية الكريمة: َّللا). ُحِيي اْل َم ْوَت ٰى ِبِإ ْذ ِن َّ َِ ( َوأ ُْبر ُ ص َوأ ْ ِئ ْاألَ ْك َم َه َو ْاأل َْبَر َ سورة آل عمران 49 وقوله : ِ ِ ك). طْرُف َ َن َيْرَتَّد ِإَل ْي َك َ يك ِبه َقْب َل أ ْ (أََنا آت َ سورة النمل40
76
مذكراتي – الجزء ()6
حيث نسب الفعل إلى المباشر إلى نفسه ،كما أن المراد من اإلذن في اآلية اإلذن التكويني ،بمعنى القدرة المفاضة من قبل هللا تعالى ،ال اإلذن التشريعي. وأما اآليات النافية كقوله تعالى: ( ُقل َال أ ِ ِ ِ َّ َّللاُ). اء َّ ْ َمل ُك لَن ْفسي َن ْف ًعا َوَال َضًّار ِإال َما َش َ ْ سورة األعراف188 التصرف ،ال نفي الوالية المعطاة من قبل هللا تعالى ،هذا مضافاً إلى أن فالمقصود بها نفي االستقالل في ّ األولياء ال يتصرفون في التكوينيات استجاب ًة لكل اقتراح ُيطرح عليهم ،وإنما في خصوص الموارد التي شاءت حكمة هللا التصرف فيها ؛ لحفظ مصالح التشريع والتكوين .وبالجملة فالوالية التكوينية بالمعنى
المتدبر في اآليات والمتتبع لحاالت الذي ذكرناه من العقائد الواضحة التي ال مجال للتشكيك فيها عند ّ األ نبياء واألئمة (صلوات هللا عليهم أجمعين) في األحاديث واألخبار ،وهللا الهادي إلى سواء السبيل. (راجع األنوار اإللهية ص.) 79
ويقول أيضاً (رحمه هللا): "المسّلم عندنا أنهم (عليهم السالم) وسائط بين هللا تعالى وبين خلقه ،وال نعرف تفصيل ذلك ،وما نعلمه
أنهم (عليهم السالم) مأذونون من قبله تعالى في التصرف في الكون ،إذا اقتضت المصلحة ذلك ،فإنهم (عليهم السالم) ليسوا أقل من األنبياء السابقين على نبينا ،وقد ورد عن عيسى (عليه السالم) أنه كان ُيحيي الموتى بإذن هللا ،وهللا العالم. ويقول أيضاً (رحمه هللا) في جواب سؤال (هل االعتقاد بأفضلية أهل البيت على الخلق واجب من ضروريات
المذهب؟):
"باسمه تعالى إنكار األفضلية غير جائزة ؛ ألنه مخالف للكتاب المجيد ،كما في أجوبة سابقة ،ولكن الذي ال يلتفت إلى ويدعي أنه ال داللة في الكتاب المجيد على األفضلية ،ال يخرج عن اإلسالم وهللا العالم" . ذلك ّ 77
مذكراتي – الجزء ()6
راجع األنوار اإللهية ص124. ويقول أيضاً (رحمه هللا): "ال نعلم من حقيقتهم إال أن أنوارهم مخلوقة قبل خلق األشياء ،وأجسادهم باقية على حالها ،مفارقة ألرواحهم .وهللا العالم" . راجع األنوار اإللهية ص142. خلقت األفالك ،ولوال علي ويقول أيضاً (رحمه هللا) في جواب سؤال (جاء في الحديث " لوالك يا محمد ما ُ ّ نوجه هذا الحديث ):؟ خلقتك ،ولوال فاطمة ما ُ ما ُ خلقتكما " .كيف ّ "باسمه تعالى المراد مما ذكرتم أنه لو كان في علم هللا سبحانه ،عدم وجود هذه السلسلة من الذوات المقدسة الطاهرة المطهرة (عليهم السالم) ،لما خلق هللا العاَلم على ما في الخبر ،وكان األمر كما كان قبل العاَلم ،وهللا ِ العالم ". راجع األنوار اإللهية ص91. ويقول أيضاً (رحمه هللا): يدل عليه ما ورد في الحديث "هللا هو المنشئ للكون ،وقد يكون الداعي منه هو خلق النبي واألئمة ،كما ّ
من قوله تعالى مخاطباً نبيه (صلى هللا عليه وآله): خلقت األفالك). (لوالك لما ُ راجع األنوار اإللهية ص. 85
ومن العلماء المعاصرين : يقول آية هللا العظمى الشيخ حسين الوحيد الخراساني (حفظه هللا) مخاطباً اإلمام الحجة (عجل هللا فرجه
وعليه السالم):
78
مذكراتي – الجزء ()6
سيدي لقد عشنا عمرنا على مائدتك ،وباسمك ،قدمنا أنفسنا إلى الناس ،لكّنا عندما نراجع حسابنا ،نجد
أننا ما عرفناك ،وال عرفنا قدرك ،وال ّأدينا تجاهك واجب االحترام ! بل إني أتساءل كيف سيحاسبنا هللا ونزلنا مقامك إلى مستوياتنا ؟ تعالى ؛ ألننا أنقصنا من حّقك ّ
يا من هو الواسطة في فيض نعم هللا على خلقه ،يا من جعله هللا الذي منه الوجود فاعل ما به الوجود. ذرة من ملكه ،فقد تعلمنا منكم التوحيد والتنزيه والتحميد ،فنحن نشهد أن ال وحاشاك أن نشركك معه في ّ َّللا َر ُّب اْل َعاَل ِمينَ). إله إال هللا وحده ال شريك له (أََال َل ُه اْل َخْل ُ ق َو ْاأل َْمُر ۗ َتَب َار َك َّ ُ سورة األع ارف54 لكننا نعتقد أن ما استثناه تعالى بقوله : ِ َّ فيضه وعطائه لخلقه ،فحيثما كان عطاء إلهي َّللا).هو الكثير الكثير ،فقد جعلكم واسط َة اء َّ ُ (ِإال َما َش َ فأنت موجود ،وحيثما كان فعل إلهي فأنت وسيلته ..فالّن َفس الذي نتنفسه من هللا تعالى بكم ،والنظر الذي
ننظر به من هللا تعالى بكم ،والخطوة التي نخطوها من هللا بكم ،نحن نعتقد أنك ال تملك من نفسك شيئاً،
لكنك تملك باهلل العظيم ما مّلكك ! فأنتم أهل البيت ،وأنت يا إمام العصر رحمة هللا الواسعة التي وسعت كل شيء ،وخير لنا أن نصمت عن مديحكم ،ونتركه لمن هو أكفأ مّنا ،فإنما أردنا هذا اليوم أن نفهم أننا
مقصرون جاهلون عاجزون ،وأن نطلب العذر لتقصيرنا نحن بهذا الحديث عنك ،نعرض أنفسنا أمامك، ّ
لعلك تتفضل علينا بنظرة.
راجع كتاب الحق المبين ،تحت عنوان :كيف يستحق اإلمام مقامه؟ ويقول أيضاً (حفظه هللا): ِ تستوف بحثاً، عرفني حجتك ..إن المعرفة الكاملة لحجة هللا تعالى فوق مستوانا ! وهي مسألة لم "اللهم ّ السر يقصروا ،لكن ّ وإن كان أعيان علمائنا (رضوان هللا عليهم وجزاهم هللا خي ارً) قد بذلوا جهوداً كبيرة ولم ّ في عظمة المطلب وليس في تقصير الباحثين في مسائل اإلمامة.
إن عظمة مطالب اإلمامة وعلو مقامها توجب أن ال نتوصل إلى أعماقها بسهولة" . راجع الحق المبين تحت عنوان :كيف يستحق اإلمام مقام اإلمامة؟
79
مذكراتي – الجزء ()6
وأما وبالنسبة إلى سماحة آية هللا العظمى السيد علي السيستاني (دام ظله الشريف) فإني لم أجد له كالماً أو بحثاً يتعلق بهذا الموضوع تحديداً ألنقل منه ما يناسب المقام .ولكن يظهر لنا من خالل تتبعنا القاصر ألجوبته على بعض المسائل الشرعية بشكل عام ،والعقائدية بشكل خاص ،أن سماحة السيد
(حفظه هللا) يؤمن بالمقامات العالية والرفيعة ألهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السالم). فمثالً جواب سماحته على سؤال ُو ّجه له وهو: سيدنا الجليل. . فأيهما أولى ،أن ُ نحن في مسجد الحي نق أر بعد صالة العشائين من ليلة الجمعة الزيارة الجامعة الكبيرةّ ، ُتق أر هذه الزيارة أو دعاء كميل الذي ُيستحب قراءته في مثل هذه الليلة؟ وجواب سماحته: كل أحد بدعاء كميل منفرداً فالخلوة دع ُّ األولى هو الجمع ،فإن لم يمكن فاألولى أن ُتق أر زيارة الجامعة ،و َلي ُ فيه مطلوبة.
ختم المكتب بتاريخ ١٦جمادى اآلخرة ١٤٢3هـ وكذلك جوابه الشريف على سؤال ُو ّجه له حول الزيارة الجامعة الكبيرة ومدى صحتها وصدورها من
المعصوم (عليه السالم) والسؤال وجوابه مخطوط ومختوم من مكتبه الشريف ،وأظنه موجود على موقعه الرسمي. حيث أجاب بقوله: "في هذه الزيارات ال ُينظر إلى صحة السند ،وإنما العبرة بالوثوق لصدورها واالطمئنان بها ،وزيارة الجامعة
كما قال المجلسي (قدس سره) من أصح الزيارات سنداً ومتناً ،ومضامينها خير شاهد على صدورها من
المعصوم (ع) الذي هو معدن العلم ومهبط الوحي ،فإن فقرات هذه الزيارة ال تكون صادرة إال عن مقام الرباني وال يشكك فيها إال ضال أو منحرف أو مكابر. الوحي واإللهام ّ 80
مذكراتي – الجزء ()6
ختم المكتب وقال مجيباً على سؤال: ما مدى صحة كل من الزيارة الجامعة ،زيارة عاشوراء؟ باسمه تعالى االعتبار في مثل األدعية والزيارات بعلو المضامين ورفعة المداليل ،ويكفي لمثل زيارة الجامعة وعاشوراء مضامينها الرفيعة ،وال ُيبحث في مثلها عن السند. ختم المكتب ٢3
ربيع الثاني ١٤٢٢هـ
وقال (حفظه هللا وأبقاه) مجيباً على سؤال ُو ّجه لسماحته : هل تستحب الصالة في م ارقد األئمة المعصومين(عليهم السالم)؟ الجواب: تستحب الصالة في مشاهد األئمة (عليهم السالم) بل قيل إنها أفضل من المساجد ،وقد روي أن الصالة عند علي (عليه السالم) بمائتي ألف. وهذا كما هو موجود في موقعه مركز األبحاث العقائدية. فهذا شأن المراقد فكيف بالمعصومين أنفسهم (ع). نتلمس فكر وتقرير آية هللا العظمى السيد السيستاني (دام ظله) بالنسبة لما يطرحه العلماء ونستطيع أن ّ
أدل على األجالء من عقائد وأفكار ،من خالل بعض البيانات الصادرة من مكتبه وإمضائه عليها ،وليس ّ ذلك من البيان الصادر عنه (مّد ظله الشريف) بعد وفاة آية هللا العظمى الشيخ المير از جواد التبريزي ُ
يدل على (قدس سره) فإنه بيان ليس ّ عادياً بكلمات عابرة فيها لو ٌن من المجاملة أو ما شابه ،وإنما ّ توافق في المواقف واألفكار التي يطرحها آية هللا العظمى الشيخ التبريزي (قدس سره).
81
مذكراتي – الجزء ()6
ويعجبون والغريب في أمر جماعتي التي أنتمي إليها ،أنهم حينما يستمعون إلى بعض الخطباء الحسينيين ُ بطرحهم حول مقامات المعصومين (عليهم السالم) يجلبونهم للقراءة عندهم في الحسينيات التابعة لهم، وهذا واقع ملموس عندنا سواء في األحساء أو الكويت ،وإن كانت هذه الظاهرة في الكويت أكثر. ولكنهم لم يسألوا أنفسهم: هذه عقيدتهم في األئمة المعصومين (عليهم السالم) إذن كيف هي عقائد علمائهم وفقهائهم الراجعين إليهم!؟
خالصة: المتقدمين أو المتأخرين نفهم من خالل ما سبق ذكره ،بأن علماء الطائفة (أعلى هللا كلمتهم) سواء من ّ وح ّتى المعاصرين منهم ؛ ال يختلفون في عقائدهم عما يطرحه الشيخ األوحد (رحمه هللا) في مقامات
معين واحد. المعصومين (عليهم السالم) بالجملة ؛ ألنهم يشربون من ٍ
وإال إذا اعتبرنا أن ما جاء به موالنا الشيخ األوحد (رحمه هللا) معيا اًر وميزاناً للتقليد ؛ إذن علينا أن
نشطب بقلم عريض على كل علماء اإلمامية وعقائدهم منذ عصر الغيبة ح ّتى تاريخنا المعاصر!!
التامة الكاملة التي جاءوا بها ،وهي متقاربة من فماذا نريد من علمائنا األجالء بأكثر من هذه العقائد ّ حيث طرح الشيخ األوحد (قدس سره) وما جاء به من فكر إلى درجة التطابق!؟ بل إن بعض األفكار العقائدية التي جاء بها الشيخ (رحمه هللا) هي عينها قد سبقه بها بعض أعالم أحد من قبله ،مع يتصور البعض بأن هذه الفكرة أو تلك لم يسبق الطائفة الماضين ،ولكن َ الشيخ بها ٌ ّ الح َّب الذي ُيعمي العلم بأنها موجودة عند غيره ممن سبقه بسنوات ،ح ّتى قبل والدته ،ولكن َ هللا ُ قات َل ُ ويصم. ُ
أذعنت للحق دون مكابرة ،أو شك، عت على هذا الفكر العقدي الصافي ،الذي ال يشوبه ّ ُ ولذلك عندما وق ُ
لف ودوران ،وليس يعني ذلك بأني قد أعرضت عن الشيخ األوحد (رحمه هللا) بالمطلق ..أبداً ،ليس األمر ّ نظرت إليه باتزان كما أنظر إلى غيره من علماء الطائفة بإنصاف ،لكن ال يعني أني أضعه كذلك ،ولكنني ُ معيا اًر كاألئمة (ع) في الحب والبغض ،وإال فما الفرق بينه و بينهم (ع)؟ 82
مذكراتي – الجزء ()6
كنت أتوقع. فأنا وجدت ضاّلتي من العقائد عند علماء الطائفة أكثر بكثير مما ُ ُ ينص في جوابه على السؤال الذي ُو ّجه إليه : بينما المير از حسن (رحمه هللا) ّ ما هو معيار كامل العقيدة عندكم ،وكيف نرى مصداق ذلك في العالم الذي يستحق التقليد؟ فقال (رحمه هللا): أن يؤمن بالزيارة الجامعة الكبيرة ألهل البيت (عليهم السالم). مر علينا ذلك. وهذا المقدار المتيّقن بال شك نجده في سائر علماء الطائفة ،كما ّ بقي أن أشير إلى نقطة في غاية األهمية ،وهي اتهام علماء الطائفة بالشرك وعدم امتالك التوحيد الخالص ،من خالل الترويج لبعض المصطلحات الفلسفية والكالمية بين عوام الناس ممن ال يفهم هذا أشرت إليها على نحو اإلجمال وهي ما ساقه الشيخ حسين الفن ،وال يدري ما يدور في أجواء العلم .وقد ُ الفهيد في كالمه.
وهذا ما سأثيره في الحلقة القادمة إن شاء هللا.
83
مذكراتي الجزء ()7
مذكراتي – الجزء ()7
الجزء السابع اج َه ُت في طريقي بعض تعر ُ فت على كمال عقيدة علماء الطائفة (أعلى هللا كلمتهم) عن َك َث ٍب ،و َ بعد أن ّ
تربينا ونشأنا العقبات ،وهي من مخّلفات الماضي ،إذ ال تزال عالق ًة في ذهني ؛ بحكم التغذية الخاطئة التي ّ عليها منذ الصغر من قبل مشائخنا وجماعتنا (سامحهم هللا وعفى عنهم) .وتتمّثل هذه العقبات في بعض
كرسه في المصطلحات الفلسفية والكالمية ،التي لم نكن نفقه معناها الحقيقي من قبل ،إال بمقدار ما ّ تمت إلى الواقع بصلة. أذهاننا مشائخنا الذين أشرت إليهم سابقاً ،وهي ال تعدو كونها مغلوطة ،وال ّ ُ وهذه المصطلحات مثل : ◇شريك الباري (ممتنع الوجود لذاته). المقدسة. ◇هللا َعَل ٌم على ال ّذات ّ تصور الذات إجماالً. ◇ ّ ◇وحدة الوجود. ◇هللا عّلة العلل. جر من هذه المصطلحات التي من المفترض أن ال ُيسمح بنشرها في أوساط العوام ؛ ألنهم ال وهّلم ّاً شيء بالسالح في يد طفل أو مجنون ال يفقهون معناها ،وليست من شأنهم أو اختصاصهم ،فهي أشبه ٍ ُيحسن استعماله ،فكيف ُيعطى ّإياه بهذه الطريقة العشوائية!؟ بال شك أنه ستحدث كارثة كبيرة!! تصور معي بأن هذه المصطلحات الفلسفية التي مكانها في األروقة العلمية بالحوزات ؛ أصبح يستامها ّ جر ً وهلم ّا النجار في منجرته ،والبّقال في بّقالته و ّ ح ّتى ّ الخضار في سوق الخضار ،والفالح في مزرعتهّ ،
!
بينما الشاعر يقول:
85
مذكراتي – الجزء ()7
العلم إال بأهله أالَ ال يروج ُ على العلم من بعد الفحول سالم ولكنني بالرغم من كل ذلك لم ِ مبر اًر أي ٍ أعْر َّ بال لهذه العقبات التي اعترضت طريقي ،إ ْذ ُ قلت في نفسي ّ بهذه التبريرات التالية: وكالمية ،وال تقليد في إن هذه األمور ليس لها عالقة بموضوع التقليد ؛ ألنها مصطلحات فلسفية أوالً ّ : ّ األصول أو الفلسفة ،وإنما التقليد في أحكام الفروع. وقد ذكر المرحوم المير از حسن (رحمه هللا) في أول رسالته العملية أنه ال يجوز التقليد في أصول الدين، البد من اليقين واإليمان بالدالئل والبراهين العقلية ...إلخ وال بالظن الحاصل من أقوال الناس ،بل ّ ّ المصدر /أحكام الشيعة ج ،١ص.٨ مختلف " .كما يقول الشاعر. اض والرأي كل بما عنده ر ٍ ُ ثانياً ٌ " : فالشيخ األوحد (رحمه هللا) إن كان ال يرى هذه األمور فهذا رأيه ،وأولئك العلماء والفالسفة لهم آراؤهم، يخل بأصل المعتقد ،وبأصول المذهب ،فما دخل العوام في هذه المسائل العلمية كل و ٌ يتحمل رأيه ،وهذا ال ّ ّ الدقيقة!؟ وجميل أن أذكر في هذا السياق القصة التالية : درس ومر رجل عادي جداً يقال أنه كان في النجف األشرف ٌ صي في الفقه (البحث الخارج) ّ علمي ّ تخص ٌ ٌ تجمعاً كبي اًر من العلماء وهم يصغون لدرس المجتهد الجالس على المنبر، على مكان ذلك الدرس ،فرأى ّ تخصصي فأعجبه أن يواظب على الحضور معهم ،وإن كان ال ُيدرك شيئاً مما يدور في الدرس ؛ ألنه درس ّ مليء باالصطالحات العلمية ،وهو رجل جاهل لم يدرس شيئاً من العلم.
المدرس ليترك للطالب وعاد ًة ما يحدث نقاش وخالف حول بعض المسائل العلمية أثناء الدرس ،فيتوقف ّ مجال المناقشة والجدال ،فترتفع األصوات وينشغل كل طالب بمناقشة اآلخرين حول المسألة المختلف فيها ،وهنا وجد ذلك الرجل العادي نفسه محرجاً حينما بقي ساكتاً ال يشارك في النقاش!
86
مذكراتي – الجزء ()7
يظل ساكتاً .وبالفعل الحظ الطالب أنه يتكّلم فصمم على أن يكون له صوت حينما يحتدم النقاش وأن ال ّ ّ عال أثناء النقاش ،ولكن لكثرة األصوات وارتفاعها ال يدرون ماذا يقول!؟ معهم بصوت ٍ رمز معروف ،بينما يكون الرجل مستم اًر في فاتفقوا مع المدرس على أن يوقف النقاش فجأة عن طريق ٍ ّ صراخه وكالمه ،ليعرفوا ما يقول!! بصوت عال ٍ : المدرس النقاش فجأ ًة في اليوم التالي ،وإذا بالرجل يهتف ٍ بالفعل أوقف ّ خبز ولحم ...خبز ولحم ...خبز ولحم.. !!. بد من أن يرفع صوته ليثبت وجوده وكفاءته لحضور الدرس ،ولما لم يكن له علم أو رأي يطرحه إنه ال ّ
يردد كلمة " خبز ولحم" . كان ّ
وبأي وسيلة كانت، أي دور ومكانةّ ، وهكذا هم الجاهلون والفاشلون في المجتمعات ،يبحثون لهم عن ّ فإذا لم يجدوها بالكفاءة والعلم ،استخدموا أساليب الجهل والتد ّخل فيما ال يعنيهم بشيء ؛ ليلفتوا بذلك
أنظار الناس إليهم ،لعلهم يحظون بشيء من القيمة أو االهتمام.
الكالمية المعّقدة!؟؟ بربك ما هو دخل العوام بالفلسفة والمسائل ّ وإال قل لي ّ وإال فإن الشيخ أحمد بن زين الدين األحسائي (رحمه هللا) إن كان هناك اختالف بينه و بين المدارس الفلسفية األخرى ،فإن هذا االختالف في أروقة الحوزات العلمية وأجواء العلم فحسب ،وليس مبتذالً في ساحة العوام في سوق الخضار والمزارع وسوق الصفافير!!
ولذلك ُنقل عن المرحوم آية هللا الشيخ محمد الهاجري ( ُقدس سره) أنه قال: إن كثي اًر من االختالف الفلسفي والكالمي الذي وقع بين الشيخ أحمد بن زين الدين (رحمه هللا) وبين نظرائه من الفالسفة ؛ معظمه اختالف على مستوى األلفاظ فقط ،دون االختالف على األصول ،وإال فكّلهم
موحدون هلل تعالى. ّ
والحظ هذا الكالم ممن صدر؟ إنه صدر من َعَلم نعتبره عظيماً من أعالم مدرسة الشيخ األحسائي وهو الشيخ الهاجري (قدس هللا روحه).
87
مذكراتي – الجزء ()7
ممن ال يفقهون شيئاً من هذه األمور وليست عالم هذا الصراع بين عو ّ ام الناس ّ وما دام األمر كذلك ،فإذن َ من شأنهم!؟
ثالثاً :ليس من المعقول أن تغيب عن علماء الطائفة هذه العيوب واألمراض الفكرية التي كان يقوم بتسويقها أتباعنا بيننا على أساس أنها ال تنسجم مع التوحيد الخالص والعقيدة الصافية ألهل البيت
(عليهم السالم) فيما لو كانوا يؤمنون بها كمصطلحات فلسفية ،وتحمل هذه المعاني الغير صحيحة - نحن من زاويتنا ونافذتنا -فبالتأكيد قد يحتفظون بردودهم في محّلها ،على هذه األفكار كما نراها ُ
الردود ؛ لكي نراها عن كثب ؛ ألنه ليس البد أن نقع يوماً ما على تلك ّ واإلشكاالت العالقة في أذهاننا ،و ّ
الموضوعية قوم أو فكرهم من أعدائهم أو مخالفيهم ،فهذا ليس من من الصحيح أبداً أن نأخذ عقيدة ٍ ّ
ذرة من النزاهة والحياد. على اإلطالق ،وليس به أدنى ّ
فنحن نعيب على أبناء المخالفين بأنهم ال يأخذون عقائدنا من كتبنا وإنما من أعدائنا ،فكيف نقوم بنفس ُ
الطريقة واألسلوب!؟
ومع كامل االحترام والتقدير للشيخ أحمد زين الدين (رحمه هللا وأعلى درجاته) إال أنه ال يعيش في دائرة العصمة ،فالعصمة ألهلها. الصحة ،كما هو مفاد القاعدة الفقهية (قاعدة سوق المسلمين) أحمل عمل المسلمين على رابعاً :أنا ّ ُ ثم كيف بعلماء الطائفة !؟ فكيف بإخوتي في الوالية ،ال أقوم على حملهم على حسن ّ الظن بعقائدهم ؟ ّ إذ المشكلة أعظم وأعظم.. وهللا تعالى يقول: يل َّ ِ َّ ِ ين آمُنوا ِإ َذا َضَرْب ُتم ِفي س ِب ِ الس َال َم َل ْس َت ُم ْؤ ِمًنا َت ْب َت ُغو َن َّللا َف َتَبَّيُنوا َوَال َتُقوُلوا لِ َم ْن أَْلَق ٰى ِإَل ْي ُك ُم َّ َ ْ (َيا أَُّي َها الذ َ َ ِ الدْنيا َف ِعْن َد َّ ِ ِ ِ ِ ِٰ ان ِب َما َعَر َ َّللا َك َ ض اْل َحَياة ُّ َ َّللا َعَل ْي ُك ْم َف َتَبَّيُنوا ۚ ِإ َّن َّ َ َّللا َم َغان ُم َكث َيرةٌ ۚ َك َذل َك ُكْن ُت ْم م ْن َقْب ُل َف َم َّن َّ ُ ير). َت ْع َمُلو َن َخ ِب ًا سورة النساء94 وقال سبحانه وتعالى :
88
مذكراتي – الجزء ()7
ِ اسق ِبَنبٍإ َف َتبَّيُنوا أ ْ ِ ِ يبوا َق ْو ًما ِب َج َهاَل ٍة َف ُت ْص ِب ُحوا َعَل ٰى َما َف َعْل ُت ْم َن ِاد ِمينَ). (َيا أَُّي َها َّالذ َ َن ُتص ُ اء ُك ْم َف ٌ َ َ آمُنوا ِإ ْن َج َ ين َ سورة الحجرات6 وقد يأتيني البعض ممن لم يفهم ُمرادي هذا ليقول :أنت تنعتنا بالفاسقين ؟ تتبين من بعدنا ،كما هو غرضك السقيم من وراء استشهادك بآية البيان في هذا السياق!!؟ أجل لماذا ّ وأقول لهم :إن مفهوم اّللقب باطل كما يقول علماء األصول في ذلك ،فحينما أقول : أبدا. علياً كذلك أيضاًً ، (خالد فاسق) ال ُيفهم من كالمي أن ّ أي خبر ووقوعه ،ليس منحص اًر على الكالم أو النبأ الذي يجلبه ويسوقه لنا ّ فالتبين والتأكد من صحة ّ التبين الفاسق ،وإنما كل إنسان ال يعيش في دائرة العصمة فكالمه ّ البد أن نضعه تحت مجهر العلم و ّ
يخصص الوارد .فإن سبب نزول هذه اآلية والفحص ،لنرى صدقه من عدمه ؛ ألن خصوص السبب ال ّ الكريمة معلومة قصته ،وانطباق مصداقه على مفهومه ،ولكنها -أي اآلية -غير منحصرة في الشخص طلت معظم آيات القرآن الكريم في ذلك. الذي نزلت فيه ،وإال لتع ّ فموضع الشاهد:
قررت أن أُبقي هذه األفكار في سنبلها ،ح ّتى يأتي وقتها المناسب إن شاء هللا تعالى .إذ أنه من إنني ّ اسياً في الحوزة. المؤكد أن تزول هذه الشبهات تعمقي در ّ ّ تدريجياً عن ذهني ،مع ّ
الدراسة في الحوزة العلمية: ّ
درست في كتب الفلسفة وعلم الكالم في الحوزة العلمية ،ككتاب المنهج الجديد في تعليم الفلسفة وبعد أن ُ
للشيخ محمد تقي مصباح اليزدي ،وكذلك جزءاً من البداية والنهاية للسيد محمد حسين الطباطبائي (رحمه هللا) وكتاب :النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر للعالمة أبي منصور جمال الدين الحسن
وقمت باالطالع على بعض األبحاث والدراسات الفلسفية والكالمية األخرى، بن يوسف الحّلي (قدس سره) ُ فتبين لي من خالل ذلك عكس كما ُ تحاورت مع بعض األساتذة والزمالء من أهل الفن في الحقل الفلسفيّ ، 89
مذكراتي – الجزء ()7
التصورات الخاطئة من تصور خاطئ عن تلك المصطلحات .وساعد على محو تلك ما ُ ّ كنت أحمله من ّ رك ْت تأثي اًر ملحوظاً في تفكيري ،وب ّثت النزعة العقلية في ذهني األجواء العلمية والدروس الحوزوية ،التي َت َ الشخصيات وجودي ،وتوجيه عنايتي إلى مناهج البحث العلمي ،والحرص على الد ّقة في معرفة األشياء و ّ من حولي.
عامة ،ونصل إلى نتيجة من ك ّل هذه األطروحات والمصطلحات ،بعيداً ولذلك علينا أن نستخلص فائدة ّ المتسرعة ،وما أخذناه من أفكار معّلبة جاهزة دون تأمل ودراية أو عن الخطاب االنفعالي والخالصات ّ متصيدة أو مستنبطة إما من القرآن دراسة ،لنقول أن معظم هذه المصطلحات الفلسفية والكالمية إنما هي َّ
المطهرة ،غاية ما في األمر أنها ِصيغت في قوالب فلسفية جديدة وبألفاظ مختلفة ليس الكريم أو السّنة ّ وسأوضح بالتفصيل إن شاء هللا في هذه أكثر ،أو من دليل الحكمة والعقل دون معارضته للكتاب والسنة، ّ الحلقة من مذ ّكراتي وفي الحلقة القادمة.
البد منه: تنبيه هام ّ أنبه وقبل الخوض في تفاصيل هذه المصطلحات الفلسفية والكالمية ،والتي القراء بهاّ ، ُ البد لي أن ّ وعدت ّ
مهمتين: إلى نقطتين ّ
األولى /حول تسمية هذه المذ ّكرات والغرض منها: تسميها اسماً إن البعض قد ذكر ضمن تعليقاته وانطباعاته على هذه المذ ّكرات ،فقال لي :حرّي بك أن ّ آخر ينسجم مع طبيعتها ،فهي تدور في أجواء ِ الح َجاج الكالمي ،فهي أشبه ما تكون كذلك ،فأعطها اسماً يتناسب مع طبيعة طرحها ،وليس بالمذ ّكرات.
