Skip to main content

مذكراتي

Page 1

‫مذكراتي‬ ‫حسن جعفر البناي‬


‫الجزء األول‪.‬‬ ‫الجزء الثاني‪.‬‬ ‫الجزء الثالث‪.‬‬ ‫الجزء الرابع‪.‬‬ ‫الجزء الخامس‪.‬‬ ‫الجزء السادس‪.‬‬ ‫الجزء السابع‪.‬‬ ‫الجزء االثامن‪.‬‬ ‫الجزء التاسع‬ ‫الجزء العاشر‪.‬‬

‫تعليقاتي على تداعيات وأصداء مذ ّكراتي‬


‫مذكراتي‬ ‫الجزء (‪)1‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)1‬‬

‫الجزء األول‬ ‫ان المرحوم المير از حسن يمنع أياً من مقلديه من الذهاب للدراسة في النجف األشرف أو في قم المقدسة‪،‬‬ ‫وال ندري ما هو السبب في ذلك ؟؟!‬

‫وكان ينصح كل من يأتي إليه ملتمساً إياه اإلذن له بطلب العلم‪ ،‬كان ينصحه بالذهاب إلى سوريا‪ ،‬وأنا‬

‫سمعته بنفسي وقد كنت جالساً بجنبه في الحسينية الفاطمية في سوريا‪.‬‬

‫وكان طالب العلم من مقلديه ‪ -‬وأنا واحد منهم ‪ -‬يحبون أن يبارك لهم مرجعهم خطوتهم األولى في طلب‬ ‫العلم‪ ،‬وذلك من خالل إذنه بتوقيعه على الورقة التي يجلبها الطالب من وكيله في األحساء آنذاك الراحل‬ ‫الشيخ حسين بن شبيث (رحمه هللا) وذلك بعد أخذ اإلذن من الوالدين وموافقتهما على ذلك‪.‬‬ ‫وبعد ذهابي هناك مطلع عام ‪١٤١٩‬هـ‪ ،‬الموافق لشهر حزيران من عام ‪١٩٩٨‬م‪ ،‬بدأت األمور تتضح لي‬ ‫تدريجياً‪ ،‬خصوصاً بعد وفاة الشيخ حسين (رحمه هللا)‪.‬‬ ‫تركت تقليد المولى في ذلك الوقت‪ ،‬بل ألن كثي اًر من عالمات االستفهام‬ ‫وأقول بدأت األمور تتضح ال أني ُ‬ ‫بدأت ُترسم في ذهني من غير إجابة‪.‬‬

‫ومنها على سبيل المثال ‪:‬‬ ‫نحن نقيم في سوريا في منطقة السيدة زينب (عليها السالم) وفيها الكثير من مكاتب مراجع الطائفة‬ ‫ُ‬ ‫هناك‪ ،‬إذ يقومون بإصدار نشرات شهرية أو نصف شهرية أو إصدارات خاصة للمسائل الفقهية المستجدة‪،‬‬ ‫خصص فيها زاوية فقهية ثابتة في كل عدد للمسائل الفقهية‬ ‫أو بعض المجالت أو الدوريات‪ ،‬بحيث ُت‬ ‫ُ‬ ‫المستجدة لمرجع التقليد أو أكثر من مرجع في بعض األحيان‪ .‬لكن كل مكتب تابع ألي مرجع ينشر‬ ‫الفتاوى المستحدثة لذلك المرجع على األكثر واألغلب‪.‬‬ ‫إال مرجعنا المير از حسن ال يوجد له نصيب من هذا !! لماذا ؟؟!‬ ‫ممثليته ؟ أين تالمذته أين وكيله ؟؟‬ ‫أين‬ ‫ُ‬ ‫وهلم ج ارً من هذه األسئلة وعالمات االستفهام المشروعة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫وكنت أقول لبعض األخوة الزمالء ممن هم معي على نفس خط التقليد ‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫‪5‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)1‬‬

‫إننا نقّلد شخصاً أشبه ما يكون‬ ‫بالميت ؛ ألننا ال نجد فتاوى مستجدة أو مستحدثة له‪ ،‬حتى الرسالة‬ ‫ّ‬ ‫العملية طبعاتها قديمة‪ ،‬ويوجد فيها بعض األخطاء حتى على المستوى الفتوائي ! ناهيك عن الكثير من‬ ‫األخطاء المطبعية واللغوية وما أشبه‪ .‬فال يوجد أي مراجعة لبعض المسائل والفتاوى الشرعية فيها !‬ ‫ونواجه الكثير من اإلشكاالت في حلقات الدرس هناك‪ ،‬سواء من بعض األساتذة‪ ،‬أو من بعض الطالب‬ ‫الزمالء في مختلف األماكن التي نحضر فيها دروسنا‪ ،‬سواء في مكتب سماحة آية هللا العظمى السيد‬ ‫(مّد ظله) أو في مكتب آية هللا العظمى المير از جواد التبريزي (قدس سره) أو في الحوزة‬ ‫علي السيستاني ُ‬ ‫الزينبية أو ما إلى ذلك من األماكن األخرى‪.‬‬ ‫ونحن نحاول بأساليبنا الملتوية أن نبرر لمرجعنا بمختلف أنواع التبريرات الواهية‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫وإذا ألقينا هذا النوع من اإلشكاالت ‪ -‬سواء طلب المسائل المستحدثة أو إثبات اجتهاد المولى (رحمه‬ ‫هللا) ‪ -‬على مشائخنا ال نرى جواباً‪ ،‬وإنما نواجه وجوهاً عابسة مكفهرة غاضبة‪ ،‬أو كيالً من اتهامنا‬ ‫بالعدول عن المولى تارة‪ ،‬أو بالتخلي عن نهج الشيخ األوحد (رحمه هللا) تارًة أخرى‪.‬‬ ‫جر من هذه االتهامات والدخول في النوايا‪.‬‬ ‫وهّلم ّاً‬ ‫فكأنما كّنا َّ‬ ‫مخد ِرين بهذه التربية والتلقين من بيئتنا ومحيطنا‪.‬‬ ‫وضعت صورة في الصالون (الصالة غرفة الجلوس الدائمة) في‬ ‫مرة من المرات كنت قد‬ ‫ُ‬ ‫حتى أني أذكر ّ‬ ‫الشخصيات الالمعة‪ ،‬كنت معجباً به كثي اًر‪ ،‬فامتعض أحد الزمالء الذين يقطنون معي‬ ‫شقتنا هناك ألحد‬ ‫ّ‬ ‫في نفس الشقة‪ ،‬وقال لي ‪ :‬رجاء‪ ..‬ارفع هذه الصورة من الصالون !!‬

‫قلت له ‪ :‬لماذا ؟!‬ ‫يحدد انتماءه في غرفته الخاصة به وليس هنا !!‬ ‫فقال لي ‪ :‬كل واحد ّ‬ ‫فقلت له ‪ :‬ياسيدي‪ ..‬أنا لم أضع صورة كافر أو ناصبي‪ ،‬وإنما صورة عالم ومفكر‪ ..‬وهو ليس مرجعاً‪،‬‬

‫حتى ال تقول بأني أقّلده !!‬

‫وحدد انتماءك في غرفتك‪.‬‬ ‫فقال ‪ :‬وإن‪ ..‬ارفع هذه الصورة‪ّ ،‬‬ ‫فقلت له ‪ :‬إن شاء هللا‪..‬‬

‫‪6‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)1‬‬

‫التحول ‪:‬‬ ‫بداية‬ ‫ّ‬

‫فبدأت أتساءل ‪:‬‬ ‫اج ُه بالسب والتعصب في أغلب األحيان‪ ،‬أو بالطعن في تقليدنا للمير از (رحمه هللا) عندما‬ ‫ترى لماذا ُنو َ‬ ‫نطرح سؤاالً بريئاً‪ ،‬نطلب فيه من مشائخنا (حفظهم هللا) إثبات اجتهاد المولى أو نطلب المسائل المستحدثة‬ ‫أو ما شابه من هذه األمور ؟؟!‬

‫هل في ذلك ضير أو جرم ؟‬ ‫مع العلم أننا عندما نواجه إشكاالت على المذهب على مستوى النبوة أو اإلمامة أو العصمة أو غيرها‬ ‫من األصول االعتقادية‪ ،‬ال نواجه هذا اللون من األسلوب الشنيع والمقزز‪ ،‬وإنما نستقبل ذلك بصدر رحب‬ ‫؛ لعلمنا بأننا نقف على أرضية صلبة من المعتقد والفكر الذي ال يمكن معه أن نهتز عند أول ضربة‪.‬‬ ‫ولكن عندما تصل النوبة إلى مرجعية المولى ؛ فإن األمر يختلف تماماً‪.‬‬ ‫ولعل ذلك هو السر من وراء تلك األساليب غير المرضية منهم ؛ ألنهم غير واثقين مما هم عليه من‬ ‫تقليد للمولى‪.‬‬ ‫فكل هذه األمور أسررتها في نفسي ولم أ ُْب ِد َها‪ ،‬بل صارت ضمن التراكمات والقضايا الفكرية لجماعتي‬

‫التي أنتمي إليها‪.‬‬

‫البد أن يأخذه البعض بعين االعتبار عندما يريد أن يعرف قصة انتقالنا في التقليد ؛ ألن‬ ‫وهذا األمر ّ‬

‫القصة ال تحصل عبر جلسة أو موقف أو ما إلى ذلك‪ ،‬وإنما القصة تحصل عبر تراكمات ومواقف كثيرة‪.‬‬ ‫وللحديث بقية إن شاء هللا تعالى‬

‫‪7‬‬


‫مذكراتي‬ ‫الجزء (‪)2‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)2‬‬

‫الجزء الثاني‬ ‫كنت حينها في‬ ‫لما توفي المولى مير از حسن الحائري (رحمه هللا) في ‪ ١٦‬رمضان ‪١٤٢١‬هـ في طهران‪ُ ،‬‬

‫األحساء ؛ ألننا في شهر رمضان نعطل دروسنا في سوريا ونقضي أيام شهر رمضان في بلدنا بين‬ ‫أهلنا‪.‬‬

‫وفور سماعنا بهذا النبأ المفجع الغير متوقع‪ ،‬ذهبنا مع مجموعة من المؤمنين إلى الكويت الشقيقة ؛‬ ‫لتقديم واجب العزاء والمواساة للمولى المير از عبدالرسول (رحمه هللا) وألسرة الفقيد الراحل‪.‬‬ ‫وبعد صالة العشاءين خلف المير از عبدالرسول في جامع اإلمام الصادق (عليه السالم) بالكويت‪ ،‬اجتمع‬ ‫بنا ‪ -‬نحن الطلبة من مقلدي المولى ‪ -‬الشيخ توفيق البوعلي في مكتبة اإلمام الصادق (عليه السالم)‬ ‫الواقعة فوق المسجد الجامع مباشرًة‪ ،‬وأمر الشيخ المذكور أن ال يحضر ذلك االجتماع المغلق أحد ممن‬ ‫ال يقّلد المولى‪.‬‬

‫حتى دار بيني وبين الشيخ توفيق حوار حول أحد اإلخوة الطلبة‪ ،‬وقد كان الشيخ توفيق يساوره الشك‬ ‫بينت في الحلقة الماضية بأن المولى يمنع‬ ‫والريبة حوله ؛ ألنه من طلبة العلم في قم المقدسة‪ ،‬وكما ّ‬ ‫الذهاب للدراسة في قم‪ ،‬إال أن هذا الزميل قد ذهب ؛ ألنه أراد أن يكون مع قريب له هناك‪ ،‬وكان هذا‬ ‫صديقنا قبل أن نفترق‪ ،‬فهو ذهب إلى قم وبعد أقل من سنة ذهبت أنا إلى سوريا‪.‬‬ ‫المهم‪ ..‬أنه قد صعد معنا من أجل حضور ذلك االجتماع‪ ،‬إال أن الشيخ توفيق ساوره الشك في أمره‪،‬‬ ‫فالتفت إلي وقال ‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫هل فالن هذا يقّلد المولى!؟‬ ‫فقلت له ‪ :‬نعم‪ .‬هو زميلي وأنا أعرفه‪..‬‬ ‫فقال لي ‪ :‬طيب‪.‬‬ ‫تبين لي فيما بعد بأنه قد ترك التقليد بعد ذهابه إلى قم بفترة‪.‬‬ ‫ثم ّ‬ ‫المهم‪ ..‬دار كالم في ذلك االجتماع حول بعض األوضاع في األحساء‪ ،‬وصار انتقاد الذع لبعض المشائخ‬ ‫الذين ال يسيرون في َرْك ِب الشيخ توفيق وجماعته‪ ،‬ممن يملكون االستقاللية في القرار كوكالء مستقّلين‬ ‫‪9‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)2‬‬

‫للمولى مير از حسن (رحمه هللا) مثل الشيخ عبدالرؤوف القرقوش ومن معه من المشائخ كالشيخ عقيل‬ ‫الشبعان والشيخ نجيب الحرز‪ ،‬طبعاً ألسباب مختلفة ربما نوفق إلثارتها في حلقة مستقلة من حلقات هذه‬ ‫السلسلة من المذ ّكرات‪.‬‬

‫وفي هذا الجو المفعم بالحزن على فقد مرجعنا الراحل‪ ،‬بادر الشيخ توفيق البوعلي بقوله في ذلك االجتماع‬ ‫‪:‬‬ ‫اليوم بعد فقدنا لمرجعنا الراحل المولى المير از حسن الحائري (رحمه هللا) ال يوجد أحد من يمّثل هذه‬ ‫المدرسة األوحدية ويرفع رايتها‪ ،‬إال شخص واحد فقط‪ ،‬وهو البقية الباقية لهذا الفكر العقائدي األصيل‪،‬‬ ‫نتردد في تقليده‪.‬‬ ‫وهو المولى مير از عبدالرسول‪،‬‬ ‫فنحن سنقّلده بال منازع‪ ،‬وال يمكن أن ّ‬ ‫ُ‬ ‫وفي هذه األثناء بادر أحد المشائخ الموجودين معنا في االجتماع ‪ -‬مع التحفظ على اسمه ‪ -‬بسؤال‬ ‫وجهه للشيخ توفيق بشكل خاص‪ ،‬وإلى جميع الحضور بشكل عام‪ ،‬وهو السؤال التالي‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫شيخنا‪ ..‬إننا نواجه الكثير من اإلشكاالت واألسئلة من شرائح كثيرة من الشباب وغيرهم في المجتمع‪،‬‬ ‫حول فكر الشيخ األوحد (رحمه هللا) ومدرسته‪ ،‬ولكنني كواحد ينتمي إلى هذا الفكر والمنهج أجد نفسي‬ ‫جاهالً به‪ ،‬فال أملك حتى أبجدياته‪ ،‬باستثناء كتاب (حياة النفس) في األصول الخمسة للشيخ األوحد‪،‬‬ ‫يتسن لي دراسته بالشكل الصحيح والمطلوب‪.‬‬ ‫الذي لم‬ ‫َّ‬

‫نصه بالحرف الواحد ‪ " :‬فأنا ال أملك إال‬ ‫فأنا أطالبكم جميعاً بإعطائي الدروس عن هذا الفكر‪ .‬وأضاف ما ّ‬ ‫صف اًر من هذا الفكر للشيخ ومدرسته" ‪.‬‬ ‫فقال له الشيخ توفيق‪:‬‬ ‫كلنا ال نعرف إال شيئاً يسي اًر عن أفكار هذه المدرسة‪ ،‬فلسنا أساتذة فيها ! إال بمقدار يسير‪ .‬فأنا أملك من‬ ‫هنا فكرة‪ ،‬ومن هناك اطالع يسير‪ ،‬وهكذا اجتمعت لدينا حصيلة بسيطة عن مدرسة الشيخ األوحد‪ ،‬فلسنا‬

‫أساتذة فيها كما تتصور!‬ ‫فقال له ‪ :‬على أقل تقدير أن تعطوني درساً بما هو متاح لديكم ومتوفر بالشكل الصحيح والمطلوب ؛ لكي‬ ‫ندفع عّنا إشكاالت الجمهور‪.‬‬

‫فسكت الشيخ توفيق وجميع المشائخ الحاضرين ولم يبدوا جوابا!! ً‬ ‫‪10‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)2‬‬

‫تفرق الجميع ونزلنا من المكتبة‪.‬‬ ‫ثم ّ‬ ‫كنت متردداً كثي اًر في الرجوع إلى المير از عبدالرسول (رحمه هللا)‪ ،‬ولكنني بطريقة أو بأخرى‬ ‫أما أنا فقد ُ‬

‫التردد‪ ،‬وأحاول أن أقنع نفسي بضرورة الرجوع إليه ؛ خاص ًة وأن أباه مرجعنا الراحل‬ ‫أحاول أن أخفي هذا ّ‬

‫وهلم ج اًر من هذه األوسام والمقامات‬ ‫(رحمه هللا) قد أوصى مقلديه به‪ ،‬وأنه حامل راية المدرسة األوحدية‪ّ ،‬‬

‫العليا للرجل‪.‬‬

‫وبدأ بعض المشائخ الراجعين للمولى المير از حسن (رحمه هللا) في األحساء والكويت بالترويج لمرجعية‬ ‫مكون من عدة وريقات‪،‬‬ ‫ولده المولى مير از عبدالرسول (رحمه هللا) عبر خطب الجمعة‪ ،‬ونشر ّ‬ ‫كتيب صغير ّ‬