قصتي ،أو دوافع أسباب َتْركي لذلك المنهج سمها ما شئت ،ولكنني ّ البد أن أقوم بتدوين ّ فقلت له ّ : ظْل ُت عليه عاكفاً لسنوات ،وال يزال الكثير يظّلون عاكفين عليه ح ّتى الساعة ؛ ألن الكثير وتفاصيله الذي َ
الحجة يتصورون بأننا ال نملك من أخوتنا األعزاء (حفظهم هللا ورعاهم وهدانا هللا و ّإياهم إلى الحق) ّ ّ الدامغة والدليل الصارم من وراء موقفنا األخير ،بعد عكوفنا على ذلك الخط والمنهج لسنوات ،وال يحاولون
90
مذكراتي – الجزء ()7
يضطر الكثير منهم أن يخوض ذات التجربة التي خضناها ،وخاضها الكثير أن يسألونا عن السبب ،وإنما ّ غيرنا من قبل ،وال يزال البعض يخوضها ح ّتى الساعة.
ضدنا الشائعات الباطلة والكاذبة ،ومنها أن بعض الجهات والبعض اآلخر -لألسف -يحاول أن يشيع ّ
قامت بإغرائنا ببعض المال الذي يسيل له اللعاب ،ثم قمنا بترك ما كّنا عليه من منهج سابق ؛ استسالماً
المادي ال المنطق العلمي والشرعي. للمنطق ّ
بأية صلة .ولكن ماذا نصنع مع وهلم ّاً جر من االتهامات الباطلة التي ُتضحك الثكلى ،وال ّ تمت إلى الواقع ّ ّ من يستعمل الفجور فى الخصومة مع من يختلف معه في الرأي ،خصوصاً من يدرك أسباب تركنا لذلك
المنهج!؟
قصتنا ،وما عندنا من أسباب ولذلك أحببنا من خالل عرض هذا النتاج وهذه التجربة أن يعرف اآلخرون ّ
جعلتنا نقوم بتغيير موقفنا السابق في التقليد الفقهي ،وما ألفينا عليه آباءنا وأجدادنا من أفكار مغلوطة، البد من تصحيحها وتقويمها. ّ انتقامية فهذه المذ ّكرات حصيلة تجارب ودراسة استمرت حوالي عشرين عاماً ،ولذلك ليست دراسات وأبحاثاً ّ
علمية وبأعصاب هادئة ،بعيدة عن أجواء الغرائز العاطفية كما يحلو للبعض تسميتها ،وإنما هي دراسة ّ والتعصب األعمى. الثانية /حول ضرورة فهم المصطلح: ألي حقل علمي بشكل دقيق وواضح يعتبر فهماً لنصف ذلك العلم ؛ إن فهم المصطلحات العلمية التابعة ّ ألن المصطلحات هي مفاتيح العلوم. يبين أهمية فهم المصطلح. مهماً في هذا المجالّ ، واليسمح لي القارئ الكريم أن أنقل نصاً ّ قال د .عبدالسالم المسدي:
يتوسل به اإلنسان إلى منطق العلم غير ألفاظه االصطالحية .حتى لكأنها تقوم من "ليس من مسلك ّ العلم مقام جهاز الدوال ،ليست مدلوالته إال محاور العلم ذاته ،ومضامين قدره ،من يقين المعارف وحقيق وضح أن السجل االصطالحي هو الكشف المفهومي فنَ ،ت ّ األقوال .فإذا استبان خطر المصطلح في كل ّ
91
مذكراتي – الجزء ()7
كالسياج العقلي الذي يرسي حرماته ،رادعاً ّإياه أن الذي يقيم للعلم ُس َ وره الجامع وحصنه المانع ،فهو له ّ يالمس غيره ،وحاظ اًر غيره أن يلتبس به" . صياغة المصطلح وأسسها النظرية :سلسلة بحوث ودراسات ،ص ،٢7بيت الحكمة ،قرطاج ،تونس. وقال د .عبدالرزاق جعنيد معّلقاً على النص السابق للدكتور المسدي : فلكل علم اصطالح خاص "يكشف هذا النص عن ّ أهمية المصطلح في تحصيل العلوم وضبطها وإدراكهاّ ،
يتيسر للشارع فيه االهتداء سبيالً ،وال إلى انفهامه دليالً ؛ ألن كل به ،وإذا لم ُيعلم بذلك فال يمكن أن ّ تتبعت كشفه المصطلحي وقارنته بالرصيد القاموسي علم يصطنع لنفسه من اللغة معجماً خاصاً ،فلو ّ المشترك في اللغة كالتي يتحاور بها العلم ذاته ،لوجدت حظاً واف اًر من ألفاظ العلم غير وارد قطعاً في
عما هو شائع انفصاالً ال يبقى الرصيد المتداول لدى أهل اللسان ،وما منه وارد فإنما ينفصل في الداللة ّ وخصوصياته في كل علم، معه إال التواتر في الشكل األدائي .ومن ثم وجب االهتمام به وبتحديد دالالته ّ
تخصص باعتباره عالمة لغوية ال يدركها إال ذوو االختصاص ،على خالف العالمة اللغوية بل وفي كل ّ العادية والتي تكون قاسماً مشتركاً بين المتكّلمين داخل نفس المجموعة اللغوية ". ّ المصدر :المصطلح النقدي قضايا وإشكاالت :د .عبدالرزاق جعنيد ،ص. ٦ - 5 مثال على ذلك: عدة ،كما في كتابه مفاتيح العلوم: لفظة الرجعة مثالً كما يرى الخوارزمي لها مواضعات ّ المرة الواحدة من الرجوع ،ال يكادون يعرفون غيرها. فهي عند أصحاب اللغة ّ : وعند الفقهاء :الرجوع في الطالق الذي ليس ببائن. المتحيرة على خالف نضد البروج. المنجمين :عبارة عن سير الكواكب الخمسة وعند ّ ّ
الكالميين (علماء الكالم) :عود جماعة قليلة إلى الحياة الدنيوية قبل يوم القيامة ،ثم موتهم وحشرهم وعند ّ مجدداً يوم القيامة. ّ
جر. وهلم ّاً ّ
92
مذكراتي – الجزء ()7
المختصة ولهذا اهت ّم القدماء -وعياً منهم بأهمية عتبة المصطلح -بتصنيف الكتب والمصّنفات والمعاجم ّ
مقدمة كتابه مفاتيح في مختلف المجاالت المعرفية ،كما فعل الخوارزمي الذي دعته نفسه -كما يقول في ّ
العلوم - :
إلى تصنيف كتاب يكون جامعاً لمفاتيح العلوم ،وأوائل الصناعات ،متضمناً ما بين كل طبقة من العلماء من المواضعات واالصطالحات التي خلت منها أو من جّلها الكتب الحاصرة لعلم اللغة ،حتى أن اللغوي
صّنفت في أبواب العلوم والحكمة ،ولم يكن قد أخذ الصدر ّ المبرز في األدب إذا تأمل كتاباً من الكتب التي ُ كاألمي األعتم عند نظره فيه. من تلك الصناعات ،لم يفهم شيئاً منه ،وكان ّ بتصرف. المصدر /مفاتيح العلوم ص ٢ ّ وهكذا فعل غير الخوارزمي من العلماء مثل الكاشاني والتهاوني وأبي هالل العسكري وعلي بن محمد الشريف الجرجاني وسواهم. والفلسفة شأنها شأن باقي العلوم ،لها مفاهيمها وضوابطها وقواعدها ومصطلحاتها التي هي أحد مفاتيحها وعتباتها ،وبدون فهم تلك المصطلحات والقوانين الخاصة بالفلسفة وضبط دالالتها ال يمكن للمتلقي فهم أسرارها وتذليل صعوباتها ،وخاص ًة صعوبة الفهم والتلقي ،باعتبارها إحدى العناصر األساسية في الفعل ثم فإن الجهل بمعنى المصطلحات ودالالتها اإلبداعي إلى جانب القائل والمقول إليه كما يرى أرسطو .ومن ّ
يؤدي حتماً إلى عدم فهم الكالم ،ويحول بالتالي إلى عدم حصول الفائدة منه ،والفائدة ال تحصل إال بفهم
الصورية - المتحدث فيه ؛ ألن الجهاز المصطلحي في كل علم هو بمثابة لغته مصطلحات ذلك العلم ّ ّ رياضياته النوعية ،وكل ذلك يفضي جدالً إلى اعتبار كل كما يقول عبدالسالم المسدي -بل قل هو ّ أي علم من العلوم ركناً يرتكز عليه البناء المعرفي ،فيكون للمصطلح من الوظائف الصورية مصطلح في ّ ما يكون للرمز السيني في المعادلة الرياضية.
المصدر /عبدالرزاق جعنيد ،مصدر سابق ،ص 7 - ٦بتصّرف. وتأسيساً على هذه القاعدة أقول: متخصص ،له باع طويل ويستند إلى ركن كأي علم من العلوم ،فهو يحتاج إلى أستاذ ّ إن علم الفلسفة ّ بتطفل و ّادعاء بما ليس وثيق في الفلسفة ،ح ّتى يتسنى له أن يشرح هذا العلم لطالبيه بإتقان وجدارة ،ال ّ
93
مذكراتي – الجزء ()7
يصح أن يكتفي الطالب بالتثقيف الذاتي ،واالطالع العابر على علم الفلسفة ومصّنفاتها له به علم .ولذلك ال ّ تزل قدمه ويهوي في وادي سحيق ؛ ألن هذا التعامل فقط ،وإال فإنه سيغرق حتماً في هذا البحر ،أو فقل ّ العشوائي مع الفلسفة يعتبر مغامرة ،كالذي يدخل البحر دون ُرّبان سفينة مقتدر ،أو دون معرفة منه بفنون السباحة والعوم.
وكما قيل : "من كان أستا َذه كتابه ،كان خطؤه أكثر من صوابه" . كأي واحد من أتباع المولى ومقّلديه ،الذين تتداول في محيطهم تلك المصطلحات العلمية ولذلك ُ كنت ّ التطفل على مائدتها دون عمق أو دراسة. الفلسفية ونقوم بنقدها و ّ وهذه هي ظاهرة سيئة ومشكلة كبيرة نعاني منها ،وهي الخوض بالمواضيع التي نجهلها .فترى الواحد مّنا يقوم بنقد الكثير من األفكار في مختلف المجاالت المعرفية ،وكأنه أعلم أهل زمانه ،في نفس الوقت الذي
أي طرفيه أطول !! ال يدري ّ أوجه شكري وتقديري لكل أساتذتي في الحوزة العلمية ،تلك الحوزة ولذلك فإني أحمد هللا تعالى أوالً ،وثانياً ّ
التي:
عّلمتني خالص التعليم في زمنٍ تلوثت فيه بالتعليم أفكـــــارُ ّ كنت ال ّأدعي بأّني على شيء ،ولكن على األقل أعرف حدودي المعرفية وأقف عندها ،وأرجو من هللا وإن ُ تعالى أن يكتبني ضمن قائمة المتعّلمين على سبيل نجاة.
واآلن بعد أن عرفنا أهمية وعي المصطلحات ودالالتها في أي حقل علمي ،نأتي لمعرفة ما أردنا بيانه يروجها البعض وال يدرك معناها. من بعض المصطلحات الفلسفية التي ّ سأبينه في الحلقة القادمة من مذ ّكراتي إن شاء هللا تعالى.. وهذا ما ّ وأبدأ من: مصطلح شريك الباري (ممتنع الوجود لذاته): 94
مذكراتي الجزء ()8
مذكراتي – الجزء ()8
الجزء الثامن أي حقل من الحقول العلمية ،وأن معرفته تعتبر نصف أهمية المصطلح في ّ ذكرنا في الحلقة الماضية ّ أي قضية أو موضوع ،يبدأ من معرفة العلم التابع له ،إن ّ صح هذا التعبير ؛ ألن المدخل الطبيعي لفهم ّ شك حول تلك القضية ،أو ذاك الموضوع المراد أي التباس أو ّ تحرير المصطلحات وتحديدها ،حتى يزول ّ فهمه ،فمعظم الصدام ال ّثقافي ُّ مرده ومنشؤه من عدم تحديد المصطلحات وفهمها الفهم الصحيح .وهذا ما
مقدمة لهذه الحلقة وما يأتي بعدها من حلقات ،وفهم ما فيها من أثرناه في الحلقة الماضية وكان بمثابة ّ مصطلحات.
ذكرت ذلك في حلقات سابقة -بأن هذه المصطلحات العلمية مبتذلة في ساحة ومما يؤسف له -كما ُ
العوام ،وفي ساحة من ال يحسن استخدامها أو فهمها ،وكأننا في حالة حرب .فكّنا نسمع ونق أر كثي اًر من المصطلحات الفلسفية والكالمية ،ولكن ال نفهم المراد ،واألدهى من ذلك أننا نقوم بنقدها دون أن نفتح
كوًة نحو دراستها ومعرفتها معرف ًة صحيحة. ّ أبين للقارئ الكريم بعض هذه المصطلحات الفلسفية ،والتي شغلت بالي كثي اًر ولذا سأضطر هنا راغماً أن ّ ّ أتصور بأنها مصطلحات غريبة وال ُّ بأية صلة ،وخاص ًة سنين طويلة .وكنت تمت إلى ثقافتنا اإلسالمية ّ ّ مدرسة أهل البيت (عليهم السالم) التابعين لها !
تبين لي من خالل دراستي للفلسفة وعلم الكالم بأن معظم هذه المصطلحات الفلسفية والكالمية إنما ثم ّ ّ ومتصيدة من آيات قرآنية أو أحاديث شريفة ،أو من العقل ،الذي يعتبر أحد المنابع واألدّلة هي مستنبطة ّ التي يعتمد عليها المذهب اإلمامي في عملية االستنباط.
وهذا الفضل يعود إلى هللا تعالى بالدرجة األولى ،ثم إلى الحوزة وأساتذتها األفاضل. ذكرت سابقاً بأن أول ما تكشف عنه أجواء الحوزة العلمية لدى الطالب ،خصوصاً بعد قطع شوط ال فقد ُ
ففكرها قائم على د ّقة المالحظة ،وعمق في بأس به بين أروقتها ،هو شيوع الروح المنهجية في ثناياها ؛ ُ النظر والتحليل والمقارنة والنقد ،واللجوء إلى كشف المتناقضات والمغالطات في األفكار المطروحة.
فالشك بالشك والتخطئة كآلية علمية تقوم على أسس موضوعية دقيقة، ولذلك فإن الحوزة العلمية تتوسل ّ ّ
معينة ،إذ تتركز على أساس من عندها يمّثل منهجاً من مناهج البحث الذي يتأسس على أصول منطقية ّ 96
مذكراتي – الجزء ()8
محددة ،بحيث عدم التسليم المطلق ،ورفض األجوبة واألحكام المسبقة التي ال تستند إلى معايير علمية ّ تسربت إلى الثقافة العامة لدى سائر الناس. تقطع الصلة مع مظاهر الفكر التسليمي التي ّ
ولذلك فإن منهج الحوزة العلمية هو منهج يمّثل منهج مدرسة أهل البيت (عليهم السالم) التي َت ْع ِت ُبر ِّ بالمصوبة ؛ المدارس األخرى المخالِفة سمى َّ ُ الشك وسيل ًة ال غاية ،للوصول إلى الحقائق ،أو ْ قل كما ُت ّ شيء صواب عندهم ،إال كل ٍ فإن مدرسة أهل البيت (عليهم السالم) ُتسمى بالمخ ِّ طئة ،بمعنى أنه ليس ّ إذا عرض على منهاج التحليل ومجهر النقد ،فإذا كان تاماً سالم العيوب أ ِ رحب به. ُخذ به ،وإال لم ُي ّ ُ ّ َ
وهذا المنهج النقدي أول واضع له هو إمام المذهب وزعيمه اإلمام جعفر الصادق (عليه أفضل الصالة والسالم) حيث ورد عنه أنه قال : ربنا ،فما وافق "ما أتاكم من كالمنا وأحاديث ّ جدنا رسول هللا (صلى هللا عليه وآله) فاعرضوه على كتاب ّ فخذوا به ،وما عارض فذروه ،فهو زخرف لم نقْله " ْأو " فاضربوا به عرض الحائط "ْ .أو " ال تقبلوا علينا
حديثاً إال ما وافق الكتاب والسنة.... ".
فاإلنسان الذي ال تربطه بالحوزة العلمية ّأية صلة ،وليس له نصيب من علومها ،يقوم بالخوض في حقول
ويرد بعض المصطلحات ويقبل أخرى ،دون أن يملك أدوات النقد أو العلم تخصصية ،وينقد بعض اآلراء ّ ّ في هذا المجال!!
التصور اإلجمالي - يتصور البعض ممن لم يدرس أوّليات الفلسفة بأن مصطلح فعلى سبيل المثال ،قد ّ ّ تصور شيء ما في الذهن ،بينما المعنى الدقيق لهذا المصطلح هو أعمق من مثالً -ينحصر معناه في ّ
سيمر علينا إن شاء هللا في محّله. ذلك بكثير ،كما ّ
وأول ما نبدأ توضيحه من هذه المصطلحات الفلسفية والكالمية هو: مصطلح شريك الباري (ممتنع الوجود لذاته): يصح إطالقه صم آذاننا به الكثير من المشايخ ،وقاموا بنقده ،وكانوا يقولون :ال ّ هذا المصطلح طالما ّ حتى على سبيل الفرض أصالً .ومن كثرة ما كان مشائخنا ممن لم يدرس الفلسفة على أصولها عند أستاذ قدير ،صاروا يعرضونه بشكل مغلوط وسيئ للغاية ،حتى أن الكثير من العوام -وأنا واحد منهم -صاروا موحدين !! يعتقدون بأن علماء الطائفة المحّقة -والعياذ باهلل -مشركون وغير ّ 97
مذكراتي – الجزء ()8
الموحد الحقيقي هو الشيخ أحمد وكل هذا بحكم التفسير الخاطئ لهذا المصطلح الكالمي عند هؤالء .وأن ّ
بن زين الدين األحسائي (رحمه هللا) وأتباعه فقط دون سواهم!
أشرت إليه في يردد هذا البيت من الشعر الذي وكان البعض من خطباء وماللي جماعتنا كثي اًر ما كان ّ ُ
حلقة سابقة:
الجبار إال من به ما ّ وحد ّ علقت عقائدنا فكان األوحدا
شرح المصطلح: فنقول وباهلل المستعان ،ومن باب التقديم والتمهيد أوالً : إن مدرسة أهل البيت (عليهم السالم) هي تابعة للقرآن الكريم ومنهاج العترة (ع). ِ حل اإلشكال. ثم نبادر إلى ّ ففي القضايا الفكرية ال تنتظر مدرستنا اآلخرين ُي ْشكُلو َن علينا ّ وإنما ديدن علمائنا منذ عصور األئمة (ع) هو فرض اإلشكال قبل أن يولد ثم دحضه في مهده قبل إيراده من قبل الغير المخالف. فعندما نلقي نظرة عابرة على بعض الكتب لعلمائنا -سواء القديمة منها أو الحديثة ،وسواء كانت على مستوى علم الكالم أو األصول أو الفقه أو ما أشبه -فإننا نالحظ كيف هم واعون لهذه المسألة بالدقة. ِ يرد عليه يتفوه به ،فال ينتظره يشكل عليه ثم ّ إذ يحاول العالم الباحث أن يفرض كالم الخصم قبل أن ّ إشكاله ،وإنما كان يقول : فإن قال قائل كذا ،قلنا له كذا. وقوة ،من أجل أن تصبح أن شخصاً ما يجلب له ٍ فهو يفترض ّ شبهات وعيوباً لفكرته ،حتى يزيدها مناع ًة ّ أي إعصار شبهة أو عيب ،فيضع لفكرته حصناً منيعاً ال يهتز عند أول ضربة. صامد ًة أمام ّ
98
مذكراتي – الجزء ()8
خذ على سبيل المثال آية هللا العظمى سماحة السيد أبا القاسم الخوئي (أعلى هللا مقامه) فأنا أسمع محصنة بعض الفضالء في الحوزة العلمية يقول إن آراء السيد الخوئي (قدس سره) ونظرياته العلمية ّ
قوية أمام اإلشكاالت والفروض األخرى .إلى درجة أني -وال زال الكالم له -عندما أق أر وذات مناعة ّ تامة ،ربما يلوح في خاطري إشكال ما على بعض جوانب تلك ٌ نظرية علمية ما لسماحته ،وأستوعبها بد ّقة ّ
توصل إليه سماحة السيد في النظرية ،وأرى نفسي قد ُ وقعت على كنز عظيم أو نظرية أخرى أقوى مما ّ قررها بعض طالبه حول تلك النظرية، مبناه أو ّ نظريته تلك ! ولكن عندما أرجع إلى بحثه وتقريراته التي ّ
أجد نفسي صغي اًر جداً أمام بحث السيد ،حيث أتفاجأ بأن ذات اإلشكال الذي انقدح في ذهني موجوداً إلى
جانب سلسلة أخرى من اإلشكاالت العلمية الدقيقة ،وقد دحضها بأكملها ،بحيث قام بوضع سياج محكم وقوي حول نظريته ومبناه. بالرد ،وإنما قوية ومحصنة ،فهي ال تنتظر اآلخر يطرح إشكاله حتى تقوم ّ فإذن ..مدرسة أهل البيت (ع) ّ ّ تستبق اآلخر باإلشكال وتدحضه ،وهكذا علماؤنا األبرار أيضاً. ونحن نجد عندما نراجع سيرة الرسول األعظم (صلى هللا عليه وآله) وأهل بيته الطاهرين المعصومين (ع) ُ الحل جاه اًز قبل أن يقع اإلشكال. فإننا نرى َّ
ولذلك ترى بعض الشباب ممن يهتز إيمانه عند أول ضربة ،عندما يق أر في تراث الغير المخالف ،ويقع يتصور بأنه وقع على إشكال كبير يعجز علماء الطائفة على إشكال تافه جداً ،قد أكل الدهر عليه وشرب، ّ رده .فهو ال يدري بأنه مسكين ،وأن هذا اإلشكال قد طُرح من زمان المعصومين (ع) وأجابوا عليه، عن ّ
يمد يده ويق أر من هذا التراث اإلسالمي الصافي ،ولكنه قد ينساق مع المخالف وما على اإلنسان إال أن ّ
طلع عليه ،وهذا مما يؤسف له.!!. ويتمرد على تراثه قبل أن ي ّ ّ
وبعد هذه المقدمة التي طالت كثي ارً ،كل ذلك من أجل الوصول إلى هذه النتيجة التي نريدها. وهي أن مصطلح ممتنع الوجود لذاته الذي هو شريك الباري إنما هو قضية فرضية فقط ،وليست قضية متبّناة من قبل العلماء .وجوهر هذا المصطلح هو ما أشرنا إليه في المقدمة التوضيحية لهذا المصطلح. ومن أجل توضيحه نورد هذا النص الهام.
99
مذكراتي – الجزء ()8
تتبعي القاصر -نصاً أفضل من النص الذي أورده العالمة الحلي (أعلى هللا مقامه) ولم أجد -حسب ّ وشارحه المحقق السيوري. ُ فقد ورد في كتاب النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر للعالمة الحلي (ت 7٢٦هـ) وبشرح الفقيه الفاضل المقداد السيوري (ت ٨٢٦هـ ) تحت عنوان (الصفة الخامسة :في نفي الشريك عنه تعالى): قال " :الصفة الخامسة :في نفي الشريك عنه للسمع وللتمانع ،فيفسد نظام الوجود ،والستلزامه التركيب، بد من مائز" . الشتراك الواجبين في كونهما واجبي الوجود فال ّ أقول (أي الشارح السيوري): اتفق المتكّلمون والحكماء على سلب الشريك عنه تعالى لوجوه: الداّلة عليه ،وإجماع األنبياء عليهم السالم وهو حجة هنا لعدم توقف الوجه األول :الدالئل السمعية ّ صدقهم على ثبوت الوحدانية.
ان ِف ِ يه َما آلِ َه ٌة ِإَّال الوجه الثاني :دليل المتكّلمين ويسمى دليل التمانع وهو مأخوذ من قوله تعالى َ( :ل ْو َك َ َّللا َل َف َس َد َتا). َّ ُ سورة األنبياء22 وتقريره :أنه لو كان معه شريك لزم فساد نظام الوجود وهو باطل. متحرك ،فال يخلو إما أن يكون لآلخر إرادة سكونه بيان ذلك :أنه لو تعّلقت إرادة أحدهما بإيجاد جسم ّ أو ال ،فإن أمكن فال يخلو إما أن يقع مرادهما فيلزم اجتماع المتنافيين أو ال يقع مرادهما ،فيلزم خلو الجسم عن الحركة والسكون ،أو يقع مراد أحدهما ففيه فسادان: مرجح. أحدهما :الترجيح بال ّ وثانيهما :عجز اآلخر. وإن لم يكن لآلخر إرادة سكونه فيلزم عجزه ،إذ ال مانع إال تعلق إرادة ذلك الغير ،لكن عجز اإلله باطل، مرجح محال ،فيلزم فساد النظام وهو محال أيضاً. والترجيح بال ّ 100
مذكراتي – الجزء ()8
الوجه الثالث :دليل الحكماء ،وتقريره :أنه لو كان في الوجود واجبا الوجود لزم إمكانهما. يتمي از لم يتمي از أو ال ،فإن لم ّ وبيان ذلك :إنهما حينئ ٍذ يشتركان في وجوب الوجود ،فال يخلو إما أن ّ كل واحد منهما مما به المشاركة ومما به الممايزة ،وكل مرّكب تحصل االثنينية ،وإن ّ تمي از لزم تركيب ّ ممكن ،فيكونان ممكَنين ،هذا خلف. ".
المصدر/شرح الباب الحادي عشر ،ص. ٦3 - ٦٢ فإذن شريك الباري ممتنع الوجود ما هو إال عبارة عن فرضية ،وهذه الفرضية (وهي فرض شريك الباري) أول من طرحها هو هللا تعالى في القرآن الكريم ،وكذلك أهل البيت (عليهم السالم) في رواياتهم وأحاديثهم التي بين أيدينا. وهذه الفرضية الممتنعة الوجود لم يطرحها هللا تعالى في القرآن الكريم على مستوى التوحيد فقط ،وإنما ط ِرحت في موضوعات مختلفة ،إذ أن معظم األصول العقدية ،من بعد التأمل في آيات الكتاب رأيت أنها ُ طرحت فيها ،وسوف أورد على ذلك الشواهد القرآنية في محلها. التوحيد والنبوة واإلمامة والمعاد ،قد ُ البد أن نعرف معنى (لو) على مستوى معاني النحو ،كما يشير إليها ولكن قبل الخوض في التفاصيل ّ
النحاة.
إن (لو) هي من أدوات الشرط ،وهي -كما يقول النحاة -تأتي على عدة معان ٍ. فقد تكون امتناعية ،نحو قوله تعالى : ُم ًة و ِ اح َدةً). َّللا َل َج َعَل ُك ْم أ َّ َ اء َّ ُ ( َوَل ْو َش َ سورة المائدة48 وهذا محل الكالم (أي شريك الباري ممتنع الوجود). ،وقد تكون غير امتناعية ،نحو قوله تعالى : ض ِمن َشجرٍة أَ ْق َالم واْلبحر يمُّده ِمن بع ِد ِه سبع ُة أَبح ٍر ما َن ِف َد ْت َكلِمات َّ ِ ِ يز َّللا َع ِز ٌ َ ُ ( َوَل ْو أََّن َما في ْاألَْر ِ ْ َ َ َّللا ۗ ِإ َّن َّ َ ٌ َ َ ُْ َ ُ ُ ْ َ ْ َ ْ َ ْ ُ َ َح ِكيمٌ).
101
مذكراتي – الجزء ()8
سورة لقمان27 وقد تأتي للتمّني ،نحو قوله تعالى : َن لِي ِب ُك ْم ُق َّوًة أ َْو آوِي ِإَل ٰى ُرْك ٍن َش ِديدٍ). ال َل ْو أ َّ ( َق َ سورة هود80 إن) نحو قوله تعالى : وقد تأتي بمعنى ( ْ ( َو َما أَْن َت ِب ُم ْؤ ِم ٍن َلَنا َوَل ْو ُكَّنا َص ِاد ِقينَ). سورة يوسف17 بشق تمرة). وذكروا أنها تأتي لمعنى التقليل ،نحو قول النبي (صلى هللا عليه وآله)( :اتقوا النار ولو ّ وتأتي للتكثير أيضاً ،نحو ( :ولو كانت كقطر البحر). فاهلل تعالى هو ّأول من وضع هذا الفرض في كتابه الكريم ،وسوف نأتي إلى ذلك على التوالي ،بدءاً من أصل التوحيد. ▪على مستوى التوحيد: فمن اآليات قوله تعالى : َّللا َل َفس َد َتا ۚ َفسبحان َّ ِ ان ِف ِ ِ َّ َّللا َر ِّب اْل َعْر ِ ن). ش َع َّما َي ِص ُفو َ َُْ َ (َل ْو َك َ يه َما آل َه ٌة ِإال َّ ُ َ سورة األنبياء22 وقوله تعالى: ان َم َع ُه آلِ َه ٌة َك َما َيُقوُلو َن ِإ ًذا َال ْب َت َغ ْوا ِإَل ٰى ِذي اْل َعْر ِ يال ُس ْب َحاَن ُه َوَت َعاَل ٰى َع َّما َيُقوُلو َن ُعُل ًّوا ش َس ِب ً ( ُق ْل َل ْو َك َ ير). َك ِب ًا سورة اإلسراء42 - 43 وقوله تعالى :
102
مذكراتي – الجزء ()8
ض ۗ أَِإ َٰلهٌ مع َّ ِ السم ِ ِ اء َو ْاأل َْر ِ َّللا ۚ ُق ْل َه ُاتوا ُبْرَهاَن ُك ْم ِإ ْن ُكْن ُت ْم (أ َّ َم ْن َي ْب َدأُ اْل َخْل َق ثُ َّم ُي ِع ُ ََ يد ُه َو َم ْن َيْرُزُق ُك ْم م َن َّ َ َص ِاد ِقينَ). سورة النمل64 وقوله تعالى: ٰ ٰ (ما َّات َخ َذ َّ ِ ان ض ُه ْم َعَل ٰى َب ْع ٍ ان َم َع ُه ِم ْن ِإَل ٍه ۚ ِإ ًذا َل َذ َه َب ُك ُّل ِإَل ٍه ِب َما َخَل َق َوَل َع َال َب ْع ُ ض ۚ ُس ْب َح َ َّللا م ْن َوَل ٍد َو َما َك َ ُ َ َّ ِ ن). َّللا َع َّما َي ِص ُفو َ سورة المؤمنون 91 مقدرة إن لم تكن ظاهرة. قال الفراء :حيث جاءت بعدها الالم فقبلها (لو) ّ فقد جاء قول الفراء هذا تعليقاً على اآلية السابقة من سورة المؤمنون في كتابه معاني القرآن ،٢/٢٤١ :
قال:
رد أبو ("....إذن) جواب لكالم مضمر ،أي لو كانت معه آلهة إذن لذهب كل إله بما خلق ." ....وقد ّ
حيان هذا التقدير ،فقال : ّ
ان َم َع ُه ِم ْن ِإ َٰل ٍه) "قالوا :فالشرط محذوف ،تقديره :ولو كان معه آلهة ،وإنما ُحذف لداللة قوله َ ( :و َما َك َ عليه. وقوله تعالى : (ِإَّن ُكم وما َتعب ُدو َن ِمن ُدو ِن َّ ِ ِ يها ْ ان َٰه ُؤَال ِء آلِ َه ًة َما َوَرُد َ َّللا َح َص ُب َج َهَّن َم أَْن ُت ْم َل َها َو ِارُدو َن َل ْو َك َ وها ۖ َوُك ٌّل ف َ ْ َ َ ُْ َخالِ ُدونَ). سورة األنبياء98 - 99 فهذا على مستوى التوحيد. ▪على مستوى النبوة والقرآن الكريم الذي هو نبوة النبي (صلى هللا عليه وآله): قال تعالى:
103
مذكراتي – الجزء ()8
ِ ِ ين ثُ َّم َلَق َ ِ او ِ ض ْاألَ َق ِ َخ ْذَنا ِمْن ُه ِباْلَي ِم ِ َح ٍد َعْن ُه يل َأل َ ( َوَل ْو َتَق َّو َل َعَل ْيَنا َب ْع َ ط ْعَنا مْن ُه اْل َوِت َ ين َف َما مْن ُك ْم م ْن أ َ َح ِ اج ِزينَ). سورة الحاقة44 - 47 وقال تعالى: ِ ِ ِ اك َلَق ْد وك َخلِ ً يال َوَل ْوَال أ ْ ( َوإ ْ َن َثَّب ْتَن َ ِي َعَل ْيَنا َغ ْيَرُه ۖ َوِإ ًذا َال َّت َخ ُذ َ ِن َك ُادوا َلَي ْفتُنوَن َك َع ِن َّالذي أ َْو َح ْيَنا ِإَل ْي َك ل َت ْف َترَ ِ اة و ِضعف اْلمم ِ ير). ات ثُ َّم َال َت ِج ُد َل َك َعَل ْيَنا َن ِص ًا ِك ْد َت َتْرَك ُن ِإَل ْي ِه ْم َش ْيًئا َقلِ ً اك ِض ْع َ يال ِإ ًذا َألَ َذ ْقَن َ ف اْل َحَي َ ْ َ َ َ سورة اإلسراء73 - 75 ولخرجت من واليتي. ولياً، والتقدير :أي ولو اتبعت مرادهم التخذوك خليالً، َ َ ولكنت لهم ّ كل هذا لم يحصل أبداً. ولكن ّ وقال تعالى في موضوع أخالق النبي األعظم (صلى هللا عليه وآله): ( َف ِبما رحم ٍة ِمن َّ ِ َّللا لِْن َت َ ََْ َ َو َش ِ اوْرُه ْم ِفي ْاأل َْم ِر ۖ َفِإ َذا
ِ َل ُهم ۖ وَل ْو ُكْن َت َف ًّ اس َت ْغ ِفْر َل ُه ْم ظا َغلِي َ اع ُ ظ اْلَقْل ِب َال ْن َف ُّضوا م ْن َح ْولِ َك ۖ َف ْ ْ َ ف َعْن ُه ْم َو ْ ع َزمت َف َتوَّكل عَلى َّ ِ ن). َّللا ُي ِح ُّب اْل ُم َت َوِّكلِي َ َ َْ َ ْ َ َّللا ۚ ِإ َّن َّ َ
سورة آل عمران159 نبيه (صلى هللا عليه وآله): وفي موضوع علم الغيب أيضاً يقول هللا تعالى آم اًر بذلك ّ ( ُقل َال أ ِ ِ ِ َّ َعَل ُم اْل َغ ْي َب َال ْس َت ْك َثْر ُت ِم َن اْل َخ ْي ِر َو َما َم َّس ِني َّللا ۚ َوَل ْو ُكْن ُت أ ْ ْ اء َّ ُ َمل ُك لَن ْفسي َن ْف ًعا َوَال َضًّار ِإال َما َش َ ْ َ ن). وء ۚ ِإ ْن أََنا ِإَّال َن ِذ ٌير َوَب ِش ٌير لَِق ْو ٍم ُي ْؤ ِمُنو َ ُّ الس ُ سورة األعراف 188 بمعنى أن النبي (صلى هللا عليه وآله) ال يمكن أن يعلم الغيب باالستقالل ،بل بعلم من لدن حكيم عليم، كما قال تعالى: يم َعلِيمٍ). آن ِم ْن َل ُد ْن َح ِك ٍ ( َوإَِّن َك َلُتَلَّقى اْلُقْر َ سورة النمل6 104
مذكراتي – الجزء ()8
أو قوله تعالى : ( ِك َتاب أ ِ ير). يم َخ ِب ٍ آي ُات ُه ثُ َّم ُف ِّصَل ْت ِم ْن َل ُد ْن َح ِك ٍ ٌ ْ ُحك َم ْت َ سورة هود1 أما على مستوى القرآن الكريم فقوله تعالى : َّللا َلوجدوا ِف ِ ير). اخ ِت َال ًفا َك ِث ًا يه ْ ان ِم ْن ِعْن ِد َغ ْي ِر َّ ِ َ َ ُ آن ۚ َوَل ْو َك َ (أَ َف َال َي َت َدَّبُرو َن اْلُقْر َ سورة النساء82 طرح هذا الفرض ،كما في قوله تعالى: بل حتى على مستوى المالئكة ُ ِِ ( ُقل َلو َكان ِفي ْاألَر ِ ِ السم ِ ِ اء َمَل ًكا َر ُسوًال). ض َم َال ئ َك ٌة َي ْم ُشو َن ُم ْط َمئّن َ ْ ْ َ ْ ين َلَن َّزْلَنا َعَل ْي ِه ْم م َن َّ َ سورة اإلسراء95 ▪على مستوى اإلمامة والعصمة: قال تعالى في آية البالغ : (َيا
َّللا َّ َ
َّ الن ِ َّللا َي ْع ِص ُم َك ِم َن َّ اس ۗ ِإ َّن أَُّي َها َّ ِك ۖ َوإ ْ ول َبّلِ ْغ َما أُْن ِز َل ِإَل ْي َك ِم ْن َرّب َ ِن َل ْم َت ْف َع ْل َف َما َبل ْغ َت ِر َساَل َت ُه ۚ َو َّ ُ الر ُس ُ َال يه ِدي اْلَقوم اْل َك ِ ين). اف ِر َ َْ َْ
سورة المائدة67 بمعنى أنه لو لم يفعل النبي (صلى هللا عليه وآله) ويضع محامياً وحصناً للدين بوضع أمير المؤمنين
(عليه السالم) إماماً للمسلمين من بعده ،فكأنه لم يبّلغ رسالة هللا تعالى على امتداد ٢3عاماً ،ولكنه ولكن أمته خالفت أمره ،ولم تسلك طريقه. ونص عليه في غدير خمّ ، وضعه ّ
وفي هذا السياق وردت رواية من طرق غيرنا من المخالفين -على ما يبدو -وهي: ِ ِ ِ أخرج البخارُّي لم « :أَُّي َها َّ اس الن ُ ٌ ول هللا َصلى هللا َعَليه وآله َ ال َر ُس ُ ومسلم وغيرهما َع ْن َعائ َش َة قالت َ :ق َ وس َ ِ وهَ ،وِإ َذا َسَر َق ِف ِ ين َقْبَل ُك ْم أََّن ُه ْم َكاُنوا ِإ َذا َسَر َق ِف ِ يهمِ َّ يهمِ َّ اموا َعَل ْي ِه ِإَّن َما أ ْ الض ِع ُ الش ِر ُ َهَل َك َّالذ َ يف َتَرُك ُ يف أَ َق ُ
هللاَ ،لو أَ َّن َف ِ اْلحد ،وأيم ِ ط ْع ُت َي َد َها«. اط َم َة ِبْن َت ُم َح َّم ٍد َسَرَق ْت َلَق َ ْ َ َ ُْ
105
مذكراتي – الجزء ()8
-
حكاية الحديث وسببه:
َن ُقريشاً أَه َّمهم َشأْن الم أر َِة الم ْخ ُزو ِمَّي ِة َّال ِتي سرَق ْتَ ،فَقاُلوا :ومن ي َكّلِم ِفيها رسول ِ ِ هللا َصلى َع ْن َعائ َش َة أ َّ َ ْ َ ُ ْ ُ َْ ََ ََْ ُ ُ َ َ ُ َ َ هللا صلى هللا عَل ِ ِ ول ِ ِئ َعَل ْي ِه ِإالَّ أُسام ُة ْب ُن َزْي ٍدِ ،ح ُّب َرس ِ يه وآله لم؟ َفَقاُلوا َ :و َم ْن َي ْج َتر ُ َ َ ُ هللا َعَليه وآله َ وس َ َ َ هللا صلى هللا عَل ِ يه وآله وسلم « :أ ََت ْش َفع ِفي حٍّد ِمن ح ُدوِد ِ وسلمَ ،ف َكَّلمه أُسام ُةَ ،فَقال رسول ِ هللا» ؟!ُ ،ث َّم َ ْ ُ َ ُ َ ََُ ُ َ َ َ َ َُ َ َ
َهَل َك اخ َت َ ام َف ْ الِ« :إَّن َما أ ْ ط َب ،ثُ َّم َق َ َق َ ِ َّ الحدََّ ،و ْأي ُم الض ِع ُ اموا َعَل ْيه َ يف أَ َق ُ والنسائي.
ِ ين َقْبَل ُك ْم أََّن ُه ْم َكاُنوا ِإ َذا َسَر َق َّالذ َ َن َف ِ ِ اط َم َة ِبْن َت ُم َح َّم ٍد هللاَ ،ل ْو أ َّ
وهَ ،وِإ َذا َسَر َق ِف ِ ِف ِ يه ُم َّ يه ُم الش ِر ُ يف َتَرُك ُ ط ْع ُت َي َد َها» .أخرجه مسلم َسَرَق ْت َلَق َ
وقد يعترض البعض على هذه الرواية ،زاعماً بأنه من المستبعد حصول مثل هذا! ولكننا نستطيع أن نقول بأنها تتوافق مع القرآن الكريم والسنة المطهرة ؛ ألن هللا تعالى قد خاطب رسوله صلى هللا عليه وآله بقوله:
ۡ ۡ ۡ ۡ ۡ ِۡ ۡ ۡ ۡ ط ۡعَنا ِم ۡن ُه ٱلوِتين َفما ِ َخذَنا ِم ۡن ُه ِبٱلي ِ ِ ِ ِ َح ٍد َعن ُه أ ن م م نك م ق ل م ث ين م أل يل او ق َ ٱأل ض َ ُ َ َ َ َّ َ َ ( َوَلو َتَق َّو َل َعَليَنا َبع َ ُ َ ّ َ َ َ َ َحـ ِٰج ِزينَ). سورة الحاقة. ٤7 - ٤٤ وعلى العموم فإن علماءنا نقلوها في كتبهم عن أبناء الجمهور ،وابن شهرآشوب نقلها في المناقب عن الدارقطني ونحوه. ويمكن أن ُتستنبط منها مقامات للصديقة فاطمة الزهراء (صلوات هللا وسالمه عليها) بأدنى تأمل ؛ ألنها
لنبيه في القرآن الكريم -كما أسلفنا -وصدورها منه (صلى هللا عليه وآله) تنسجم مع خطاب هللا تعالى ّ محتمل على كل حال .فإذا كان القرآن قال عن عموم األنبياء وعن خصوص النبي (صلى هللا عليه وآله) وعن هللا ماهو أعظم في صورة الجملة الشرطية !!.إذن ال مشكلة في ذلك من هذه الناحية ؛ ألن الشرطية
ال تثبت أحد طرفيها فضالً عن كليهما. والرواية -على كل حال -بصدد تنبيه الناس على خطورة حدود هللا والمنع من تعطيلها مهما كان العذر.. ▪على مستوى المعاد يوم القيامة: 106
مذكراتي – الجزء ()8
قال تعالى : ن). اك ْم َعَب ًثا َوأََّن ُك ْم ِإَل ْيَنا َال ُتْر َج ُعو َ (أَ َف َح ِس ْب ُت ْم أََّن َما َخَل ْقَن ُ سورة المؤمنون115 وهذا االستفهام االستنكاري الذي هو الحسبان ( :أَ َف َح ِس ْب ُت ْم ،أو في قوله في آيات أخرى :أَ َف َح ِس َب) إنما هو بمثابة الفرض ال الواقع. وجل في كتابه الكريم. هذا ما قاله هللا ّ عز ّ فإذن طرح هذا المعنى على سبيل الفرض ال إشكال فيه ؛ ألنه من يطرح هذا الفرض هو بمثابة إثارة المتبّنى أكثر متانة وحصانة، إشكال على نظريته أو أدلته ،وإجابة عليه ؛ لكي تكون النظرية أو الدليل ُ مقدمة شرح هذا المصطلح. كما أشرنا إلى ذلك سابقاً في ّ وبعد هذه الجولة في كتاب هللا تعالى نأتي إلى أحاديث أهل البيت (عليهم السالم). فهل يوجد فيها هذا الفرض على غرار ما قاله هللا تعالى في القرآن الكريم أم ال؟ أحاديث أهل البيت (عليهم السالم): لو أردنا أن نستقصي لكم كل اآلثار الشريفة ألهل البيت (عليهم السالم) سواء على مستوى األحاديث أو على مستوى األدعية والمناجاة ،لخرجنا عن جوهر الموضوع والبحث ،ولكن بوسعنا أن نأتي بقليل من الشواهد الشريفة لنرى ذلك بوضوح. بعض األحيان نرى األئمة (عليهم السالم) يثيرون هذا الفرض بصورة مباشرة ،وتارة بصورة غير مباشرة، من خالل االقتباس القرآني ،كما في قول اإلمام الحسين (عليه السالم) في دعائه الموسوم بـــ (دعاء عرفة) قال: فيضاده فيما ابتدع ،وال "....الحمد هلل الذي لم يتخذ ولداً فيكون موروثاً ،ولم يكن له شريك في ملكه ّ
طرتا ،سبحان الذل فيرفده فيما صنع ،فسبحانه سبحانه ،لو كان فيهما آلهة إال هللا لفسدتا وتف ّ ٌّ ولي من ّ هللا الواحد األحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.... ".
107
مذكراتي – الجزء ()8
وأشار إمامنا أبو الحسن علي بن موسى الرضا (عليهما السالم) في حديث جرى بينه و بين الفتح بن يزيد الجرجاني ،وهو في طريقه إلى خراسان ،فقد قال اإلمام (ع): جسم األجسام ،وهو ليس بجسم ،وال صورة....، كل جسم ُمغ ّذى بغذاء إال الخالق الرازق ،فإنه ّ "يا فتحّ ..
" ثم قال (ع):
المشبهة لم ُيعرف الخالق من المخلوق ،وال الرازق من المرزوق ،وال المنشئ من "لو كان كما يقول ّ المنشأ لكنه المنشئ ،فرق بين جسمه وصوره ،وشيئه وبينه إذ كان ال يشبهه شيء.... ". المصدر/حياة اإلمام علي بن موسى الرضا (عليه السالم) للشيخ باقر شريف القرشي .ج ١ص. ٢7٦ وقال (ع) في قدم الخالق العظيم وصفاته : "....إنه ال شيء قبل هللا ،وال شيء مع هللا في بقائه ،وبطل قول من زعم أنه كان قبله أو كان معه شيء ،وذلك أنه لو كان معه شيء في بقائه لم يجز أن يكون خالقاً له ؛ ألنه لم يزل معه ،فكيف يكون خالقاً لمن لم يزل معه ؟ ولو كان قبله شيء كان األول ذلك الشيء ال هذا ،وكان األول أولى بأن يكون
خالقاً لألول.... ".
نفس المصدر السابق /ص.٢٨١ ونكتفي بهذه الشواهد التي أعتقد بأنها كافية لمن أراد الهداية. بعض شواهد أعالم المدرسة: نسميهم بأعالم مدرسة مهمة في نفس سياق الموضوع ،وهذه الشواهد هي لمن ّ ولننتقل إلى شواهد أخرى ّ
الشيخ األوحد أحمد بن زين الدين األحسائي (رحمه هللا).
وهذه بعض تلك الشواهد من بعض الكتب ومنسوبة إلى أصحابها. ولنبدأ من عميد المدرسة الشيخ األوحد (قدس سره) وماذا قال في كتبه حول هذا المصطلح الكالمي موافق ًة ومخالفة. كما يظهر من عرض مشائخنا لهذا المصطلح الكالمي ،أن الشيخ ال يرتضي استعماله ،وقد أشار إلى ذلك في كتابه شرح الفوائد ،وتحديداً في الفائدة الثانية ،في بيان معرفة الوجود. 108
مذكراتي – الجزء ()8
المفصل بهذا الشكل: وأستطيع أن أجمل القول هنا عن البسط ّ إن الشيخ األوحد (رحمه هللا) يرفض رفضاً قاطعاً فرض شريك للباري في كتابه شرح الفوائد وكتابه شرح
العرشية للمال صد ار الشيرازي (رحمه هللا).
ضد له ،وإال لم يكن عنه فقد قال :قلت وأما أنه ال ُيدرك ٍّ ضد الممكن ممكن ،إذ القديم ال ّ بضد ؛ فألن ّ ِّ تضادها. شيء ،ولشابهها في وألنه إن كان قديماً ؛ لزم تعدد القدماء. يصح الفرض -لزم تعدد الضد لو ُفرض -وإن لم ثم يقول في شرح هذه العبارة األخيرة :يعني أن ّ ّ
القدماء المتفق على بطالنه ،على ما هو مقرر في أدلة التوحيد. انتهى.
هذا كالمه باختصار في كتابه الفوائد وشرحه عليها في الفائدة الثانية. وهكذا في كتابه شرح العرشية للمال صد ار الشيرازي (رحمه هللا) حيث يناقش هذا المصطلح في الكتاب المذكور ،وتحديداً في شرحه لقول المصّنف :قاعدة مشرقية واجب الوجود واحد ال شريك له. أصله في ولكنه (أي الشيخ األوحد) في كتابه حياة النفس في حضرة القدس يخالف مبناه الفكري الذي ّ كتابيه السابقين مائة وثمانين درجة مئوية (كما ُيقال). نصه بالحرف فقد قال في كتابه حياة النفس في حضرة القدس في الفصل الثامن من باب التوحيد ما ّ الواحد : "ويجب أن يعتقد أنه تعالى واحد ال شريك له ؛ ألنه كامل مطلق ،وغني مطلق ،فيكون ما سواه محتاجاً
إليه فيكون متفرداً باأللوهية ،ولو ُفرض معه إله وجب أن يكون مستغنياً عنه تعالى ،وإال لم يكن إلهاً،
ولو كان من فرض شريكاً له تعالى ،محتاجاً إليه عز وجل لكان أكمل لكماله المطلق من كون ذلك الشريك
مستغن عنه نقص في كماله وغناه ،فال يكون أتم لغناه المطلق ،ففرض وجود شريك ٍ مستغنياً عنه تعالى و ّ
له شريك ؛ الستلزام التعدد حصول النقص في الكمال المستلزم للحدوث ؛ وألنه لو كان له شريك في
109
مذكراتي – الجزء ()8
وجودية ؛ لتحقق اإلثنينية فيكونون ثالثة ،وتلزم الفرج القديمة أز ّليته لوجب أن يكون بينهما فرجة قديمة ّ بينهم فيكونون خمسة ،وهكذا بال نهاية ،وهو باطل.
يميزه عن اآلخر ،فيتركب كل وألنه لو كان له شريك في أز ّليته الشتركا في األزل ،واختص كل واحد بما ّ تمي از به والمركب حادث. واحد منهما مما اشتركا فيه ،ومما ّ الشْركة ،والقتضت كل واحد صنعه عن صنع غيره ،وإال لم تثبت ِّ وألنه لو كان له شريك في أز ّليته ؛ ّ لميز ّ ذات كل منهما العلو على اآلخر ،وإال لم يكن إلهاً وذلك كما قال تعالى: ٰ ض ُه ْم َعَل ٰى َب ْعضٍ). (ِإ ًذا َل َذ َه َب ُك ُّل ِإَل ٍه ِب َما َخَل َق َوَل َع َال َب ْع ُ سورة المؤمنون91 وقال المرحوم السيد كاظم الرشتي في كتابه أصول العقائد في باب التوحيد في الفصل الثاني في إثبات أن واجب الوجود واحد ،مشي اًر في ذلك إلى دليل التمانع ودليل الفرجة ،طبعاً مع األخذ بعين االعتبار بأن هذين الدليلين هما جوهر فرض شريك الباري ممتنع الوجود ،كما طرحهما أستاذه الشيخ األوحد (رحمه
هللا). نصه بالحرف الواحد: قال السيد الرشتي في كتابه المذكور أعاله ما ّ "فاعلم أنه لو كان متعدداً لما خلى من إحدى صورتين : إما االتفاق في إرادتهما أو االختالف فيهما .أما في صورة االختالف ،أي تعّلق إرادة أحدهما بإيجاد زيد، وتعّلق إرادة اآلخر بعدم إيجاده. فإما أن تقع اإلرادتان معاً ،أو تنتفيان معاً ،أو تقع إحداهما وتنتفي األخرى. إن قلت بوقوع اإلرادتين معاً فقد نطقت بالمحال ،إذ يلزم حينئ ٍذ وجود زيد وعدمه ،وهو باطل بالبداهة .وإن إن كليهما ليسا بواجب ؛ لعدم وقوع إرادتهما. قلت بعدم وقوع اإلرادتين ،قلنا ّ :
وإن قلت بوقوع إحدى اإلرادتين دون األخرى ،سألتك عن سبب عدم وقوع األخرى هل هو عجز المريد، أو تبعية إرادته إلرادة اآلخر ؟ ففي الصورتين حكمنا بأن الواجب هو القادر المتبوع النافذ الحكم الذي ال رّاد إلرادته. 110
مذكراتي – الجزء ()8
وأيضاً نقول :إن سبب االختالف -أي اختالف الذاتين بحيث يكونان اثنين -إنما هو الفاصل بينهما،
الذي يسمى في لسان األخبار بـــ (الفرجة) فهو إما حادث -أي لم يكن هذا الفاصل ثم كان -وإما قديم أي كان قديماً مع وجودهما من أول األمر.تعدداً ثانياً ،واختلفا إن قلت بالصورة األولى ،قلنا :يلزم منه أوالً :كون اإللهين المتعد َدين واحداً أوالً ،ثم ّ ّ بسبب أمر خارجي الذي هو الفرجة .أعني أنه انفرد كل منهما عن اآلخر بسبب الفرجة التي وقعت بينهما.
متعدداً ،وهذا باطل بالبداهة والوجدان. ويلزم ثانياً إن الحادث الذي هو مخلوق لهما أثر فيهما ،وجعلهما ّ وإن قلت بالثانية يعني كون الفاصل بينهما التي هي الفرجة قديماً ،قلنا :إن كان قديماً لزم أن يكون
كل واحد منهم غير واجباً ،فصار القديم الواجب ثالثة ،الواجبان والفرجة بينهما .وال شك أن هؤالء الثالثة ّ
اآلخر ،ومنفرد عنه بما به االختالف واالمتياز بينهم وهو الفرجة .فحصل فرجتان مع القدماء الثالثة،
بد منه وهو الفرج فصار الواجب خمسة ،والخمسة أيضاً مختلفون في الذات وما به االختالف واالمتياز ال ّ
األربع بينهم ،فحصل تسعة واجب ،وهكذا تكون التسعة سبعة عشر ،والسبعة عشر ثالثة وثالثين ،والثالثة والثالثون خمسة وستين ،والخمسة والستون مائة وثالثين ،إلى ما ال نهاية له ،وهذا باطل ،إذ لم ُيعقل
يقل بآلهة غير محصورة بال نهاية. أمور غير متناهية في الخارج ،مضافاً إلى أنه لم ّ يد ِع أحد ولم ْ
وأما في صورة االتفاق في جميع إرادات اآللهة المتعددة ،قلنا :إن تم ّكن واحد منهم أن ينفرد باأللوهية
جل وعال : والربوبية ،فهو الواجب ،وإن لم يتمكنوا فليسوا كلهم بواجب ،وإليه اإلشارة بقوله ّ
ٰ ٰ ض ۚ سبحان َّ ِ ن). َّللا َع َّما َي ِص ُفو َ ان َم َع ُه ِم ْن ِإَل ٍه ۚ ِإ ًذا َل َذ َه َب ُك ُّل ِإَل ٍه ِب َما َخَل َق َوَل َع َال َب ْع ُ ض ُه ْم َعَل ٰى َب ْع ٍ ُ ْ َ َ ( َو َما َك َ سورة المؤمنون91 وهذا الدليل مقتبس من أخبار أهل العصمة والطهارة ،تركناها خوفاً من التطويل.". ص 70 - ٦٨من كتاب أصول العقائد للسيد كاظم الرشتي (رحمه هللا). ود ّقق -أخي الكريم -في قول السيد الرشتي األخير القائل : "....وهذا الدليل مقتبس من أخبار أهل العصمة والطهارة "....؛ ألنه لنا عودة إلى ذلك وسنعّلق عليه إن شاء هللا. 111
مذكراتي – الجزء ()8
المسماة بأحكام الشيعة ،تحت عنوان (دليل الفرجة) وقال المرحوم المير از حسن في مقدمة رسالته العملية ّ
في ص ٩ما نصه بالحرف الواحد :
بد أن يتميز ٌّ كل عن اآلخر ،وهذه الفرجة ال ّ "لو فرضنا إلهين اثنين قديمين ،فال ّ بد بينهما فرجة حتى ّ تكون قديمة مثلهما ،وإال إن كانت حادثة وأ ّثرت في القديم ؛ لم يكن القديم إلهاً .فلو فرضناها قديمة، تكون اآللهة حينئ ٍذ ثالثة بينهم فرجتان ،فتكون اآللهة خمسة بينهم أربع ُفرج .فتكون تسعة .فسبعة
عشر ،فثالث وثالثين ،فخمس وستين إلى ما ال نهاية .وهذا باطل ال يصير إليه عاقل. ". وقال تحت عنوان (دليل التمانع) في نفس الكتاب المذكور أعاله في ص ١0ما نصه بالحرف الواحد : "لو فرضنا إلهين اثنين ،يريد هذا أن يرزق زيداً رزقاً واسعاً ،ويريد ذاك أن ال يرزقه. إما تنفذ اإلرادتان معاً أم ال .أو تنفذ إرادة أحدهما دون اآلخر .الفرض األول محال ،والفرض الثاني ينفي فّ كونهما إلهين لضعفهما وضعف إرادتهما .وفي الثالث النافذ إرادته هو هللا وحده. ".
المسماة بأحكام الشريعة ،بما كل ذلك المرحوم المير از عبدالرسول من جديد في رسالته العملية وقد ذكر ّ ّ ال مزيد على ما أشار إليه والده في رسالته السابقة. خالصة: إذن نصل إلى نتيجة مفادها بأن هذا المصطلح (شريك الباري ممتنع الوجود لذاته) إنما هو منتزع من القرآن الكريم وأحاديث أهل العصمة والطهارة (عليهم السالم) كما ذكر ذلك المرحوم السيد كاظم الرشتي في كتابه أصول العقائد ،وقد أشار الشيخ األوحد في أكثر من مناسبة في كتبه بأنه تابع للقرآن الكريم وللعترة (عليهم السالم) ومنهجهم ،كما أن تالمذته وتابعيه قالوا ذلك ،فلماذا هذا الرفض الشديد لهذا المصطلح!!؟ ثم لماذا بعد رفض هذا المصطلح يقع الشيخ األوحد (رحمه هللا) وتالمذته في نفس الفخ والشراك الذي َن َهوا عنه ورفضوه جمل ًة وتفصيال!؟ ً صاحبه من فروض والتي يفرضها صاحب الحق ،ما هي إال عبارة عن اختبار عن فشريك الباري وما َ يتصور البعض ،وهذا عتقداً ُيدين هللا تعالى به كما مدى حّقانية أو مصداقية ما يؤمن به ،وإال ليست ُم َ ّ
112
مذكراتي – الجزء ()8
أسلوب مستعمل في القرآن الكريم وأحاديث أهل البيت (عليهم السالم) سواء على مستوى التوحيد أو بيناه ذلك. النبوة أو القرآن الكريم أو ما شاكل ذلك ،كما ّ ألعرج إلى بيان مصطلحات أخرى في الحلقة القادمة من مذكراتي ،وهي الحلقة ما قبل وأكتفي بهذا القدر ّ األخيرة إن شاء هللا تعالى.
113
مذكراتي الجزء ()9
مذكراتي – الجزء ()9
الجزء التاسع أواصل الحديث في هذه الحلقة ،حول بيان بعض المصطلحات الفلسفية والكالمية ،التي أحيطت باللبس والغموض عندي حتى بعد تغيير مشربي الفقهي في التقليد. فأقول: بمثابة تقديم: إن من أبرز المشاكل التي عانينا منها سابقاً ،وال زال الكثير من إخوتنا يعانون منها ولكنهم ال يشعرون بها ،هي التأثر بحكم اآلخرين والخضوع تحت سلطة تأثيرهم ،واستقبال األفكار المعّلبة من الغير وأخذها
على سبيل التسليم المطلق دون أدنى محاولة للتفكير.
ِ إنسان ما ال يكون هو المالك والمعيار ،بل يكون مالك ذلك العقل. الناس على كم ٍ ُ فح ُ فمثالً : المضحك لو اختار اإلنسان ثوباً معتقداً أنه قد اختار لوناً جميالً ،ثم يأتي آخر ويقول له :ما هذا اللون ُ ثان وثالث ،فإنه سيعتقد بالتدريج أنه اختار ثوباً غير مناسب. الذي اخترته لنفسك ،وكذلك ٍ الخاصة بأحكام اآلخرين. فليس من الصحيح أن يتأثر اإلنسان فيما يتعلق بشؤونه ّ ويعّلمنا اإلمام موسى الكاظم (عليه السالم) في حديثه الذي وجهه إلى هشام بن الحكم (رضوان هللا عليه) أن ال نرّتب أث اًر على حكم الناس إال ما كان مطابقاً للعقل. وقد ورد عن إمامنا أمير المؤمنين (عليه السالم) أنه قال : "ال تستوحشوا في طريق الحق لقّلة سالكيه" . فيالها من دعوة الستقالل العقل والتفكير. ثم قال (عليه السالم) -اإلمام الكاظم - : ّ "لو كان في يدك جوزة ،وقال الناس :في يدك لؤلؤة .ما كان ينفعك وأنت تعلم أنها جوزة .ولو كان في ضرك وأنت تعلم أنها لؤلؤة؟ يدك لؤلؤة وقال الناس :إنها جوزة ما ّ 115
مذكراتي – الجزء ()9
التجرد حين الحكم على أقوالهم وهناك نقطة أخرى في غاية األهمية وهي تجّنب تقديس األشخاص و ّ شخصياتهم ما داموا خارج دائرة العصمة. وأفعالهم من دون االنبهار بعظمة ّ المهمة كتقديم لما سوف أطرحه ،لعلمي بأن البعض سيعترض على مقالتي أشرت إلى هذه المسائل إنما ُ ّ هذه ويقول : أنت الذي تعترض على تلك األفكار التي طرحها عالم عظيم من علماء أهل البيت (عليهم السالم) ومن َ وأفكاره تنسجم مع القرآن الكريم وأحاديث العترة !؟
يصح نعتها بأنها أعلم بأني ال أساوي فلساً وال رقماً أمام تلك األرقام والقامات الكبيرة ،ولكن تلك األفكار ال ّ
تنسجم مع ما يطرحه الثقالن الكتاب والعترة ،بل على العكس من ذلك ،إن من وصف تلك األفكار أو
المصطلحات بالمريضة وغير المنسجمة مع الثقلين حرّي به أن يراجع نفسه فيما طرح واعترض ،فما طرحه من اعتراض على كثير من المصطلحات الفلسفية والكالمية هو عينه اعتراض على القرآن الكريم وأحاديث أهل البيت (عليهم السالم) وقد أشرنا في حلقة سابقة إلى بعض األخطاء والمالحظات في ذلك. مقدس ومعصوم فيما يطرح عند البعض ؛ فال يجوز االعتراض على قوله ! ولكننا ولكن بما أنه شخص ّ
نقول :إن العلم ليس وقفاً على أحد ،وليس للمعرفة حدود.