‫إذ يحتوي على (‪٢٤‬صفحة) وفيه ذكر ُم ُّ‬ ‫وجامعه الشيخ توفيق البوعلي نبذ ًة مختصرة عن حياة‬ ‫عده‬ ‫ُ‬ ‫المرحوم المير از عبدالرسول‪ ،‬ومن بين األعمال التي ذكرها للمولى ذكر قائمة بمؤلفاته وهي كالتالي‪:‬‬ ‫‪ -١‬شرح الزيارة الجامعة الكبيرة بالفارسية‪.‬‬ ‫‪ -٢‬شرح وتفسير آية الوصية‪.‬‬ ‫‪ -3‬تفسير سورة الحمد والتوحيد‪.‬‬ ‫‪ -٤‬حكمة أهل البيت (عليهم السالم)‪.‬‬ ‫‪ -5‬األدب العربي في الجملة وأقسامها‪.‬‬ ‫‪ -٦‬الدر الفريد في علم التجويد‪.‬‬ ‫‪ -7‬الوالية في إثبات اإلمامة‪ ،‬أجزاء خرج منه جزءان‪.‬‬ ‫‪ -٨‬ألف موضوع وموضوع ‪ :‬تاريخي وأدبي وفلسفي وديني وأخالقي‪.‬‬ ‫‪ -٩‬قرنان من االجتهاد والمرجعية‪ ،‬ترجمة له وآلبائه وأجداده‪.‬‬ ‫‪ -١0‬ديوان شعر في فضائل أهل البيت (عليهم السالم)‪.‬‬ ‫‪ -١١‬التحقيق في مدرسة األوحد‪.‬‬ ‫‪ -١٢‬حقائق الشيعة‪ ،‬في الدفاع عن الشيخ‪.‬‬

‫‪11‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)2‬‬

‫‪ -١3‬نداء الشيعة‪ ،‬في رجحان ذكر الشهادة الثالثة في األذان واإلقامة‪.‬‬ ‫‪ -١٤‬توضيح الواضحات‪.‬‬ ‫‪ -١5‬مقدمة لصحيفة األبرار‪ ،‬شرح حياة أسرة حجة اإلسالم‪.‬‬ ‫وقد قرأت هذه القائمة من المؤلفات وحاولت أن أقنع نفسي بعطاء المولى العلمي‪ ،‬ولكن في النفس أشياء‬ ‫وأشياء‪ ،‬أحاول أن أخفيها حتى على نفسي‪ ،‬وأبعدها عن تفكيري‪ ،‬ولكن ما باليد حيلة‪ ،‬فإني أراها تطفو‬ ‫على سطح فكري على الدوام‪.‬‬ ‫ثم قلت في خاطري‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫فليسمح لي المولى المير از عبدالرسول بهذه األفكار وإن كانت أفكا اًر شيطانية‪ ،‬ولكنها مشروعة ؛ لكي‬

‫أقوم بتقليده على علم وبصيرة وعلى وعي‪ ،‬وأستطيع الدفاع عن تقليدي له بقوة فيما لو تعرضت إلشكاالت‬ ‫من قبل البعض‪.‬‬ ‫يدل على‬ ‫ومن أبرز تلك األفكار الطافحة‪ ،‬أنه لم ُيذكر في تلك القائمة من المؤلفات اسم مؤلف واحد ّ‬ ‫تضّلع المولى في حقل تخصصه األهم من بين تلك الموضوعات الهامشية بالنسبة له كعالم وفقيه‪ ،‬وهو‬

‫على وشك أن يكون مرجعنا بعد وفاة أبيه المير از حسن (رحمه هللا)‪.‬‬

‫كنت في بداية مشواري‬ ‫المشكلة أني لست من عوام الناس الذين لم يدرسوا في الحوزة العلمية‪ ،‬وإن ُ‬

‫العلمي في الحوزة‪ ،‬ولكني على األقل أجد نفسي أني مسؤول أمام هللا تعالى عما انتهى إلي من علم‬ ‫ّ‬ ‫بالضوابط والقواعد الشرعية في اختيار مرجع التقليد‪ ،‬فأنا لست جاهالً بها‪ ،‬وأن المولى المير از عبدالرسول‬

‫مصنفاً واحداً يدعو إلى الدفاع عن اجتهاده بقوة‪ ،‬ليس على مستوى‬ ‫َّ‬ ‫التميز‬ ‫لم أجد في قائمة مؤلفاته‬ ‫ّ‬ ‫العلمي أو األعلمية على الغير‪ ،‬وإنما على مستوى االجتهاد التقليدي الكالسيكي في الحوزات العلمية‬

‫فقط‪.‬‬ ‫أقول هذا بالنسبة إلى مؤلفاته وهي إحدى الوسائل التي يثبت من خاللها العالم علمه واجتهاده‪ ،‬إذ من‬ ‫خاللها يشهد له أهل الفن والخبرة على أنه من أهل االجتهاد والرأي‪.‬‬ ‫وأما الوسائل األخرى ومنها حضوره في األوساط العلمية ومنارات العلم والمعرفة كالحاضرة العلمية في‬ ‫النجف األشرف أو قم المقدسة‪ ،‬وإبراز نفسه عبر تالمذته وأبحاثه كما هو موجود لدى اآلخرين‪ ،‬فهذا قد‬ ‫‪12‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)2‬‬

‫غضضت الطرف عنه ؛ لعدم وجوده أصالً‪ ،‬ناهيك عن شهادة أهل الخبرة في حقه (رحمه هللا) إال من قبل‬ ‫أقاربه من والده المير از حسن وعمه المير از علي الحائري (رحمهما هللا)‪.‬‬

‫صطلح‬ ‫المحدثين فيما ُي‬ ‫أقول شهادة أهل الخبرة له باالجتهاد والفقاهة‪ ،‬وليس بالدخول في سلسلة الرواة و ّ‬ ‫ُ‬ ‫عليه بإجازة الرواية‪ ،‬فإن هذه اإلجازة الروائية بإمكان الطالب المبتدئ الثقة في الحوزة العلمية أن يحصل‬ ‫عليها‪.‬‬ ‫ومع ذلك فإن كل تلك اإلجا ازت الروائية للمولى المير از عبدالرسول (رحمه هللا) إنما صدرت من أناس غير‬ ‫معروفين في األوساط العلمية‪.‬‬ ‫وإذا كان البعض منهم معروفاً ؛ فقد تم التأكد منهم‪ ،‬وعن مدى صدور تلك اإلجازات الروائية من قبلهم‬

‫للمولى‪ ،‬فجاء الجواب بالنفي عن تالمذتهم المباشرين‪.‬‬

‫وعندي وثيقة خاصة صادرة من مكتب أحد المجيزين للمير از عبدالرسول (رحمه هللا) وهو المرحوم السيد‬ ‫إبراهيم الخوئي (رحمه هللا) وسوف أعرضها في وقتها إن شاء هللا تعالى‪.‬‬ ‫مع األسف الشديد أني أقول هذا الكالم‪ ،‬وليس بوسعي أن أقول غيره ؛ ألن عقلي هو من قادني إلى ذلك‬ ‫تعبدنا بالعقول‪ ،‬وأن الرسول الكريم (صلى هللا عليه وآله) قال لنا ‪:‬‬ ‫بعد جهد جهيد‪ ،‬أليس هللا تعالى قد ّ‬ ‫"إن العقل رسول باطن وأن الرسول هو عقل ظاهر؟؟ "‬ ‫ولذا أرى عقلي مطمئناً بما توصل إليه من نتائج بعد طول مقدمات‪ ،‬وإن كانت عاطفتي مستاءة كثي اًر بما‬

‫شخص ينزعج ويتضرر من هذا الكالم كما ورد في‬ ‫قادني إليه عقلي من نتائج‪ .‬وحق لي أن أقول لكل‬ ‫ٍ‬

‫الحديث الشريف ‪:‬‬

‫يضر خير من باطل يسر" ُّ‪.‬‬ ‫"حق ُّ‬

‫‪13‬‬


‫مذكراتي‬ ‫الجزء (‪)3‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)3‬‬

‫الجزء الثالث‬ ‫تقدمت المسيرة البشرية في علومها‬ ‫تنوع حاجات اإلنسان وتشعبها‪ .‬وكلما ّ‬ ‫اقتضت حكمة هللا تعالى ّ‬ ‫تلبي احتياجات البشر وتشبع‬ ‫وحياتها‪ ،‬برزت حاجات جديدة‪ ،‬تبرز ِب َد ْو ِرها الحاجة إلى اختصاصات جديدة‪ّ ،‬‬ ‫رغبتهم فيها‪.‬‬

‫وعلى ضوء هذا فمسألة أن يرجع اإلنسان إلى صاحب االختصاص‪ ،‬هو أمر طبيعي وعليه تسير الحياة‪.‬‬ ‫اب في وضع بدنه‪ ،‬نراه يلجأ إلى الطبيب المختص‪ ،‬وهو‬ ‫توعك في صحته‪ ،‬واضطر ٍ‬ ‫فالمرء عندما يشعر ب ّ‬ ‫يقوم بتوجيهه إلى دواء معين بعد تشخيص حالته المرضية‪ ،‬ويطلب منه أن يلتزم بالدواء حتى زوال ذلك‬

‫المرض أو التخفيف منه‪.‬‬ ‫يكانيكيي السيارات ؛ لكي‬ ‫وهكذا حينما يجد اإلنسان عطالً في سيارته ؛ فإنه يبادر إلى من يعتمده من م‬ ‫ّ‬ ‫يقوموا بإصالح ذلك العطل والخراب وما شاكل ذلك‪.‬‬ ‫شخص أو جه ٍة معينة‪ ،‬فإن هذا‬ ‫وإذا حدث لرجل أن استدعي لمحكمة‪ ،‬أو أراد إقامة دعوى قضائية على‬ ‫ٍ‬

‫الرجل يجد من المنطقي والمعقول أن يلجأ إلى محامٍ متضّلع باألمور القانونية‪ ،‬يستشيره فيما يريد أن‬

‫يقدم عليه من دفاع أو ادعاء‪ ،‬ونراه يلتزم بما ينصحه به ذلك المحامي‪ .‬وكلما كانت القضية ذات أهمية‬ ‫كبيرة ؛ نجد التزامه بالتعليمات والتوجيهات أشدّ‪.‬‬ ‫وهكذا هي الحياة في صورها المختلفة‪ ،‬أن يرجع اإلنسان إلى صاحب االختصاص في مختلف شؤون‬

‫حياته وأنماطها‪.‬‬ ‫فهذه الضوابط والقواعد يأخذها اإلنسان بعين االعتبار في كل حياته ؛ ولكن عندما تصل النوبة إلى‬ ‫المرجع الديني المختص في إصدار األحكام الشرعية لتنظيم حياة اإلنسان ؛ نجد أن العامل العاطفي يدخل‬ ‫وبقوة في وجدان اإلنسان وضميره‪ ،‬ويتحكم بمصيره‪.‬‬ ‫فحاجة اإلنسان إلى معرفة أحكام دينه‪ ،‬وتعليمات الشريعة اإلسالمية المقدسة‪ ،‬في عباداته ومعامالته‬ ‫هي حاجة أساسية وكبرى من حاجاته‪.‬‬

‫‪15‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)3‬‬

‫ولذلك وجدت نفسي أمام هذه الخيارات‪ .‬إما أن أستسلم لواقع البيئة التي درجت فيها‪ ،‬والتي ال تقيم وزناً‬

‫للعقل والعلم‪ ،‬بل ُيراد لإلنسان فيها أن يعيش معصوب العينين وأن يسّلم قيادة وأزمة أموره بيد جه ٍة ما‬ ‫دون أن يدري إلى أين ؟ ولماذا ؟ وكيف؟‬

‫أتمرد على تلك البيئة والواقع‪ ،‬وأن أسير على وفق األحكام الشرعية‬ ‫أو أن أعيش الغربة في مجتمعي و ّ‬ ‫والضوابط العلمية التي درستها في الحوزة‪ ،‬معرضاً عن كل أعراف وتقاليد البيئة بتصرفاتها غير العلمية‬ ‫الحر غير المألوف في‬ ‫؛ ألن في الحوزة العلمية تتفتح ذهنية الطالب الفكرية‪ ،‬مستفيد ًة من الجو الدراسي ّ‬

‫العامة بل حتى في‬ ‫المقيد بقيود الشكل الروتيني المعروف‪ ،‬ليس فقط في تلك األجواء‬ ‫جو العوام وغير‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫خالقاً‪،‬‬ ‫الجدي طموحاً ّ‬ ‫المدارس والجامعات الحديثة‪ ،‬والذي يخلق ‪ -‬أي النمط الدراسي ‪ -‬لدى الطالب ّ‬ ‫فضالً عن أن المنهج الدراسي الحوزوي القائم أساساً على أسلوب االستدالل المنطقي‪ ،‬وهو خير حافز‬

‫تمت إلى الجانب‬ ‫وتحريها‪ ،‬وكذلك يتأقلم بالقساوة العقلية التي ال ّ‬ ‫لتنمية الروح الموضوعية وحب الحقيقة ّ‬ ‫العاطفي بصلة‪ ،‬وإنما على ِصر ِ‬ ‫ف الروح النقدية والنزاهة والحياد‪..‬‬ ‫ْ‬

‫المتدينين‪،‬‬ ‫كل فرد مكّلف من‬ ‫تهم وتعني َّ‬ ‫ّ‬ ‫ولذا ومن هذا المنطلق رأيت أن المرجعية الدينية شأن عيني‪ ،‬أي ّ‬ ‫حيث َّ‬ ‫البد له ما لم يكن فقيهاً مجتهداً أن يعمل باالحتياط‪ ،‬أو أن يرجع‬

‫إلى من تتوفر فيه شروط المرجعية والتقليد ؛ ليكون حج ًة فيما بينه وبين هللا تعالى‪.‬‬ ‫وبعض تلك الشروط مذكورة في الرسالة العملية للمولى مير از حسن الحائري (رحمه هللا)‪.‬‬ ‫يحز في النفس ويصدع له الرأس ‪ -‬إني ترعرعت في بيئة ال ترى‬ ‫ولكن مع األسف الشديد ‪ -‬وهذا ما ّ‬

‫شاع في ذلك الوسط اإليماني الذي أنتمي إليه الكثير من أجواء الخرافة والجهل‪.‬‬ ‫للعلم والتفكير وزناً‪ ،‬بل ُي ُ‬ ‫إذ يمكن للمرء أن يستخلص من ذلك الجو نتيجة مؤداها أن الخرافة غذاء دائم لكثير مّنا نحن الشباب‬ ‫وكذلك الكبار‪ ،‬وهناك بعض المشايخ ‪ -‬سامحهم هللا وعفا عنهم ‪ -‬ينقلون فتاوى خاطئة وينسبونها‬

‫للمولى إما تزوي اًر ومسخاً للحقائق من أجل أغراض شخصية‪ ،‬أو جهالً وعدم إحاطة بالمسائل الشرعية‪.‬‬ ‫يظن البعض بأني غير دقيق في تشخيص تلك الحالة ؛ ولكن االنطباع الذي تش ّكل عندي على مدى‬ ‫وقد ّ‬ ‫سنوات من البحث والتنقيب في تراثنا ‪ -‬وبصرف النظر عمن ننتمي إليه وهو شيخنا األوحد أحمد بن زين‬

‫الدين األحسائي (رحمه هللا) ‪ -‬هو أن العلم أو المنهج العلمي ‪ -‬ببساطة شديدة ‪ -‬ليس موضع ترحيب‪،‬‬

‫‪16‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)3‬‬

‫وربما أيضاً ليس موضع تقدير داخل وسطنا‪ ،‬وبتعبير آخر ‪ :‬إننا كثي اًر ما نرى‬ ‫عداء للعلم والمعرفة والتفكير‬ ‫ً‬

‫السليم في وسطنا الديني‪.‬‬

‫والدليل على ما أقول‪ ،‬أني سأسرد دليلين اثنين فقط تاركاً العشرات من المواقف الكثيرة التي تدل على‬

‫ذلك‬

‫الدليل األول‪:‬‬ ‫إني ومنذ الصغر أحب أن أجالس كبار السن ؛ ألني أشعر فيهم أنهم يملكون تركة مثقلة من التجارب‬ ‫ومرها‪.‬‬ ‫في الحياة‪ ،‬فقد عركتهم الحياة بحلوها ّ‬ ‫تعرفت على شخص مؤمن من كبار السن منذ عام ‪١٤١١‬هـ‪ ،‬وكان ممن عاصر المرحوم المولى‬ ‫وقد‬ ‫ُ‬ ‫المير از علي الحائري (رحمه هللا) في األحساء‪ ،‬وهو من ساللة المرحوم الشيخ عبدهللا الوايل (رحمه هللا)‬ ‫المتوفى عام ‪١٣٠٠‬هـ‪ ،‬وهو أحد تالمذة السيد كاظم الرشتي (رحمه هللا)‪.‬‬ ‫على كل حال‪..‬‬ ‫هذا الشخص هو المرحوم الحاج أحمد الوايل‪ /‬بو إدريس (رحمه هللا) وكنا أكثر ما نلتقي به في حسينية‬ ‫الحداديد والحسينية العباسية بالفوارس في وسط الهفوف‪ ،‬وكان يختزن في ذاكرته الكثير مما كان يسمعه‬ ‫منذ صغره‪ ،‬ويسرد لنا كثي اًر مما يحفظه من سير أعالم مدرسة الشيخ األوحد األحسائي (رحمه هللا)‬