يتطفلون ومع األسف الشديد أن كثي اًر من الخطباء والماللي الذين قد أشرت إلى شاكلتهم في حلقات سابقة ّ
المزيفة وغير الواقعية للناس العوام ! ولكن أقولها على تلك المصطلحات العلمية ،وينقلون مفاهيمها ّ تنم عن بالفم الملئان وبضرس قاطع فإن تلك النقوالت ليست سوى نقوالت غير أمينة وال دقيقة ،وإنما ّ
عدم فهم ومعرفة تخصصية بتلك المصطلحات الفلسفية والكالمية الدقيقة.
فلقد ولدنا في تلك البيئة ،فوجدنا أنفسنا غارقين حتى شحمتي األذنين في معارك فلسفية وكالمية ال ناقة لنا فيها وال جمل .وقد تعبنا كثي اًر من اللهاث خلف العصبيات واألحقاد واألفكار غير المسؤولة التي يدحرجها البعض من على بعض منابر الجمعة ومنابر الحسين (عليه السالم) ولكن تبعية العوام دون
وعي منهم لبعض الخطباء والماللي الذين لم يثّقفوا أنفسهم في الحوزات العلمية بالشكل المطلوب ،وهي
أقصر الطرق لتحطيم الفرد ،وكذلك انحسار الحركة العلمية ،بل إن شئت انعدامها في وسطنا ،وازدواجية بعض الشخصيات ،هي التي أنتجت أنماطاً من الجهل ومن الفكر المريض ،وانعكست على طبيعة التعامل ابقا. أشرت إلى ذلك س ً مع العلماء الحقيقيين وفقهاء الطائفة الذين اعتبرناهم ضعيفي عقيدة ،كما ُ
116
مذكراتي – الجزء ()9
المهم. . عوداً على بدء: البد أن نكمل -بعد هذه الشقشقة -ما بدأنا به من شرح لبعض المصطلحات الكالمية والفلسفية. ّ المرة مع مصطلح ( :لفظ الجاللة (هللا) علم على الذات اإللهية المقدسة). وهذه ّ فالذي نسمعه ونقرأه ونفهمه من تراثنا أنه ال يصح إطالق لفظ (:هللا َعَلم على الذات المقدسة) !! ألن عدة ،قد ذكر بعضها آية شيخنا المقدس الشيخ أحمد بن زين الدين (رحمه هللا) يرفض إطالقه لمحاذير ّ ّ ورد عليها ،ونحن هللا العظمى السيد الخوئي (رحمه هللا) في كتابه الموسوم بـــ (البيان في تفسير القرآن) ّ
النص الكامل للسيد في كتابه اآلنف الذكر. بدورنا سننقل ّ
عامة عن هذا المصطلح. ولكن قبل الخوض في تفاصيله وتقليب ما جاء فيهّ ، البد أن نأخذ فكرة ّ معنى االسم وتقسيمه: دل على معًنى في نفسه غير مقترن بزمان ،كمحمد وعلي ودار وحنطة يقول النحاة :إن االسم هو ما ّ وماء.. وهو من حيث العموم والخصوص ينقسم إلى قسمين :نكرة ،وهي األصل .ومعرفة ،وهي الفرع. هل لفظ الجاللة (هللا) نكرة أم معرفة؟ بال شك أنه معرفة وليس نكرة. العَلم واسم اإلشارة واالسم الموصول واالسم المقترن فإذا قلنا أنه معرفة ،فالمعارف سبعة أنواع :الضمير و َ
بـــ (أل) والمضاف إلى معرفة والمنادى المقصود بالنداء. فمن أي نوٍع من أنواع المعارف لفظ الجاللة (هللا)؟ بال شك أنه َعَلم.
معين ،بحسب وضعه ،بال قرينة :كمحمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين العَلم اسم يدل على مسمى ّ و َ ّ والمدينة والنجف وكربالء والفرات وجبل أحد.
117
مذكراتي – الجزء ()9
ومنه أسماء البالد واألشخاص والدول والقبائل واألنهار والبحار والجبال. وإنما قلنا " :بحسب وضعه "؛ ألن االشتراك بحسب االتفاق ال يضر ؛ كخليل المسمى به أشخاص كثيرون ،فاشتراكهم في التسمية إنما كان بحسب االتفاق والتصادف ،ال بحسب الوضع ؛ ألن كل واحد من الواضعين إنما وضع هذا االسم لواحد بعينه .أما النكرة :كرجل ،فليس لها اختصاص بحسب الوضع بذات واحدة ،فالواضع قد وضعها شائعة بين كل فرد من أفراد جنسها .وكذا المعرفة من أسماء األجناس :كالضمائر وأسماء اإلشارة. مسماه بقرينة الت ّكلم أو الخطاب أو مسماه بال قرينة :أما بقية المعارف ،فالضمير يعين عي ُن العَلم ُي َّ و َ ّ ّ يعينه بواسطة الجملة التي حسية أو معنوية .واسم الموصول ّ الغيبة .واسم اإلشارة ّ يعينه بواسطة إشارة ّ المعرف بأل يعينه بواسطتها .والنكرة المقصودة بالنداء تعينه بواسطة قصدها به .والنكرة تذكر بعده .و ّ تعينه بواسطة إضافتها إليها. المضافة إلى معرفة ّ
المصدر /جامع الدروس العربية للشيخ مصطفى الغالييني ،بتصرف. فلفظ (هللا) ال يمكن أن ُيطلق إال على هللا تعالى وهو خالق كل شيء وموجده. وكل البشر على اختالف ألوانهم علماؤهم وجهالهم ،عربهم وعجمهم يعلمون أن هللا اسم لرب العالمين، خالق السموات واألرضين ،الذي يحيي ويميت وهو حي ال يموت ،وهو رب كل شيء ومليكه ،فهم ال يختلفون في أن هذا االسم ُيراد به هذا المسمى ،وهو أظهر عندهم وأعرف وأشهر من كل اسم وضع لكل مسمى. هل هناك أحد في هذا الكون يطلق اسم (هللا) على خالق غير هللا ؟ أرجو أن تدّلونا عليه إن ُو ِجد.. ما نعرفه أن أشهر أسماء الرب تبارك وتعالى ،وأعالها في الذكر والدعاء وسيد وإمام سائر األسماء الجاللية والكمالية وهو " هللا " إنما يقع علماً على الخالق عز وجل ،وقد ُخ ّصت به كلمة اإلخالص، ووقعت به الشهادة فصار شعار اإلسالم ،وهو اسم ممنوع أن يتسمى به غيره ،قد قبض هللا عنه األ لسن، فلم ُي ْد َع به شيء سواه. قال تعالى: 118
مذكراتي – الجزء ()9
ۖ ۡ (ولىن سأ َۡلتهم م ۡن خلقه ۡ ن). ٱّلل َفأََّن ٰى ُيؤَف ُكو َ ن ل و ق ي ل م َّ َّ ُ َ ُ َ َ ِٕ َ َ ُ َّ َ َ َ ُ َ ُ سورة الزخرف87 وقال تعالى:
ۡ ۡ ۡ ۡ ٱّلل). ض َلَيُقوُل َّن َّ ( َوَل ِٕىن َسأَل َت ُهم َّمن َخَل َق َّ ٱلس َمـ َٰو ٰ ِت َوٱألَر َ سورة الزمر38 وقال تعالى:
ۡ ۡ ۖ ۡ ۡ ِ ۡ ۡ ٱلش ۡ َّ َّ ن). ٱّلل َفأََّن ٰى ُيؤَف ُكو َ ن ل و ق ي ل ر م ق ٱل و س م ر خ س و ض َر ٱأل و ت ٰو ـ م ٱلس ق ل خ ن م م ه ت َل َّ ٰ َّ ُ َ َ َّ ُ َ َّ َ َ َ َ َ ََ َ َ ( َوَل ِٕىن َسأ ُ ََ َ َ ََ ُ سورة العنكبوت61 نصه بالحرف الواحد تحت هذا العنوان: يقول السيد الخوئي (رحمه هللا) في تفسيره البيان ما ّ االسم: في اللغة بمعنى العالمة ،وهمزته همزة وصل ،وليست من الحروف األصلية ،وفيه لغات كثيرة والمعروف وضمه وهو مأخوذ من السمو " االرتفاع " باعتبار أن المعنى منها أربع :اسم ،سم وكالمها بكسر األول ّ يرتفع به فيخرج من الخفاء إلى الظهور ،فإن المعنى يحضر في ذهن السامع بمجرد سماع اللفظ بعد إن لم يكن فيه ،أو باعتبار أن اللفظ يرتفع بالوضع فيخرج من اإلهمال إلى االستعمال .وقيل باشتقاقه من السمة " العالمة " وهو خطأ ؛ ألن جمع اسم أسماء ،وتصغيره سمي ،وعند النسبة إليه ُيقال :سموي ّ السمة لقيل في جمعه أوسام ،وفي سميت وأسميت .ولو كان مأخوذاً من ّ واسمي ،وعند التعدية يقال ّ : تصغيره وسيم ،وفي النسبة إليه وسمي ،وعند التعدية وسمت وأوسمت. وقال (قدس هللا روحه) تحت عنوان (هللا) وهو حجر األساس والزاوية في هذا المقام: هللا: علم للذات المقدسة ،وقد عرفها العرب به حتى في الجاهلية ،قال لبيد: أال كل شيء ما خال هللا باطل
ُ
119
مذكراتي – الجزء ()9
وكل نعيم ال محالة زائلُ ّ وقال سبحانه: السماو ِ ِ َّللا.)ُ... ض َلَيُقوُل َّن َّ ات َو ْاألَْر َ ( َوَلئ ْن َسأَْل َت ُه ْم َم ْن َخَل َق َّ َ َ لقمان– 25 توهم أنه اسم جنس فقد أخطأ ،ودليلنا على ذلك أمور: ومن ّ يشك في ذلك أحد ،وبأصالة األول :التبادر ،فإن لفظ الجاللة ينصرف بال قرينة إلى الذات ّ المقدسة ،وال ّ حجيتها في علم األصول. عدم النقل يثبت أنه كذلك في اللغة ،وقد ُحّققت ّ
الثاني :إن لفظ الجاللة -بما له من المعنى -ال يستعمل وصفاً ،فال يقال :العالم هللا ،الخالق هللا،
على أن ُيراد بذلك توصيف العالم والخالق بصفة هي كونه هللا ،وهذه آية كون لفظ الجاللة جامداً ،وإذا فسره بالمعنى االشتقاقي. كان جامداً كان َعَلماً ال محالة ،فإن الذاهب إلى أنه اسم جنس ّ تدل على الثالث :أن لفظ الجاللة لو لم يكن َعَلماً لما كانت كلمة " ال إله إال هللا " كلمة توحيد ،فإنها ال ّ يدل عليه قول :ال إله إال الرازق ،أو الخالق ،أو غيرهما من األلفاظ التي التوحيد بنفسها حينئذ ،كما ال ّ ُتطلق على هللا سبحانه ،ولذلك ال ُيقبل إسالم من قال إحدى هذه الكلمات.
المقدسة ،كما يقتضي الوضع بإزاء سائر المفاهيم، الرابع :أن حكمة الوضع تقتضي وضع لفظ للذات ّ
فيتعين أن يكون هو اللفظ الموضوع لها. وليس في لغة العرب لفظ موضوع لها غير لفظ الجاللة، ّ إن قلت:
تصورها ؛ الستحالة إحاطة إن وضع لفظ ّ تصور كل منهما ،وذات هللا سبحانه يستحيل ّ لمعنى يتوقف على ّ ً الممكن بالواجب ،فيمتنع وضع لفظ لها ،ولو قلنا بأن الواضع هو هللا -وأنه ال يستحيل عليه أن يضع اسماً لذاته ؛ ألنه محيط بها -لما كانت لهذا الوضع فائدة الستحالة أن يستعمله المخلوق في معناه تصور المعنى كالوضع ،على أن هذا القول باطل في نفسه. فإن االستعمال أيضاً يتوقف على ّ
قلت:
120
مذكراتي – الجزء ()9
تصوره في الجملة ،ولو باإلشارة إليه ،وهذا أمر ممكن في الواجب وضع اللفظ بإزاء المعنى يتوقف على ّ تصور الواجب بكنهه وحقيقته ،وهذا ال يعتبر في الوضع وال في االستعمال ،ولو وغيره ،والمستحيل هو ّ اعتبر ذلك المتنع الوضع واالستعمال في الموجودات الممكنة التي ال تمكن اإلحاطة بكنهها :كالروح
ويقصد به الذات المَلك و ّ الجن ،ومما ال يرتاب فيه أحد أنه يصح استعمال اسم اإلشارة أو الضمير ُ و َ المقدسة مستجمعة لجميع صفات المقدسة ،فكذلك يمكن قصدها من اللفظ الموضوع لها ،وبما أن الذات ّ
صح أن يقال :لفظ الجاللة الكمال ،ولم يلحظ فيها -في مرحلة الوضع – جهة من كماالتها دون جهة ّ موضوع للذات المستجمعة لجميع صفات الكمال.
إن قلت: عز اسمه: إن كلمة " هللا " لو كانت َعَل َماً شخصياً لم يستقم معنى قوله ّ السماو ِ (و ُهو َّ ِ ات َوِفي ْاأل َْرض ۖ ِ ). َّللا في َّ َ َ َ َ ُ سورة األنعام: 3 وذلك ألنها لو كانت َعَلماً لكانت اآلية قد أثبتت له المكان وهو محال ،فال مناص من أن يكون معناه المعبود ،فيكون معنى اآلية :وهو المعبود في السماوات واألرضين. قلت: المراد باآلية المباركة أنه تعالى ال يخلو منه مكان ،وأنه محيط بما في السماوات وما في األرض ،وال تخفى عليه خافية ،ويشهد لهذا قوله تعالى في آخر اآلية الكريمة : ن). (َي ْعَل ُم ِسَّرُك ْم َو َج ْهَرُك ْم َوَي ْعَل ُم َما َت ْك ِسُبو َ األنعام: 3 ظن الصدوق قال : وقد روى أبو جعفر وهو محمد بن نعمان في ّ عز وجل ّ : "سألت أبا عبدهللا (عليه السالم) عن قول هللا ّ السماو ِ (و ُهو َّ ِ ض). ات َوِفي ْاأل َْر ِ َّللا في َّ َ َ َ َ ُ
121
مذكراتي – الجزء ()9
سورة األنعام: 3 كل مكان ،قلت :بذاته؟ قال :ويحك إن األماكن أقدار ،فإذا قلت في قال عليه السالم :كذلك هو في ّ مكان بذاته لزمك أن تقول في أقدار وغير ذلك ،ولكن هو بائن من خلقه محيط بما خلق ِ :عْلماً وقدرًة
وإحاط ًة وسلطانا"ً...
العَل ِمّية ،إال أن الهمزة فيها همزة وصل تسقط واأللف والالم :من كلمة الجاللة وإن كانت جزءاً منها على َ في َّ الدْرج ،إال إذا وقعت بعد حرف النداء ،فتقول يا هللا -بإثبات الهمزة -وهذا مما اختص به لفظ
الجاللة ،ولم يوجد نظيره في كالم العرب قط ،وال مضايقة في كون كلمة الجاللة من المنقول ،وعليه فاألظهر أنه مأخوذ من كلمة " اله " بمعنى االحتجاب واالرتفاع ،فهو مصدر مبني للفاعل ؛ ألنه سبحانه هو المرتفع حقيقة االرتفاع التي ال يشوبها انخفاض ،وهو -في غاية ظهوره بآثاره وآياته – محتجب عن خلقه بذاته ،فال تدركه األبصار وال تصل إلى كنهه األفكار: الفكر كليال فيك يا أعجوبة الكون غدا ُ حيرت ذوي الّل ّب وبلبلت العقوال أنت ّ كّلما أقدم فكري فيك شب اًر ّفر ميال ناكصاً يخبط في عشواء ال يهدي السبيال ِ تحير ليكون اإلله مصد اًر بمعنى المفعول وال موجب للقول باشتقاقه من " أَله " بمعنى عبد ،أو "أله" بمعنى ّ
-ككتاب -فإنه التزام بما ال يلزم.
المصدر /كتاب البيان في تفسير القرآن للسيد الخوئي (رحمه هللا) ص. : ٤٢٨ - ٤٢٤ بينا ذلك. إذن نخلص إلى نتيجة مفادها أن لفظ الجاللة ال يقع َعَلماً إال على الذات اإللهية ّ المقدسة كما ّ التصور اإلجمالي للباري -سبحانه وتعالى طبعاً ذكر سماحة السيد الخوئي (رحمه هللا) في معرض كالمه ّ -وهذا يأتي الكالم عليه إن شاء هللا خالل المصطلح الالحق.
ولكن بقي أن أشير تحت عنوان هذا المصطلح إلى نقطة غاية في األهمية وهي أن رأي الشيخ األوحد (رحمه هللا) في لفظ الجاللة في كتابه جوامع الكلم في ج ٩منه ضمن موسوعة تراث األوحد ص 3١٢
122
مذكراتي – الجزء ()9
يسوقه لنا مشايخنا حول رأيه ،على األقل في هذا النص الواضح و الصريح، 3١3 -هو بخالف ما كان ّ
نصه بالحرف الواحد في كتابه المذكور: إذ قال ما ّ
"أقول :وجه االختصاص أن هللا اسم لذات اتصفت بصفات القدس كالقدوس والسبحان والعزيز والعلي المنزه المتنزه وأمثال ذلك ،وبصفات اإلضافة كالعلم والقدرة والسمع والبصر ،فإن العلم يقتضي مفهومه و ّ
اللغوي معلوماً والقدرة مقدو اًر والسمع مسموعاً والبصر مبص ارً ،وهكذا وبصفات الخلق كالخالق والرازق
والمعطي ،فالذات الجامعة لهذه المراتب هو المسمى باهلل ،فإنه يقتضي مألوهاً ،فإن العبادة إنما تكون
بتنزيه المعبود عن المشاركة في الذات والصفات واألفعال والعبادة ،وهذه األربعة هي مراتب األحد ،وهذا
التنزيه هو مقتضى صفات القدس ،وإنما تكون العبادة أيضاً بمقتضى صفات اإلضافة كالعلم والقدرة وهي
الموجبة للتعظيم وتكون أيضاً بمقتضى صفات الخلق ،فيسأله المغفرة والرزق ودفع الباليا وما أشبه ذلك،
فمن اتصف بهذه الصفات الثالث فهو هللا ،وأما الرحمن فهو اسم لذات اتصفت بصفات اإلضافة وبصفات
الخلق ،ولهذا استوى بروحانيته على عرشه فأعطى كل ذي حق حقه ،وساق إلى كل مخلوق رزقه ،فمن اتصف بهذين النوعين من الصفات فهو الرحمن ،فكان هللا موصوفاً بثمانية وتسعين اسماً ،فهو هللا القدوس السالم المؤمن إلى آخر األسماء الحسنى ،وكان الرحمن موصوفاً بسبعة الرحمن الرحيم الملك ّ
وتسعين اسماً فهو الرحمن الرحيم الملك القدوس السالم إلخ ،فتقول :يا هللا ارحمني ؛ أل نه متصف
عدوي ؛ ألنه متصف بالمهلك ،وهكذا إلى آخر بالرحمن الرحيم ،واغفر لي ؛ ألنه متصف بالغافر ،وأهلك ّ ۡ ۟ ۡ ۟ ۡ ۟ ۡ ۖ ࣰ ِ ٱلرح َمـ َٰن أَّيا َّما َتد ُعوا َفَل ُه ٱّلل أ َِو ٱد ُعوا َّ األسماء الحسنى .وكذلك الرحمن وهو قوله تعالى ُ ( :قل ٱد ُعوا َّ َ ۤ ۡ ۡ ٱأل َۡس َما ُء ٱل ُح ۡسَنى ۚ ٰ ). سورة اإلسراء110 فأي ذات اتصفت بجميع األسماء الحسنى جاز إطالق هللا والرحمن عليها وذلك خاص باهلل ،قال هللا تعالى ّ ۡ ۤ ۡ ۡ ۡ ۟ ۟ ۚ ۡ ين ُكم وَال َتُقوُلوا عَلى َّ ِ ( :يـٰأَهل ٱل ِك َتـ ِٰب َال َتغُلوا ِفی ِد ِ ٱّلل ِإَّال ٱل َحق َ ّ ). َ َ َ َ سورة النساء171 تسموا أحداً باهلل إال الحق فهذا وجه اختصاص هذين االسمين" . أي ال ّ انتهى.
123
مذكراتي – الجزء ()9
أكتفي بهذا القدر ،ومن أراد المزيد أكثر من هذه اإلطالة فليراجع ما ُكتب في محله من أبحاث. فأين من يقول بأن الشيخ يعترض على هذا الكالم؟
تصور الباري إجماالً : مصطلح ّ المرة نخوض في معترك لقد تناولنا من قبل في حلقة سابقة أهمية المصطلح ودراسته دراسة واعية .وهذه ّ مصطلح جديد ،يبدو ألول وهلة أنه ال ينسجم مع القرآن الكريم والسنة المطهرة عندنا أتباع الشيخ ،أو
ق ما خلفه من على أقل تقدير هو بحاجة إلى تطهير لفظه ،بصرف النظر عن مفهومه أو عما ُيشر ُ معنى.
لكن كما قلنا م ن قبل ال ينبغي لنا أن نحكم على ظواهر األلفاظ ما لم ندرسها دراسة واعية متأملة ،ال نعتمد فيها على المسبقات الذهنية ،أو نصغي من أجل فهم مرادها إلى جهات لم تفهم معناها. أليس الناقد الموضوعي المنصف يجتهد في عرض الفكرة أو الرأي الذي يخالفه معتمداً في ذلك على
مصدر تلك الفكرة ؟ إذ ال يجوز أخذ عقائد قوم من أعدائهم ومناوئيهم ،فهذا ليس من الموضوعية في
شيء. ولكي يتضح لنا المعنى تماماً علينا أن نسوق بعض الشواهد واألمثلة. يتبين لنا بأن كثي اًر من ولنبدأ برواية عن موالنا أبي عبدهللا جعفر بن محمد الصادق (عليه السالم) حتى ّ ومتصيدة من النصوص المصطلحات الكالمية والفلسفية -كما أثبتنا من قبل -إنما هي مستنبطة ّ
الشريفة (كتاب أو سنة أو عقل في بعض األحيان).
١سأل شخص اإلمام الصادق (عليه السالم) :ما الدليل على وجود هللا؟فسأله اإلمام إن كان قد ركب البحر ؟ فقال :نعم .فسأله اإلمام إن كان قد صادف طوفاناً وهيجاناً في
البحر ،وإنه كان على وشك الغرق ،وإنه قد قطع رجاءه من كل شيء.
فقال :نعم .فقال له اإلمام :هل اتجه قلبك في تلك اللحظة إلى جه ٍة ما ،إلى ملجأ يحميك ،إلى نقطة تتوسل إليها كي تنجيك من محنتك؟
124
مذكراتي – الجزء ()9
فقال :نعم.فقال له اإلمام :ذاك هو هللا. تصور الخالق أو الباري إجماالً ،أي بمعنى الجهة أو هذا الذي عناه اإلمام مع ذلك الرجل السائل هو ّ القوة الموجدة لهذا الكون ،إذ من الطبيعي أن تفزع نفسك إليها انطالقاً من الفطرة السليمة التي أودعها ّ هللا فيك.
٢لنفترض شخصين جلس كل واحد منهما وراء حاسوب (جهاز الكمبيوتر) وأراد أن يكتب البيت الشعريالتالي: وعاجز الرأي مضياع لفرصته حتى إذا فات أمر عاتب القد ار أمّياً ال يعرف الحروف وكان أحد الشخصين َ المذكورين مثّقفاً ومتعلماً ،عارفاً بالحروف ومفاتيحها .واآلخر ّ
ومفاتيحها ،ثم َشَرعا معاً في الضرب على لوحة المفاتيح لطبع البيت المذكور ،فإن النتيجة ستكون هكذا
:
سيضرب األول -بحكم معرفته -حرف (و) ثم (ع) ثم (ا) ثم (ج) ثم (ز) وهكذا إلى آخر البيت ،وسوف لن تمضي سوى دقائق معدودة إال وقد طبع البيت المذكور بصورة دقيقة وصحيحة. األمي وضرباته العشوائية الجاهلة إال على صفحة طبعت عليها عشرات الحروف بينما لن ّ يتحصل من فعل ّ المختلفة المصفوفة إلى جانب بعضها في غير نظام وال معنى ،بل ولعلنا نجد بينها كلمات تدعو إلى
السخرية وتثير الضحك ؛ لكونها غاية في السخافة والّل ْغوية. شك فيه عند مشاهدة الورقتين هو أن الورقة األولى التي تحمل البيت الشعري مطبوعاً طبعاً إن الذي ال ّ
ظماً ،تكشف عن أنها من صنع كاتب عارف بما كتب ،عالم بالحروف والكلمات والجمل صحيحاً ومن ّ
التصور اإلجمالي المعني في كالم هويته واسمه وشخصه ،هذا هو والتعابير حتى وإن كّنا ال نعرف ّ ّ الفالسفة. طره من أمي ال يعرف شيئاً من القراءة والكتابة ،وأن ما س ّ بينما تكشف الورقة الثانية عن أنها من فعل ّ الحروف والكلمات الغريبة كان وليد الضربات العشوائية على مفاتيح الحروف ،فهي التي جمعت هذه
125
مذكراتي – الجزء ()9
الحروف المتنافرة على سبيل الصدفة بعضها إلى جانب بعض ،وخلقت منها كلمات غريبة لم تطرق سمع أبدا. ط ،ولم تخطر على قلب بشر ً إنسان ق ّ المثقف العارف عالمة القصد والتدبير ،وتكون الفوضى في ما وهكذا يكون النظام السائد في ما طبعه ّ األمي الجاهل عالمة الصدفة وعدم التدبير. طبعه ّ تصور 3-لو أننا وقفنا على لوحة فّنية زاهية األلوان ،متناسقة األصباغ ،رائعة الجمال ،جميلة المعالمّ ،
وسباحين ،وسفناً تمخر عباب البحر ،وأمواجاً صغيرة تداعب المحارات المتناثرة على شاطىء بحر أزرق ّ
تعج بأشجار باسقة ،وتتناثر فيها جنائن خضراء وحدائق غناء. تتوسط الماءّ ، الساحل ،وجزيرة ّ
رساماً ماه اًر هو الذي رسمها ،وهو يتمتع ثمة ّ فإن هذه اللوحة الجميلة سوف تهدينا -فو اًر -إلى أن ّ بذوق رفيع ،ومهارة عالية ،وتحملنا على اإلعجاب بموهبته وفّنه وإبداعه. كما تحملنا في نفس الوقت على االعتقاد بأن مثل هذه اللوحة الجميلة والرائعة ال يمكن أن تصدر إال من القوية التي تقدر على اختصار ذلك المشهد العظيم العريض في منظر جميل مص ّغر هذه الموهبة الفّنية ّ لتصور أن تلك اللوحة على قطعة صغيرة المساحة من الورقة ،فال عالقة إذن للصدفة بذلك ،وال مجال ّ
تصور -على نحو اإلجمال -أن هناك صانعاً وفّنياً لهذه البد من ظهرت اتفاقاً ودون قصد ،وإنما ّ ّ اللوحة. ليس من الضروري أن نعرف شخصه على نحو الدقة والتفصيل. رسام ماهر وفّنان قدير ،قد تحلى بذوق رفيع ومهارة فالعقل يذعن -دون تأخير -بأن هذا من صنع ّ تم من حركات ّأدت إلى ظهور هذه الصورة الفنية لم تكن سوى حركات منتظمة ،ومتناسقة فائقة ،وأن ما ّ ومدروسة بعناية بالغة.
بعد هذه الجولة في رواية اإلمام (ع) والمثالين السابقين يتضح لنا اآلتي: نتصور أن لهذا الكون خالق وصانع على نحو اإلجمال ،وهذه هي المعرفة الممكنة والتي إننا يمكن أن ّ أشارت إليها الروايات ،ومنها ما ورد عن إمامنا أمير المؤمنين (عليه السالم) أنه قال : "أول الدين معرفته ،وكمال معرفته التصديق به ،وكمال التصديق به توحيده ،وكمال توحيده اإلخالص له ،وكمال اإلخالص له نفي الصفات عنه.... ". 126
مذكراتي – الجزء ()9
فاإلمام قال :أول الدين معرفته ،فهذه المعرفة اإلجمالية. مفصالً ،فتلك معرفة مستحيلة عقالً ولكن ال يمكن معرفته على حقيقته وكنهه ،بحيث يتجلى لنا ونعرفه ّ
وشرعاً (يامن ال يعرف ماهو إال هو) فحيث ثبت أن هللا تعالى غير متنا ٍه ،وما عداه متنا ٍه فمن المحال
أن يحيط المتناهي بالالمتناهي ،وأّنى له ذلك !