‫والمنتسبين لفكره‪ ،‬ومنهم السيد كاظم الرشتي والشيخ محمد أبوخمسين والشيخ موسى أبوخمسين والسيد‬

‫ناصر السلمان األحسائي والمولى المير از علي الحائري (رحمهم هللا جميعاً)‪ .‬وأكثر ما كان يحدثنا عن‬

‫سيرة المير از علي الحائري (رحمه هللا) بحكم معاصرته له في األحساء أيام إقامته فيها‪.‬‬

‫صح‬ ‫ويغلب على ذلك العرض القصصي في سيرة المولى وغيره من األعالم‪ ،‬الطابع األسطوري ‪ -‬إن ّ‬ ‫التعبير ‪ -‬أو لو ٌن من الكرامات وخوارق العادات‪ ،‬وفي ذلك العرض المألوف في السيرة عندنا آنذاك‪،‬‬ ‫بعض المواقف التي شاهدها الحاج المذكور (رحمه هللا) للمولى مير از علي وغيره‪.‬‬

‫وموطن الشاهد في هذا السرد الروائي للحاج بوإدريس (رحمه هللا) كان يؤكد على االلتفاف حول تقليد‬ ‫المولى مير از حسن رحمه هللا‪ ،‬وعدم العدول عنه إلى غيره في التقليد الفقهي ؛ ولكن ليس بطريقة علمية‪،‬‬ ‫وإنما بأسلوب كرامات ومناقب يغلب عليها الطابع األسطوري‪ ،‬وكالم العجائز‪.‬‬

‫‪17‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)3‬‬

‫وكان كثي اًر ما يشير إلى أسباب العدول عن المولى‪ ،‬مؤكداً على جلسائه من الشباب وندمائه من الكبار‬ ‫سبب لهم العدول عن المولى إلى غيره‪ ،‬كما حصل‬ ‫أن ال يقعوا في تلك‬ ‫الشراك الذي َّ‬ ‫المطبات أو الفخ و ِّ‬ ‫ّ‬ ‫للشيخ علي بن دهنين والشيخ محمد بن شهاب وغيرهما من المشائخ‪.‬‬ ‫ومن تلك األسباب هو الدراسة في الحوزة العلمية‪ ،‬وخاص ًة في النجف األشرف وقم المقدسة‪ ،‬وكذلك‬ ‫الحوزة العلمية بالمبرز‪ .‬وكان ينتقد وبشدة المشائخ الذين ذهبوا للدراسة في المبرز‪ ،‬كالشيخ توفيق‬ ‫البوعلي والشيخ أحمد الرمضان‪ .‬وكان يقول لي شخصياً ألكثر من مرة (رحمه هللا وعفا عنه) بلهجته‬

‫المعهودة‪:‬‬

‫شّلِي يخّلِيني يا عيالي ما خّليت أوالدي يروحون يدرسون في النجف وغيرها!!؟؟‬ ‫من كذا‪ ...‬كلما راح واحد من أوالدنا هناك يدرس يخترب!‬ ‫طبعاً كلمة ( يخترب) بمعنى يترك تقليد المولى مير از حسن الحائري (رحمه هللا) ويقّلد غيره من المراجع‪.‬‬ ‫ولذلك أذكر أن أحدهم قد سألني سؤاالً بريئاً ومهماً بعد إعالني عن موقفي بفترة‪ ،‬فقال‪:‬‬ ‫تغيرون‬ ‫لماذا أنتم الطلبة الراجعين للمولى فور ما تدرسون في الحوزة العلمية وخاص ًة خارج البلد‪ّ ،‬‬ ‫تقليدكم‪ ..‬لماذا!؟‬

‫فقلت له ‪ :‬أحسنت وبارك هللا فيك‪ ..‬ونعم السؤال‪...‬‬ ‫مر من حديث عن أجواء الحوزة العلمية‪.‬‬ ‫فأجبته على سؤاله كما ّ‬ ‫تطبعوا‬ ‫وهناك نظائر كثيرة من كبار السن ممن هم على شاكلة الحاج أبو إدريس الوايل (رحمه هللا) وقد ّ‬

‫الر ِ‬ ‫اوية ؛ ولكن معظم تلك الحكايات يغلب عليها الطابع األسطوري كما ذكرت‪ ،‬وأعرف‬ ‫بأسلوب الحكواتي و َّ‬ ‫الكثير منهم ومن حكاياتهم‪ ،‬ومعظمهم غادروا الحياة الدنيا (رحمهم هلل جميعاً وعفا عنهم وسامحهم)‪.‬‬ ‫يشجعون على إشاعة مثل هذا الجو األسطوري‪ ،‬وال‬ ‫والمشكلة أن من ينتمي إلى جماعتنا من المشائخ ّ‬

‫يوجد من يساعد على إشاعة الجو العلمي ونشر التفكير السليم‪ .‬بل إن بعضهم يقول تلك القصص‬

‫يسطرها في كتاب وينشره بين العوام‪ ،‬كالشيخ عبدالجليل‬ ‫والروايات األسطورية على المنبر‪ ،‬والبعض اآلخر‬ ‫ّ‬

‫‪18‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)3‬‬

‫األمير في كتابه ‪ :‬فكر ومنهج‪ ..‬دراسة تحليلية في منهج الشيخ أحمد بن زين الدين األحسائي‪ ،‬وذلك‬ ‫في طبعته الثانية في عام ‪١٤١٥‬هـ ‪١٩٩٥ -‬م‪.‬‬ ‫وفي الكتاب المذكور ذكر فيه مؤلفه الشيخ عبدالجليل الكثير من القصص وسرد فيه الكثير من الحكايات‬ ‫من أمثال الحاج حسين القريشي والحاج أحمد الوايل وغيرهما‪ ،‬كما وضع بعض الصور‪ ،‬ومنها خمس‬ ‫صور للبيضة التي كّنا نعتبرها كرامة للمولى مير از حسن (رحمه هللا) والتي خرجت في جمادى األولى من‬

‫صوروها وباعوا نسخاً كثيرة منها في مساجد األحساء وحسينياتها وكذلك‬ ‫عام ‪١٤١٢‬هـ في الكويت‪ ،‬وقد ّ‬ ‫في الكويت في ذلك الوقت‪.‬‬ ‫وقد أخبرني عنها المير از كمال بن المير از علي الحائري السليمي عندما رافقته في إحدى السنوات إلى‬

‫الحج‪ .‬فقال لي ‪ :‬أنا أعلم بقصة هذه البيضة بالتفصيل‪ .‬فقد قامت اللجنة الكويتية في جامع اإلمام‬ ‫الصادق (عليه السالم) بالكويت بالكتابة عليها‪ ،‬بتراكيب كيميائية معينة‪ ،‬وقد أجريت التجربة على أربعة‬ ‫عشر بيضة‪ ،‬ولم يضبطوها بالشكل المطلوب إال في التجربة األخيرة‪ ،‬وهي هذه البيضة‪ ،‬وقد جاءوا بها‬ ‫وصدقهم بها‪ ،‬من حسن ظنه بهم‪.‬‬ ‫كذباً وزو اًر إلى عمي المقدس المير از حسن (رحمه هللا) ّ‬ ‫خصت الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء (عليها السالم)‬ ‫وبالفعل كّنا نعتبرها ُ‬ ‫نحن من أعظم الكرامات التي ّ‬ ‫ولدها اإلمام الحسن (عليه السالم) بطلب منها في قصة مفصلة معروفة‬ ‫المولى بها‪ ،‬وقد كتب عباراتها ُ‬ ‫قامت بترويجها اللجنة الكويتية‪.‬‬

‫وقد كتب فيها األستاذ أحمد عبدهللا العبدالنبي كتاباً خاصاً‪ ،‬وكتب له المولى (رحمه هللا) تقريظاً في‬

‫مستهله‪ ،‬يشكره على ذلك‪ .‬في نفس الوقت الذي كان العبدالنبي متردداً قبل كتابة بحثه على أمل أن يقوم‬

‫لما لم يُق ْم أحد بذلك‪ ،‬قام‬ ‫بهذا العمل أحد الطلبة المشائخ من جماعتنا مقلدي المولى‪ ،‬وليس هو‪ ،‬ولكن ّ‬ ‫هو بكتابته متوّكالً على هللا تعالى‪.‬‬

‫فأنا لم أشك قيد أنملة في هذه الك ارمة العظيمة للمولى‪ ،‬بل كّنا نعتبرها بمثابة اإلجازة والتزكية من الصديقة‬

‫الزهراء (عليها السالم) للمولى‪.‬‬

‫‪19‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)3‬‬

‫يدي كتاب اسمه ‪ ( :‬الخزائن) للشيخ أحمد بن محمد مهدي النراقي (‬ ‫ولكن بعد سنوات عدة‪ ،‬وقع بين َّ‬

‫وشدني‪ ،‬وهو ( البيضة تلين في الخل) فقال‬ ‫رحمه هللا) فتصّفحت عناوينه‪ ،‬فرأيت عنواناً ملفتاً وقد جذبني ّ‬

‫المؤلف في صفحة ‪ ٨٣‬تحت هذا العنوان ما نصه بالحرف الواحد‪:‬‬

‫فائدة‪:‬‬ ‫شمع البيضة‬ ‫إذا انتقعت البيضة في الخل تلين‪ ،‬فحينئذ ُتدخل في زجاجة رأسها أصغر منها‪ .‬وأيضاً ُت ّ‬ ‫مشبكة" ‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫ثم ُتنقع في الخل ثم ُتقلع بآلة‪ ،‬فتبقى البيضة ّ‬ ‫وتنقش قلعاً‪ّ ،‬‬ ‫قمت بزرقه في‬ ‫معينة على البيضة بواسطة مرهم ُ‬ ‫فقمت بالتجربة بنفسي في المنزل‪ ،‬فقد ُ‬ ‫كتبت عبارات ّ‬ ‫كيس نايلون‪ ،‬أشبه ما يكون بالقلم‪ ،‬كــ (قمع الحناء) كما يسمى‪ ،‬التي تعمله النساء وتبدأ بالرسم والتزيين‬ ‫به على األيدي بالضغط عليه‪ ،‬فيخرج منه الحناء من فتحة معينة كأنها رأس قلم يخرج منه حبر‪ .‬ولكن‬ ‫بدل الحبر أو الحناء مرهم أو مادة دهنية ثخينة كالفازلين أو الفيكس‪ ،‬بحيث ال يتآكل موقع الكتابة وهي‬ ‫طبقة القشرة من البيضة حينما توضع في الخل والليمون ويغمرها من جميع جوانبها‪ ،‬فتبدأ القشرة التي‬ ‫تتغير‪ .‬فإذا اكتملت تلك العملية ُيزال‬ ‫يمسها المرهم أو الفازلين بالتآكل والزوال‪ ،‬وتبقى الكتابة بارزة ال ّ‬ ‫لم ّ‬ ‫الخل من اإلناء بطريقة الشطف‪ ،‬بحيث ال ُتمس البيضة ؛ ألن قشرها بات رقيقاً جداً‪ ،‬فالبد أن ُيزال الخل‬ ‫من اإلناء بطريقة حذرة جداً‪.‬‬

‫فتبقى البيضة هكذا في الهواء الطلق ح ّتى تتماسك قشرتها‪ ،‬فتبقى الكتابة عليها وكأنها ُكتبت بيد قادر‬

‫حكيم!!‬

‫طلعوا على حقيقتها‪ ،‬ولذلك يعتبرونها كرامة أو‬ ‫فهذه الطريقة العلمية يجهلها الكثير من الناس‪ ،‬ولم ي ّ‬

‫معجزة ؛ ألنها أمر خارق للعادة أو للنواميس الطبيعية‪.‬‬

‫وقد رأيت الكثير من هذه النماذج‪ ،‬واطلعت على بعض األخبار التي نشرت مثل هذه األمور‪ ،‬كما حصل‬ ‫ذلك في حسينية المويل في الكويت‪ ،‬وهي ذاتها الحسينية التي وضعوا البيضة المذكورة تحت منبرها‪ ،‬كما‬ ‫وهلم ج اًر‪ ،‬وقد ذكر كل‬ ‫وقد صنعوا عدة بيضات‪ُ ،‬كتب عليها عبارات مختلفة (يا حسين‪ ،‬يا فاطمة الزهراء) ّ‬

‫هذه األمور الشيخ األمير في كتابه ‪ :‬فكر ومنهج‪.‬‬

‫‪20‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)3‬‬

‫بعضهم ‪ -‬بعد اطالعه على تلك النظرية العلمية ‪ -‬بيض ًة‪،‬‬ ‫وحتى في فلسطين قبل عدة سنوات‪ ،‬صنع ُ‬ ‫وقد كتب عليها لفظ الجاللة الذي هو سيد أسماء هللا تعالى‪ ،‬وبعد إثارة هذه الضجة المفتعلة سرعان ما‬

‫مزيفة مفتعلة‪.‬‬ ‫اكتشفوا بأنها قضية ّ‬ ‫ومع شديد األسف يتم التهاون بكل بساطة باألسماء المقدسة على البيضة وما شابه‪ ،‬من أجل أغراض‬ ‫دنيئة‪.‬‬ ‫ما أريد الوصول إليه من نتائج بعد طول مقدمات ؛ أن هناك بعض النظريات العلمية حينما تتحقق على‬ ‫أرض الواقع من خالل التجربة‪ ،‬قد يعتبرها البعض قضية إعجازية‪ ،‬أو هي من خوارق العادات أو النواميس‬ ‫خصهم هللا تعالى‬ ‫الطبيعية‪ ،‬أو الكرامات التي تجري عاد ًة على يدي بعض األولياء والصالحين الذين ّ‬ ‫بالكرامة والمعجزة‪.‬‬ ‫فمثال‪ً :‬‬ ‫محملة بشحنات كهربية‪ ،‬كما درسناه‪ ،‬وكما‬ ‫نحن إذا فهمنا اليوم بأن البرق نتيجة حركة جسيمات دقيقة ّ‬ ‫هو ثابت في محّله‪ ،‬وليس نتيجة غضب األرباب‪ ،‬كما يعتقد أهل الجاهلية وبعض المجتمعات المتخّلفة‬ ‫يغير سبل تفكيرنا‪.‬‬ ‫في ذلك ؛ فإذا فهمنا ذلك فإن هذا الفهم من شأنه أن ّ‬ ‫والسؤال اآلن بعد هذا العرض‪:‬‬ ‫المزيفة عن طريق كشف ومراجعة الوقائع بهذا القدر من‬ ‫إذا كان إثبات خطأ العلم الزائف أو الكرامات‬ ‫ّ‬ ‫المزيفة قائم ًة ومنتشرة من حولنا!؟‬ ‫السهولة‪ ،‬فلماذا ال يزال العلم الزائف والكرامات‬ ‫ّ‬ ‫نياتهم‪ ،‬وفيهم أيضاً دكاترة وأساتذة‬ ‫تأسفت كثي اًر على جماعتنا وهم مؤمنون بسطاء على ّ‬ ‫ولذلك ّ‬ ‫القصاصين ‪-‬‬ ‫ومهندسون‪ ،‬ولكن كيف غدوا ألعوب ًة بيد اللجنة الكويتية‪ ،‬وكذلك بيد البعض اآلخر من ّ‬

‫نية أو بدونها ‪ -‬أصبحوا ألعوب ًة بيد كل هؤالء وذلك باعتقال عقولهم وتخديرها واغتيالها بهذا‬ ‫بحسن ّ‬ ‫اللون من السطحية والسذاجة!؟‬ ‫وكما قال أحدهم‪:‬‬

‫إن التجارة باألديان هي التجارة الرابحة في المجتمعات التي ينتشر فيها الجهل‪ .‬وإذا أردت أن تتحكم في‬ ‫جاهل فعليك أن تغلف كل باطل بغالف ديني‪.‬‬ ‫‪21‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)3‬‬

‫المزيفة ‪ -‬ال نرى لها وجوداً عند الجماعات األخرى ؛ ألن تلك الجماعات‬ ‫ثم إن هذه األمور ‪ -‬من الكرامات ّ‬ ‫ّ‬

‫وبشدة‪.‬‬ ‫أو أتباع المرجعيات األخرى نجدهم يحاربون هذا التجهيل للناس‬ ‫ّ‬

‫وأنا أتذكر أنه حينما توفي زعيم الحوزة العلمية السيد أبو القاسم الخوئي (رحمه هللا) في شهر صفر من‬ ‫عام ‪١٤١٣‬هـ ؛ أشاع بعض العوام بأن صورة سماحة السيد أبي القاسم الخوئي قد ظهرت في القمر!!‬ ‫وصدق ! ولكن أتباع السيد من العقالء والمشائخ وغيرهم‪ ،‬حاربوا هذه الفكرة‬ ‫وبالفعل سمع بها البعض‬ ‫ّ‬

‫محاربة شعواء‪ ،‬ورفضوها في وسطهم جمل ًة وتفصيالً‪ ،‬وسرعان ما انتهت وتالشت إلى غير رجعة‪.‬‬ ‫فتساءلت في نفسي ‪:‬‬