فلو أن اإلنسان اكتنه حقيقة شيء ووقف على كنهه فقد أحاط به ،ولو كانت تلك إحاطة علمية .ولما كان الواجب -سبحانه -ال متنا ٍه ،فمن المستحيل لإلنسان أن يكتنهه ،حيث ال يمكن للمتناهي -كما مر -أن يحيط به علماً. ّ وفي هذا االتجاه راح القرآن الكريم والمأثور من أحاديث الرسول (صلى هللا عليه وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السالم) يح ّذران اإلنسان من االنزالق إلى هذا الوادي السحيق ؛ لما يفضي إليه من تيه وضياع وضالل. أما القرآن فهناك الكثير من اآليات تثبت حقيقة عدم إمكان اإلحاطة به علماً ،ومنها قوله تعالى : ۡ ۡ (َي ۡعَل ُم َما َب ۡي َن أ َۡي ِد ِ يه ۡم َو َما َخل َف ُه ۡم َوَال ُي ِحيطُو َن ِب ِه ۦ ِعل ࣰما). سورة طه١١0 المحدث أن اإلمام احتج قرة ّ وفي ّ رد اإلمام علي بن موسى الرضا (عليه السالم) على أسئلة وشبهات أبي ّ ۡ ۡ ۡ ٰر). في دفع الرؤية بقوله سبحانه َّ( :ال ُتد ِرُكهُ ٱألَب َصـ ُ سورة األنعام. 103
ۡ وقوله تعالى َ ( :وَال ُي ِحيطُو َن ِب ِه ۦ ِعل ࣰما).
سورة طه110
ۡ وقوله تعالى ( :ل ۡيس ك ِم ۡثلِ ِه ۦ ش ۡی ࣱۖ ٱلس ِ ير). يع ٱلَب ِص ُ م و ه و ء َّ َ َ َ َ ُ َ َُ
سورة الشورى11 حيث قال (ع) " :فإذا رأته األبصار فقد أحاط به العلم ووقعت المعرفة ".
127
مذكراتي – الجزء ()9
المصدر/األصول من الكافي ،ج ،١ص ٩٦. والمعرفة التي يعنيها الحديث هي المعرفة اإلحاطية .وكذا الحال إذا وقع كنهه في العقل ؛ وإذا وقعت هويته وذاته فيه أيضا ً. ّ وتوضيح ذلك : أن اإلحاطة على ضربين : إحاطة بصرية وإحاطة بصيرية (نسبة إلى البصيرة) تقع في القلب .والقرآن ينفي اإلحاطتين كليهما ،فأنت هوية ذات الحق محال الستحالة اإلحاطة هويته ،ومعرفة ّ إذا قلت :اإلنسان حيوان ناطق .فقد عرفت ّ بضربيها. يقول اإلمام أمير المؤمنين (عليه السالم) " :لم يطلع العقول على تحديد صفته ،ولم يحجبها عن واجب معرفته " .نهج البالغة خطبة رقم. ٤٩ حدها الواجب.وربما أشار إذ ُيجمع النص في توازن دقيق بين استحالة اإلحاطة كنهاً ،وإمكان المعرفة في ّ
المفسرين إلى استحالة المعرفة الكنهية ،وتحذير القرآن منها ،بقول الحق تعالى: بعض ّ ۡ ِ ٱّلل َنف َس ُه). ( َوُي َح ّذُرُك ُم َّ ُ سورة آل عمران٢٨ حيث ال يمكن ألحد أن يبلغ ذلك المقام. وقال مولى الموحدين أمير المؤمنين (عليه السالم): "فتبارك هللا الذي ال يبلغه ُبعد الهمم ،وال يناله حدس الفطن" . السجاد (عليهما السالم): وقال موالنا اإلمام علي بن الحسين ّ
"ِإلـهي َقصر ِت ْاألَ ْلسن ع ْن بُلوِغ َثنا ِئ َك َكما يليق ِبجاللِ َك ،وعج َز ِت اْلعُقول ع ْن ْإدر ِ اك ُكْن ِه َجمالِ َكَ ،واْن َح َسَر ِت ُ ُ َ َََ َ ُ َ ُُ َ ُ َُ
ظ ِر إلى سب ِ صار ُدو َن َّ حات َو ْج ِه َكَ ،وَل ْم َت ْج َع ْل لِْل َخْل ِ طريقاً إلى َم ْع ِرَفِت َك إالّ ِباْل َع ْج ِز َع ْن َم ْع ِرَفِتك َ.... ق َ الن َ ُُ ْاأل ْب ُ ".
128
مذكراتي – الجزء ()9
يتصور تصور الذات إجماالً ليس معناه بأن اإلنسان المهم كما ّ ّ ومر معنا خالل سياق الكالم بأن ّ بينا ّ شيئاً في ذهنه ،وإنما معناه أن تفزع نفسك إلى جهة أوجدتك وخلقتك ،وهو معنى كالم اإلمام (ع) :أول
الدين معرفته.
فكيف نوّفق بين هذا وبين ما نحن فيه من استحالة المعرفة؟ إن اإلمام ال يعني في كالمه أن المعرفة اإلنسانية تتعلق بذات الحق (سبحانه) فمعرفة الذات ال مجال لها ،وال يمكن ألحد أن يعلم ما هي .وإنما عنى من كالمه ما سقناه مما ذكره السيد الخوئي (رحمه هللا) في تفسيره : تصوره في الجملة ،ولو باإلشارة إليه ،وهذا أمر ممكن في الواجب "وضع اللفظ بإزاء المعنى يتوقف على ّ
تصور الواجب بكنهه وحقيقته ،وهذا ال يعتبر في الوضع وال في االستعمال ،ولو وغيره ،والمستحيل هو ّ اعتبر ذلك المتنع الوضع واالستعمال في الموجودات الممكنة التي ال تمكن اإلحاطة بكنهها :كالروح ويقصد به الذات المَلك و ّ الجن ،ومما ال يرتاب فيه أحد أنه يصح استعمال اسم اإلشارة أو الضمير ُ و َ المقدسة ،فكذلك يمكن قصدها من اللفظ الموضوع لها ،وبما أن الذات المقدسة مستجمعة لجميع صفات صح أن يقال :لفظ الجاللة الكمال ،ولم يلحظ فيها -في مرحلة الوضع -جهة من كماالتها دون جهة ّ موضوع للذات المستجمعة لجميع صفات الكمال" .
التصور اإلجمالي للباري سبحانه هو انطباع صورة فسماحة السيد وكل علماء الطائفة ال يرون أن معنى ّ
توجه القلب وفزعه شيء في الذهن ! والعياذ باهلل العظيم ،ومن يرى هذا االعتقاد الفاسد الباطل ،وإنما ّ ِ بينا في رواية اإلمام الصادق (عليه السالم). إلى جهة ما مقتدرة وموجدة وخالقة لهذا الكون ،كما ّ وبعبارة أخرى ومختصرة أقول: نجا اًر ما صنع هذا الباب أو هذا الكرسي ،ولكنك ال تعرفه على نحو التفصيل والدقة إنك تتصور إجماالً أن ّ ّ
مثال. أنه يكون زيداً ً
هذا هو التصور اإلجمالي ببساطة. ولننتقل إلى مصطلح جديد للتعرف عليه. مصطلح وحدة الوجود: 129
مذكراتي – الجزء ()9
سترد علينا وقبل الخوض في تفاصيل هذا المصطلح ،هناك بعض المطالب العلمية والمصطلحات التي ُ
طلع عليها كثي اًر في قراءاتنا المتنوعة هنا وهناك ،إذ ينبغي في شرح هذا المصطلح تحديداً ،كما نسمعها ون ّ
بمحل كالمنا ،ومنها المفهوم والمصداق. التعرف عليها وهي مرتبطة ّ ّ
أصعب الكالم ،خاصة وأن معظم قراء هذه المذ ّكرات من هواة حب االستطالع العاجل وال أريد أن أعّقد و ّ التعمق في المعارف والفضول العلمي العميق (الوجبات الدسمة والوجبات السريعة (الساندويش) وليس ّ
الثقيلة).
موضع الشاهد: إن المفهوم -ببساطة -هو المعنى الموجود في الذهن. والمصداق هو الموجود في الخارج. فصورة الكتاب -مثالً -التي في الذهن هي المفهوم ،والوجود الخارجي للكتاب هو مصداق لذلك
المفهوم.
فكل ما هو موجود في الذهن فهو (مفهوم) كمفهوم العلم والقدرة والحياة والصالة والوجود وغيرها. ّ و هذه المفاهيم لها مصاديق في الخارج ،فمفهوم العلم له مصداق في الخارج ،ومفهوم الوجود له مصداق في الخارج وهكذا. وبعد اتضاح الفرق بين المفهوم و المصداق نقول: إن الفالسفة يؤكدون بأن االشتراك في الوجود بين هللا تعالى و بين المخلوقات هو في مفهوم الوجود بأن هذا واضح ووجداني. وليس في مصداقه .فيقولون ّ درسنا حكمة الشيخ أحمد بن زين الدين (رحمه هللا) عند شرحه إن مشكلة البعض من المشائخ ممن ّ كمادة خام -وجود الواجب ووجود لمفهوم الوجود يجعله بمثابة المقسم ،ويتوّلد من هذا المقسم ّ -
علوا كبي اًر -في مادة الوجود، الممكنّ ، ويفهمنا بهذه السذاجة بأننا نشترك مع هللا -تعالى عن ذلك ّ وكأن الفالسفة يؤمنون بهذا الكالم !! الفالسفة ال يؤمنون بهذا على اإلطالق ،إنما هذا فهمنا الخاطىء والمعوج.
130
مذكراتي – الجزء ()9
وقد حصل هذا التخبط واللبس بسبب الخلط بين المفهوم والمصداق. فمثال ً : هل مفهوم العلم ومعنى العلم الذي نطلقه على هللا تعالى يختلف عن مفهوم ومعنى العلم الذي نطلقه على زيد أم ال ؟ وبعبارة أخرى لو سألنا : ما هو مفهوم ومعنى العلم الذي نطلقه على هللا تعالى ؟ وما هو مفهوم ومعنى العلم الذي نطلقه على زيد ؟ الجواب :إنه بمعنى واحد وال يختلف ،وهو الذي في مقابل الجهل ،و هذا هو المتبادر من مفهوم كلمة (العلم). وهذا بلحاظ مفهوم العلم. وأما بلحاظ المصداق ،فمصداق العلم بالنسبة هلل تعالى يختلف عن غيره ،فعلمه غير متنا ٍه ومطلق وغير مقيد بأي قيد إطالقاً ،وهذا بخالف غيره من المخلوقات العالمة. ّ و عندما نأتي إلى مفهوم الوجود نسقط الكالم نفسه ،فنقول : ماذا نفهم من معنى ومفهوم الوجود ؟ لنقل أنه في مقابل مفهوم العدم. ما نفهمه من مفهوم الوجود ينطبق على هللا تعالى وعلى سائر الخلق. هذا بلحاظ المفهوم. وأما مصداق الوجود ،فوجود هللا تعالى وجود محض ال يدانيه أي نقص أو قيد ،فهو مطلق من جميع الجهات. فهو غني مطلق في وجوده ،وغني مطلق في علمه ،وغني مطلق في قدرته وغني مطلق في سمعه، وسائر صفات الجالل والكمال. 131
مذكراتي – الجزء ()9
والغني المطلق هو الغني في نفسه الغير محتاج إلى غيره وغيره محتاج إليه. فمقصود الفالسفة من مفهوم الوجود هو ذاك األمر الوجداني وهو في عالم المفهوم ال في عالم المصداق. فالشيخ األوحد (قدس سره) عالم ونفهم من هذا العلم أنه في مقابل الجهل. و كذلك هللا عالم ونفهم من معنى هذه الكلمة أنها في مقابل الجهل. نعم .العلم بلحاظ المصداق يختلف ،فاهلل تعالى ال شريك له ال في الوجود وال في الصفات. وبعبارة أخرى :نحن نعلم أن مفهوم العلم واحد ،فهو المقابل لمفهوم الجهل ،سواء أطلق العلم على هللا تعالى أو على غيره. نعم .الفارق هو في مصداق العلم وفي مصداق الوجود. و كل اإلشكاالت التي يطلقها مشائخنا الكرام -سامحهم هللا وعفا عنهم -ال تثبت أمام النقد ،وإنما تأتي وترد إذا كان مقصود الفالسفة هو المصداق ،بينما مقصودهم هو المفهوم. ومن هنا وقع الخلط. فالوقوع في الشرك والوقوع في تشبيه الخلق بالخالق و غيرها من اللوازم األخرى إنما هي تأتي بلحاظ مصداق الوجود ال بلحاظ مفهومه. الصوفية ،فعارضهم وحاربهم علماء الطائفة على هذا القول وهذا المفهوم الخاطىء هو الذي وقع فيه ّ كل علماء اإلمامية الباطل ،ولكن جاء من لم يفقه أو يدرس بالشكل الصحيح وخلط الحابل بالنابل ،واتهم ّ الصوفية فحسب ،ولكنه قام بسحبه على الطائفة المحّقة. بهذا القول الفاسد الباطل ،مع العلم بأنه قول ّ
صرح ببطالن هذا القول مرجع الطائفة وزعيم الحوزات العلمية آية هللا العظمى السيد أبوالقاسم وقد ّ الخوئي (رحمه هللا) في كتابه التنقيح في شرح العروة الوثقى. نصه بالحرف الواحد: قال سماحته في كتابه التنقيح في ص ٨١وما بعدها ما ّ تعدد في حقيقته ،وأنه كما يطلق على الواجب أن الوجود حقيقة واحدة و ال ّ إن أراد ّ "القائل بوحدة الوجود ْ
كذلك ُيطلق على الممكن فهما موجودان وحقيقة الوجود فيهما واحدة ،واالختالف إنما هو بحسب المرتبة
132
مذكراتي – الجزء ()9
القوة والتمام ،والوجود الممكني في أنزل مراتب الضعف والنقصان، ؛ ألن الوجود الواجبي في أعلى مراتب ّ وإن كان كالهما موجوداً حقيقة وأحدهما خالق لآلخر ،وموجد له فهذا في الحقيقة قول بكثرة الوجود
والموجود معاً .نعم ،حقيقة الوجود واحدة فهو مما ال يستلزم الكفر والنجاسة بوجه ،بل هو مذهب أكثر
الفالسفة ،بل مما اعتقده المسلمون وأهل الكتاب ،ومطابق لظواهر اآليات واألدعية .فترى أنه (ع) يقول : الرب وأنا المربوب " -كما في دعاء يستشير وغيره من األدعية. - "أنت الخالق وأنا المخلوق ،وأنت ّ متعد َدين ،أحدهما ِ ويعبر عن وغير ذلك من التعابير الدالة على أن هناك موجودين ّ َ موجد وخالق لآلخرّ ، العامي .وإن أراد من وحدة الوجود ما يقابل األول وهو أن يقول بوحدة الوجود ذلك في االصطالح بالتوحيد ّ
تطورات متك ّثرة واعتبارات مختلفة والموجود حقيقة ،وأنه ليس هناك في الحقيقة إال موجود واحد ولكن له ّ ؛ ألنه في الخالق خالق ،وفي المخلوق مخلوق ،كما أنه في السماء سماء و في األرض أرض ،وهكذا.. وهذا هو الذي يقال له توحيد خاص الخاص ،وهذا القول نسبه صدر المتألهين إلى بعض الجهلة من
ٰ َّللا -و أنكر نسبته إلى أكابر الصوفية المتصوفين -وحكي عن بعضهم أنه قال :ليس في جبتي سوى ّ ّ و رؤسائهم ،وإنكاره هذا هو الذي يساعده االعتبار ،فإن العاقل كيف يصدر منه هذا الكالم ،وكيف يلتزم
ويدعي اختالفهما بحسب االعتبار !؟ بوحدة الخالق ومخلوقه ّ وكيف كان فال إشكال في أن االلتزام بذلك كفر صريح و زندقة ظاهرة ؛ ألنه إنكار للواجب والنبي (صلى هللا عليه وآله) حيث ال امتياز للخالق عن المخلوق حينئذ إال باالعتبار ،وكذا النبي(صلى هللا عليه وآله) وأبو جهل -مثالً -م ّتحدان في الحقيقة على هذا األساس ،وإنما يختلفان بحسب االعتبار ،وأما
متعدد ولكنه إذا أراد القائل بوحدة الوجود أن الوجود واحد حقيقة ،وال كثرة فيه من جهة ،وإنما الموجود ّ موجودية غيره من الماهيات الممكنة ؛ ألن إطالق الموجود على بين بين موجودّية الوجود وبين ّ فرق ّ الوجود من جهة أنه نفس مبدأ االشتقاق .وأما إطالقه على الماهيات الممكنة فإنما هو من جهة كونها
منتسبة إلى الموجود الحقيقي الذي هو الوجود ال من أجل أنها نفس مبدأ االشتقاق وال من جهة قيام الوجود بها ،حيث إن للمشتق إطالقات ،فقد يحمل على الذات من جهة قيام المبدأ به كما في زيد عالم أو ضارب ؛ ألنه بمعنى من قام به العلم أو الضرب .وأخرى يحمل عليه ؛ ألنه نفس مبدأ االشتقاق كما عرفته في الوجود والموجود .وثالثة من جهة إضافته إلى المبدأ نحو إضافة وهذا كما في الالِّبن والتامر،
لضرورة عدم قيام اللبن و التمر ببايعهما ،إال أن البائع لما كان مسنداً ومضافاً إليهما نحو إضافة -و
133
مذكراتي – الجزء ()9
الماهيات صح إطالق الالبن والتامر على بايع التمر و اللبن ،وإطالق الموجود على هو كونه بايعاً لهما ّ - ّ ٰ َّللا سبحانه بإضافة يعبر عنها باإلضافة الممكنة من هذا القبيل ؛ ألنه بمعنى أنها منتسبة و مضافة إلى ّ
متعدد ،والموجود االستقاللي الذي هو الوجود واحد .و هذا القول اإلشراقية ،فالموجود بالوجود االنتسابي ّ
منسوب إلى أذواق المتألهين ،فكأن القائل به بلغ أعلى مراتب التأّله حيث حصر الوجود بالواجب سبحانه،
أصر عليه غاية اإلص ارر، ويسمى هذا توحيداً خاصياً .و لقد اختار ذلك بعض األكابر ممن عاصرناهم و ّ مستشهداً بجملة وافرة من اآليات واألخبار ،حيث أنه تعالى قد أطلق عليه الموجود في بعض
األدعية (وقفنا عليه في دعائي المجير والحزين المنقولين في مفاتيح المحدث القمي ص ٨١ وهامش.)١٤٨ المدعى وإن كان أم اًر باطالً في نفسه البتنائه على أصالة الماهية -على ما تحّقق في محله - وهذا ّ
وهي فاسدة ؛ ألن األصيل هو الوجود ،إال أنه غير مستتبع لشيء من الكفر والنجاسة والفسق .بقي هناك احتمال آخر وهو ما إذا أراد القائل بوحدة الوجود وحدة الوجود والموجود في عين كثرتهما ،فيلتزم
بوحدة الوجود والموجود وأنه الواجب سبحانه ،إال أن الكثرات ظهورات نوره وشئونات ذاته ،وكل منها نعت أخص الخواص ،وهذا هو الذي من نعوته ،ولمعة من لمعات صفاته ،ويسمى ذلك عند االصطالح بتوحيد ّ
بأن اآلن حّققه صدر المتألهين ،ونسبه إلى األولياء والعرفاء من عظماء أهل الكشف واليقين ،قائالً ّ : حصحص الحق ،واضمحّلت الكثرة الوهمية ،وارتفعت أغاليط األوهام .إال أنه لم يظهر لنا -إلى اآلن -
حقيقة ما يريدونه من هذا الكالم .وكيف كان فالقائل بوحدة الوجود -بهذا المعنى األخير -أيضاً غير
محكوم بكفره وال بنجاسته ،ما دام لم يلتزم بتوال فاسدة من إنكار الواجب أو الرسالة أو المعاد" . انتهى كالمه (قدس هللا روحه).
البد من التفريق بين رأي الصوفية الذي ال يخلو من الكفر والشرك حينما يشركون وجود الممكن فإذنّ .. بوجود الواجب ،وبين رأي سائر أعالم الطائفة (أعلى هللا كلمتهم).
أي طرفيهم أطول، والغريب في األمر أن يأتي مجموعة ممن أعماهم الجهل والعصبية ،وهم ال يدرون ّ يطعنون في عقيدة أعالم الطائفة الكبار ،ويدخلون في نواياهم ،ومنهم آية العظمى السيد الخوئي (رحمه هللا) زاعمين بأن هؤالء األعالم ليس عندهم توحيد خالص من الشوائب والشرك!!
134
مذكراتي – الجزء ()9
ولكن ال نملك إال أن نقول :ال حول وال قوة إال باهلل العلي العظيم ..صار الصغار ممن ال يملكون حصيلة علمية ،ولم يرتقوا في سّلم العلوم والمعارف اإللهية وال درجة واحدة ،صار هؤالء يعّلمون األعالم الكبار التوحيد والعقيدة الصحيحة. . إن هذه الحالة المأساوية تذ ّكرني بقول أحد األدباء إذ يصف واقعنا المزري مع هؤالء الجهلة بقوله: المنكر ُ فشت الجهالة واستفاض فالحق يهمس والضاللة تجهر والصدق يسري في الظالم مل ّثماً ويسير في الصبح الرياء فيسفر إنا لفي زمن كأن كباره بسوى الكبائر شأنها ال يكبر من كل ذي وجه لو أن صفاته تندى لكان من الفضيحة يقطر بئس الزمان لقد حسبت هواءه أن بحاره ال تطهر دنساً و ّ يردها وكأن كل الطيبات ّ مدبر شر األمور ّ فيه إلى ّ وثب اللئام إلى ذراه فقهقهوا إن القرود لبالتسلق أخبر ما نيل فيه مطلب إال له ثمن من العرض الوفير مقدر
135
مذكراتي – الجزء ()9
وبقدر ما بذل امرء من قدره ُيجزى فأكبر من تراه األصغر وبدل من أن يحسنوا الظن في عقيدة أعالم الطائفة وحفظة الدين صاروا ي ّتهموهم ،ويأخذون عقيدتهم ممن ال حظ له من العلم والفهم،
وال يسألون العلماء عما التبس عليهم من الفهم مما ق أروا ،مع العلم بأن من صفات العاقل أن يتأكد من
صاحب الفكرة الملتبسة ويستمعها منه مباشرة دون أخذها من غيره ،فقد قال هللا تعالى:
ۡ ۟ ۡ ۡ ۚ ۡ ۡ ِ ۡ ِ ِ ٱلطـٰ ُغوت أَن ي ۡعب ُدوها وأََناب ۤ ۟وا ِإَلى َّ ِ ِ َّ ين َي ۡس َت ِم ُعو َن ٱلَقو َل ا و ين ٱج َتَنُب َ َ ٱّلل َل ُه ُم ٱلُبشَر ٰى َفَب ِّشر عَباد َّٱلذ َ ( َو َّٱلذ َ َ ُ َ ُ ۟ ۟ ۡ ۡ ۖ ۟ ۤ ۤ َفي َّت ِبعو َن أ َۡحسَنه ۤۥ ۚ أ ُ۟وَلـٰ ِٕىك َّٱل ِ ٰ ٱّلل َوأُوَلـٰ ِٕى َك ُه ۡم أُوُلوا ٱألَلَبـٰبِ). م ه ى د ه ين ذ َّ َ َ ُ َ َ ُ َ َ ُُ ُ سورة الزمر17 - 18 تقصي الخبر وأخذه من مصدره الصحيح من خالل ونق أر في القرآن الكريم كيف أن هللا تعالى يؤدبنا على ّ قوله تعالى:
ۡ ۡ ۡ ۡ ُمی ِإَلـٰه ۡي ِن ِمن ُدو ِن َّ ِۖ اس َّٱت ِخ ُذوِنی وأ ِ ِ َنت ُقل َت لِ ِ ٱّلل َقا َل ُس ۡب َحـَٰن َك َما َي ُكو ُن َّ لن أ ء م ي ر م ن ٱب ى يس ٰع ـ ي ٱّلل ال ق ِذ َّ َ َ َ ََ َ َ َ َّ َ ( َوإ َ ُ َ َ ۡ ۡ ۡ ۚ ۡ ۤ ۡ ۚ ۡ ۡ لِ ۤی أ َۡن أَ ُقول ما َل ۡي ِ َنت نت ُقل ُت ُه ۥ َفَقد َعلِم َت ُه ۚۥ َتعَل ُم َما ِفی َنف ِسی َوَال أَعَل ُم َما ِفی َنف ِس َك ِإَّن َك أ َ ق ِإن ُك ُ س لی ِب َح ٍّ َ َ َ ۡ َعَّلـ ُٰم ٱل ُغُيوبِ). سورة المائدة116 فاهلل تعالى على عظمته وأنه عليم بكل شيء ،وقد ذكر ذلك النبي عيسى (ع) من خالل حواره معه تعالى، ومع ذلك يعّلمنا كيف نتأكد من األخبار من أصحابها مباشرة. وكان الهدهد منضبطاً في نقل األخبار وكان على يقين تام: ۡ ۡ ۡ ِ ين). طت ِب َما َل ۡم ُت ِحط ِب ِه ۦ َو ِجئ ُت َك ِمن َسَبِإ ِبَنَب ࣲإ َي ِق ٍ َح ُ ال أ َ ( َف َم َك َث َغيَر َبع ࣲيد َفَق َ سورة النمل22 لم يقل سمعت أو قرأت أو كما وصلني ،أو ُنقل لي..
136
مذكراتي – الجزء ()9
وكذلك موقف النبي سليمان (عليه السالم) مع الهدهد ،فإنه لم يأخذ قوله على نحو التسليم والتصديق ۡ الفوري كما يفعل البعض ؛ وإنما (۞ قال سننظر أَصد ۡقت أ ۡ ين) نت ِم َن ٱل َكـ ِٰذ ِب َ ك َم ُ َ َ َ َ َ ُُ َ َ َ سورة النمل27 فالتثبت من األمر من صاحب الشأن قبل نشره أو قبل تصديقه هو نهج األنبياء والرسل ،وهو منهج قرآني.
حسن الظن العلمي: المهمة هناك قاعدة يبحثها الفقهاء ضمن القواعد الفقهية وهي قاعدة سوق المسلمين ،وهي من القواعد ّ
التي ينتفع بها كثي اًر في مجال تعايش المسلمين بعضهم مع البعض اآلخر .فمن دون حجية القاعدة
المذكورة ال يمكن شراء اللحم من األسواق واألكل منها الحتمال عدم تذكيتها( .القواعد الفقهية للشيخ
األيرواني). مبنية على حسن الظن بالمسلمين وإال لتعّقدت الحياة. فهذه القاعدة ّ فكذلك حسن الظن العلمي ،أو حسن الظن في عقيدة الموالي المؤمن فهو من هذا القبيل. فإذا كّنا نحسن الظن باآلخر المخالف فكيف ال نحسن الظن مع أخينا المؤمن الموالي لمحمد وآل محمد
(ع)!؟
فهذا من باب أولى.. الصادمة لما هو سائد من أفكار على نحوين: فالتعامل مع األفكار العلمية المثيرة ّ -١المبادرة إلى التشنيع عليها وعلى أصحابها بأساليب قد تخرج عن حدود أخالق البحث العلمي واللياقة التي يجدر بأهل العلم والمعرفة التحلي بها ،ومما يؤسف له أن هذا النحو من التعامل هو الذي يكاد يكون رسمياً في كل الساحات العامة على اختالف صعدها ،بما فيها الساحة العلمية في بعض حاالتها.
137
مذكراتي – الجزء ()9
تم استفراغ الجهد -٢التأني والتروي ومحاولة التماس الوجه السديد لما نراه مفاجئاً من أفكار ،فإذا ّ البد والوسع عندها نلجأ ألسلوب النقد العلمي الذي يتخذ أساليب وطرق متعددة ،وهذا حق مشروع ،بل ّ منه ،وذلك حفاظاً على الحقيقة والواقع.
هناك أمثلة عديدة تحلت بهذا المستوى الرفيع من ال ُخلق العلمي الشامخ والمترفع عن العقد والحيثيات
المطهري (رحمه هللا) يطلق على الحكيم السبزواري عنوان ( :المصلح النفسية المختلفة ،حيث نجد العالمة ّ
في الحقل العلمي) أي أنه كلما واجه كالماً أو نظرية يحاول بكل صورة أن يجد لها مخرجاً ومحمالً
صحيحاً ،بينما نجد اتجاهاً آخر معاكساً لهذا االتجاه تماماً ،حيث يحاول البعض أن يوجه كالم اآلخرين ولو توجيهاً باطالً ،لكي يستطيع أن يشكل عليهم.
وليس األمر يقف عند السبزواري (رحمه هللا) فصدر المتألهين الشيرازي (رحمه هللا) وفي مواطن متعددة نراه يلتمس مخرجاً صحيحاً لكالم القدماء ،فمثالً يقول :إن فالناً الفالني قال في المكان الفالني كلمة يشم منها أنه يؤمن بالفكرة الفالنية. ُّ
وها هو َعَل ٌم آخر يؤكد على هذا األمر ويتخذ منه دليالً على حمل القائلين بوحدة الوجود على محمل الصحة خالفاً لما يظهر من كلماتهم ،حيث يقول السيد محسن الحكيم (رحمه هللا) في المستمسك: أما القائلون بوحدة الوجود من الصوفية فقد ذكرهم جماعة ،ومنهم السبزواري في تعليقته على األسفار، قال « :والقائل بالتوحيد إما أن يقول بكثرة الوجود والموجود جميعاً مع التكلم بكلمة التوحيد لساناً،
واعتقاداً بها إجماال ،وأكثر الناس في هذا المقام .وإما أن يقول بوحدة الوجود والموجود جميعا ،وهو مذهب بعض الصوفية .وإما أن يقول بوحدة الوجود وكثرة الموجود ،وهو المنسوب إلى أذواق المتألهين.
وعكسه باطل .وإما أن يقول بوحدة الوجود والموجود في عين كثرتهما ،وهو مذهب المصنف والعرفاء الشامخين .واألول :توحيد عامي ،والثالث :توحيد خاصي ،والثاني :توحيد خاص الخاص ،والرابع : توحيد أخص الخواص«. أقول :حسن الظن بهؤالء القائلين بالتوحيد الخاص والحمل على الصحة المأمور به شرعا ،يوجبان حمل هذه األقوال على خالف ظاهرها ،وإال فكيف يصح على هذه األقوال وجود الخالق والمخلوق ،واآلمر والمأمور والراحم والمرحوم ؟! وما توفيقي اال باهلل عليه توكلت واليه أنيب.
138
مذكراتي – الجزء ()9
المصدر /مستمسك العروة الوثقى للسيد محسن الطباطبائي الحكيم (أعلى هللا مقامه) ج ١ص. 3٩١ تقربوا إلى هللا باإليقاع بهؤالء فهذا الرأي للسيد الحكيم فيه سعة كبيرة في حسن الظن ،خالفاً آلخرين ّ شتم والتشنيع عليهم ،لكنه (أعلى هللا مقامه) فور ما وجد في كالمهم فكرة عامة ُيفهم من خاللها أو ُي ُّ
التفريق بين الخالق والمخلوق التمس العذر لهم وأحسن الظن في عقيدتهم.
حتى شيخنا األوحد (أعلى هللا مقامه) التمس العذر وأحسن الظن لمن يرى نجاسة مدفوعات المعصومين سيمر علينا في محله في ختام هذه المذكرة. (عليهم السالم) من الدماء وغيرها خالفاً لرأيه ،كما ّ علمياً ،ويتخذ من الطامة الكبرى أن البعض يصول ويجول على أهل الجديد من األفكار بي ٍد ج ّذاء قاصرة ّ و ّ
صحة ما يأتون به من أفكار ،وهو أمر يستدعي الشفقة على هؤالء عدم معرفته بجديدهم دليالً على عدم ّ
لشدة مسكنتهم العلمية. ّ
يقول السيد اإلمام الخميني (رحمه هللا): فــــ "ّ ....إياك ثم ّإياك ،وهللا حفيظك في أوالك وأخراك أن تحمل أمثاله على ظاهرها من غير الغور الكامل إلى غامرها ،وال تأخذ بيدك الطعن عليهم من غير فهم مقصدهم ،كما هو دأب المنتسبين إلى العلم ،فإنهم طالعهم عليها ،أو عدم فهمهم إياها فتراهم ي ّتهمون هؤالء العظماء جعلوا ميزان عدم صحة المطالب عدم ا ّ تعصباً منهم تعصب الجاهلية، بكل التهمة ،ويغتابون هؤالء المكاشفين كل الغيبة ،مع أنها ّ أشد من الزنيةّ ،
أعاذنا هللا من شر الشيطان الذي هو قاطع طريق الرحمن.... ".
فبدل أن ُيكافأ صدر المتألهين (رحمه هللا) على شرحه ألصول الكافي الذي عالج فيه المسائل المعّقدة نجد من ال خبرة له يقول :أول من شرحه بالكفر ...صدر المتألهين. !! . بتصرف ،عنه في مصباح الهداية إلى المصدر /المثل اإللهية للشيخ عبدهللا األسعد ص 5٦ - 5٤ ّ الخالفة والوالية لإلمام الخميني (رحمه هللا) وشرح المنظومة للمطهري.
139
مذكراتي – الجزء ()9
طهارة مدفوعات المعصومين (ع): بقي لنا في نهاية هذه المذ ّكرة أمر واحد فقط من بين ذلك الركام الكبير الذي وضعه أمامنا مشايخنا من
أجل أن ال نتصل بمراجع الطائفة (أعلى هللا كلمتهم) وهو طهارة مدفوعات المعصومين (عليهم السالم).
تتحدد عقيدته ،وهل هي إلى الكمال أم إن جماعتنا تعّلموا هذا السؤال وعلى ضوء إجابة المجيب عليه ّ
النقص.
ولكن عندما نق أر في تراث الشيخ أحمد بن زين الدين (رحمه هللا) نراه يرى طهارة مدفوعات المعصومين سنبينه إن شاء هللا تعالى في (عليهم السالم) ولكنه ال يعتبرها معيا اًر لكمال العقيدة ونقصانها وهذا ما ّ ختام هذه المذكرة. فالذي يرى النجاسة -كما فهمناه من إفادة بعض فضالء الحوزة وأساتذتها -فإنه يستدل على أن الطهارة أو النجاسة من المفاهيم االعتبارية وليست من المفاهيم الحقيقية حتى تكشف رفعة أو صفة واقعية أو ما إلى ذلك. ومن هنا نجد أن الشارع المقدس حكم بطهارة دم غير النفس السائلة وحكم بنجاسة دم اإلنسان وال يعني ذلك أفضلية البعوض أو السمك أو الوزغ على اإلنسان لطهارة دمائها على دمائه !! ولذا يقول أرباب هذا الرأي :يكفي من مقامات أهل البيت (عليهم السالم) وكراماتهم وفضائلهم التي ال يشدك لإلذعان بعظمتهم ال هذه األشياء المادية الدنيوية الزائلة التي يتقزز اإلنسان ويملكه حدود لها ما ّ
الحياء عندما يتج أر على الحديث عنها خصوصاً كونها متعلقة بهذه النسمات المقدسة (ع). أما الشيخ أحمد بن زين الدين األحسائي (رحمه هللا) فإنه يرى الطهارة في ذلك.
فقد قال (أعلى هللا مقامه) في كتابه جوامع الكلم ج ١0ص 37٢ - 37١ورقم ٢0من موسوعة تراثه المطبوعة في دار األميرة -بيروت عندما سئل عن فضالتهم من الدم والبول والغائط نجسة لهم ال لغيرهم أو لغيرهم أيضاً ،وعليه فما المراد من نجاستها ،أو ال لهم وال لغيرهم؟ قال :المشهور بين أصحابنا الحكم بالنجاسة لهم (عليهم السالم) ولغيرهم بناء على أن الحكم تابع
قتدى بهم. لصدق االسم ،وألنهم معّلِمون لغيرهم فيجب مشاركتهم لهم في الحكم لُِي َ
140
مذكراتي – الجزء ()9
حجمه شرب ما في المحجمة من دمه وقيل بالطهارة لما روي عنه (صلى هللا عليه وآله) أن الحجام لما ّ ّ
حرمه هللا على النار ،وال تعد) انتهى. أما جسدك فقد ّ الشريف فقال (صلى هللا عليه وآله) ما معناه ّ ( :
شرب ْته أم سلمة ورآها ولم َيْن َهها عن ذلك ،واالعتبار شاهد ولما بال (صلى هللا عليه وآله) في القارورة َ مطهرون من جميع بالطهارة ؛ ألن النجاسة الخبيثة أثر المعاصي والذنوب ،وهم (صلى هللا عليهم) ّ
وطهرهم تطهي ارً .وبهذا قال بعض أصحابنا وبه قال الذنوب الكبائر والصغائر ،قد أذهب هللا عنهم الرجس ّ الشافعي ،ويمكن أن يقال :إنه ال منافاة بين القولين ،فإن األولين قائلون بوجوب ال َغ ْسل من فضالتهم، غسل رسول ووجوب ال َغ ْسل ال يستلزم النجاسة ،كما ورد في اغتسال أمير المؤمنين (عليه السالم) حين ّ مطهر ،وإنما فعل ذلك لتجري السنة بذلك، هللا (صلى هللا عليه وآله) وهو (صلى هللا عليه وآله) طاهر ّ
تعبداً ال للّنجاسة فافهم" . فكذلك هنا ،ويكون الغسل من فضالتهم ّ انتهى كالمه (قدس هللا روحه).
نستن فانظر أخي -الكريم والعزيز -إلى حسن الظن بالعلماء من عالم ورع تقي ال نتخّلق بأخالقه وال ّ
بسنته ،ولكن قلت سابقاً :إن الشيخ األوحد شيء ونحن شيء آخر.
مزيفة -مع فمشايخنا (سامحهم هللا) وضعوا لنا معايير وضوابط أستطيع أن أقول عنها بأنها ضوابط ّ األسف الشديد -وهي تهدف إلى حفظ االنحراف واالحتفاظ به وترسيخه وتبريره وتقريره. والسؤال الذي َيطرح نفسه في هذا المقام : إذا لم تكن طهارة مدفوعات المعصومين ودمائهم مقياساً لكمال عقيدة الشخص ،فمتى توّلدت هذه القاعدة
الشاذة عندنا!؟
بعض الباحثين اعتقد أن هذا المعيار أو القاعدة ولدت في عصر المير از علي الحائري (رحمه هللا) فهو الذي قام بتأصيلها ،وإال ال توجد في تراث الشيخ األوحد (رحمه هللا) ونحن ال نستطيع أن نجزم بذلك. المهم أن هذا المعيار أو القاعدة تحتاج إلى دراسة واعية متأنية وبأعصاب هادئة ،ال هذا السرد المختصر، فأنا ال ّأدعي الكمال في إحاطتي بجميع جوانب الموضوع ،فهذه المفردة بالذات من البحث البد وأن تكون
بجدية وبطريقة علمية ،وإن كان البعض ال يحب دراسة هذا الموضوع إال بناء على توفر عرضة للبحث ّ
أتصور أنني كتبت الكلمة النهائية في تبرر إعادة درسها وبحثها ،ولذلك ال يجوز لي أن ّ الظروف التي ّ 141
مذكراتي – الجزء ()9
هذا الموضوع ،وأنني ختمت الحقيقة بشأنها ،إذ أن هذا ليس من حقي ،بل إن األمر متروك للباحثين اآلخرين سواء في زمني أو في المستقبل. وإذا كان من كلمة أخيرة أوجهها في نهاية هذه المذكرة فإني أقول: يصح أن تتداول هذه المصطلحات الفلسفية والكالمية الخاصة بين بعد هذا السرد وهذه القراءة أفهل ّ العوام الذين ال يملكون الحصيلة الكافية التي تؤهلهم لمعرفتها واإلحاطة بها؟ أليس هذا لعب بالنار!؟
142
مذكراتي الجزء ()10
مذكراتي – الجزء ()10
الجزء العاشر العد واإلحصاء ،بصريح قوله تعالى: أنعم هللا تعالى على عباده بنعم كثيرة جداً ،وهي خارجة عن ّ اكم ِمن ُك ِل ما سأَْل ُتموه ۚ وإِن َتعُّدوا ِنعمت َّ ِ وها ۗ ِإ َّن ِْ وم َك َّفارٌ). ان َل َ ( َو َ َْ َ ص َ اإل ْن َس َ آت ُ ْ ْ ّ َ َ ُ ُ َ ْ ُ َّللا َال ُت ْح ُ ظُل ٌ سورة إبراهيم34 نقسم الرزق اإللهي إلى قسمين : ونستطيع أن ّ س لِ ْ ِ إل ْن َس ِ ان ِإَّال َما َس َعىٰ). -١قسم يسعى إليه العبد ويناله ( َوأ ْ َن َل ْي َ سورة النجم39 -٢قسم يأتيه من دون أن يسعى إليه .بمعنى أنه قد يتعب نفسه في البحث عنه ،ورزقه مكفول ومحفوظ له. وهذا هو معنى الدعاء العظيم الذي نقرأه لتعقيب صالة العشاء من كل ليلة: طر على َقْلبي َفأَجول فى َ ِ ِ دان س لي ِعْل ٌم ِب َم ْو ِض ِع ِرْزقي َوإَِّنما أَ ْطُلُب ُه ِب َخ َ طَل ِبه اْلُبْل َ طرات َت ْخ ُُ َ "اَلّل ُـه َّم اَّن ُه َل ْي َ ُ ُ َفأَنا فيما أَنا طالِ ٌب َكاْل َح ْير ِ ان ال ْأدري أفى َس ْهل َه ُو ْأم في َجَبل ْأم في ْأرض ْأم في َسماء ْأم في َبٍّر ْأم في ِ بحر وعلى ي َدي م ْن و ِم ْن ِقب ِل م ْن وَق ْد علِم ُت َّ ِ باب ُه ِبَي ِد َك َوأْن َت َّالذي َت ْق ِس ُم ُه ِبُل ْط ِف َك أس َ َْ ََ َ ْ َ َ أن عْل َم ُه عْن َد َك َو ْ َ َ َ َ ْ
ِِ اجعل يا ر ِب ِرْزَق َك لي و ِ أخ َذ ُه َقريباً اسعاً َو َم ْطَلَب ُه َس ْهالً َو َم َ َف َص ِّل َعلى ُم َح َّمد َوآله َو ْ َ ْ َ ّ ِ ِ ِ قير ِإلى َر ْح َم ِت َكَ ،ف َص ِّل َعلى ُم َح َّمد ُتَقّدْر لي فيه ِرْزقاً َف َّإن َك َغن ُّي َع ْن َعَنائي َوأََنا َف ٌ
َوُت َسِّبُب ُه ِبَر ْح َمِت َك اَلّل ُـه َّم طَل ِب ما َل ْم َوال ُت َعِّنني ِب َ َوآلِ ِه َو ُج ْد َعلى َع ْب ِد َك ِب َف ْضلِ َك َّإن َك ُذو َف ْضل َعظيم.".
الرباني للعبد له أنواع عدة ،وأفضله ما كان عافية أو علماً أو عبادة .وال سيما العبادة ؛ فإنها والرزق ّ المقربين. رزق العرفاء و ّ ولذلك كان اإلمام موسى الكاظم (عليه السالم) يدعو ربه وهو في سجن هارون بهذا الدعاء: تفرغني لعبادتك اللهم وقد فعلت فلك الحمد" . "اللهم إني طالما كنت أسألك أن ّ فرغه لعبادته ومناجاته. فكان يعتبر ذلك رزقاً عظيماً يستحق الشكر والحمد هلل تعالى ،بأن ّ
144
مذكراتي – الجزء ()10
وهكذا العلم والحكمة أيضاً ُيعتبران من أعظم األرزاق اإللهية للعبد فيما لو ُوِّفق العبد لهما ؛ ألنهما توفيق
حظ عظيم. من رب العالمين ،ال ينالهما إال ذو ٍ قال تعالى :
ِ ِ ير ۗ َو َما َي َّذ َّكُر ِإَّال أُوُلو ْاألَ ْلَبابِ). اء ۚ َو َم ْن ُي ْؤ َت اْل ِح ْك َم َة َفَق ْد أُوِتي َخ ْيًار َك ِث ًا ( ُي ْؤتي اْلح ْك َم َة َم ْن َي َش ُ َ سورة البقرة 269 ويقول تعالى في وصف طالوت ذلك القائد العسكري لبني إسرائيل: ط ًة ِفي اْل ِعْل ِم َواْل ِج ْسمِ). اه َعَل ْي ُك ْم َوَزَاد ُه َب ْس َ اص َ ط َف ُ َّللا ْ (ِإ َّن َّ َ سورة البقرة247 العلم :وهو صفة كمال في الشخصية وخاصة القيادية. الجسم :ورزقه هللا تعالى الصحة والعافية والنشاط والقوة في البدن. والهداية إلى طريق الحق والحقيقة ،أيضاً تحتاج إلى توفيق رباني للعبد ؛ ألن بعض الناس قد ال يكون
صادقاً في طلب الهداية من رب العالمين ،ولذا ال ُيوفق لها.
ومتى ما اطلع هللا تعالى على قلب عبده ورأى الصدق فيه ،فمن دون أدنى شك سيرزقه ما يتمّناه ،بعد
توّفر األسباب والشروط وارتفاع الموانع ،كما سيمر علينا.
وصلت إليه من حقائق كثيرة ومثيرة ،خصوصاً من كتب الشيخ أحمد بن زين الدين األحسائي (رحمه وما ُ أسع لها سعياً حثيثاً أول األمر ،ولكنها رزق قد ساقه هللا تعالى لي. هللا) وغيرها لم َ فتذكرت قول الشاعر: ألم َتر أن هللا أوحى لمريمٍ يساقط الرطب ّ وهزي إليك الجذع ّ هزه ولو شاء أن تجنيه من دون ّ
145
مذكراتي – الجزء ()10
شيء له سبب كل ٍ جنته ولكن ّ سهل هللا تعالى لي عناءه ،وتذّللت لي عواقبه وصعابه ولذلك بعد أن ُ وضعت قدمي على طريق البحثّ ، المن على هدايته. وهلل الحمد و ّ وإذا كان العلماء هم ورثة األنبياء ،كما يقول رسول هللا (صلى هللا عليه وآله) وأنهم هم االمتداد الطبيعي يدعيها لخط األنبياء والرسل واألئمة (ع) فإن مناصبهم الرفيعة كما هي مناصب األنبياء والمرسلين ،قد ّ
يدعيه مقدس قد ّ من ليس أهالً لها ،كما هي النبوة وحتى األلوهية أيضاً ؛ ألن التاريخ عّلمنا أن كل شيء ّ المدعين حتى في زمان النبوة ،وكذلك في أزمنة األئمة المعصومين (عليهم من ليس له بأهل .وما أكثر ّ
السالم) وحتى في العصور المتأخرة وفي زماننا المعاصر.
ولذلك أصبحت المرجعية -ولألسف -لدى البعض سلع ًة تجارية ،وأدا ًة من أدوات الكسب المادي غير
ذكية ،ظاهرها االهتمام بالدين وحراسته من أيدي التالعب ،وباطنها أحابيل المشروع بطرق وأساليب ّ مبتكرة لتغطية األهداف البعيدة لكسب مالي غير مشروع .وهناك مصاديق كثيرة في زماننا هذا ،وال أريد أسمي ،فبالد المسلمين مليئة بهذه النماذج. أن ّ الرسل واألئمة (ع) في ولذا فإن مهمة العلماء والفقهاء في زمن الغيبة ،عسيرة جداً كمهمة األنبياء و ّ ّ زمانهم ،وهي هداية الناس من الضالل إلى الحق ،ومن الظالم إلى النور ،وصرفهم عن أيدي المتالعبين بالعقول لمصالحهم الذاتية. كما هي عالقة الناقد بالشعر فهي كعالقة البستاني بأشجار الورد يبعد عنها ما ليس منها ،وينّقيها من يسر الناظرين. األوشاب ،ويعالج ما في بعضها من علل ،ويبرز جمالها وفتنتها ،فإذا هي مرأى ّ فكذلك العلماء فإن وظيفتهم عسيرة جداً ،خصوصاً في عصر الغيبة؛ ألنهم كما وصفهم اإلمام (ع) بقوله: "علماء شيعتنا مرابطون بالثغر الذي يلي إبليس وعفاريته ،يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا، وعن أن يتسلط عليهم إبليس وشيعته النواصب ،أال فمن انتصب لذلك من شيعتنا كان أفضل ممن جاهد مرة ؛ ألنه يدفع عن أديان محبينا ،وذلك يدفع عن أبدانهم" . الروم والترك والخزر ألف ألف ّ هكذا هم علماء األمة كاألنبياء وهم ورثتهم. وورد أن النبي(صلى هللا عليه وآله) قال : 146
مذكراتي – الجزء ()10
"في كل خلف من أمتي عدول من أهل بيتي ،ينفون عن هذا الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين ،أال وإن أئمتكم وفدكم إلى هللا عز وجل فانظروا من توفدون" . فلله الحمد والشكر من قبل ومن بعد على نعمه وآالئه ،على الرغم من عيشنا في خضم هذه الصراعات والفوضى. قال تعالى: ِ ِ الن ِ ق لَِي ْح ُك َم َبْي َن َّ َّ اس ين َو ُمْنذ ِر َ ين ُمَب ِّش ِر َ الن ِبِّي َ اب ِباْل َح ِّ ين َوأَْن َز َل َم َع ُه ُم اْلك َت َ ُوتوه ِمن بع ِد ما جاء ْتهم اْلبِيَنات ب ْغيا بيَنهم ۖ َفه َدى َّ ِ ِ ين َّللا َّالذ َ ِإَّال َّالذ َ ين أ ُ ُ ْ َ ْ َ َ َ ُ ُ َ ّ ُ َ ً َ ْ ُ ْ َ ُ
ِ ان َّ َّللا اس أ َّ ( َك َ الن ُ ُم ًة َواح َد ًة َفَب َع َث َّ ُ اخَتَلف ِف ِ ِ ِ يه يما ْ اخَتَل ُفوا ِفيه ۚ َو َما ْ َ ف َ ق ِبِإ ْذِن ِه ۗ و َّ ِ ِ ِ ِ اط ُم ْس َت ِقيمٍ). اء ِإَل ٰى ِصَر ٍ آمُنوا لِ َما ْ اخَتَل ُفوا فيه م َن اْل َح ِّ َّللا َي ْهدي َم ْن َي َش ُ َ ُ َ سورة البقرة 213
وفي دعاء االفتتاح الصادر عن الناحية المقدسة لإلمام الحجة (عجل هللا فرجه) يثقفنا اإلمام ويؤدبنا الجم بقوله: بأدبه ّ اخُتلِف ِ "....و ِ ِ فيه ِمن اْلح ِ ِ ِ شاء ِإلى ِصراط ُم ْس َتقيم.... ". َ ْ اهدنا ِبه لِ َما ْ َ َ َ ّ ق بِإ ْذنكَ ِ ،إَّن َك َت ْهدي َم ْن َت ُ ويشهد هللا تعالى علي ،أّني ال أعتبر أهلي وإخواني ممن يقّلد المير از على ضالل وظالم في مقابل الهداية ّ يتوهم البعض ،أو يتهمني بذلك ،كالّ ثم كالّ .فكّلنا والنور في طريق أهل البيت (عليهم السالم) كما قد ّ موالون في طريق أهل البيت (عليهم السالم) ولكّني أقول:
ُّ ِ كل أي تيه أعظم من هذا ال ّتيه الذي نعيشه في واقعنا الشيعي ؟!ويعتاش عليه البعض ،بحيث نعتبر ّ الترهات، علماء الطائفة المحّقة ناقصي عقيدة ،أو لديهم ّ شركيات ،أو ما شابه ذلك من هذه الخزعبالت و ّ ضد أعالم الطائفة إال أعداء اإلسالم والنواصب !؟ الغل الذي ال يحمله ّ و ّ وهللا تعالى يقول: ِ ِ ِِ ِ ِ ِ ين َسَبُقوَنا ِب ِْ يم ِ ان َوَال َت ْج َع ْل ِفي ُقُلوبَِنا ِغ ًّال اءوا م ْن َب ْعده ْم َيُقوُلو َن َرَّبَنا ا ْغفْر َلَنا َوِِإل ْخ َوانَنا َّالذ َ ( َو َّالذ َ ين َج ُ اإل َ ِ وف َر ِحيمٌ). آمُنوا َرَّبَنا ِإَّن َك َرُء ٌ لَِّلذ َ ين َ سورة الحشر10
147
مذكراتي – الجزء ()10
فكل العلماء والفقهاء الموجودين في الحواضر العلمية المقدسة عند الشيعة ،هم ال يصلحون للتقليد ونحن من نملك التوحيد الخالص والعقيدة الصافية الكاملة!؟؟ واالتباع !! ُ ضد أعالم الطائفة !؟ أي منطق ٍ بائس شا ٍّذ نحمل ّ ّ المقدسة يعتبر من الخطأ الكبير الذي ال ثم إن الذهاب إلى حواضر الشيعة العلمية كالنجف األشرف وقم ّ
ُيغتفر!!
التشيع بعد هللا تعالى إال أعالم الطائفة المتمركزون في تلك الحواضر العلمية العظيمة ومن َح َفظ الشيعة و ّ
!؟
الظن فيهم وفي عقائدهم! والغريب في األمر أننا ّ ندعي احترام العلماء ،وفي نفس الوقت ُنسيء ّ أريد أن أفهم هذه المعادلة المعّقدة! ولذلك ال يسعني إال أن أطلب من هللا تعالى إال أن يهدينا ويزيدنا هدى ويهدي إخوتنا إلى ما فيه الخير الصالح. و ّ شك أن السداد والهداية في مثل هذا األمر بصدق ،بال ّ وإني ألرى أن من يطلب من هللا تعالى التوفيق و ّ هللا تعالى سيؤتيه سؤله ،ويزداد هداي ًة واستقام ًة على ما هو عليه في طريق أهل البيت (عليهم السالم). قال هللا تعالى: ِٰ ِ ِ ِ ِ ِ ُوتوا اْل ِعْلم ما َذا َق ِ ِ طَب َع ين َ ين أ ُ ال آن ًفا ۚ أُوَلئ َك َّالذ َ ( َو ِمْن ُه ْم َم ْن َي ْس َتم ُع ِإَل ْي َك َح َّت ٰى ِإ َذا َخَر ُجوا م ْن عْند َك َقاُلوا لَِّلذ َ َ َ َ ِ اه ْم). اه َت َد ْوا َزَاد ُه ْم ُه ًدى َو َ ين ْ َّللا َعَل ٰى ُقُلوب ِِه ْم َو َّاتَب ُعوا أ ْ اه ْم َت ْق َو ُ آت ُ اء ُه ْم َو َّالذ َ َه َو َ َّ ُ سورة محمد16 - 17 أهم شيء أن يتجّنب الموانع التي تمنعه وتحجبه عن طريق الهداية ،فإذا توفرت الشروط وارتفعت الموانع ّ والحجب ُهدي إلى طريق الحق.
فالبد لها من فإن المعرفة ظاهرة روحية ال تختلف عن سائر الظواهر الروحية .وبما أنها ظاهرة ممكنةّ ،
سبب وشرط ومانع ،شأن سائر الظواهر اإلمكانية.
148
مذكراتي – الجزء ()10
سبب المعرفة: سبب المعرفة هو أدوات المعرفة التي تستخدمها النفس اإلنسانية عبر االتصال بالمحيط الخارجي ،ليحصل لها بذلك معرفة األشياء وإدراك الحقائق. شرائط المعرفة: البد من توفر شروط في النفس ذاتها، من المعلوم أن اإلدراك ال يتهيأ للنفس في جميع الظروف ،بل ّ
فضالً عن أدوات المعرفة ،ليتحقق اإلدراك.
أما ما ينبغي توفره في النفس وفي أدوات المعرفة عامة إلدراك الضروريات فضالً عن النظريات ،فيمكن
تلخيصه في األمور التالية:
١االنتباه :فإن الغافل قد تخفى عليه أوضح الواضحات.٢سالمة الذهن :فإن كل من كان سقيم الذهن قد يشك في أظهر األمور أو ال يفهمها .وقد ينشأ هذاالسقم من نقصان طبيعي ،أو مرض عارض ،أو تربية فاسدة. الحسية ،فإن األعمى يفقد العلم بالمبصرات ،واألصم 3سالمة الحواس :وهذا خاص بالمشاهداتّ الشامة والالمسة ،بالمذوقات والمشمومات والملموسات .ومن هنا قيل :إن بالمسموعات ،وفاقد الذائقة و ّ علما. ً من فقد حساً َفَق ْد َفَق َد ولذا قال تعالى:
ۡ ۢ ٱّلل أَخَر َج ُكم ِّمن ( َو َّ ُ
ۡ ۡ ࣰۡ ۡ ۡ ۡ ۡ ۡ ن). ٱلس ۡم َع َوٱألَب َصـَٰر َوٱألَف ٔـَِد َة َل َعَّل ُك ۡم َتش ُكُرو َ ُم َهـ ِٰت ُكم َال َتعَل ُمو َن َشي ٔـا َو َج َع َل َل ُك ُم َّ ُبطُو ِن أ َّ
سورة النحل78 فبعض أعضاء الحس التي ُذكرت في اآلية الكريمة تعتبر نوافذ يلتقط اإلنسان من خاللها المعلومات والمعارف. وأما األدوات العقلية للمعرفة ،فإن حصول المعرفة بها واالستنتاج منها يتوقف على شروط عدة لسنا في صدد اإلشارة إليها ؛ ألن البحث فيها سيطول ،ومن أراد فليطلبها من كتاب نظرية المعرفة للشيخ جعفر
149
مذكراتي – الجزء ()10
السبحاني في بحث شرائط المعرفة وموانعها ،حيث اختصرنا منه هذه الزاوية من البحث بتصرف من ص 3١5إلى ص. 3٢7 موانع المعرفة: وهي على قسمين: خارجية. -١موانع ّ -٢موانع داخلية. فالموانع الخارجية للمعرفة هي: ▪التكبر. ▪العصبية. ▪اتخاذ المواقف المسبقة دون دليل أو برهان. ▪الغرور العلمي. ▪التأثر بالشخصيات المرموقة. ▪المادية في األخالق. سادة لباب المعرفة في مطلق العلوم ،كوجود شبهة في وأما الموانع الداخلية للمعرفة ،فهي ما تكون ّ الذهن ،خصوصاً إذا طرأت عن غير طريق االستدالل ،ولذا نرى بعض المالحدة قد ُحبسوا عن معرفة الشك في أوضح الواقعيات بأسرها ؛ لرسوخ الشبهة التي علقت بأذهانهم ،فرفعوا عقيرتهم باإلنكار و ّ
البديهيات. ّ
كذلك فإن وجود الوهم وسيطرته على العقل ،يجعله يصيغ األفكار في قالب المحسوسات ،فتجد بعضاً يحرك ساكناً ،أو يخاف من الظلمة مع أنها ممن يخاف من ّ الميت مع علمه اليقيني أنه جامد ال يقدر أن ّ
القوة الواهمة لدى اإلنسان في الحياة هكذا ،فكيف بها إذا وردت مجال عدم ال تأثير له ،فإذا كان دور ّ العقليات!؟ ّ
150
مذكراتي – الجزء ()10
وأنا أعرف البعض ممن يقلد المير از اليوم يعتمد في تقليده على أوهام وأحالم ،كأن شاهد حلماً -بحكم
سيطرة الوهم على تفكيره -من خالله فهم أن تقليده لهذا الرجل صحيح من الناحية الشرعية. وكلها أوهام و أمنيات يعتمد عليها العوام وبعض من ال خبرة له في التقليد والمرجعية.
يحرر عقله من أسر الوهم ،وال ير ّخص له بالدخول في مجال العقل ولذا يلزم على كل مت ٍّ حر للحقيقة أن ّ العقليات ؛ كي ال يقع فريس ًة سهل ًة للجهل. ومحيط ّ وكثير ممن ناقشتهم في مجال التقليد الفقهي الحظت أن الوهم قد ضرب بأطنابه بشدة في عقولهم ووجدانهم. يمر ينص عليها الفالسفة فيما ُيعرف بنظرية المعرفة ،هي حاالت ّ مرضية ّ فهذه الموانع المذكورة والتي ّ بها الفكر اإلنساني ؛ ألن األمراض على قسمين: جسدية وأمراض نفسية. أمراض ّ وأخطر تلك األنواع هو المرض النفسي .وأشدها خطورًة وفتكاً هو عدم اإلحساس بوجوده ،خاص ًة إذا كان
مستفحالً في النفس ،فيصعب اكتشا ُفه من الشخص نفسه .إال إذا عرض نفسه على مختص ،أو إذا ذهب وأخذ العلم من منابعه الصحيحة وهي القرآن والعترة ،حينها يكتشف العيوب الفكرية أو أمراض الفكر الذي
يحمله ،أو يهتدي إلى عالماته في نفسه. مفصالً في هذه المذكرة إلى موانع المعرفة فيما يتعلق بالموانع الخارجية تحديداً ،مع ذكر وسوف أشير ّ الشواهد واألمثلة التي عايشتها على ما أقول ؛ ألن هذه الموانع هي من أبرز السدود والقيود لدينا مقّلدي جداً لمن يريد التعرف علينا عن كثب. مهمة ّ المولى سابقاً ،وأعتبرها دراسة نفسية ّ
التكبر: علمتني الحياة أن السنبلة الفارغة تتشامخ وتتعالى ،أما السنبلة المملوءة فتميل تحت ثقل حملها .وأن ضعاف األسود أكثرها زئي اًر ،وأصرمها اللواتي ال تزير ،وأن البرميل الفارغ أكثر قرقعة من البرميل الممتلئ،
المحملة أكثر جلبة وضجيجاً من العربة وأن العربة غير المحملة التي يكسبها ثقل حملها توازناً وثباتاً ّ ّ
151
مذكراتي – الجزء ()10
ضرب من الصخر على األرض يمتصان معظم جلبتها وضجيجها .وأن الطبل الفارغ أعلى صوتاً إذا ُ
األصم.