‫نحن أتباع المولى‪ ،‬وفي نفس الوقت‬ ‫لماذا ال تروج تلك القصص والروايات األسطورية إال في أوساطنا ُ‬ ‫حارب التفكير السليم والعلم والمعرفة!؟‬ ‫ُي َ‬

‫الدليل اآلخر‪:‬‬ ‫أذكر في سنة ‪١٤١٥‬هـ أو ‪١٤١٦‬هـ تقريباً‪ ،‬خرج أحد الشباب المنحرفين من قرية القارة باألحساء‪ ،‬وهو‬ ‫بالرد والمناقشة‪ ،‬وقد ُس ّجل ذلك الحوار‬ ‫ينكر فريضة الخمس‪ ،‬فتصدى له سماحة الشيخ حسين العايش ّ‬

‫العلمي بين الشيخ العايش وذلك الرجل في شريط كاسيت‪ ،‬وكنت مع أحد المشائخ في سيارته‪ ،‬وقد‬

‫مسجل السيارة عبر شريط الكاسيت‪ ،‬ولكن صديقي الشيخ أطفأ‬ ‫استمعت إلى جزء من الحوار الدائر في‬ ‫ّ‬

‫المسجل‪ ،‬محتجاً بأن هذا الشيخ ال يصلح لك !‬ ‫ّ‬ ‫فقد يسحرك بيانه وتغتر بعلمه وبشخصيته!‬

‫والغريب في األمر ‪ -‬وهذا أمر ملفت للنظر ‪ -‬أن مذهب اإلمامية عندما يتعرض للشبهات والطعن والتشكيك‬ ‫أي أصل من أصوله من قبل أعدائه وخصومه‪ ،‬فإننا ال نرى دفاعاً ملحوظاً من قبل مرجعنا ومشائخنا‬ ‫في ّ‬ ‫عن المذهب الحق‪ ،‬وكأن األمر ال يعنينا في شيء ال من قريب وال من بعيد !‬ ‫يربونا على أننا كاملو العقيدة وغيرنا ناقصو العقيدة !‬ ‫وقصاصينا ّ‬ ‫مع العلم بأن مشائخنا ّ‬ ‫‪22‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)3‬‬

‫والحال أننا ال نرى من يتصدى بالدفاع عن المذهب الشيعي إال ناقصو العقيدة مع األسف الشديد!!‬ ‫تعرضت الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء (عليها السالم) للتشكيك في شهادتها وأنها ماتت حتف‬ ‫فحينما ّ‬ ‫تم ْت مقتولة شهيدة كما يزعم المش ّككون!!‬ ‫أنفها ولم ُ‬

‫عجل هللا فرجه الشريف) والخمس وما شاكل ذلك ؛ فإننا‬ ‫وكذلك قضايا المذهب األخرى‪ ،‬كاإلمام الحجة ( ّ‬ ‫ال نرى من يرفع عقيرته للدفاع ويتصدى في الواجهة إال الحوزة العلمية في النجف األشرف أو قم المقدسة‪،‬‬ ‫أي دور في الساحة!!‬ ‫وال نرى لجماعتنا أي صوت أو ّ‬ ‫فمن هذه األحداث وغيرها من المواقف واألمثلة الكثيرة التي شاهدتها بعيني‪ ،‬وقد ش ّكلت بمجملها تراكمات‬

‫شجع على العلم‬ ‫مهمة على مدى سنوات في نفسي‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫أدركت من خاللها أن المجتمع الذي أنتمي إليه ال ُي ّ‬

‫شجع على نشر الخرافة والجهل‪ ،‬وهذا ما نراه واضحاً من خالل نشر المنامات واألحالم‬ ‫والمعرفة‪ ،‬بل ُي ّ‬ ‫المزيفة التي في حقيقتها قد تكون نظرية علمية وليست كرامة‪ ،‬وإنما هم يجهلون‬ ‫الشخصية والكرامات‬ ‫ّ‬ ‫حقيقتها‪.‬‬

‫واألمر الملفت للنظر أن المشهود لهم بعمق الفكر والعلم ال يستطيعون العيش في ذلك المجتمع ؛ ألنهم‬ ‫يرون أنفسهم غرباء وبالتالي يف ّكرون بالهروب إلى مجتمع آخر‪ ،‬أو يحاولون العيش في ذلك المجتمع‬

‫ويتكيفون فيه‪ ،‬مع التحفظ بالخصوصيات واستعمال التمثيل‪ ،‬أو التظاهر ألتباعهم بأنهم منساقون معهم‬ ‫ّ‬ ‫إما خوفاً على مصالحهم‬ ‫ولديهم قناعة بما يجري ؛ بمعنى أنهم يستخدمون ّ‬ ‫التقية في أوساط جماعتهم‪ّ ،‬‬

‫الذاتية أو خوفاً من النبذ والطرد واتهامهم بمختلف االتهامات أو إهانتهم‪.‬‬

‫يدخل في الحوزة العلمية لتطوير نفسه‪،‬‬ ‫يسجل فرحه ونجاحه وفخره بأنه لم‬ ‫والبعض اآلخر من المشائخ ّ‬ ‫ْ‬ ‫هللا تعالى أن يميته عليه كما يزعم ذلك مفتخ ارً بهذا‬ ‫وإنما يكفيه فخ اًر أنه يملك الحب للمولى فقط‪ ،‬ويسأل َ‬

‫على منبر الجمعة‪ ،‬مع األسف الشديد‪.‬‬

‫ذلك المنبر المقدس الذي يجتمع المؤمنون حوله في أشرف مكان‪ ،‬وفي أكرم يوم ؛ ليستمعوا إلى كالمٍ‬ ‫أجر وثواب‪ ،‬وتوجيه نحو الخير وابتعاد عن الشر‪ ،‬بدل أن ال يكون كل ذلك‬ ‫فيه هلل تعالى رضاً ولهم ٌ‬ ‫‪23‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)3‬‬

‫ليرووا قصصاً وأحالماً شخصية‬ ‫ُ‬ ‫القصاصين ُ‬ ‫ويستثمر هذا الجمع الغفير من المؤمنين‪ ،‬يقوم بعض المشائخ ّ‬

‫بأية صلة ! فيخرج المؤمن من المسجد في يوم الجمعة‬ ‫بعيدة عن مذاق الشريعة وال ّ‬ ‫تمت إلى واقعنا ّ‬ ‫وحنق على إخوانه المؤمنين!‬ ‫غل‬ ‫ٍ‬ ‫أي فائدة‪ .‬أو قد ُي َ‬ ‫شحن عقله وصدره ِب ٍّ‬ ‫وحصيلته فارغة من ّ‬ ‫فلماذا كل هذا !؟‬ ‫القصاصين يريدون مجتمعاً جاهالً ال متعلماً !! وحينما يكتسب المجتمع وعياً وفهماً‬ ‫ألن الكثير من أولئك ّ‬ ‫ويفيق من سبات الجهل‪ ،‬عند ذلك يصبح خصماً ألطروحاتهم‪.‬‬ ‫وللحديث بقية إن شاء هللا تعالى‬

‫‪24‬‬


‫مذكراتي‬ ‫الجزء (‪)4‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)4‬‬

‫الجزء الرابع‬ ‫بعد وفاة مرجعنا الراحل المولى مير از حسن الحائري (رحمه هللا) في شهر رمضان من سنة ‪١٤٢١‬هـ‪،‬‬ ‫فرض علينا مشائ ُخنا ومجتمعنا الذي ننتمي إليه مرجعية ابنه المولى مير از عبدالرسول (رحمه هللا) فرضاً‬

‫ال خيار آخر غيره‪.‬‬

‫علي بقوله‪:‬‬ ‫أقول ‪( :‬فرضاً) وأنا أعني ما أقول‪ ،‬حتى ال يأتي أحد ويعترض َّ‬ ‫وتزور الحقائق‪ ،‬إنما ُوضعت خيارات أخرى لمن يريد أن يرجع إلى فقيه آخر‪،‬‬ ‫أنت تكذب على الناس ّ‬ ‫حر فيمن يختار من الفقهاء‪ .‬على أن ال يتجاوز الضوابط الشرعية في اختيار المرجع‪.‬‬ ‫فالمكلف ٌّ‬ ‫سأبين باألدلة التالية‪:‬‬ ‫وهذا الكالم غير صحيح وغير دقيق‪ ،‬كما ّ‬ ‫الدليل األول وصية المولى مير از حسن رحمه هللا‪:‬‬ ‫في تاريخ ‪ ٢3‬من شهر صفر من سنة ‪١٤٢١‬هـ‪ ،‬كتب المولى مير از حسن (رحمه هللا) وكالته المطلقة‬ ‫لولده المولى مير از عبدالرسول (رحمه هللا) والتي ُس ّميت فيما بعد بــ (وصية المولى مير از حسن في حق‬ ‫نجله مير از عبدالرسول) أي قبل وفاة المولى مير از حسن بسبعة أشهر تقريباً‪.‬‬ ‫وهذا هو نصها بالكامل كما وردت‪:‬‬ ‫بسم هللا الرحمن الرحيم‬ ‫الحمد هلل الواحد األحد‪ ،‬الفرد الصمد‪ ،‬الحي القيوم‪ ،‬الذي ال تأخذه ِسن ٌة وال نوم‪ ،‬فهو ليس كمثله شيء‬ ‫ّ‬ ‫وسر أمره‪،‬‬ ‫وهو السميع البصير‪ ،‬وأصلي وأسلم على أشرف خلقه‪ ،‬ومح ّ‬ ‫ط لطفه‪ ،‬ومعدن علمه وحلمه‪ّ ،‬‬

‫بريته‪ ،‬ومجري فيضه‪ ،‬الذي أقامه مقامه‪ ،‬في سائر عالمه‪ ،‬إذ كان ال تدركه‬ ‫ومحل مشيئته‪ ،‬وعضد ّ‬ ‫ّ‬ ‫وصفيه‪ ،‬وحبيبه ونجيبه‪،‬‬ ‫األبصار‪ ،‬وال تحويه خواطر األفكار‪ ،‬وال تمّثله غوامض الظنون واأل نظار‪ ،‬رسوله‬ ‫ّ‬ ‫وصفية صفوته من خلقه محمد صلى هللا عليه وآله أجمعين‪ ،‬وأصلي وأسلم على أهل بيته الذين حّلهم‬ ‫ّ‬ ‫محّله‪ ،‬وأورثهم علمه‪ ،‬وجعلهم معادن لحكمته وأمره‪ ،‬وعالّهم بتعليته‪ ،‬بأمر من خالقه ورازقه ومحييه‬

‫ومميته‪ ،‬واللعن الدائم على أعدائهم‪ ،‬وغاصبيهم حقهم من اآلن إلى قيام يوم الدين‪ ،‬أبد اآلبدين‪ ،‬ودهر‬

‫الداهرين‪ ،‬آمين رب العالمين‪.‬‬

‫‪26‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)4‬‬

‫وبعــــــــد‬ ‫نقياً‪ ،‬نجيباً شريفاً ‪،‬‬ ‫أنه مما أنعم هللا به َّ‬ ‫تقياً ّ‬ ‫علي من النعم الظاهرة والباطنة‪ ،‬أن رزقني هللا ولداً با اًر‪ّ ،‬‬ ‫عالماً عامالً‪ ،‬فقيهاً مجتهداً‪ ،‬حوى المعقول والمنقول‪ ،‬من الرواية والدراية‪ ،‬من علمائنا األعالم‪،‬‬

‫الرشاد‪ ،‬محمد وآله‬ ‫وسر المعبود‪ ،‬وغاية المراد‪ ،‬وسبل ّ‬ ‫والمجتهدين العظام‪ ،‬من عين أقطاب الوجود‪ّ ،‬‬ ‫شمس‪ ،‬أو نجم غاب عليهم أفضل الصالة والسالم‪ ،‬ولدي العزيز المجاهد في سبيل‬ ‫األطياب ما طلعت‬ ‫ٌ‬

‫الوالية‪ ،‬روحي فداه آية هللا المير از عبدالرسول حفظه هللا وأبقاه‪ ،‬وجعله ذخ اًر للدين والمؤمنين‪ ،‬تحت رعاية‬ ‫عجل هللا فرجه‪.‬‬ ‫وحماية موالنا اإلمام الحجة بن الحسن ّ‬

‫وعينته‪ ،‬ووّكلته وكال ًة عامة على جميع ما يصدر‬ ‫فولدي الحبيب جناب المير از عبدالرسول قد جعلته‪ّ ،‬‬

‫ورد الحقوق إلى أهلها‪،‬‬ ‫مّني‪ ،‬من األمور الحسبّية‪ ،‬كالحقوق الشرعية وغيرها‪ ،‬من األوقاف واألمانات ّ‬ ‫الدمام‪ ،‬والكويت‪،‬‬ ‫وعلى إدارة أموري كلها الداخلية والخارجية‪ ،‬من إدارة وكالئي كلهم في األحساء‪ ،‬و ّ‬

‫وسوريا‪ ،‬وإي ارن‪ ،‬وباكستان‪ ،‬وغيرها من البلدان‪ ،‬وإدارة الهيئة‪ ،‬هيئة ولجنة جامع اإلمام الصادق عليه‬ ‫السالم بالكويت‪ ،‬وإدارة الحسينيات والمساجد‪ ،‬والمدارس‪ ،‬والمستشفيات‪ ،‬والمراكز اإلسالمية في بقاع‬ ‫العالم أجمع‪.‬‬ ‫فكل ما خرج من قلمه‬ ‫فهو يفعل كما أفعل بال فرق بيني وبينه‪ ،‬فهو بعضي بل كّلي‪ ،‬في حياتي ومماتي‪ّ ،‬‬ ‫الشريف‪ ،‬أو لسانه اللطيف‪ ،‬أو عمله المنيف‪ ،‬فهو عّني‪ ،‬وعن طريقي‪ ،‬وبأمري‪ ،‬فرأيه رأي‪ ،‬ورأي رأيه‪،‬‬ ‫وقوله قولي‪ ،‬وقولي قوله‪ ،‬وفعله فعلي‪ ،‬وفعلي فعله‪ ،‬بال فرق وال اختالف‪ ،‬إال عن األمور الخاصة له‪،‬‬

‫يبينها‪.‬‬ ‫يبينها أنه غيري فيها‪ ،‬الراجعة له كما ّ‬ ‫التي ّ‬ ‫كالرّاد‬ ‫فهو وكيلي عام مطلق‪ ،‬على جميع ما خرج مّني وإ‬ ‫فالرّاد عليه ّ‬ ‫لي‪ ،‬فكلمته كلمتي‪ ،‬وعمله عملي‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫علي‪ ،‬والمخالف له مخالف لي‪ ،‬ألنه مّني وأنا منه‪ ،‬فهو ولدي األرشد‪ ،‬وتلميذي األمثل‪ ،‬وعلمي الخاص‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وعيني الناظرة‪ ،‬وأذني السامعة‪ ،‬ويدي الباطشة‪ ،‬التي أصل إلى اآلخرين عنها‪.‬‬ ‫حبي‪ ،‬أو رجع إلي‪ ،‬فليرجع‬ ‫فكل من ّادعى ّ‬ ‫ألنه ثمرة عملي‪ّ ،‬‬ ‫وبقية ذكري‪ ،‬وصالح فعلي‪ ،‬ونبتة غصني‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫إليه كما يرجع إلي‪ ،‬في جميع ما يرجع إلي‪ ،‬ألنه ال يتكّلم إال عّني‪ ،‬وال يكتب إال بأمري‪ ،‬فهو لساني‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫المعبر‪ ،‬وقلمي المفتي‪ ،‬ويدي األمينة‪ ،‬وعيني الساهرة‪.‬‬ ‫ّ‬

‫‪27‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)4‬‬

‫أحبني من أبغضه‪ ،‬وما رجع إلي من رفض فتواه‪ ،‬ألنه ال يفتي إال عّني‪ ،‬وفي الختام أسأله أن ال‬ ‫فما ّ‬ ‫ّ‬ ‫الس َحر‪ ،‬كما أني ال أنساه‪.‬‬ ‫ينساني في مظان الدعاء‪ ،‬وبالخصوص في ّ‬ ‫والسالم عليكم ورحمة هللا وبركاته‪،،،،‬‬

‫الداعي مير از حسن الحائري األحقاقي‬ ‫ّ‬ ‫مير از حسن السليمي‬ ‫‪٢3‬من شهر صفر المظ ّفر ‪١٤٢١‬هـ‬ ‫______________________________‬

‫منضدة ومكتوبة بواسطة جهاز‬ ‫طبعاً هذه‬ ‫الوصية المتداولة بين المؤمنين ليست مخطوطة بالقلم ؛ وإنما ّ‬ ‫ّ‬ ‫ذيلها المولى بكتابة اسمه الشريف وتاريخ صدورها‪.‬‬ ‫الحاسوب (الكمبيوتر) ثم ّ‬ ‫ولذا يوجد فيها الكثير من األخطاء اإلمالئية وربما بعض األخطاء النحوية واللغوية‪ ،‬ولكنني غضضت‬ ‫الطرف عن تلك األخطاء‪ ،‬وكتبتها كما وجدتها في الورقة المنشورة‪ .‬وربما أشير إلى تلك األخطاء الموجودة‬ ‫فيها بعد تصويرها إن شاء هللا‪.‬‬ ‫ومضافاً إلى ذلك إجازة المولى باالجتهاد في حق ابنه المير از عبدالرسول‪ ،‬وهي قبل هذه الوكالة المطلقة‬

‫بسنوات‪.‬‬

‫الحقا‪.‬‬ ‫ً‬ ‫وسأعلق عليهما معاً إن شاء هللا‬ ‫الدليل الثاني القول ببطالن أعمال المكّلف فور عدوله عن المرجع‪:‬‬ ‫من يقوم بتغيير تقليده إلى مرجع آخر ؛ فإنه أوالً يحكم على نفسه ببطالن أعماله كلها‪ ،‬منذ تكليفه وحتى‬

‫أي موقع كان يشغله عند جماعتنا مقلدي المولى‪ ،‬سواء كان‬ ‫عدوله عن مرجعه‪ .‬وثانياً ُينبذ ُ‬ ‫ويطرد من ّ‬ ‫بر‪.‬‬ ‫إمام مسج ٍد أو خطيباً حسينياً‪ ،‬أو ما شابه ذلك‪ ،‬من حلقات درس أو جمعية ّ‬ ‫َ‬

‫‪28‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)4‬‬

‫م‪-‬ع العلم بأن المولى لم ِ‬ ‫يشر في رسالته العملية من ّأولها إلى آخرها إلى بطالن أعمال المكلف إطالقاً‪.‬‬

‫غاية ما في األمر أنه ال يجيز العدول عن مجتهد إلى آخر إالّ إذا لم يعمل بمسائله فيجوز حينئذ‪( .‬مسألة‬ ‫‪.)13‬‬

‫لكن ال يعني أن كل أعماله السابقة تصبح باطلة أو غير صحيحة‪ .‬ربما ارتكب إثماً بعدوله عن مرجعه‪،‬‬

‫ولكن ال تكون أعماله السابقة باطلة‪ ،‬هذا أو ًال‪.‬‬

‫وثانياً إن جماعتنا يعتبرون عدم تقليد المولى مير از عبدالرسول (رحمه هللا) عدوالً‪ ،‬مع العلم أن المكّلف‬ ‫لم يقّل ْده من األصل ؛ ولكن لكون المولى مير از حسن ونجله ُيعتبران كياناً واحداً ال انفصام لهما‪ .‬إذن من‬

‫لم يقّلد المولى مير از عبدالرسول فيعتبر عادالً عن المولى‪ ،‬وأكثر من هذا فإنه ال يثق بمرجعه السابق‬ ‫وكأنه يخدش في شهادته ويك ّذبه في حق نجله المرجع المير از عبدالرسول!!‬

‫فكل العلماء على هدى‬ ‫وإن قال جماعتنا على المستوى النظري بأن من يقّلد مرجعاً آخر ال بأس عليه‪ّ ،‬‬ ‫وبأيهم اقتديتم اهتديتم‪ ،‬وهّلم ج اًر من هذه الكلمات المعسولة‪.‬‬ ‫ونور‪ّ ،‬‬ ‫ولكن على المستوى العملي والسلوكي فلينتظر التعامل المناسب الذي سيأتيه!!‬ ‫اخترت بعد‬ ‫ولذلك أذكر أن إحدى قريباتي من جهة سيدي الوالد‪ ،‬قالت لي عندما َس ِم َع ْت عّني بأني قد‬ ‫ُ‬ ‫وفاة المولى مير از حسن مرجعاً آخر‪ ،‬قالت في وجهي هذه العبارة بالّنص دون زيادة أو نقيصة وأمام‬

‫والدي‪:‬‬

‫يقبلون راسك وأياديك" !! ‪.‬‬ ‫"‬ ‫َ‬ ‫خسرت الدنيا واآلخرة‪ ...‬چان هلحين ّ‬ ‫فقلت لها ‪ :‬إذا كان الهدف من وراء هذا اللباس والزي الديني‪ ،‬من أجل الكذب على الناس بأني أرجع‬ ‫للمولى وأنا ال أرجع في الواقع ؛ لكي أحضى بهذا التبجيل والتقدير الذي ذكرتيه ؛ فال خير في هذه‬ ‫(المشيخة) إذن ؛ ألني ال أريد أن أصرف وجوه الناس إلي عبر هذه المظاهر ؛ ألن طلب العلم ليس لهذه‬ ‫ّ‬ ‫الدوافع الشخصية‪.‬‬ ‫التقيت مع أحد الخطباء الذين أحترمهم‪ ،‬فدار حوار بيننا عن األحداث األخيرة‬ ‫والغريب في األمر بأني‬ ‫ُ‬ ‫التي تجري في وسطنا آنذاك‪ ،‬فقال لي في نهاية اللقاء‪:‬‬

‫‪29‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)4‬‬

‫ولما‬ ‫أنت معروف بمقاصدك وأغراضك هذه‪ ،‬إنما تريد أن تصل إلى المحراب (تريد الحصول على مسجد) ّ‬ ‫قمت بنشر الكذب والبهتان على مرجعنا وجماعتنا!!‬ ‫خابت مساعيك‪َ ،‬‬ ‫قلت له مبتسما ‪ً :‬‬ ‫ألن أَ ْق َصَر الطرق‬ ‫لو أني أسعى إلى الغرض الذي ذكرت ؛ الختصرت الطريق على نفسي منذ فترة ؛ ّ‬ ‫للحصول على ما ذكرت هو كالتالي ‪:‬‬ ‫▪أستعمل األسلوب العاطفي إلبكاء الناس‪ ،‬وذلك بالحديث عن مظلومية مراجعنا ومشائخنا وجماعتنا‪.‬‬ ‫سمعت منه من أحاديث‬ ‫▪أغتنم فرصة قربي من المولى مير از عبدالرسول‪ ،‬وأذكر مواقفي معه‪ ،‬وما‬ ‫ُ‬ ‫وقصص‪ ،‬فإن ذاكرتي تختزن الكثير من ذلك‪ ،‬سواء ما كان منها في الحج في عامين على التوالي‬ ‫مقرب منه ويعرفني‬ ‫‪١٤١٦‬هـ ‪١٤١7 -‬هـ‪ ،‬وخصوصاً العام األخير‪ ،‬أو في سوريا أو في الكويت‪ ،‬فأنا ّ‬ ‫تماماً‪ ،‬بينما ال يعرف الكثير من المشائخ الراجعين له‪.‬‬ ‫▪أختلق الفضائل والمناقب وأسردها على المنبر‪.‬‬ ‫وهكذا أستعمل أساليب من هذا القبيل ؛ للوصول إلى مآربي الخاصة كما ذكرت‪.‬‬ ‫ولكن كل هذه األساليب الملتوية ليس لها قيمة عندي ؛ ألنه يمكن أن أكذب على الناس‪ ،‬وتسير األمور‬ ‫كما يحبه هواي ويرضاه الناس‪ ،‬ولكن هناك إثنان ال يمكن أن أكذب عليهما ‪ :‬هللا تعالى ونفسي‪.‬‬ ‫الدليل الثالث إصرار مشائخنا على تقليد المولى مير از عبدالرسول‪:‬‬ ‫وبينوا عبر االجتماعات والخطب في المساجد والحسينيات ؛ بأنه ال يوجد بديل آخر يحمي هذه‬ ‫حيث قالوا ّ‬

‫المدرسة ومكتسباتها وعطائها العلمي والمعرفي من االنقراض واالندراس ؛ سوى المولى المير از‬

‫عبدالرسول‪ ،‬فهو البقية الباقية لهذا الفكر العقائدي السليم‪ ،‬والمنبع الصافي من كل الشوائب‪ ،‬القادر على‬ ‫قيادة هذه السفينة والسير بها إلى ّبر األمان‪.‬‬ ‫السري الذي أشرت إليه في مذ ّكرة سابقة‪،‬‬ ‫وأذكر من ضمن من شارك بكلمة توجيهية‪ ،‬في ذلك االجتماع ّ‬ ‫والذي ُعقد في مكتبة اإلمام الصادق (عليه السالم) بالكويت‪ ،‬وقد حضرته بنفسي‪ ،‬شارك فيه بعد كلمة‬

‫الشيخ توفيق البوعلي الخطيب الشيخ حسين الفهيد بكلمة مختصرة‪َّ ،‬‬ ‫حث فيها على تقليد المولى مير از‬

‫‪30‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)4‬‬

‫هام‪ ،‬وقد ذكره في اليوم السابع من مجلس العزاء للمولى‬ ‫عبدالرسول وااللتفاف حوله‪ ،‬وأشار إلى ٍ‬ ‫أمر ٍ‬

‫(رحمه هللا) قائال‪ً :‬‬

‫أنوه لنقطة هامة ‪:‬‬ ‫أريد أن ّ‬ ‫عندما تريد أن تقّلد مرجعاً ؛ فإنك تسأل ‪ :‬من أقّلد؟‬ ‫فيقال لك ‪ :‬اسأل أهل الخبرة‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫ثم‬ ‫فعندنا في األحساء لما توفي السيد أبو القاسم الخوئي (رحمه هللا) جاء الناس يسألون أهل الخبرة‪ّ ،‬‬ ‫وجدنا أئمة مساجد أخرجوا بياناً موّقعاً‪ ،‬حيث دعوا فيه إلى تقليد السيد الگلبيگاني (رحمه هللا) آنذاك‪.‬‬ ‫ونحن نسّلم‬ ‫مرجع تقليدهم‪،‬‬ ‫فإذا كان أئمة المساجد بوسعهم أن يكونوا من أهل الخبرة ويش ّخصوا للناس‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫نحن خبيرنا الذي أمرنا بتقليد المولى مير از عبدالرسول هو مرجعنا السابق مير از حسن‬ ‫لهم ذلك‪ ،‬ولكن ُ‬

‫(قدس سره) فهل أولئك أخبر من مرجعنا الراحل !؟‬

‫نصدقه ونقّلده في أحكام الصالة والصيام وسائر‬ ‫فمهما كانت خبرتهم ولكن ليست كخبرة مرجعنا‪،‬‬ ‫ونحن ّ‬ ‫ُ‬

‫األحكام الشرعية‪ ،‬فلماذا نتوقف في هذه المسألة!؟‬

‫أقروا بالصالة والصيام وجميع التكاليف إال والية أمير المؤمنين (عليه السالم)‬ ‫مثل الذين ّ‬ ‫يعني ال نصير َ‬ ‫ثم قالوا لرسول هللا (صلى هللا عليه وآله)‪:‬‬ ‫أمرت‬ ‫قد جئتنا بالصالة فصّلينا وبالصيام فصمنا وبالحج فحججنا و‪ ...‬إلخ أما كفتك هذه األوامر ح ّتى ّ‬

‫عمك علي بن أبي طالب (عليه السالم) ليكون حج ًة وخليف ًة علينا ؟! إلخ‬ ‫علينا ابن ّ‬ ‫طبعاً للمعلومية فقط‪:‬‬ ‫أريد أن أقول للشيخ حسين الفهيد‪:‬‬

‫ياسيدي العزيز‪ ..‬إن الذين عنيتهم في كلمتك تلك‪ ،‬ليسوا بأئمة مساجد فحسب‪ ،‬كما تقول‪ ،‬وإنما الحوزات‬ ‫تخرجوا منها‪،‬‬ ‫العلمية في النجف األشرف وكربالء وقم المقدستان تعتبرهم فضالء كبار‪ ،‬وأساتذة فيها‪ ،‬وقد ّ‬

‫ومنهم من يقال له (آية هللا) بمعنى أنه وصل إلى درجة االجتهاد والفقاهة‪ ،‬كالسيد طاهر السلمان (قدس‬

‫‪31‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)4‬‬

‫هللا روحه) والسيد محمد علي العلي (حفظه هللا) وكالشيخ محمد الهاجري والشيخ حسين الخليفة (رحمهما‬ ‫هللا) وغيرهم من المشائخ والفضالء‪.‬‬ ‫عودة‪:‬‬ ‫ثم ذكر الشيخ حسين الفهيد في كلمته تلك‪ ،‬بعض العيوب واألم ارض الفكرية التي تكتنف المدارس‬ ‫الفلسفية األخرى المختلفة مع مدرسة الشيخ األوحد األحسائي (رحمه هللا) التي ننتمي إليها‪ ،‬وهذه‬ ‫المدارس تشرب وتستقي فكرها من فلسفة اليونان وغيرها‪ ،‬وهي بعيدة عن تراث أهل بيت العصمة (عليهم‬ ‫كل المراجع والفقهاء الموجودين في الساحة حالياً‪ ،‬مما يعني أنهم ال يصلحون‬ ‫السالم) والتي ينتمي إليها ُّ‬

‫للتقليد!‬

‫وطرح عدة تساؤالت قائال‪ً :‬‬ ‫شخص يرى شريكاً للباري عز وجل!؟‬ ‫▪ هل تقبل على نفسك أن ترجع إلى‬ ‫ٍ‬ ‫▪هل نقّلد شخصاً يقول أن هللا تعالى َعَل ٌم على الذات المقدسة!؟‬ ‫يقر بوحدة الوجود!؟‬ ‫▪هل نرجع في التقليد إلى من ّ‬ ‫▪هل نرجع في التقليد إلى من يرى نجاسة مدفوعات المعصومين (عليهم السالم) بما فيها نجاسة‬ ‫دمائهم!؟‬ ‫تصور الذات إجماالً ؟! أو أن هللا تعالى علة العلل!؟‬ ‫▪هل نرجع في التقليد إلى‬ ‫ٍ‬ ‫شخص يرى جواز ّ‬ ‫ولذلك ليس من فراغ نطلق على هؤالء بأنهم ناقصو العقيدة ؛ ألنهم يؤمنون بهذه األباطيل‪ ،‬وعقيدتهم‬ ‫بها شوائب‪.‬‬ ‫نرددها‬ ‫وهلم ّاً‬ ‫جر من هذه األسئلة والقضايا الشائعة‪ ،‬والتي كثي اًر ما كّنا نسمعها في وسطنا الديني‪ ،‬وكّنا ّ‬ ‫ّ‬ ‫بيننا وال نفهم معظمها‪ ،‬إال بعد دخولنا الحوزة‪ ،‬ودراستنا لبعض كتب الفلسفة والكالم ؛ ألنها كانت‬ ‫ونحن لم نفهمها آنذاك‪.‬‬ ‫مصطلحات فلسفية‪،‬‬ ‫ُ‬

‫‪32‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)4‬‬

‫تأسف وحيرة‪:‬‬ ‫نحن‬ ‫فتأسفت كثي اًر على حالنا‪ ،‬إذ كيف ُتنشر تلك المصطلحات العلمية في حقل الفلسفة والكالم بيننا ُ‬

‫العوام‪ ،‬وال ندرك معناها‪ ،‬والتي مكانها في أروقة الحوزات العلمية وليست مبتذلة في ساحة العوام!؟‬

‫المقدمات لبسطها وشرحها‪ ،‬فكيف ُتنشر في سوق الخضار‬ ‫فهي عبارات ومصطلحات تفتقر إلى كثير من‬ ‫ّ‬

‫العاديين في المدارس‪ ،‬مع كامل االحترام والتقدير لكل‬ ‫المدرسين‬ ‫الخبازين‪ ،‬و‬ ‫النجارين و ّ‬ ‫وبين ّ‬ ‫ّ‬ ‫الحدادين و ّ‬ ‫ّ‬ ‫هذه المهن وأصحابها!؟‬

‫المتخصص بهذه المصطلحات العلمية‬ ‫العامي غير‬ ‫فباهلل عليك أخي الكريم‪ ...‬فما أدرى هذا الشخص‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫التالية‪:‬‬ ‫(شريك الباري‪ ،‬هللا عَلم على الذات‪ ،‬هللا ِعّلة ِ‬ ‫العَلل‪ ،‬تصور الذات إجماال ً)‪.‬‬ ‫َ ٌ‬ ‫وهلم ج اًر من هذه المصطلحات المعّقدة!؟‬ ‫ّ‬ ‫وح ّتى كتب الشيخ األوحد أحمد بن زين الدين األحسائي والسيد كاظم الرشتي والمير از حسن گوهر والمير از‬

‫محمد باقر الحائري األسكوئي والشيخ محمد أبوخمسين (رحمهم هللا جميعاً) التي يقتنيها الكثير من شبابنا‬

‫التبرك‬ ‫ومثقفينا وحتى بعض مشائخنا‪ ،‬إنما يقومون باقتنائها واالحتفاظ بها في مكتبة المنزل ؛ من أجل ّ‬

‫ذكرت ال يعرف قراءتها أصالً‪ ،‬فضالً عن فهم مطالبها ؛ ألنها أوالً بحاجة‬ ‫بها ليس أكثر‪ ،‬وإال فالكثير ممن ُ‬

‫ويحررها من سجن الكتابة الحجرية‪ ،‬إذ ال يزال معظمها مخطوطاً آنذاك‪.‬‬ ‫إلى من يخّلصها ّ‬

‫وتضج بالمصطلحات الفلسفية والكالمية المعّقدة‬ ‫وثانياً إذا قرأها ال يفهم معناها ؛ ألنها أبحاث عالية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫مقدمات‪ ،‬وهي فوق مستوى عامة الناس‪.‬‬ ‫التي تحتاج إلى ّ‬ ‫ولذا نرى الكثير ممن يقتني تلك الكتب المخطوطة من أجل التباهي بها ليس إال‪.‬‬ ‫فنحن نحمل اسم الشيخ ونجهل كنهه‪ ،‬ونأخذه بالوراثة أكثر مما نأخذه بالمعرفة‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫كنت أقول لبعض األخوة ‪:‬‬ ‫ولذلك ُ‬ ‫ونحن شيء آخر‪.‬‬ ‫إن الشيخ األوحد (قدس سره) شيء‬ ‫ُ‬