لذلك صرت أعتقد أن اإلنسان كلما ازداد تواضعاً واقتناعاً بأن ما يعرفه ال يتعدى أن يكون نقطة في بحر
المعارف الكونية ،وأن العلماء كلما عظمت أقدارهم عظم تواضعهم وبساطتهم وهدوءهم ،فال يرفعون أصواتهم باعتداد ؛ ألنهم يعرفون أن الحماس العاطفي كثي اًر ما يولد البرودة الشديدة التي كثي اًر ما نجمت
عن الكلمات الحارة ،ويعرفون بأن المعادن التي تسخن بسرعة تبرد بسرعة أيضاً .وهم يسعون إلى
المعرفة ،وعندما يسمعون أمو اًر ال يعرفونها يغلقون أفواههم ويفتحون آذانهم ،ويلوذون بالصمت المنتبه ويعتبرونه عوناً على الفهم وست اًر للجهل .وأن من فاته العلم فلن يفوته الصمت ،وهم يتركون أعمالهم
تنطق عنهم ؛ ألن صوتها أفصح من أصوات ألسنتهم ،فهي التي تشهد لهم بصحة أقوالهم وتقيم البينات
على صدقها فترفع من قيمتهم في عيون الناس. أي شخص يتكبر فإنه ولقد تعّلمنا من القرآن الكريم وأحاديث العترة (ع) دروساً كثيرة ،ومن بينها أن ّ يحدق باإلعجاب فارغ ،وال يملك رصيداً علمياً ،وال ح ّ ظ له من العلم والمعرفة ؛ ألنه كإبليس الذي أصبح ّ
تكبر على هللا تعالى وعلى بصورته ،فما لبث إال أن طرده هللا من رحمته ،وأصبح من الملعونين ،بعد أن ّ خلقه.
يحدق باإلعجاب بصورته ويستهين باآلخرين ،فإنه سرعان ما يتآكل من أي إنسان يحاول أن ّ ولذلك فإن ّ الداخل ويضمحل. قال اإلمام الباقر عليه السالم: قل ذلك أو كثر" . "ما دخل قلب امرٍء شيء من الكبر إال وقد نقص من عقله بمقدار ما دخلهَّ ، ٌ يصورون أنفسهم ولذلك نرى الكثير من هؤالء المرضى المصابين بهذا الداء اإلبليسي (التكبر) دائماً ّ تطل على الناس من فوق ،ودائماً نجدهم في نقدهم للحالة الدينية لآلخرين بأنهم العناصر المميزة التي ّ
ويالحظ الفطن الّنبه ذلك حتى في مالمح وجوههم ،من حيث رفع الحواجب وغيرها يتحدثون باستعالءُ ، للخد ،ومحاولة النظر إلى اآلخر باستعالء واستصغار ،كل ذلك مفضوح في واألنف إلى أعلى وتصعير ّ محياهم.
152
مذكراتي – الجزء ()10
وهذا األمر مدروس ومعلوم يعرفه علماء النفس ،وقبل ذلك هو موجود في روايات المعصومين (عليهم السالم) كما ورد عن إمامنا أمير المؤمنين عليه السالم أنه قال : "ما أضمر امرء شيئاً إال وظهر في صفحات وجهه أو فلتات لسانه" . ومن أجلى ما شاهدته بين جماعتي هو انتشار هذه الظاهرة ،أقول هذه الظاهرة وأنا أعني ما أقول ؛ ألن البعض قد يشكل علي بقوله : ّ البد أن تقوم على دراسة أي ظاهرة اجتماعية من هذا النوع ّ كيف اعتبرت ذلك ظاهرة ،وأنت تعلم بأن ّ تام ،كما يقول علماء االجتماع في ذلك!؟ ّ علمية واستقراء ميداني ّ أقول :ألن مسألة ّادعاء واحتكار كمال العقيدة لجماعتنا واتهام علماء الطائفة بنقصان العقيدة هو الحالة
السائدة والعامة لجماعتنا ،وإال لماذا نسمع هذا الكالم حتى من كبرائنا فضالً عن صغارنا!؟
وأعني بالكبار هنا الشخصيات الالمعة التي نعتبرها قامات كبيرة ،وأما الصغار فهم التابعون وهم العامة من الناس. فنحن كّنا كسائر الناس ننظر إلى إخواننا الموالين من مقّلدي المرجعيات األخرى نظرة فيها ازدراء واحتقار، نابعة من عقيدة االستعالء عليهم.
وكانت عقدة االستعالء هذه من أخطر األمور التي ّأدت إلى عزلنا عن عموم الشيعة اإلمامية ،وعن الواقع
بأكمله ،فالهوة التي تفصل بيننا وبين سائر الجماعات األخرى يعود سببها إلى هذه العقدة (نحن كاملو عقيدة وغيرنا ناقصو عقيدة).
تشبعت بهذه الفكرة ،وبنت على ولقد ش ّكل هذا المفهوم الخاطىء حالة من التعصب لدى جماعتنا ،التي ّ أساسها موقفاً عدائياً من اآلخرين ،حال بيننا وبين المرونة في مواجهة الواقع واألحداث ،وصار هذا الواقع المؤلم الذي نحن عليه هو االنطباع العام الذي يتش ّكل لدى اآلخرين عندما يتم الحديث عنا كجماعة خاصة في وسط الفرقة المحّقة.
خذ على سبيل المثال ال الحصر جواب آية هللا العظمى السيد محمد سعيد الحكيم الطباطبائي (دام ظله الشريف) عندما سئل عّنا ماذا أجاب بجواب عجيب ،من المفترض أن نخجل على أنفسنا منه!!
153
مذكراتي – الجزء ()10
والسؤال هو: ما حقيقة الشيخية ؟ وما الفرق بينها وبين سائر الشيعة اإلمامية ؟ هذا وأنا من عائلة شيخية ،وال أعرف فرقاً بيني وبين باقي الشيعة ،علماً أني ق أرت بعض كتب الشيخية مثل (عقيدة الشيعة) للمير از علي
الحائري ،وكذلك كتاب (حياة النفس) للشيخ أحمد األحسائي ،ولم أستبن الفرق. أرجو اإلجابة بشيء من التفصيل. فأجاب سماحته (دام ظله) بقوله:
وخاص ُتهم ال يجهرون بما عندهم لنعرف جلّية الحال ،غير أن هذا عام ُتهم ال يعرفون شيئاً عن عقائدهم، ّ ّ للريب فيهم ،إذ لو لم التك ّتم من الخاصةّ ، وتميز جماعة الشيخية عن بقية فرقة اإلمامية وانعزالهم مثير ّ
يكن بيننا وبينهم فرق كما يقولون ،فلم هذا االنعزال واالنشقاق عن الفرقة الحقة ؟ حتى صاروا فرقة
وشق كلمتهم .ومن ثم يصعب علينا الجزم بمطابقة داخل فرقة ،وما الفائدة فيه غير إضعاف أهل الحق ّ يتيسر لنا تحديد معالم عقيدتهم مع عقائدهم لعقائد الفرقة الحّقة التي ّ تقدمت اإلشارة إليها ،غير أنه ال ّ يتحملون مسؤولية االنشقاق والفرقة ،ونسأله -سبحانه - هذا الصمت واالنكماش واالنعزال .وهم بذلك ّ صالح األحوال وجمع الكلمة إنه أرحم الراحمين.
انتهى كالمه ( ُمّد ظله الشريف). فمحل الشاهد. . ّ األنانية المفرطة أننا وضعنا سياجاً بيننا وبين سائر الجماعات األخرى ،وأكبر سياج هو سياج التعالي و ّ (كامل العقيدة)!! مدعين أن الصفات والخصال الحسنة كثيرون هم الناس الذين يزّكون أنفسهم ويمدحونها ويتحدثون عنها ّ كلها فيهم ،فنرى الواحد منهم ينسب العلم واألخالق والعبادة له ،فقد تظهر على لسانه عبارات من قبيل
وحزت على الشهادة الفالنية ،أو من قبيل :أحسنت ست في المعهد الفالني أو الجامعة الفالنية، ُ :در ُ
إلى فالن بالمال ،وأنفقت من مالي في بناء المدرسة الفالنية أو المسجد الفالني أو المستشفى الفالني. التدين والعبادة -مثالً -فتظهر على لسانه عبارات من قبيل :سهرت وربما يزّكي البعض نفسه بادعائه ّ
الليالي تالياً القرآن ومصّلياً المستحبات ،وصمت األيام الفالنية وغير ذلك .فهذا الذي يعرض نفسه 154
مذكراتي – الجزء ()10
مدعياً الكمال لنفسه فهو عدا عن أنه يمارس الحرام -وهو الرياء المبطل للعمل ومعلوماته على اآلخرين ّ
كبر مكنون في نفسه. يعبر عن ٍ -فإن عمله هذا ينافي احترام اآلخرين ،وبالتالي فإنه ّ
تكبر من نوع خاص ما سمعنا به من قبل ،وكأنه لم يسبقنا إليه أحد من العالمين !! وهو أن ولكن هناك ّ نستصغر عقائد اآلخرين من إخوتنا في الوالية ،ونعتبرها ناقصة ونمدح في عقيدتنا ونعتبرها كاملة وليس فيها شوائب أو نقصان!! ونقدسها ونعتبرها المصدر النظيف إلى جانب بينما أحاديث أهل البيت (عليهم السالم) التي نحترمها ّ وبشدة، المصدر األول وهو القرآن الكريم كي نستقي منهما عقائدنا ومعارفنا ،هي ذاتها تنهى عن ذلك ّ
ندعي اتباعنا للقرآن والعترة وأخذ فكرنا منهما!! ونحن ّ أما القرآن الكريم فإنه يقول:
ۤ۟ ۖ ( َف َال ُت َزُّكوا أَن ُف َس ُك ۡم
ۡ ُه َو أَعَل ُم ِب َم ِن َّٱتَقى ۤ ٰ ).
سورة النجم32 وأما أحاديث العترة (ع) منها ما ورد عن إمامنا أمير المؤمنين (عليه السالم)" : إن هلل طرائق بعدد أنفاس الخالئق" . ّ وورد في أصول الكافي للكليني (عليه الرحمة والرضوان) بإسناده إلى عبدالعزيز القراطيسي قال: قال لي أبو عبد هللا (عليه السالم): يقولن صاحب يا عبد العزيز ..إن اإليمان عشر درجات بمنزلة السّلم يصعد منه مرقاة بعد مرقاة فال ّ
لست على شيء حتى ينتهي إلى العاشر ،فال تسقط من هو دونك فيسقطك من اإلثنين لصاحب الواحد َ تحملن عليه ما ال يطيق فتكسره ،فإن هو فوقك ،وإذا رأيت من هو أسفل منك بدرجة فارفعه إليك برفق وال ّ من كسر مؤمناً فعليه جبره.
تحث على هذا. فكل الروايات عنهم (ع) ّ فأين نحن منها!؟
155
مذكراتي – الجزء ()10
ثم ما أدرانا بنفوس العباد ؟ ولماذا نقوم بتزكية أنفسنا عليهم !؟ بل وصلت النوبة حتى إلى أعالم الطائفة المحّقة!؟ ثم لصالح َمن هذا التقوقع والتحوصل في عالم خارج نطاق التكتل الشيعي!؟ مقدماتها من الطهارة وغيرها وهللا كم سمعت هذه العبارة البائسة من أفواه أناس ال يحرزون الصالة وال ّ ُ
فضالً عن معرفة بعض األفكار والمصطلحات المعّقدة التي يطلقونها لفظاً وال يعونها أو يفهمونها معنى،
إذ يزعمون بأن عقيدتهم أكمل من عقيدة سيد الطائفة السيد الخوئي (رحمه هللا)!! إلى أين سيصل هؤالء !؟ ولما سألت أحدهم لماذا !؟
أنوه باسمها هنا) هو من قال قال لي بصريح العبارة :إن فالناً (وذكر لي شخصية كبيرة جداً ال أحب أن ّ له :أعد صالتك التي صّليت جماعة خلف السيد الخوئي في مسجد الخضراء بالنجف ؛ ألن عقيدتك أكمل من عقيدته!! فكيف والحال هذه ال نعتبر هذا المانع ظاهرة مستشرية حتى النخاع في جماعتنا!؟ إذن ..فالكبر هي حالة تضفي على صاحبها روح األنانية والغطرسة والتعالي واالستعالء ،فالواحد ينظر إلى الغير بنظرة فوقية ،بحيث يترّفع عن مصاحبتهم ومحاكاتهم ،فالحق ما يراه هو حقاً ،والباطل ما يراه
برده ونقده ولو أقل منه منزلة ،يقوم ّ هو باطالً ،فإذا وجد الدليل في كالم من ينافسه أو يعانده أو يراه ّ على وجه فاشل. وليسمح لي إخوتي ..بأن هذه الصفة -صفة الكبر -هي من صفات مك ّذبي األنبياء والرسل واألئمة (ع) قال تعالى:
ࣰ ۡ ࣰ ۢ ۡ ۤ ۡ ۡ ۡ (أَفكَّلما ج ۤاءك ۡ ن). ول ِب َما َال َته َو ٰى أَن ُف ُس ُك ُم ۡٱس َتكَبرُت ۡم َف َف ِريقا َك َّذب ُت ۡم َوَف ِريقا َتقُتُلو َ س ر م َُ َ َ َ ُ َ ُ ُ سورة البقرة87
156
مذكراتي – الجزء ()10
والمشكلة أن كبراءنا هم من ساهموا في تفشي وباء احتقار العلماء الغير منتسبين لمدرسة الشيخ األوحد (رحمه هللا) إذ تسلسل هذا الوباء الكارثي إلى مجتمعنا وأثار في نفوس الكثير من الناس احتقا اًر للعلماء،
وصدق موالنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السالم) حيث قال لتلميذه الوفي كميل بن زياد
النخعي : ول َل َك َّ : اس َثال َث ٌة َ :ف َعالِ ٌم َرَّب ِان ٌّيَ ،و ُم َت َعّلِ ٌم وب أ َْو ِعَي ٌة َف َخ ْيُرَها أ َْو َع َ اهاَ ،و ْ الن ُ َيا ُك َمْي ُل ْب َن ِزَيا ٍد " ،اْلُقُل ُ اح َف ْظ َما أَ ُق ُ اع ُك ِل َن ِ اع ٍ ِ َعَلى س ِب ِ يئوا ِبُن ِ ور اْل ِعْلمَِ ،وَل ْم َيْل َجُئوا يل َن َجا ٍةَ ،و َه َم ٌج َر َع ٌ يحَ ،ل ْم َي ْس َت ِض ُ قَ ،يميُلو َن َم َع ُك ِّل ِر ٍ اع أَ ْتَب ُ ّ َ
ِإَلى ُرْك ٍن َوِثيق" .ٍ....
الخد أو ولذلك كل إنسان ي ّتسم بالتواضع عندما يطلب الحق ،وال يعيش التعالي على اآلخرين أو تصعير ّ
ما إلى ذلك ،فإن هللا تعالى سيوّفقه إلى ذلك حتماً.
أما المتكبر فإن هللا تعالى سيصرفه عن طريق الحق ،وهذه سنة هللا فال تجد لسنته تبديالً أو تحويالً ،كما قال تعالى:
ۡ ۡ ۡ۟ ۡ ۟ ۡ۟ ۡ ۡ ۡ ِ ِ ين َي َت َكَّبُرو َن ِفی ٱأل َۡر ِ ض ِب َغي ِر ٱل َح ِّ ق َوإِن َيَروا ُك َّل َء َايةࣲ َّال ُيؤ ِمُنوا ِب َها َوإِن َيَروا ( َسأَص ِر ُ ف َعن َء َايـٰت َی َّٱلذ َ ۡ ۟ ۟ ࣰ ࣰۚ ۟ ۡ ٱلر ۡش ِد َال ي َّت ِخ ُذوه س ِبيال وإِن ير ۡوا س ِبيل ٱل َغ ِی ي َّت ِ وه َس ِبيال َذ ٰ لِ َك ِبأََّن ُه ۡم َك َّذُبوا ِبـَٔ َايـ ِٰتَنا َوَكاُنوا َعن َها ذ خ يل ُّ ُ ُ َ ََ َ َ ّ َ َ ُ َ َس ِب َ َغـ ِٰفلِينَ). سورة األعراف146 ومن وصية لإلمام موسى الكاظم (عليه السالم) لهشام بن الحكم وصفته للعقل : عميق قد بحر إن لقمان قال البنه :تواضع للحق تكن أعقل الناس ،يا بنيّ .. "....يا هشامّ .. ٌ إن الدنيا ٌ وقيمها العقل، عالم ٌ كثير ،فلتكن سفينتك فيها تقوى هللا ،وجسرها اإليمان ،وشراعها التوكلّ ، غرق فيه ٌ ودليلها العلم ،وس ّكانها الصبر....".
المصدر :تحف العقول. البعض من الناس قد ال يرضى وال يقبل توجيه النقد له ،فهو يتمسك برأيه مهما كان هذا الرأي ويدافع عنه ،ويرفض بتاتاً في هذا المجال النصيحة ،وما أشبه حال هذا البعض من البشر بقوله تعالى:
157
مذكراتي – الجزء ()10
ۡ ۡ ۡ ۡ ِ َخ َذت ُه ٱل ِعَّزةُ ِب ِ يل َل ُه َّٱت ِ ٱإل ثم ۚ ِ ). ٱّلل أ َ ق َّ َ ( َوِإ َذا ق َ سورة البقرة206 فال شك أن المتمسك برأيه الرافض للنقد والنصيحة ،إنه يمارس نوعاً من التكبر والغرور ،فإذا أراد اإلنسان
فالبد أن يذعن للنقد ويقبل بالنصيحة ،خصوصاً وأنه ليس معصوماً أن يتخلص من مرض التكبر والتعالي ّ أسسه أمامه ومشى خلفه ليس معصوماً. وكذلك من ّ
فالبد وو ّجه إليه بعض النقد ّ فإذا كان اإلنسان يحاور أترابه مثالً وظهر منه بعض الخطأ في مسألة ماُ ،
أن يعترف مذعناً بل وشاك اًر ؛ ألن إعراضه عن ذلك دليل بقاء آفة التكبر في نفسه.
باختصار :قبول النقد والنصيحة خطوة مهمة وكبيرة في جعل اإلنسان يبتعد كثي اًر عن طريق التكبر. العصبية: وهي ا ّتباع األهواء القبلية والقومية والفئوية وما شاكل ذلك ،إذ تعتبر من أعظم سدود المعرفة وموانعها، ولنا في األمم السالفة خير دليل ،فهناك أكثر من عشرين آية في القرآن الكريم تشير إلى هذه الظاهرة
السيئة التي اعترضت طريق األنبياء والمرسلين والمصلحين عبر التاريخ ،وال زالت. قال هللا تعالى :
ۡ ۤ ۡ ۤ ۤ ۡ (وَك َذ ٰ لِك م ۤا أ َۡرسلَنا ِمن َق ۡبلِك ِفی َق ۡريةࣲ ِمن َّن ِ ير ِإَّ وها ِإَّنا َو َجدَنا َء َابا َءَنا َعَل ٰۤى أُ َّمةࣲ َوإَِّنا َعَل ٰۤى ق ال ذ َ ٍ ال ُمتَرُف َ َ َ َ َ َ َ َ ّ ۡ ن). َءا َثـ ِٰرِهم ُّمق َت ُدو َ سورة الزخرف23 والعصبية تتجلى عندنا بمختلف الصور واألشكال. وغير مشربه تبين له الحق ّ فهناك الكثير من القصص والحكايات في هذا المجال ،وكل شخص ممن ّ الفقهي (التقليد) له قصة وحكاية. ومواقفي التي حدثت مع إخوتي مقّلدي المولى كثيرة ،بعضها ال زلت أحتفظ بها في الذاكرة والبعض اآلخر نسيته وهلل الحمد والشكر.
158
مذكراتي – الجزء ()10
ومن بين تلك المواقف التي تدل على العصبية وعدم استضاءة أصحابها بنور العلم ولجوئهم إلى ركن وثيق هذا الموقف: التقيت مع أحدهم (س ّتيني) مع بداية أزمة التقليد في إحدى القرى باألحساء ،وجرى الحديث معه حول انجر الكالم دون اختيار حول األحداث الراهنة األحساء وتاريخها وبعض شخصياتها وأعالمها ،وصدف ًة ّ آنذاك في التقليد والمرجعية وما شابه.
فقال لي :نحن نقّلد سابقاً الشيخ علي الحائري (رحمه هللا) -يقصد المير از علي -وبعده أخاه الشيخ
حسن واآلن الشيخ يوسف!!
فقلت له :من الشيخ يوسف هذا!؟ قال :الشيخ يوسف بن حسن. قلت له :لعّلك تقصد الشيخ عبدالرسول.؟. فقال :نعم .هو ذاك. غريب !! ..يقّلده وال يعرف حتى اسمه !! قلتها في نفسي وأسررتها ولم ِ أبدها.. ثم قلت له :هل تعرف شيئاً عنه!؟ فقال :ال .الذي أعرفه هو أبوه فقط.. ومرجعيتنا ،فنحن من نغير تقليدنا ّ ثم أضاف قائالً :مشكلة بعض الشباب اليوم أنهم يريدون مّنا أن ّ سالف الزمان مع هذه األسرة وهم يريدون أن يحرفونا عنها. فقطعت الكالم عن هذا الموضوع وصرنا نخوض في حديث غيره. ُ وهناك خطيب وإمام مسجد يعترف بأنه لم يدخل حوزة علمية قط ،ولم يدرس شيئاً ،وليس عنده رصيد من
حب المولى المير از ،ويسأل هللا أن يميته عليه !! كما يدعو جميع الناس العلم والمعرفة ،وال يملك إال ّ
159
مذكراتي – الجزء ()10
الذين يصلون خلفه أن يكونوا مثله بهذه القوة ،كما يزعم ! (والمحاضرة هي خطبة جمعة ومسجلة وموجودة). ذكرت بعضهم في حلقات سابقة من هذه المذكرات يقولون :لو وأسمع كثي اًر من بعض األشخاص الذين ُ
تبق في هذا البيت إال امرأة لقّلدناها ديننا !! لم َ
أغير أبق إال أنا فقط مقّلداً لعائلة اإلحقاقي لبقيت ولن ّ والبعض اآلخر يقول (وقد سمعته بنفسي) :لو لم َ مهما وصلت األمور إلى أي حد !! ّ وهناك كلمات أخرى في هذا المجال قد ال تليق لهذا المقام سأعرض عنها كشحاً.. اتخاذ المواقف المسبقة دون دليل أو برهان: إن من يبني لنفسه موقفاً أو رأياً مسبقاً ّ -أياً كان مصدره -بال دليل وال برهان ،مهما سيقت أمامه البراهين والحجج لن يراها مقنعة ،إال إذا كان رجالً موضوعياً منصفاً يحترم الحق أكثر من نفسه وآرائه وموروثاته.
تجرد من كل موروث ومسبقات ذهنية فقام وقد أذعن للحق ولم يعاند. فكم من الناس من جلس معنا وقد ّ
وفي المقابل هناك من جلس معنا وسقنا له األدلة والبراهين ولكننا لم نفلح ولم نصل معه إلى نتيجة
إيجابية. أهم شيء أن يكون اإلنسان حيادياً في معالجة األمور ،كما قال تعالى على لسان رسوله (صلى هللا عليه وآله):
ۡ ۤ ۡ اك ۡم َل َعَل ٰى ُه ًدى أَو ِفی َضَلـ ࣲٰل ُّم ِبين ࣲ ). ( َوإَِّنا أَو ِإَّي ُ سورة سبأ24
الغرور العلمي:
160
مذكراتي – الجزء ()10
ويصدهم عن رؤية الواقع والحقيقة، وهو داء خطير يصيب المجتمعات فيلقي حجاباً على قلوب أبنائها ّ
وقد تفشى هذا الداء في صفوفنا وال زال ؛ ألن الكثير من الخطباء ينسجون كثي اًر من القصص والحكايات الخيالية التي ال واقع لها إال في أذهانهم.
يثبت بها أفئدة بعض الناس التي فمثالً ينقل البعض على المنبر أحالماً ومنامات شخصية من أجل أن ّ هزت قناعتهم. اهتزت واضطربت بعد حدوث بعض المواقف التي ّ وهناك البعض اآلخر ينسج قصة وحكاية ال نعلم من أين أتى بها!؟ إذ قال :قدم جملة من األعالم وكانوا قد جلبوا مجموعة من األسئلة واإلشكاالت المعّقدة وبعثوها إلى مختلف الحوزات العلمية للشيعة ،ولم يهتدوا إلى أجوبة لها!! فقال لهم أحدهم :إذا كنتم تريدون الجواب لهذه اإلشكاالت والتساؤالت فال تذهبوا إلى النجف أو قم ،وإنما اذهبوا بها إلى كربالء المقدسة عند المولى المير از موسى الحائري ،وهناك تجدون ضالتكم وأجوبتكم!! ولما ذهب ذاك الفريق من العلماء إلى كربالء والتقوا بالمولى مير از موسى الحائري قال لهم : جواب هذه األسئلة واإلشكاالت بسيط جداً ،ولست أنا الذي أجيب ،وإنما أدع ولدي علي يجيب عليها !!
(ويقصد مير از علي).
فناداه :تعال يا ولدي علي ..هل عندك جواب هذه المسائل العلمية ؟ إذ كان ولده مير از علي يخدم في مجلس أبيه ،في توزيع الشاي والقهوة على الحضور( ..وهذا الكالم مسجلة ومنتشرة وعندي نسخة منها). للمتحدث في محاضرة ّ فيقول له ولده مير از علي :نعم .عندي جواب ،ولكن بشرط أن أجيب عليها وأنا على المنبر. فصعد المنبر وأجاب عن تلك األسئلة وشّقق لها فروعاً عجيبة وكذا وكذا ..إذ حّير علماء ذلك العصر !! فارتفعت أصوات الناس بالصلوات تتعالى كأنها القيامة الصغرى !! طيب. .
161
مذكراتي – الجزء ()10
حيرت العلماء ولم يستطع اإلجابة عليها إال المولى مير از موسى وولده ما هذه األسئلة واإلشكاالت التي ّ !؟ إلى اآلن لم ِ نهتد إلى معرفتها. وثانياً :إن هذه الحكاية واضح فيها التوهين من مقام العلماء ،يعني انظروا يا حضرات السادة ..إن ولدي
هذا الصغير يملك اإلجابة وأنتم ال تملكونها!!
وتذ ّكرني هذه القصص والحكايات الخيالية بالمواقف العلمية التي تحصل لألئمة (ع) مع علماء عصرهم،
قص ولزق باستثاء المسائل العلمية المجهولة التي إلى اآلن لم نعرفها ،فهم ال يقومون ولكن هناك ّ بوضعها كما هي خوفاً من الفضيحة !
ۡ ۡ ۡ ِ ِ ۡ ۡ ِ ِ وه ج ر خ ت ف م ل َ ونحن نقول لهم :إذا كان هناك علوم ومعارف ومؤلفات أخرجوها لنا ( ُقل َهل ع َند ُكم ّمن ع ࣲ ُ ُ ُ ۤ ۡ ٱلظ َّن وإ ِۡن أ ۡ َلَنا ۖ ِإن َت َّت ِبعو َن ِإَّال َّ ن). صو َ ُ َ ُ َنتم ِإَّال َتخُر ُ سورة األنعام148 فلستم بحاجة إلى اختالق قصص وحكايات من نسج الخيال. وهناك الكثير من القصص القصيرة والطويلة من هذا القبيل. فيجعلون الناس يغترون غرو اًر ال حدود له على سراب بقيعة يحسبونه ماء حتى إذا جاءوا إليه لم يجدوا
شيئا. ً
حيرت العلماء ولم لكن لم نجد أحداً سأل هذا المتحدث عن مصدر هذه الحكايات أو عن األسئلة التي ّ يستطيعوا اإلجابة عليها ،كل ذلك لم يحصل ،ولن يحصل. ويتبجح بالعلم حتى أمام أهل العلم، فالجاهل معتد بنفسه وبمعلوماته السطحية ،يهرف بما ال يعرف، ّ
التبجحات التي ما خرجت يوماً عن إطار االدعاء إلى ويظن أنه قد ملك ناصية األمور ،فيطلق لسانه ّ
إطار التطبيق والعمل .وما بنت يوماً غير أبراج من األوهام تتالشى أمام أول صدمة مع الواقع ويبرز
زيفها ،وهو يكثر التحدث عن نفسه غير آبه إلى أن من يكثر الكالم عن نفسه متكبر ال يفكر إال بها
162
مذكراتي – الجزء ()10
وكيف يريد أن يحبه الناس وهو يحب إال نفسه .وبعد أن يصاب الجاهل بالغرور فإنه لن يرعوي ولن يخدر وال يمكن التحرر منه بسهولة. يعدل عن أسلوبه ؛ ألن التكبر نوع من اإلدمان الذي ّ وأذكر أن أحد األعالم في األحساء ذكر لي موقفاً كان قد حصل له مع المرحوم سماحة آية هللا العظمى
السيد الشهيد محمد باقر الصدر (رحمه هللا) في النجف األشرف ،يقول لي:
عندما كنت على تقليد فالن -وذكره لي -جئت أناقش السيد الصدر في بعض المطالب الفلسفية والكالمية ،فأراه ال يجيبني إال بهز رأسه.. الرد على سيدهم ولم ِ يهتد إلى الرد على إشكالي فكنت أنقل إلى أقراني وبعض األصحاب بأني تمكنت من ّ
!!
وغيرت مشربي الفقهي ،تبّين لي العكس تماماً ،وأن السيد الشهيد الصدر ولكن لما كبرت ووعيت وتأملت ّ رأى أن أفضل جواب لي هو السكوت ،فتذكرت قول أحدهم: وإذا ُبليت بجاهل متحامل يدعو القبيح من األمور صوابا أوليته مني السكوت وربما ُ كان السكوت عن الجواب جوابا سداً عظيماً من سدود المعرفة ،وأختم هذه النقطة بحديث عن أمير المؤمنين علي فالغرور العلمي يعتبر ّ
(عليه السالم) حيث يقول:
"ليس يفهم كالمك من كان كالمه لك أحب إليه من االستماع منك ،وال يعلم نصيحتك من غلب هواه على أتم معرفة بما أشرت عليه به منك" . رأيك ،وال يسّلم لك من اعتقد أنه ّ المصدر/الحكم المنسوبة لإلمام (ع) في نهج البالغة -حكمة رقم. ٨٦0
التأثر بالشخصيات المرموقة:
163
مذكراتي – الجزء ()10
ال شك أن للشخصية االجتماعية والمكانة العلمية المرموقة تأثي اًر في انبهار العيون وانجذاب النفوس
إليها قه اًر بال اختيار .ومن الناس من يجعل المنزلة مقياساً للحق والباطل ،فإذا سمع كالماً من شخصية بارزة يتلّقاه حقاً بحجة أن قائله ذو مكانة اجتماعية أو مرتبة عالية .كما أنه إذا تلقى كالماً أو رأياً من
فاقد تلك المنزلة ،ال يعطيه باالً أو يجعله في خانة الشك والترديد ،وهذا من موانع نيل الواقع ومعرفة
الحق والباطل.