‫‪33‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)4‬‬

‫تنم عن عدم اتباعنا لفكر الشيخ األحسائي (رحمه‬ ‫بمعنى أننا نقوم ببعض الممارسات و‬ ‫ّ‬ ‫السلوكيات التي ّ‬ ‫يدعي‬ ‫هللا) ألننا نعتقد بأن الفكر جزء من الممارسة‪ ،‬وأن المفكر ينبغي له أالّ ينفصل عن المنهج الذي ّ‬ ‫أصرح بها إال لمن أثق‬ ‫أنه تابع أو منتسب له أو عن سياقه‪ .‬ولكنها أفكار وخواطر تختلج في النفس وال ّ‬ ‫المّدعى في محله‪.‬‬ ‫به‪ .‬وسوف أشير إلى هذا ُ‬ ‫الركام الذي ورثناه عن أسالفنا وأخذناه من محيطنا‪ ،‬وهو أننا‬ ‫فبقيت حائ اًر جداً لعدة أشهر ؛ بسبب ذلك ُّ‬ ‫ُ‬ ‫وحدنا من نملك التوحيد الخالص والعقيدة الصافية الكاملة‪ ،‬دون غيرنا من أبناء الطائفة المحّقة‪.‬‬ ‫وهناك اعتقاد سائد عند كثير مّنا‪ ،‬بأن أصغر فرٍد من جماعتنا أكمل عقيد ًة من السيد الخوئي (رحمه هللا)‬

‫!!‬

‫وهذا األمر ال ِ‬ ‫كنت أسمعه منذ الصغر‪ ،‬سواء من كبار السن الذين أجالسهم‪ ،‬أو‬ ‫أفتريه على جماعتنا‪ ،‬بل ُ‬ ‫خاصة في الجنة ؛ لقربنا من أهل البيت‬ ‫حتى من كبار مشائخنا‪ ،‬بل إن بعضهم يرى بأن لنا مقامات ّ‬

‫تدل على ذلك في مذكرة الحقة إن شاء هللا‬ ‫(عليهم السالم) أكثر من غيرنا‪ .‬وسأسرد بعض المواقف التي ّ‬ ‫تعالى‪.‬‬

‫فأصبحت أدور في حلقة مفرغة‪ ،‬ال أدري ماذا أصنع؟‬ ‫صرت ما بين جاذب ودافع‪ .‬بين‬ ‫وصرت أشبه بالشيء المعّلق في الهواء‪ ،‬ال إلى هؤالء وال إلى هؤالء‪ ،‬إذ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬

‫جه ٍة تجذب بعقائدها وتدفع بفقهها‪ ،‬وجه ٍة تجذب بفقهها وتدفع بعقائدها‪.‬‬

‫كل العلماء والفقهاء عقائدهم ناقصة‪ ،‬وأنا عقيدتي الكاملة ؛ ألني تابع‬ ‫ألن بيئتي ّ‬ ‫ربتني وعّلمتني بأن ّ‬ ‫ومشايع للشيخ األوحد (أعلى هللا مقامه) الذي يقول‪:‬‬ ‫أثبت في كتبي فهو عنهم‪ ،‬وهم عليهم السالم معصومون‬ ‫‪"....‬لم يتطرق على كلماتي الخطأ ؛ ألني ما ُّ‬ ‫عن الخطأ‪ ،‬والغفلة والزلل‪ ،‬ومن أخذ عنهم ال يخطئ‪ ،‬من حيث هو تابع‪.. ".‬‬ ‫المصدر‪/‬شرح الفوائد للشيخ‪.‬‬ ‫البد لي أن أضع معيا اًر وضابطاً لنفسي ؛ حتى أتخّلص من هذه العقد الموروثة ؛ ألنه‬ ‫فقلت في نفسي ّ‬

‫لست‬ ‫ليس من المعقول وال من المنطق وال من الشرع أن أبقى هكذا معّلقاً في الهواء بال مرجع تقليد‪ ،‬وأنا ُ‬

‫‪34‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)4‬‬

‫يتعين لي أن أقّلد مجتهداً‪ ،‬والمولى المير از حسن (رحمه‬ ‫مجتهداً وال طاقة لي أن أعمل باالحتياط‪ ،‬فإذن ّ‬ ‫هللا) يقول في المسألة رقم ‪ ٢‬من الرسالة العملية ما نصه بالحرف الواحد ‪:‬‬ ‫"الذي يعمل من غير اجتهاد وال تقليد‪ ،‬وال يعرف طريق االحتياط عمله باطل" ‪.‬‬ ‫وتوسلت بالسيدة زينب (عليها السالم) وأنا بجوارها آنذاك‪.‬‬ ‫فاستعنت باهلل تعالى‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الرقيات‪ ،‬والتي ساهمت في كشف الكثير من الحقائق ورفع الكثير‬ ‫وفي تلك الفترة حدثت حادثة مسجد ّ‬ ‫من اللبس‪ ،‬وكانت بمثابة الحدث الفاصل والمنعطف الخطير بالنسبة لي‪ ،‬وسوف أشير إليها الحقاً في‬ ‫مذكرة مستقلة‪ ،‬إن شاء هللا تعالى‪.‬‬

‫وقد أُثيرت عالمات االستفهام الكبرى في ذهني‪ ،‬ومنها‪:‬‬ ‫لماذا ال ألتزم بأوامر مرجعي السابق؟؟‬ ‫ووصيته في حقه ؟ أين موقعها من اإلعراب بالنسبة‬ ‫أين شهادته وإجازته البنه المولى مير از عبدالرسول‬ ‫ّ‬ ‫لي!؟‬ ‫وهللا تعالى يقول‪:‬‬ ‫( َفم ْن بَّدَل ُه بع َدما س ِمع ُه َفِإَّنما ِإ ْثم ُه عَلى َّال ِذين يبِّدُلوَن ُه ۚ ِإ َّن َّ ِ‬ ‫يم)‪.‬‬ ‫يع َعلِ ٌ‬ ‫َّللا َسم ٌ‬ ‫َ ُ َ‬ ‫َ َُ‬ ‫َ َ َْ َ َ َ‬ ‫َ‬ ‫سورة البقرة‪181‬‬ ‫وهنا بدأت الوساوس ُتثار في ذهني‪ ،‬ومنها ‪:‬‬ ‫منضدة ومكتوبة بواسطة جهاز الحاسوب‬ ‫ما الذي يثبت لك بأن هذه الوصية للمير از حسن ؟! خاص ًة وأنها ّ‬

‫وليس بخط يده!؟‬

‫وكذلك اإلجازة التي يقول عنها المولى مير از عبدالرسول (رحمه هللا) أنها إجازة اجتهاد ودراية‪ ،‬بل هي‬ ‫إجازة رواية‪ ،‬فلماذا تعتمد عليها؟‬ ‫فقلت لكل تلك اإلشكاالت التي ُترسم في ذهني‪:‬‬ ‫الضير أن ُتكتب الوصية بجهاز الحاسوب واآللة الكاتبة؟‬ ‫وما ّ‬

‫‪35‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)4‬‬

‫المهم أن المولى قام بمعاينتها والتوقيع عليها بنفسه‪.‬‬ ‫ذيل المولى‬ ‫وثانياً إن تلك اإلجازة صحيح هي إجازة رواية‪ ،‬ولكن ال عليك ؛ فإنه يوجد نسخة أخرى قد ّ‬ ‫فيها مالحظته التالية فيها بقوله‪:‬‬ ‫"وال يخفى أن ولدي العزيز مير از عبدالرسول حفظه هللا وأبقاه قد نال درجة االجتهاد والدراية ويقتدر على‬ ‫استنباط األحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية مثل كل مجتهد جامع للشرائط والحمد هلل الذي جعله سنداً‬ ‫وذخ اًر وفخ اًر لعائلتنا وطائفتنا ولشيعة أهل البيت عليهم السالم ومجاهداً في سبيلهم وناش اًر لمعارفهم‬

‫وفضائلهم علماً وعمالً ولساناً وقلماً وصلى هللا على محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين" ‪.‬‬ ‫وأنا األحقر‬ ‫مير از حسن الحائري اإلحقاقي‬ ‫ولكن تلك الوساوس الشيطانية ال تبرح مكانها‪.‬‬

‫الوصية ؛‬ ‫الحدية والنبرة في الخطاب المكتوب في‬ ‫فإن المولى مير از حسن (رحمه هللا) لم يستعمل هذه ّ‬ ‫ّ‬ ‫ليجبر مقلديه على ذلك ؛ ألن هذا فيه أمر بالرجوع إلى المولى مير از عبدالرسول‪ ،‬فإذا كان هللا تعالى‬ ‫يقول بالنسبة إلى دينه‪:‬‬ ‫(َال ِإ ْكراه ِفي ِّ‬ ‫الدينِ)‬ ‫َ​َ‬ ‫سورة البقرة‪256‬‬ ‫منزل من السماء!؟‬ ‫فكيف يستعمل المولى مير از حسن خطاباً حاداً ويأمر مقّلديه بهذا األمر وكأنه وحي ّ‬ ‫وما نعلمه أن المولى مير از حسن حينما ُو ّجه له سؤال من قبل أحدهم ‪:‬‬ ‫ترشحونه للقيام مقامكم بعد وفاتكم من بعد عمر طويل إن شاء هللا ؟ وترون فيه‬ ‫من هو الشخص الذي ّ‬

‫التكرم باإلجابة على ذلك‪ ،‬إن لم يكن لديكم‬ ‫الشروط المطلوبة للتقليد‪ ،‬وتأمرون مقّلديكم بتقليده‪ .‬أرجو ّ‬ ‫مانع‪ ،‬وشك ًار‪.‬‬ ‫علي محمد المهدي‬

‫‪36‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)4‬‬

‫جواب‪:‬‬ ‫أرشحه للقيام بأموركم‪ ،‬والدفاع عن المظلومين‪ ،‬والجهاد في سبيل الحق والحقيقة‪،‬‬ ‫وأما الشخص الذي ّ‬

‫فانظروا إلى كل مجتهد جامع للشرائط فيه هذه الصفات والخصال‪ ،‬وال يخاف من إلقاء كلمة الحق‪ ،‬وال‬

‫يداهن وال ينافق‪.‬‬ ‫ولكن إن َم َّن هللا على ولدي المجاهد‪ ،‬وقرة عيني المجتهد‪ ،‬الحاج مير از عبدالرسول اإلحقاقي‪ ،‬حفظه هللا‬ ‫أن ُي َّتبع‪ ،‬وأسأل هللا أن يوفقني وإياه‬ ‫وأبقاه بعدي‪ ،‬فهو بحمد هللا مستعد جاهز‪ ،‬والئق لهذا المقام‪ ،‬وأهل ْ‬ ‫وإياكم لخدمة دينه‪ ،‬والجهاد في سبيله‪ ،‬ولكل ما يحب ويرضى‪ ،‬آمين بحق محمد وآله الطاهرين‪ ،‬صلوات‬

‫هللا عليهم أجمعين‪ ." .‬انتهى‪..‬‬ ‫المصدر‪ /‬الدين بين السائل والمجيب ج ‪ ١‬ص‪. ١30 - ١٢٩‬‬ ‫المرة حتى في نفس خط‬ ‫ولكن اإلشكاليات ال تزال قائمة في الذهن على شكل وساوس شيطانية‪ ،‬وهذه ّ‬ ‫المولى مير از حسن‪ ،‬بالنسبة إلى اإلضافة في إجازة الرواية‪ ،‬وهذه اإلشكالية المثارة في الذهن ‪:‬‬ ‫ما الذي يثبت لك بأن هذا الخط هو خط وكتابة المولى نفسه!؟‬ ‫طه الحقيقي من قبل وتعرفه تماماً بأن فيه شيء من االرتعاش‪ ،‬وعدم الوضوح‪ ،‬ما يدل‬ ‫أيت خ ّ‬ ‫وأنت قد ر َ‬ ‫ط األصلي للمولى‪ ،‬ففيها‬ ‫وتقدمه في العمر ! بينما هذه اإلضافة تختلف تماماً عن ذلك الخ ّ‬ ‫على ِكَب ِر سّنه ّ‬ ‫طتها هي بكامل صحتها وثباتها وعدم ارتجاجها وارتعاشها‪..‬‬ ‫يدل على أن األنامل التي خ ّ‬ ‫ما ّ‬

‫ولكن أستغفر هللا وأتوب إليه من هذه الخواطرالواردة‪..‬‬ ‫فاستعذت باهلل من الشيطان الرجيم ومن وساوسه وحبائله ومكره‪.‬‬ ‫وكان الجواب حاض اًر عندي وهو‪:‬‬ ‫الضير في ذلك‪ ،‬إذا كان قد كتبها بأمر من والده‬ ‫ح ّتى لو كان الكاتب المولى مير از عبدالرسول نفسه‪ ،‬فما ّ‬

‫!؟‬

‫ومع كل هذا الركام الهائل من اإلشكاليات لكنني أصررت على موقفي الراسخ‪.‬‬

‫‪37‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)4‬‬

‫وبعد نزولي لألحساء أطلعني أحدهم على جواب للشيخ األوحد (رحمه هللا) على سؤال ُو ّجه لحضرته‪،‬‬

‫وذلك في كتابه ‪ :‬جوامع الكلم‪ ،‬في النسخة المخطوطة في الجزء الثاني منه‪ ،‬في صفحة ‪ ،3٢‬ويقع هذا‬ ‫السؤال حالياً في الجزء ‪ ٢١‬من الطبعة الحديثة ضمن موسوعة تراث الشيخ األوحد في صفحة ‪،١5٩‬‬ ‫وهذا السؤال صار بمثابة المرجع والمعيار بالنسبة لي‪.‬‬

‫ندعي‬ ‫فرأيت أن أدرسه وأتمعنه وأتأمل فيه ؛ ألن الشيخ يعتبر مرجعية فكرية لنا كأتباع له ولنهجه كما ّ‬

‫ذلك‪.‬‬

‫وسأنسخ السؤال والجواب من جوامع الكلم للشيخ (رحمه هللا) مع التعليق عليه‪.‬‬ ‫مسألة الشيخ األوحد في الجوامع‪:‬‬ ‫العامي؟‬ ‫قال السائل ما عالقة الفقيه الكامل والمجتهد الجامع لشرائط الترجيح والفتوى‪ ،‬وكيف يعرفه‬ ‫ّ‬ ‫أقول (أي الشيخ أحمد بن زين الدين األحسائي رحمه هللا)‪:‬‬ ‫عالمة ذلك حاله ومقاله وذكره‪.‬‬ ‫متحرٍز عندها من حضور أهل العلم والفضالء والمجتهدين‬ ‫أما حاله ‪ :‬فأن يكون منتصباً للفتوى‪ ،‬غير‬ ‫ّ‬ ‫مع إقرارهم ّإياه على ذلك وإذعانهم له‪.‬‬ ‫وأما مقاله ‪ :‬ف ُيعرف بما يكتب من تصنيفه‪ ،‬واختباره ال ّتام أن يبرهن على المسألة التي فيها القوالن مثل‬ ‫انفعال الماء القليل وعدمه‪ ،‬فيبرهن على انفعاله بما هو من نوع استدالل العلماء المجتهدين‪ ،‬بحيث ال‬ ‫يعيبه َمن خالفه فيها بما يقدح في نوع استدالله‪ ،‬ثم يبرهن على عدم انفعاله كذلك بما ال يعيبه َمن خالفه‬ ‫فيها بما يقدح في نوع استدالله‪.‬‬

‫العامي هو من نقص عن هذه الرتبة فيعرفه بهذه‬ ‫وأما ذكره ‪ :‬فأن يكون مشهو اًر بين العلماء بذلك‪ ،‬و ّ‬ ‫األمور أو بأحدها على اختالف مراتبهم وبشهادة عدلين وبالشياع المعتبر هنا شرعاً وباألخبار المتواترة‬

‫والمحفوفة بالقرائن‪ ." .‬انتهى كالم الشيخ (رحمه هللا)‪.‬‬ ‫التعليق‪:‬‬

‫أوضحه في الحلقة القادمة من مذ ّكراتي إن شاء هللا‬ ‫سأبينه و ّ‬ ‫وهذا ما ّ‬ ‫‪38‬‬


‫مذكراتي‬ ‫الجزء (‪)5‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)5‬‬

‫الجزء الخامس‬ ‫في الحلقة الماضية ذكرنا كالم الشيخ األوحد (رحمه هللا) من كتابه جوامع الكلم‪ ،‬وكان بمثابة المعيار‬ ‫والمرجع الذي يحسم النزاع‪.‬‬ ‫البد أن نسقطه على المير از عبدالرسول‪ ،‬لنرى هل ينطبق على حضرته أم‬ ‫وبعد سرد جوابه العلمي هناك‪ّ ،‬‬

‫ال؟‬

‫أوالً حاله‪:‬‬ ‫عندما نضرب للقارىء مثاالً على النحو التالي‪:‬‬ ‫هناك عالمان (س ‪ -‬ص) قد عاشا في زمن ما من األزمنة‪ ،‬فالعالم (س) قد أجمع علماء الطائفة على‬ ‫فقاهته واجتهاده‪ ،‬والعالم (ص) قد أجمعوا على عدم فقاهته واجتهاده‪ ،‬أو قد شهد في حقه عالم أو‬

‫ِ‬ ‫بينات أخرى تدل على فقاهته‪.‬‬ ‫أي ّ‬ ‫عالمان‪ ،‬وربما من أقاربه‪ ،‬وال يوجد ّ‬ ‫فأي العالِم ِ ِ‬ ‫يه ِ‬ ‫تتبع وتأخذ بقوله؟‬ ‫ين ّ‬ ‫ين الفق َ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬

‫من الطبيعي أنك تأخذ بالعالم الذي أجمعت عليه الطائفة ؛ ألنك تبحث عن االطمئنان واليقين‪ ،‬وعدم‬ ‫إشغال الذهن بالقيل والقال‪.‬‬ ‫فحينما ندرس شخصية الشيخ األحسائي (قدس سره) على ضوء المثال السابق‪ ،‬نجد أن المجيزين له هم‬ ‫أساطين وفحول أعالم الطائفة في وقته‪ ،‬إذ لم يختلف أحد على علمه واجتهاده وفقاهته‪ .‬إنما االختالف‬ ‫وقع على الشيخ في بعض أطروحاته الفلسفية والكالمية‪ ،‬وليس على فقاهته‪ ،‬وورعه وتقواه‪.‬‬ ‫المريخ أو من كوكب الزهرة أو ما شابه ذلك‪،‬‬ ‫فالشيخ األحسائي (رضوان هللا عليه) لم ْ‬ ‫يجزه علماء من ّ‬ ‫قيموه إنما خرجوا‬ ‫إنما أجازه علماء عصره من أساطين الطائفة في النجف األشرف وغيرها‪ ،‬وكل الذين ّ‬ ‫من رحم تلك الحوزة العلمية بالنجف األشرف وغيرها‪.‬‬

‫البد أن نجري عليه هذا التطبيق في المثال السابق ؛ ألن المسألة علمية بحت‬ ‫فكذلك المير از عبدالرسول‪ّ ،‬‬ ‫وال دخل للعاطفة والمجاملة فيها‪.‬‬

‫‪40‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)5‬‬

‫يتصورون أنه حينما ُينفى اجتهاد‬ ‫إن مشكلتي ومشكلة الكثيرين ممن يرجع للمير از (حرسهم هللا وهداهم)‬ ‫ّ‬ ‫يسبونه ويشتمونه‪ ،‬وينطلقون في‬ ‫المير از عبدالرسول اعتماداً على تشخيص علماء الطائفة ؛ نقول إنهم ّ‬

‫حكمهم عليه من موقع الحقد والضغينة !! وخصوصاً على الشيخ األوحد (قدس سره الشريف)‪..‬‬ ‫من قال ذلك؟‬ ‫أن من ينفيها عنه أنه يشتمه ويحقد عليه‪.‬‬ ‫فحينما ُتنفى الطبابة عن زيد‪ ،‬ال يعني ّ‬ ‫فقد يأتي أحد ليقول‪:‬‬ ‫كيف يعرفه فقهاء عصره‪ ،‬وهم ليسوا على نهجه‪ ،‬بالتأكيد سيأتي عامل الحسد في هذا المقام!؟‬ ‫لكن ُيقال لهؤالء‪:‬‬ ‫قيمه من العلماء؟‬ ‫إن الشيخ من الذي ّ‬

‫قيمه من العلماء والفقهاء إنما خرج من رحم الحوزة العلمية بالنجف‪ ،‬ولم يكن الشيخ على نهجهم‬ ‫كل من ّ‬

‫يدعي ويزعم البعض‪ ،‬وإن كان على طريقتهم في الفقه واألصول ؛ ألنه عالم‬ ‫في الكالم والفلسفة‪ ،‬كما ّ‬

‫أصولي وليس على نهج األخبارية‪ ،‬كما يتهمه البعض ؛ ألن كتبه تشهد له على أنه فقيه أصولي‪.‬‬ ‫فعلى ضوء هذا‪ ،‬نقول وباهلل المستعان‪:‬‬

‫الشيعية المعاصرين للمير از عبدالرسول إن‬ ‫المعتبرين الموجودين في الساحة‬ ‫إن معظم العلماء والفقهاء‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫عية‬ ‫لم يكن كلهم‪ ،‬ال ُّ‬ ‫يقرون وال يذعنون له باالجتهاد والفقاهة‪ .‬بل صدرت من الكثير منهم الفتاوى الشر ّ‬

‫بنفي اجتهاده مطلقاً‪ .‬وحتى الذين أجابوا السائلين لهم بعدم معرفتهم إياه‪ ،‬أحالوهم على من يحيط بمعرفة‬

‫الرجل‪.‬‬

‫وسأوضح ذلك على النحو التالي‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫‪ -١‬آية هللا العظمى المير از جواد التبريزي (قدس سره)‪:‬‬ ‫عندما سئل عنه‪ ،‬أجاب‪:‬‬ ‫باسمه تعالى‬

‫‪41‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)5‬‬

‫الشخص المذكور ال نعرفه باالجتهاد‪ ،‬بل ثبت بخبر الثقات من أهل الخبرة عدم اجتهاده‪ ،‬وعلى كل حال‪،‬‬ ‫فالشخص المذكور ليس أهالً ألن يكون مرجعاً للتقليد‪.‬‬ ‫وهللا الهادي إلى سواء السبيل والصراط المستقيم‪ .‬هذا وننصح إخواننا المؤمنين صانهم هللا من شرور‬ ‫آخر الزمان بأن يأخذوا سبيل االحتياط في أمور دينهم‪ ،‬فإنه سبيل النجاة وهللا المسدد‪.‬‬ ‫وقد سئل الشيخ التبريزي (قدس سره) عن المير از عبدالرسول مرًة أخرى من قبل جماعة‪ ،‬عندما أثيرت‬

‫أقر باجتهاد المير از عبدالرسول متراجعاً‬ ‫إشاعة في أوساط مقّلدي المولى‪ ،‬مفادها بأن الشيخ التبريزي قد ّ‬ ‫عن فتواه السابقة في حقه‪ ،‬فأجاب مرًة أخرى‪:‬‬ ‫أما ما يتعلق بالشخص المذكور فقد ذكرنا أنه ال يجوز تقليده (أجارنا هللا وإياكم من الزلل في القول والفعل‬ ‫وهو ولي المؤمنين) هذا والمكتبان لنا في قم المقدسة والشام بريئان مما ُذكر‪.‬‬ ‫الختم‬ ‫‪ -٢‬آية هللا العظمى الشيخ بشير النجفي ( ُمّد ظله)‪:‬‬ ‫عندما سئل عنه أجاب‪:‬‬ ‫باسمه تعالى‬ ‫ِ‬ ‫أي منهما‪.‬‬ ‫ا‬ ‫لم يثبت لدينا اجتهاد‬ ‫ميرز حسن اإلحقاقي وال اجتهاد ابنه عبدالرسول ولم نفت بجواز تقليد ّ‬ ‫وهللا الهادي‬ ‫التوقيع والختم‬ ‫‪ -3‬آية هللا سماحة الشيخ محمد الهاجري (رحمه هللا)‪:‬‬ ‫إن الشيخ الهاجري (قدس سره) ال يرى اجتهاد مير از عبدالرسول‪ ،‬وهذا األمر مشهور عنه‪ ،‬حتى بلغ‬ ‫يصرح بذلك‪.‬‬ ‫بشهرته آفاق األحساء وغيرها‪ ،‬وأنا سمعته م ار اًر ّ‬ ‫‪ -٤‬آية هللا العظمى السيد محمد الشيرازي (قدس سره)‪:‬‬

‫‪42‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)5‬‬

‫يدل على ذلك‪،‬‬ ‫لما سئل سماحة السيد عن اجتهاده‪ ،‬أجاب بأنه ال يعرفه‪ ،‬ولم َير من أبحاثه وعلمه ما ّ‬ ‫وأنه لم يحضر درسه أو بحوثه‪ ،‬وعندما قيل له بأن الشيخ الهاجري (قدس سره) ينفي اجتهاده قال ‪ :‬أنا‬ ‫معه‪.‬‬ ‫‪ -5‬آية هللا العظمى السيد كاظم الحائري (دام ظله)‪:‬‬ ‫عندما سئل عنه أجاب بقوله‪:‬‬ ‫ال يوجد عندي اطالع على الوضع العلمي للمير از اإلحقاقي‪ ،‬ولكني أقول ‪ُ :‬يشترط في التقليد أن يكون‬ ‫مرجع التقليد مجتهداً أعلم‪.‬‬ ‫ختم المرجع وختم مكتبه التابع له مع التاريخ‪.‬‬ ‫‪ -٦‬آية هللا العظمى الشيخ الفاضل الّلنكراني‪:‬‬ ‫لما سئل عنه في موقعه الرسمي أجاب بقوله‪:‬‬ ‫ال يجوز تقليده‪.‬‬ ‫‪ -7‬آية هللا العظمى السيد علي السيستاني (دام ظله)‪:‬‬ ‫سأله جماعة من المؤمنين في األحساء‪ ،‬عن اجتهاد مير از عبدالرسول بن مير از حسن اإلحقاقي الموجود‬ ‫وعما إذا كان سماحة السيد يرى تقليده كما قد نقل عنه أحد األشخاص!‬ ‫حالياً في الكويت‪ّ ،‬‬ ‫فكان الجواب من مكتبه الرسمي ومختوم ومؤرخ‪:‬‬ ‫األخوة المؤمنون‪ ...‬دامت توفيقاتهم‬ ‫السالم عليكم ورحمة هللا وبركاته‪ ..‬وبعد‬ ‫اطلع سماحة السيد (دام ظله) على رسالتكم المؤرخة في ‪ /٤‬شعبان‪١٤٢٢ /‬هـ وأفاد تعقيباً على ما ورد‬ ‫فيها بأنه ال أساس بتاتاً لما ُنسب إليه من الكالم في أمر التقليد‪ ،‬والوكالء المعتمدون في المنطقة‬

‫كثيرون‪ ،‬يأتي في مقدمتهم سماحة السيد علي السيد ناصر السلمان وفضيلة الشيخ عبدهللا الدندن‬ ‫وفضيلة الشيخ علي بن علي الدهنين دامت بركاتهم‪.‬‬

‫‪43‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)5‬‬

‫‪ -٨‬آية هللا العظمى السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم (دام ظله)‪:‬‬ ‫عندما سئل عنه أجاب بقوله‪:‬‬ ‫السالم عليكم ورحمة هللا وبركاته‬ ‫هدف كل مؤمن من تقليد العالم واتباع رأيه‪ ،‬هو إبراء ذمته والخروج عن عهدة التكاليف الشرعية‪ ،‬لئال‬ ‫البد من الموضوعية والدقة في تطبيق الموازين‬ ‫يكون جهده وعمله‬ ‫هباء منثو اًر‪ ،‬وعلى هذا األساس ّ‬ ‫ً‬ ‫المتميز من حيث المستوى‬ ‫الشرعية‪ ،‬لذلك ننصحكم بالرجوع للثقات من أهل الخبرة يرشدوكم إلى الفقيه‬ ‫ّ‬ ‫العلمي على غيره‪ ،‬وكذلك المرتبة العالية من العدالة‪.‬‬ ‫سددكم هللا للصواب‬ ‫الختم والتاريخ‬ ‫‪ -٩‬آية هللا السيد إبراهيم الخوئي (رحمه هللا)‪:‬‬ ‫المسمات بـــ ( قرنان من االجتهاد والمرجعية‬ ‫هذا السيد المرحوم ذكره المير از عبدالرسول في سيرته الذاتية‬ ‫ّ‬

‫) على أنه أحد أساتذته ومجيزيه‪ ،‬وقد وضع له إجازة ذكر بأنها إجازة اجتهاد !‬

‫وم َوّق ٌع من مجموعة ممن لهم صلة بهذا السيد الجليل‪،‬‬ ‫فصدر بيان من مكتبه الرسمي ‪ -‬السيد الخوئي ‪ُ -‬‬

‫ينفون ما ُنسب للسيد على أنه أجاز المير از عبدالرسول باالجتهاد‪ ،‬وأن إجازته له هي محض افتراء‬

‫وكذب‪ ،‬وأما اإلجازة التي ُنشرت بين العوام فهي إجازة رواية‪ ،‬ويمكن أن ُتعطى ألي طالب علم‪ ،‬وإن لم‬

‫مجتهدا‪.‬‬ ‫ً‬ ‫يكن‬ ‫والبيان هو‪:‬‬ ‫باسمه تعالى‬

‫بيان إلى المؤمنين األعزاء حفظهم هللا‬ ‫نفيدكم علماً بأن ما ُنسب إلى سماحة آية هللا السيد إبراهيم الخوئي (رحمة هللا عليه) من إعطائه إجازة‬

‫اجتهاد للمير از عبدالرسول اإلحقاقي‪ ،‬فإنه حسب معرفتنا الدقيقة من هذه النسبة هي إفتراء وكذب محض‪.‬‬

‫‪44‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)5‬‬

‫وفي الوقت نفسه لم يثبت لدينا اجتهاد المير از عبدالرسول‪.‬‬ ‫فلهذا نهيب باألخوة المؤمنين من الموالين الشيعة أن ينتبهوا لهذه االفتراءات التي ُنسبت إلى هذا السيد‬

‫الجليل الزاهد‪ .‬والسالم عليكم‪.‬‬

‫توقيعات العلماء على هذا البيان الصادر‪:‬‬ ‫العبد السيد عباس الحسيني الگوه گمري‪( .‬ختمه)‪.‬‬ ‫األحقر سيد حسين الموسوي (توقيعه)‪.‬‬ ‫األحقر السيد اسماعيل األميري (توقيعه)‪.‬‬ ‫األحقر محمود النوبهاري (توقيعه)‪.‬‬ ‫العبد هادي المددخواه (توقيعه)‪.‬‬ ‫سند هذه الشهادات إلى أصحابها‬ ‫فهذا هو حال المير از عبدالرسول في الحوزات العلمية‪.‬‬ ‫فنحن لم ُن ْ‬ ‫ُ‬ ‫المدونين أعاله كذباً وزو اًر‪ ،‬وإنما من باب (و َش ِه َد َش ِ‬ ‫ابن على‬ ‫َهِل َها) أي من الحوزة في حق ٍ‬ ‫اهٌد ِم ْن أ ْ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫اعتبار أنه من أبنائها‪.‬‬ ‫وسوف نرفق صو اًر من النسخ األصلية لتلك الشهادات في ملف خاص ضمن هذه المذكرة إن شاء هللا‬

‫تعالى‪.‬‬

‫وال يمكن أن يأتي شخص من العوام‪ ،‬ممن ال يدري ما يدور في أجواء الحوزة العلمية من أمور وقضايا‪،‬‬ ‫لي ّتهم هؤالء العلماء بالكذب والحسد والضغينة للمير از عبدالرسول ‪ -‬والعياذ باهلل ‪-.‬‬ ‫تصوره‪ .‬وهؤالء العلماء‪ ،‬إن لم نحمل فعلهم بشهاداتهم‬ ‫إن من الحيف الحكم المسبق على الشيء قبل ّ‬ ‫المّدعى‪،‬‬ ‫هذه على الصدق والصحة في القول‪ ،‬فعلى أقل تقدير أن يثير قولهم الشك والريبة في االجتهاد ُ‬ ‫ببينة جديدة‪.‬‬ ‫وعلينا أن نطالب من ّ‬ ‫يدعي االجتهاد ّ‬ ‫ثانياً مقاله‪:‬‬ ‫قال الشيخ (رحمه هللا) في جوامع الكلم ‪:‬‬

‫‪45‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)5‬‬

‫فيعرف بما يكتب من تصنيفه‪ ،‬واختياره ال ّتام أن يبرهن على المسألة التي فيها القوالن‪ ...‬إلخ‬ ‫وأما مقاله ُ‬ ‫فالميرز عبدالرسول (رحمه هللا) عندما نجري مسح ًة شامل ًة لقائمة مؤلفاته ومصّنفاته ‪ -‬وقد سردناها في‬ ‫ا‬ ‫مذكرة سابقة ‪ -‬فإننا ال نجد األبحاث الفقهية واالستداللية التي نراها عند قرنائه من الفقهاء والمجتهدين‪،‬‬ ‫فهذه العالمة ال تنطبق عليه البتة‪.‬‬ ‫إذ يقول اإلمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السالم‪:‬‬ ‫"رسولك ترجمان عقلك‪ ،‬وكتابك أبلغ من ينطق عنك" ‪.‬‬ ‫نهج البالغة‪/‬الكلمات القصار ‪ -‬الجملة‪. 30١‬‬ ‫ويقول اإلمام الصادق (عليه السالم)‪:‬‬ ‫" ُيستدل بكتاب الرجل على عقله وموضع بصيرته‪ ،‬وبرسوله على فهمه وفطنته" ‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫المرسل‬ ‫فالكتاب دليل على شخصية اإلنسان الكاتب‪ ،‬كما أن حامل الكتاب والرسول دليل على شخصية‬ ‫أيضا‪.‬‬ ‫ً‬ ‫وقد قيل بأن أسلوب اإلنسان هو نفس اإلنسان‪.‬‬ ‫تبين‬ ‫علمي يؤلف فيه أربابه من‬ ‫حقل‬ ‫كل ٍ‬ ‫أن َّ‬ ‫ونحن نجد ّ‬ ‫ُ‬ ‫متخصصيه الكثير من األبحاث والدراسات التي ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫تضّلعهم في ذلك العلم الذي يكتبون فيه‪.‬‬ ‫ومقامه العلمي إال بأبحاثه ومؤلفاته‪ ،‬سواء كتبها‬ ‫المتخصص في الحوزة العلمية ال َيبين شأُنه‬ ‫فالعالِم‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫بنفسه أو ألقاها على شكل محاضرات على مستوى األبحاث العلمية العالية فيما ُيعرف بالبحث الخارج‬