متحر للحقيقة اجتناب هذه العادة الجارية بين الس ّذج من الناس ،فإن الشخصيات فالواجب على كل ٍّ االجتماعية والعلمية ،مهما بلغت في درجات السلطة والوقار أو العلم والكمال ،ليست بمعصومة ،وإنما العصمة تختص باألنبياء وأوصيائهم (ع) وأما غيرهم فيجوز عليهم الخطأ واالشتباه .فعليه أن ينظر إليهم بعين االحترام والتوقير ،ال متابعتهم في المسائل العقلية والعلمية بال دليل وال برهان ،فإن التبعية في هذه
وتحجر الطاقات الباطنية عن التفتح واالزدهار ،وإنما ينظر إلى نفس المجاالتُ ،ت ْع ِقم العقول عن اإلبداع، ّ الكالم بغض النظر عمن صدر منه.
وهناك الكثير من األحاديث عن أهل بيت العصمة (ع) نذكر منها ما ورد عن إمامنا أمير المؤمنين (عليه السالم) أنه قال: "انظر إلى ما قال ،وال تنظر إلى من قال" . وما روي عنه (ع) عندما سئل عن محاربته أهل الجمل وهم من أصحاب رسول هللا (صلى هللا عليه وآله) :أيمكن أن يجتموا على باطل!؟ فقال : "إنك لملبوس عليك ،إن الحق والباطل ال ُيعرفان بأقدار الرجال ،اعرف الحق تعرف أهله واعرف الباطل تعرف أهله" . إننا نعرف الكثير من األشخاص ممن هم باقون تقليد المير از ال لسبب إال ألن فالناً الشخصية العلمية
أتمرد وأترك هذا المنهج الكبيرة أو الوجيه الكذائي ٍ باق على تقليده ،إذن فمن أنا الذي ال أساوي شيئاً ّ والتقليد!؟
164
مذكراتي – الجزء ()10
وللعلم فإن هناك من نعرفه من الشخصيات المؤثرة في الجماعة سواء كان شخصية علمية (طالب علم) أو شخصية اجتماعية فهو قد قام بتغيير تقليده ومشربه الفقهي ،ولكنه ال يملك الجرأة على التصريح بذلك ! نعم .هو ال يستطيع أن يستبدل ذلك التبجيل واالحترام والتقدير والقيام والتقبيل باالستحقار والتوهين. وجلست معهم وقلت لهم :اتقوا هللا في أنفسكم وفي هؤالء أيتام آل محمد وأنا أعرف البعض من هؤالء ُ (ع) فإنهم ال يعلمون. فقال لي :أنا لست معهم وال أقّلد المولى وال هم يحزنون! فقلت له :أنا أعلم بذلك ،ولكن ما أدرى هؤالء الذين يعتمدون على أمثالك بالبقاء على التقليد ظاّنين أنك
تبق على تقليدك إال بدليل ،ولذا نحن باقون ببقائك! لم تتمسك ولم َ
عندها لم يجب إال بالحوقلة واالسترجاع ،وقال :هذه فتنة فتنة ،وال نعلم متى تنتهي!؟ ومبش اًر أخرى. وأحب أن أقول لهؤالء الذين يمارسون هذه األساليب الملتوية مح ّذ اًر إياهم تارة ّ أما التحذير: فأح ّذرهم بما ورد في غوالي اللئالي عن النبي (صلى هللا عليه وآله) أنه قال: من كتم علماً نافعاً ألجمه هللا يوم القيامة بلجام من نار. وروي عن اإلمام علي (عليه السالم) أنه قال : الجهال أن يتعلموا حتى أخذ على العلماء أن يعلموا. ما أخذ هللا على ّ وروي عن اإلمام الصادق (عليه السالم) أنه قال : من احتاج الناس إليه ليفقههم في دينهم فيسألهم األجرة كان حقيقاً على هللا تعالى أن يدخله نار جهنم. وأما التبشير: فأبشرهم بما ورد عن رسول هللا (صلى هللا عليه وآله) أنه قال : ّ
165
مذكراتي – الجزء ()10
تم يتيم انقطع عن إمامه وال يقدر على الوصول إليه ،وال يدري ّ أشد من يتم اليتيم الذي انقطع عن أبيهُ ،ي ُ كيف حكمه فيما ُيبتلى به من شرائع دينه ،أال فمن كان من شيعتنا عالماً بعلومنا وهذا الجاهل بشريعتنا
المنقطع عن مشاهدتنا يتيم في حجره ،أال فمن هداه وأرشده وعّلمه شريعتنا كان معنا في الرفيق األعلى. وعنه (صلى هللا عليه وآله) أنه قال :
وجدهم في إرشاد عباد فيخلع عليهم من خلع الكرامات على قدر كثرة علومهم ّ إن علماء شيعتنا ُيحشرون ُ هللا ،حتى يخلع على الواحد منهم ألف ألف خلعة من نور.
ثم ينادي منادي ربنا عز وجل :أيها الكافلون أليتام آل محمد ،الناعشون لهم عند انقطاعهم عن آبائهم الذين هم أئمتهم ،هؤالء تالمذتكم واأليتام الذين كفلتموهم ونعشتموهم ،فاخلعوا عليهم كما خلقتموهم خلع العلوم في الدنيا. وعن اإلمام الحسن (عليه السالم) أنه قال : ويوضح له فضل كافل يتيم آل محمد المنقطع عن مواليه الناشب في رتبة الجهل -يخرجه من جهله، ّ ما اشتبه عليه -على فضل كافل يتيم يطعمه ويسقيه ،كفضل الشمس على السهى.
وعن اإلمام الحسين (عليه السالم) أنه قال : من كفل لنا يتيماً قطعته عنا محبتنا باستتارنا ،فواساه من علومنا التي سقطت إليه حتى أرشده وهداه، قال هللا عز وجل :أيها العبد الكريم المواسي أنا أولى بالكرم منك ،اجعلوا له يا مالئكتي في الجنان بعدد
وضموا إليها ما يليق بها من سائر النعم. كل حرف علمه ألف ألف قصر، ّ (انظر) العلم في ميزان الحكمة للري شهري :باب. 2838 - 2845 كما كأني أدعو إخوتي ممن ُلّبس عليهم أن يدرسوا ضوابط ومعايير التقليد الفقهي ،ويقّلدوا على أساس التخرصات واألحالم والمنامات التي ال ُيعرف أولها من من العلم والدليل ال على أساس من الظنون و ّ
آخرها.
166
مذكراتي – الجزء ()10
المادية في األخالق: إن من المستحيل الفصل والتفكيك بين طريقة سلوك الفرد في حياته ،وطريقة تفكيره ؛ ألن بين العمل ويصر عليه يؤثر في تفكيره أيضاً. والفكر رابطة وثيقة ،فما يفكر به المرء ينعكس على عمله ،وما يعمله ّ صحيح أن من األفكار ما ال تأثير له على السلوك ،كالعلوم الرياضية والجغرافية مثالً ،بيد أن هناك من
األفكار ما يستحوذ على وجود اإلنسان بأسره ،ويصبغ سلوكه ويحدد مسيرته في الحياة ،وذلك مثل معرفة مجرد أفكار خاوية معزولة عن واقع الحياة ،ال شأن هللا تعالى واإليمان بوجوده ،فإن هذه المعرفة ليست ّ تجر وراءها أفكا اًر ومعارف أخرى تؤدي لها في السلوك وال تأثير لها في األخالق والعمل ،بل هي معرفة ّ
باإلنسان إلى اتخاذ مواقف معينة في الحياة.
يجره هذا االعتقاد حتماً إلى االعتقاد بأنه سبحانه خالق فمن يعتقد بوجود هللا تعالى ويؤمن بذلك يقيناًّ ، حكيم ،وقادر عليم ،خلق الحياة والكون لغرض وهدف ،وأوجد اإلنسان لغاية وحكمة فلم يتركه سدى بل ألزمه بفرائض ونهاه عن أمور .وهكذا ،في ضوء هذه األفكار المتالحقة المترابطة ،ينتهي المرء إلى أن يغير أسلوبه في الحياة ،وينحو منحى يناسب تلك المعارف ،وتمليه عليه تلك األفكار. ً وهكذا المادية في الفكر والثقافة ،نجد البعض قد استحوذ على تفكيره األمور المادية الدنيوية. أعلنت عن موقفي ومنهجي وفي هذا المجال أذكر أن أحد الزمالء -وأحتفظ باالسم -عندما علم بأني قد ُ
الجديد ،قال لي بكل صراحة :
أال تخاف من الناس إثر هذه الصراحة؟ قلت له :ال .وما شأن الناس وما خطرهم أمام هللا تعالى!؟ طنت نفسي على أسوء االحتماالت. فلقد و ّ فإن هللا تعالى يقول في كتابه:
ۡ ۡ ۟ ۡ ۡ ۡ ٱخش ۡوه ۡم فزاده ۡم ِإيمـ ࣰٰنا وقال ۟وا ح ۡ ِ ِ ِ اس ِإ َّن َّ ال َل ُه ُم َّ يل ك و ٱل م ع ن و ٱّلل ا ن ب س َ َّ َ ُ ( َّٱلذ َ اس َقد َج َم ُعوا َل ُكم َف َ ُ َ َ ُ َ َ ٱلن َ ٱلن ُ َ َُ ُ َ َ َ ُ ين َق َ ۡ ِ ٱّلل وَف ۡض ࣲل َّل ۡم ي ۡمس ۡسه ۡم س ۤو ࣱء و َّٱتبع ۟وا ِر ۡضو ٰ ن َّ ِۗ ٱنقَلب ۟وا ِب ِن ۡعمةࣲ ِمن َّ ِ يم ِإَّن َما َذ ٰ لِ ُك ُم و ٱّلل َّ ٱّلل ُذو َفض ٍل َعظ ٍ َ َ َّ َ ُ َ َف َ ُ َ َ ُ َ َ ُ َ ُ ۡ ٱلش ۡيطـٰن يخ ِوف أ َۡولِي ۤاءه ۥ فال تخاف ۡ ين). نتم ُّمؤ ِم ِن َ وهم َو َخا ُفو ِن ِإن ُك ُ َّ َ ُ ُ َ ّ ُ َ َ ُ َ َ َ َ ُ ُ
167
مذكراتي – الجزء ()10
سورة آل عمران174 - 175 - 173 فقال لي بكل صراحة :سوف ُتقطع عنك كل معونة ،ولن تحصل على نيابة في موسم الحج ،وسوف تفقد كل المجالس والمآتم الحسينية التي تقرأها!
الرزاق ذو القوة المتين ،وليس هؤالء الناس قلت له :إن هللا تعالى موجود وأنا أحسن الظن به وهو ّ
ويوزعوها بين العباد من دون هللا تعالى.. الضعفاء الذين تعتقد أنهم هم من يقسموا األرزاق ّ وثانياً قال موالنا أمير المؤمنين (عليه السالم):
إن األمر بالمعروف والنهي عن المنكر ال يقربان من أجل وال ينقصان من رزق ،لكن يضاعفان الثواب ويعظمان األجر ،وأفضل منهما كلمة عدل عند إمام جائر" . فأنا أعرف مجموعة ال بأس بها ممن يعتاش على هذا األمر. موزع األرزاق ال غيره. ولكن ينبغي لإلنسان المؤمن أن يحسن الظن بخالقه سبحانه ؛ ألنه هو ّ البد له أن يكون شجاعاً في مثل هذه المواقف ،فقد قال أحد العلماء : وكذلك ّ إن الشجاعة أن تقف إلى جانب الحق عندما يصبح مهزوماً ،أما عندما ينتصر فإن الجميع سيصطف
إلى جانبه.
الخيرة تثور فيهم ،ولكن عندما ينتصر الباطل يخذلون فهناك بعض الناس عندما ينتصر الحق فإن النوازع ّ
الحق بوقوفهم في جبهة الباطل ضده.
خالصة: صح التعبير- بعد هذه التجربة المتعبة -إن ّ هناك من يسأل : لماذا بعد هذه الحقائق نجد الكثير من الناس من يعرض عنها كشحا؟ ً
168
مذكراتي – الجزء ()10
لإلجابة على هذا السؤال بشكل تفصيلي نرجو قراءة هذه المذكرة األخيرة بتأني وصبر ،ففيها الجواب الحاسم. وأدعو جميع إخوتي أن َي َدعوا عداوتي على صفحة ويتأملوا فيما قلت ،وليتركوا التحديق في من قال. كلمة أخيرة: من خالل خوض التجربة يتضح المعنى ويتجلى أكثر. عمليا ،أي أنهم لم يجوعوا ولم بين ألناس معنى الجوع أو العطش ،دون أن يدركوا معناه فلو أن ً أحدا ّ ً يعطشوا قط في حياتهم .فلو أّلف هذا اإلنسان ألف مجّلد من الكتب في سبيل أن يوضح لهم معنى الجوع والعطش ،لما فهموه كفهمهم إياه بصورة عملية وتجريبية؛ فإن هذا اإل نسان ال يكلف شرحه لهم لمعناه بضع كلمات يسيرة. ما أكثر الذين خاضوا التجارب مع من أشرت إلى سيرتهم العلمية وجاءوا إلى الناس وشرحوا لهم ما شاهدوا وأطلعوهم على كل ذلك عن كثب؛ ولكن لم يستفد من تلك التجارب إال القليل من الناس ممن فتح توصل عقله وفهمه ،واضطر البعض اآلخر لخوض التجربة بنفسه ووصل إلى ذات النتيجة النهائية التي ّ
إليها أولئك الذين سبقوه.
نسأل هللا تعالى العصمة من الزلل في القول والعمل. وآخر دعوانا أن الحمد هلل رب العالمين والصالة والسالم على رسول هللا محمد وآله الطيبين الطاهرين.
169
مذكراتي تعليقاتي على تداعيات وأصداء مذكّراتي
مذكراتي – تعليقاتي على تداعيات وأصداء مذ ّكراتي
تعليقاتي على تداعيات وأصداء مذ ّكراتي تمت المذكرات العشر؛ وهناك خواطر أخرى تأتي في هناك عدة أمور توضيحية ّ البد من إثارتها بعد أن ّ وقتها المناسب إن شاء هللا تعالى. وهذه األمور التي البد من إثارتها هي على النحو التالي : األمر األول : طلع عليها من يريد االطالع إن هدفي من كتابة ونشر هذه المذ ّكرات هو عرض تجربتي للتاريخ ؛ لكي ي ّ
يهمه أمرها. عليها ،ومن ّ
ُُرضي ربي وضميري ،وال أُجامل أحداً على يهمني من رضي عني ومن لم َ يرض ،بل المهم عندي أن أ ُ وال ّ
حساب العلم ؛ ألن العلم ال يحتاج إلى مجامالت وال إلى كالم معسول ،وال إلى مراعاة الخواطر وترضية
المحددة. ظي في غير مجاالته حد ذاته غير قابل لالنشطار والتش ّ ّ النفوس ؛ ألن العلم في ّ فقد جاءتني بعض الرسائل واالتصاالت من هنا وهناك بين مؤيد ومعارض على خطوتي تلك ،فالبعض بارك لي الخطوة والبعض اآلخر قال لي بأنها خطوة غير مدروسة ،وثالث اتهمني بتزوير الحقائق والتاريخ وهلم ج اًر من اآلراء و المشاركات المختلفة. ورابع اتهمني بالكذب وخامسّ ... ولكنني أقول لكل هؤالء الناس : إن المهم عندي أن أكتب ما شاهدته وما انتهى إليه علمي ،وال علي من الغير سواء رضي أو سخط، ّ وأتمّثل في هذا المقام بقول الفرزدق القائل : تتقولوا ". " علينا أن نقول وعليكم أن ّ فهذه مشاهداتي ومذكراتي أكتبها للتاريخ وال أحجر على أحد حينما يكتب وجهة نظره حولها. البد لمن يكتب وجهة نظره أن يغل ّفها بغالف األدب واالحترام ،وليس بغالف االتهام والدخول في بالطبع ّ
النوايا.
األمر الثاني :
171
مذكراتي – تعليقاتي على تداعيات وأصداء مذ ّكراتي
هناك من اعترض على ما وصفه باتهامي لبعض الشخصيات بالكذب والتزوير عليها ،وهي قد غادرت الدنيا ،فليس من حّقي أن أنقل عنها هذا الكالم ،فكيف ُيتاح لها أن تدافع عن نفسها ؟! أوالً : أعز من األشخاص العاديين ممن ال يعيشون في دائرة العصمة ،فكل إنسان ُيظهر فكره إن الدين عندنا ّ للعلن ويبسط بضاعته للناس فإنها خاضعة للمشرط والنقد ،خاص ًة إذا كانت مرتبطة بدين الناس ،فإن بضع شخصياتهم تحت المجهر وت ّ المحدثين الذين ُتدرس أحوالهم ُ هؤالء ليسوا بأعظم من سلسلة الرواة و ّ
في علم الرجال وعلم الحديث. ثانياً :
رويت عذر من وراء كالمهم الذي يقومون بترويجه بيننا ،ولم أدخل في النوايا ،وإنما أنا ف ّتشت لهم عن ٍ ُ نية ليس إال. ثم قلت بأن ذلك من حسن ّ ذلك عنهم ّ
ق لنا كبير السن الذي نتحّلق حوله ونصغي إليه بانتباه وانشداد حكاي ًة على أنها كرامة أو أمر فربما َي ُسو ُ
خارق للعادة بحسب تفسيره القاصر لها ،ولكنها قد تكون نظرية علمية أو ما شابه هو يجهل خلفياتها سأبين ذلك في األمر الثالث. أميته كما ّ أو تفسيرها بحكم ّ المرات يسرد لنا رؤى ومنامات شخصية ،ويأمرنا -بلسان الحال ال بلسان المقال - وفي كثير من ّ باالقتداء بها وأخذها بمثابة الحجية.
حجة فيما بين الشخص وبين هللا تعالى ،غاية ما مع العلم أن الجميع يعلم بأن المنامات واألحالم ليست ّ حج ًة على الشخص صحت وكانت من المنامات الصادقة قد تكون ّ في األمر أن الرؤى و األحالم فيما لو ّ
نفسه وليس له الحق أن يلزم اآلخرين بها.
الشخصية التي ثّقفنا بها الحاج بو إدريس الوايل وأنا عندي مجموعة وطائفة من القصص والمنامات ّ (رحمه هللا وعفى عنه) وأرجو أن تسعفني الفرصة ألنقل بعضها في الوقت المناسب. شبع بها طائفة كبيرة من الشباب المؤمن ممن كان يتحّلق معنا حول وكل هذه المنامات واألحالم َت ّ ثقف َ وت ّ
بو إدريس ونظائره من كبار السن ،وال زال أولئك العوام يستشهدون بها إلثبات اجتهاد عالم أو إلثبات
كرامة له أو منقبة ،أو حتى إلسقاط شخصية يختلفون معها ضمن مرجعية أخرى ،مع األسف الشديد. 172
مذكراتي – تعليقاتي على تداعيات وأصداء مذ ّكراتي
وال زال الكثير من الشباب المؤمن البسيط على موقفه حتى الساعة .وأنا أتأسف عليهم ..مجاميع غفيرة.. !! والبعض منهم من المشائخ ممن ال يزال يقنع الناس الذين يجلسون تحت منبره أو يقرأون ما يرعف إما إجازة رواية العامية الممجوجة في الرجوع إلى الفقيه (مرجع التقليد) ُ ومصدره ّ به قلمه ،بهذه األساليب ّ
ِ الصرف. األميين ّ أو قصة أو حكاية عن كبير سن ،لم َير أعتاب الحوزة العلمية ،بل هو مصّنف في قائمة ّ ورسخها في وجدان الناس وضميرهم. وكل هذا في عنق من ّ أصل هذه الحالة ّ ترى ..على من تقع هذه التبعات ؟! األمر الثالث : أرحب بها إطالقاً. ربما يتهمني البعض بإنكار الكرامة والمعجزة وال ّ وهذا االتهام غير صحيح. يشك به مسلم. أصل مسّلم به وميسور وممكن لألنبياء واألولياء ،وهذا ال ّ بل إن أصل المعاجز والكرامات ٌ
ومتنية. سندية ولكن تبقى المسألة تتعلق بدراسة هذه المعجزة أو الكرامة دراسة ّ ّ
يشك في هذا إثنان من المسلمين ؛ فإنه تناول معاجز فالقرآن الكريم ما دام قطعي الصدور عن هللا وال ّ َّ
األنبياء والمرسلين واألوصياء واألولياء ،وهذا واضح بما ال مزيد عليه.
وأما الروايات واألحاديث الواردة عن أصحاب أئمتنا (عليهم السالم) وغيرهم والتي تحكي معاجزهم ومناقبهم فاألصل فيها أيضاً أنها أمور ممكنة وميسورة ،ولكن -كما قلت -تخضع للنواميس العلمية وهي األدوات الفنية في إثباتها أو نفيها ،وهي الشغل الشاغل للعلماء والمتخصصين في أروقة الحوزة العلمية وليس
القصاصين. شغل العوام و ّ وميزاتهم بين خصهم هللا تعالى بالكرامة ليظهر فضلهم ّ وهكذا بالنسبة إلى سائر األولياء والصالحين ممن ّ الناس. ولكن مع ذلك أقول بأن هذا النوع من الكرامات وخوارق العادات ليست مما ُيبتذل لكل الناس ،بحيث نعتبر
وتبين زيفه .فهذا مما ال يقبل به العقل وال الوجدان ،بل قد يصبح كل شيء كرامة حتى لو خضع لالختبار ّ مردوده عكسياً وسلبياً على العقول الضعيفة والقلوب المريضة ،ممن يهتز إيمانها عند أول ضربة ،عندما
173
مذكراتي – تعليقاتي على تداعيات وأصداء مذ ّكراتي
يكتشف أصحابها زيف هذه الكرامة أو تلك ،مما يجعلهم يعيدون النظر حتى في المعاجز والكرامات المقطوع والمسّلم بها للشخصيات الكبيرة كاألنبياء واألئمة (عليهم السالم) ويصبح ذلك مدعاة لإلنكار وعدم اإليمان. عبر عنه بالتزود بالمعارف ُ األمية العلمية في مجتمعنا ،أو ما ُي ّ ونحن في الواقع بحاجة إلى ثقافة محو ّ األولية العلمية لدى شرائح كبيرة من الشباب ،سواء من خالل نظامنا التعليمي في مجاله األكاديمي أو ّ االستعانة بدروس التجربة في الحياة بمختلف الوسائل ،وكل ذلك متاح من خالل التقنية الحديثة وغيرها.
وما أقصده من محو األمية العلمية هو توافر أبجديات المعارف التي يفترض أهل العلم في زمان ومكان محددين أنها متوافرة لدى غيرهم من الناس. فمثالً : لماذا ال يعتبر الناس أن األجهزة اإللكترونية المتطورة مثل الجوال أو الطائرة أو الصواريخ الذكية معجزة ؟ أقول إنهم ال يعتبرون ذلك معجزة ؛ بحكم التراكم العلمي المعرفي الذي وصلت إليه البشرية ،عبر سلسلة طويلة من التجارب في الحياة على امتداد عشرات السنين أو مئات السنين ،إلى أن وصلوا إلى هذا المستوى التكاملي من العلم والمعرفة. مقدمات أو وصياً من األوصياء جاء بهذه العلوم والتقنيات الحديثة بال أدنى ّ فلو أن نبياً من األنبياء أو ّ توصلت إلى ذلك بفعل التراكم العلمي الزمني تراكم معرفي ،لكّنا نعتبر ذلك معجزة ،ولكن بما أن البشرية ّ
فال يعتبر ذلك معجزة.
إن هللا تبارك وتعالى وضع قوانين في الكون ،تحكم الموجودات التسخيرية .ومن تلك القوانين واألنظمة في الكون قانونان : األول :القانون العادي. الثاني :القانون فوق العادي أو االستثنائي.
174
مذكراتي – تعليقاتي على تداعيات وأصداء مذ ّكراتي
فالقوانين العادية من قبيل أن النار شأنها أن ُتحرق ،ولكن القانون فوق العادي أو االستثنائي أن تتحول
إلى برٍد وسالم.
في القانون العادي أن التراب تراب ،ولكن القانون فوق العادي أو االستثنائي أن يتحول إلى دم (مثالً)
كل ذلك بقانون غير اعتيادي. ّ
للمكونات تدبير اعتيادي وغير اعتيادي. فإذن تدبير هللا تعالى ّ فإن كان اعتيادياً ُعّبر عنه بالسنن العادية الطبيعية ،وإن كان غير اعتيادي ُعّبر عنه بالسنن اإلعجازية. فالمعجزة ليست حالة عبثية أو فوضى في القانون التدبيري في الكون ،وإنما هي قانون حاكم على قانون. توضيح الفكرة : يتيسر له أن يكون في توجد قوانين وأنظمة أن اإلنسان ليس من صنف أن يطير في الجو .بمعنى أنه ال ّ
الفضاء وفقاً للقوانين العادية الطبيعية ،ولكن توجد قوانين مودعة في الكون إذا استطاع اإلنسان أن
يكتشفها ويستخدمها يمكنه أن يكون في الجو ،كما هو في يومنا هذا ،حيث نرى اإلنسان في الجو عن
طريق تواجده في الطائرة. فالطائرة هي عملية تحكيم قانون غير اعتيادي في قانون عادي. لكن الفرق أن المعجزة هي عبارة عن عمل خارق للعادة لكن ال بالكسب البشري ،وإنما بطريق غير اعتيادي ،وبقانون استثنائي. يحولها بفضل قانون غير اعتيادي ،بحيث يح ّكمه هللا تعالى يحول النار إلى برد وسالم ّ فاهلل تعالى حينما ّ ولم ِ يهتد إليه البشر ،أما الشيء الذي يهتدي إليه البشر ال يمكن أن يكون معجزة ؛ ألنه متاح ومبذول لكل الناس. فلو أن رجالً قبل ( )١٠٠٠ألف سنة استطاع أن يوجد الكمبيوتر ولكن ال عن طريق الكسب أو التعليم
البشري ،وإنما هكذا فجأة ! ومن دون مقدمات ،فعند ذلك يكون أم اًر خارقاً للعادة وأم اًر إعجازياً .لكن البشرية اليوم توصلت إلى الكمبيوتر بعد كسب بشري وتراكم معرفي وتعليم ،فال يسمى معجزة.
175
مذكراتي – تعليقاتي على تداعيات وأصداء مذ ّكراتي
فهنا الفرق بين المعجزة التي هي خرق لقانون عادي ولكن ليس عن طريق الكسب أو التعليم البشري وإنما عن طريق قانون :كن فيكون ،هلل تعالى. ِ السماو ِ ات َو ْاألَْر ِ ول َل ُه ُك ْن َفَي ُكو ُن) (بد ُ َ يع َّ َ َ َمًار َفِإَّن َما َيُق ُ ض ۖ َوِإ َذا َق َض ٰى أ ْ [سورة البقرة ]١١7 تم االعتراض على ما يسمى بكرامة البيضة للمولى المير از حسن (رحمه هللا) لم يتم االعتراض ولذلك حينما ّ
صنعت تصور البعض واتهمنا بذلك ،وإنما ّ هكذا بدون دليل ،كما ّ قدمنا دليلنا العلمي ووضعنا الطريقة التي ُ بها تلك البيضة أمام الجميع ،مع اإلشارة إلى المصدر ،كما وأننا قمنا بالتجربة بأنفسنا ،وكذلك قام
وكل كتب عبارات مختلفة على البيضة .فالبعض قام بكتابة بالتجربة كثير من األشخاص ممن نعرفهمٌ ، اسمه على البيضة ووضعها في بيته والبعض اآلخر كتب أمو ارً أخرى. عامية ،ال ّ ثم أن العبارات التي ُكتبت على البيضة ،ال يمكن أن نعتبرها عبارات معصوم ،فهي عبارات ّ يتدفق منها النفس المعصومي ؛ ألن الذي يعرف عبارات المعصومين (عليهم السالم) بمن فيهم الصديقة ذرة من شك الكبرى فاطمة الزهراء (عليها السالم) وخطبتها العصماء ويأنس بها ؛ فإنه ال يشك بأدنى ّ بأن هذه العبارات ليست إال من تعبير البشر العاديين جداً. وأذكر كالماً لألديب المصري طه حسين قال معّلقاً على بعض الكلمات العظيمة لإلمام أمير المؤمنين عليه
السالم عندما قرأها في نهج البالغة :
" لم أجد كالماً بعد انقطاع وحي السماء أعظم من هذا الكالم ألمير الكالم ". هذا الذي يعرف نسبة النص إلى قائله ؛ فإنه ال يسعه إال أن يعترف بالحق. أما تلك العبارات العادية فإنها ال يمكن أن ُتقارن بكلمات المعصومين (عليهم السالم) الذين كالمهم تحت
كالم الخالق وفوق كالم المخلوقين.
وأما العبارات الواردة على البيضة فهي كالتالي : " إلى العبد الصالح المصلح مير از حسن. وطول في عمرك. عظم هللا أجرك بالزهراء ّ 176
مذكراتي – تعليقاتي على تداعيات وأصداء مذ ّكراتي
بصحة وعافية وجعلك ذخ اًر للدين والمؤمنين بحق الحسين الشهيد ". ولعل القارئ الكريم يشاركني فهذه عبارات عادية جداً وليست من كالم معصوم في شيء ،أو من كتابتهّ ، الرأي في ذلك ،وخاص ًة من درس النقد األدبي القديم والحديث. والمولى المير از حسن (رحمه هللا) ليس بحاجة إلى هذه الكرامة غير الواقعية التي ال تصمد أمام النقد العلمي. وثانياً :لم َنر المير از عبدالرسول (رحمه هللا) قد ذكرها ضمن سيرة والده في كتابه :قرنان من االجتهاد والمرجعية ،وحتى في شريط الفيديو الوثائقي الذي خرج من الكويت حول سيرة المولى (رحمه هللا) لم ُيتعرض لها ال من قريب وال من بعيد. كنت في سوريا اتصلت على الشيخ عبدالجليل األمير ألمر ما ،فطلب مّني في هامش وثالثاً :عندما ُ
طبع في بيروت عام الخ ْمس التي وضعها في كتابه (فكر ومنهج) الذي ُ االتصال أن أنزع صور البيضة َ ١٤١٥هـ الطبعة الثانية ،وبقي في مستودع تابع لدار النخيل للطباعة والنشر لمدة خمس سنوات ،فلما
استلمناه في سوريا ،قمنا بنزع تلك الصور وكل ما يتعلق بها من كالم تنفي ًذا ألمر المؤلف ،وقد شارك معي بعض الطلبة هناك. فإذا كانت هذه المنقبة والكرامة صحيح ًة فما الذي دعاه لنزعها وإبعادها عن كتابه بالكامل ؟! هل هو اكتشاف الحقيقة أم ماذا ؟! الهامة ،كما أرجو للجميع وختاماً أرجو أن أكون قد ُوفقت لتوضيح ما يجب إيضاحه في هذه التعليقات ّ من هللا تعالى التوفيق والسداد بحق محمد وآله األطهار عليهم السالم.
177