‫وقررها طالبه‪ .‬إذ ال يمكن لعالم الفقه واألصول أن ُيشغل نفسه بالكتابة في األدب والشعر وما شابه‪ ،‬مما‬ ‫ّ‬ ‫ليس له أي عالقة بتخصصه الفقهي واألصولي‪ ،‬إذ يمكن له أن يكتب في الشعر أو الرواية أو ما شاكل‬

‫ذلك من أجناس األدب األخرى ؛ ولكنه ال يجعله شغله الشاغل‪ ،‬بحيث يصرفه عن األمر األهم في حقل‬ ‫تخصصه‪.‬‬ ‫مع األسف الشديد أن أحد وكالء المير از عبدالرسول وهو الشيخ عبدالجليل بن علي األمير‪ ،‬يقول في‬ ‫إحدى حلقات ندواته التي عنونها بــ (أضواء على المرجعية) والتي ألقاها بأمر من المير از عبدالرسول في‬

‫‪46‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)5‬‬

‫األحساء‪ ،‬وهناك وثيقة تثبت ذلك ‪ -‬وهي موجودة عندي ‪ -‬على أن المير از عبدالرسول أمره بإقامة هذه‬ ‫الندوات‪.‬‬ ‫قال في الجلسة الثانية من تلك الندوات‪:‬‬ ‫ليس شرطاً أن يكون المجتهد ذا مؤلفات أو أبحاث في الفقه واألصول ؛ ألننا لسنا بحاجة إلى الفقه‪،‬‬

‫نحن اآلن بحاجة إلى فضائل وأخالق وبناء‬ ‫والحوزة العلمية الشيعية تكاد تنفجر من الفقه واألصول‪ُ ،‬‬

‫حسينيات‪ ،‬أجل الناس وين تقعد‪! .‬؟‪.‬‬

‫إذن ماذا نحتاج يا أعلم أهل زمانك !؟‬ ‫وأقسم باهلل العلي العظيم أن المير از عبدالرسول لو كان عنده أبحاث أو حتى مقاالت ُيشتم منها رائحة‬ ‫التخصص الذي ينتمي إليه‪ ،‬لما قال الشيخ عبدالجليل هذا الكالم‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫وإال ماذا يعني هذا الكالم‪ ،‬أننا لسنا بحاجة إلى الفقه ؛ ألن الحوزة العلمية تكاد تنفجر من الفقه!؟؟‬ ‫أوال ‪ً :‬‬ ‫كيف ُيعرف اجتهاد هذا العالم وذاك العالم‪ ،‬إن لم يملك رصيداً من علم الفقه واألصول‪ ،‬وغيرهما من‬ ‫العلوم األخرى التي تدل على اجتهاده ؟‬ ‫ثانيا‪ً :‬‬ ‫إن الشيخ عبدالجليل األمير كأنما يريد مع هذا الزعم ؛ أن يغلق باب االجتهاد الذي تمتاز به مدرسة أهل‬ ‫البيت (عليهم السالم) عن سائر المدارس األخرى‪ ،‬وبالتالي يدعو إلى تجميد القرائح والبحوث العلمية‪،‬‬ ‫ويوقفها على جه ٍة ما‪ ،‬أو رجل ما‪ ،‬أو ما إلى ذلك‪ ،‬وكأنه يتحدث عنه بصفته أنه هو المنتج لتلك األبحاث‬ ‫الفقهية‪.‬‬ ‫فالبد لنا أن نغلق باب االجتهاد‪ ،‬وإذا أُغلق هذا الباب‬ ‫وإذا أردنا أن ننساق مع هذا المنطق للشيخ األمير‪ّ ،‬‬

‫ستتجمد الحركة العلمية في الحوزات لدى الشيعة!‬ ‫ّ‬

‫‪47‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)5‬‬

‫والحال أننا نرى االختالف قائماً حتى بين الفقيه المجتهد الذي يعطي رأياً‪ ،‬وبين طالبه‪ ،‬رغم تتلمذهم على‬

‫يديه وأخذهم من مائدته المعطاءة‪ ،‬وهذا ما نراه واضحاً من خالل مراجع الطائفة في الوقت الحالي‪،‬‬

‫وأستاذهم السيد الخوئي (قدس سره)‪.‬‬ ‫ثالثا ‪ً :‬‬

‫وآلياته الحديثة المعاصرة‪،‬‬ ‫إن العلم ليس له حدود‪ ،‬فهناك قضايا جديدة مستحدثة يفرزها الزمن بوسائله ّ‬ ‫فالبد للفقيه أن يعمل اجتهاده في سبر أغوار النصوص ؛ من أجل أن يستنبط للناس المسائل والفتاوى‬ ‫ّ‬

‫حد له‪ ،‬فهو معين ال ينضب‪ ،‬وبعيد الغور‪ ،‬يفتقر إلى‬ ‫علم ال ّ‬ ‫المستحدثة التي يحتاجون إليها ؛ ألن الفقه ٌ‬ ‫س طويل‪.‬‬ ‫قدم راسخ‪ ،‬وترسيخ عميق‪ ،‬وإلى َن َف ٍ‬

‫س طويل‪ ،‬واستمرارية في الدرس وأجواء العلم ؛ ألنه‬ ‫بالفعل يحتاج ترسي ُخ ِعْل َمي الفقه واألصول إلى َن َف ٍ‬ ‫كل يوم‪ ،‬بل في كل ساعة‪ ،‬ولو لم يتابعه الفقيه سيغرق فيه كما يغرق الطفل في المحيط‪ ،‬إذا لم‬ ‫يتقدم َّ‬ ‫ويتدرب على السباحة و َّ‬ ‫الن َفس الطويل‪.‬‬ ‫ينضج‬ ‫ّ‬

‫القيمة‬ ‫وفي هذا الصدد أذكر موقفاً طريفاً للعالمة الشيخ محمد جواد مغنية (رحمه هللا) صاحب المؤلفات ّ‬

‫في الفقه واألصول والتفسير وغيرها‪ ،‬ذكره في كتابه التجارب (تجارب محمد جواد مغنية بقلمه) قال في‬

‫صفحة ‪ ١35 - ١3٤‬ط‪ .‬األولى (أنوار الهدى ‪ -‬قم)‪:‬‬ ‫ِ​ِ‬ ‫ِ‬ ‫وإن سألني سائل ‪ :‬ما بالك تق أر وتكتب " َح َّت ٰى َت ُكو َن َحَر ًضا أ َْو َت ُكو َن م َن اْل َهالكين؟ " َ‬ ‫الركب‪ ،‬ومن فاته الركب فهو من الهالكين‪ ..‬أنا من أهل المعرفة‪ ،‬هكذا ّأدعي‪،‬‬ ‫تركت لفاتني‬ ‫أجبته ‪ :‬لو ُ‬ ‫ُ‬ ‫لكذبت في دعواي على نفسي‪،‬‬ ‫مزقت عمري في األكل والنوم والحديث عن هذا وذاك‪،‬‬ ‫أو هكذا ُيقال‪ ..‬ولو ّ‬ ‫ُ‬ ‫وعلى هللا والناس‪ ..‬إن العالِم وبخاصة في هذا العصر‪ ،‬عصر التغيير السريع‪ ،‬والتطور الهائل هو الذي‬ ‫يواصل السير على طريق المعرفة والعلم‪ ،‬فإذا أحجم عن طلبه ؛ ألنه النهاية بزعمه‪ ،‬فقد انتهى العلم‬ ‫منه‪ ،‬ولم ِ‬ ‫شيء منه‪.‬‬ ‫ينته هو إلى‬ ‫ٍ‬

‫وقال مضيفاً في صفحة أخرى من كتابه المذكور‪:‬‬ ‫سمع شي ٌخ الثناء على كتاب فقه اإلمام الصادق ‪ -‬وهو أحد مؤلفات الشيخ مغنية ‪ -‬فقال ‪:‬‬ ‫وكتب الحديث والفقه وأصوله !‬ ‫ولكن صاحبه َج َم َعه من آيات األحكام في القرآن ُ‬ ‫‪48‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)5‬‬

‫وتجاهل هذا الشي ُخ أن هذي هي طبيعة ُكتب الفقه وحقيقتها‪ ،‬وأن مصادرها الكتاب والسنة وإجماع العلماء‬

‫شك أني لو أتيت بفقه جديد‪ ،‬ألصدر حكمه علي بالمروق والتكفير‪،‬‬ ‫والعقل وبناء العقالء‪ ،‬وليس من ّ‬ ‫ّ‬ ‫وهكذا يكشف المرء عن دخيلته من حيث ال يريد‪.‬‬ ‫وصدق الشيخ مغنية (رحمه هللا)‪.‬‬ ‫رابعا‪ً :‬‬ ‫صح التعبير ‪ -‬في أروقة‬ ‫إن العلم هو معجزة العالِم التي يتحدى بها قرناءه من أساطين العلماء ‪ -‬إن ّ‬ ‫الحوزات العلمية ؛ ألن العلماء هم ورثة األنبياء كما ورد في الحديث الشريف عن رسول هللا (صلى هللا‬

‫يتحدون الناس الذين ُبعثوا لهدايتهم فيما لو طلب منهم بعض‬ ‫عليه وآله) فكما أن األنبياء والمرسلين ّ‬ ‫ِ‬ ‫مدعاهم ؛ فكذلك العلماء والفقهاء الذين هم ورثة األنبياء‬ ‫دق ّ‬ ‫الناس معجزًة أو أم اًر خارقاً للعادة ليثبتوا ص َ‬ ‫وأمناء الرسل‪ ،‬فإنهم يقومون بأدوار عظيمة لهداية الناس ؛ ألن رسالتهم من جنس رسالة األنبياء و‬

‫األوصياء‪.‬‬ ‫البد أن يأتي بمعجزة أو كرامة من جنس‬ ‫فكما أن َّ‬ ‫أي نبي من األنبياء والمرسلين‪ ،‬حينما يأتي بمعجزة ّ‬

‫التحدي أو الموضوع السائد في مجتمعه‪ ،‬فكذلك العلماء‪ ،‬الذين هم حفظة الدين والعقيدة‪.‬‬ ‫ذلك‬ ‫ّ‬

‫تحد صارخ أو شبهات خطيرة‪ ،‬فإن علماء الطائفة ُيشهرون‬ ‫يتعرض الدين أو المذهب الحق إلى ٍّ‬ ‫فعندما ّ‬ ‫عدو األمة والمذهب‪.‬‬ ‫ويظهرون معاجزهم ومناقبهم المتمّثلة بالعلم الذي يلقف ما يأفكه ُّ‬ ‫وكما قال رسول هللا (صلى هللا عليه وآله)‪:‬‬ ‫"إذا ظهرت البدع في أمتي فعلى العالم أن ُيظهر علمه‪ ،‬وإال فعليه لعنة هللا والمالئكة والناس أجمعين" ‪.‬‬ ‫الزكية‪،‬‬ ‫وهكذا بالنسبة إلى العلم في الحوزة العلمية‪ ،‬إنما علماء الطائفة المحّقة ينفخون فيه من أرواحهم ّ‬ ‫لتدب فيها الحياة‪ ،‬حيث يبعدون تلك العلوم عن الجمود‬ ‫ويمدون علوم الشريعة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بالنظريات العلمية ؛ ّ‬ ‫وينعشونها بالحركة والحيوية والنشاط‪.‬‬

‫قدموا من‬ ‫لننظر إلى علماء الطائفة على امتداد التاريخ‪ ،‬منذ عصر الغيبة إلى اليوم‪ ،‬ماذا صنعوا ؟ وماذا ّ‬ ‫علوم ومعارف ؟ وماهي خدماتهم العظيمة للدين والمذهب؟‬

‫‪49‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)5‬‬

‫إن ثقة اإلسالم الشيخ محمد بن يعقوب الكليني (قدس سره) المتوفى عام ‪3٢٩‬هـ‪ ،‬هو خالد بمعجزته‬ ‫البهية)‪.‬‬ ‫ومنقبته (أصول الكافي وفروعه والروضة‬ ‫ّ‬ ‫وهكذا الشيخان الصدوقان األب واالبن (رحمهما هللا)‪.‬‬ ‫وإن العالمة الشيخ المجلسي (قدس سره الشريف) هو خالد بمعجزته ومنقبته وبحاره (بحار األنوار)‪.‬‬ ‫وهكذا العالمة الشيخ يوسف البحراني هو خالد بحدائقه (الحدائق الناظرة)‪.‬‬ ‫وكذلك العالمة المحقق الشيخ محمد حسن النجفي (أعلى هللا مقامه) صاحب (جواهر الكالم في شرح‬ ‫شرائع اإلسالم) هذا الكتاب العظيم الذي يعتبر مرجعية فكرية من الوزن الثقيل للفقهاء‪ ،‬ودائرة معارف‬ ‫مجلدا‪.‬‬ ‫ً‬ ‫في الفقه واألصول‪ ،‬ويقع في أكثر من أربعين‬ ‫والعالمة المحقق الشيخ مرتضى األنصاري الذي كان آية عظمى في علمه‪ ،‬وكان زعيم الشيعة في وقته‪،‬‬ ‫الخالدين المكاسب والرسائل وغيرهما‪.‬‬ ‫بكتابيه‬ ‫َ‬ ‫ودونك في الوقت المعاصر اآلية العظمى وزعيم الحوزات العلمية سماحة السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي‬ ‫(أعلى هللا درجاته) الذي كان معجزًة وآي ًة في علمه وإنتاجه الغزير في الفقه واألصول والرجال والتفسير‬ ‫وغيرها من العلوم‪ ،‬والذي يستقي ويتغذى مراجع الطائفة في الوقت المعاصر من موائده العلمية‪ ،‬من‬

‫علمية عظيمة‪ ،‬وغيرها‪.‬‬ ‫نظريات‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫حتى أن أحد العلماء عندما سمع أحد المتزّلفين المادحين ألحد أتباعهم‪ ،‬متجاو اًز بذلك حدود االعتدال‬ ‫ير) بقوله عندما خاطبه‪ ،‬وهو يسمعه (الممدوح)‬ ‫واالتزان في المدح والثناء ( ِب َغ ْي ِر ِعْل ٍم َوَال ُه ًدى َوَال ِك َت ٍ‬ ‫اب ُمِن ٍ‬ ‫دون اعتراض‪ ،‬في قصيدة طويلة مليئة بالغلو والجهل وهي باللهجة الشعبية الدارجة‪:‬‬ ‫أفالك لو تبغي تدير اتدير!‬ ‫تحير شمسها تحير!‬ ‫وبطوعاك لو ّ‬ ‫رداً على ذلك الشاعر الذي يهيم في كل وادي‪:‬‬ ‫فقال أحد العلماء عندما سمع أبيات تلك القصيدة ّ‬ ‫مخوالً من هللا تعالى أن‬ ‫إن آية هللا العظمى السيد أبا القاسم الخوئي‪ ،‬ال يستطيع أن يدير األفالك‪ ،‬وليس ّ‬

‫يقوم بذلك‪ ،‬وهو ال يملك القدرة‪ ،‬وليس مكّلفاً أن يقوم بهذا العمل‪ ،‬وهذا ليس عيباً فيه‪ .‬ولكنه يستطيع‬

‫‪50‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)5‬‬

‫أن ُي ِّ‬ ‫خرج لنا مئات العلماء والفقهاء المجتهدين ! وهو قادر على ذلك‪ ،‬وقد َف َع َل ! وهذه هي معجزته التي‬ ‫التحدي في األوساط العلمية ومنارات الفقه‬ ‫ظهرت على يديه في هذا العصر ؛ ألنها منسجمة مع واقع‬ ‫ّ‬ ‫واألصول في النجف األشرف وكربالء وقم المقدستين وغيرها من الحواضر العلمية‪.‬‬

‫التحدي في واقعه‪ ،‬فكذلك زعيم هذا العصر الحديث السيد‬ ‫فكما أن كل نبي يأتي بمعجزة من جنس ذلك‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الخوئي (قدس سره)‪.‬‬ ‫التحدي‬ ‫فلو أن النبي (صلى هللا عليه وآله) ‪ -‬على سبيل المثال ‪ -‬قد أتى بمعجزة ال تنسجم مع ذلك‬ ‫ّ‬

‫أناس غيرنا بمعرفة ما‬ ‫القائم في مجتمعه‪ ،‬لقال له قريش ‪ُ :‬‬ ‫نحن ال نفهم وال نعلم ما جئتنا به‪ ،‬فقد ُيحيط ٌ‬ ‫نحن فال نملك هذه القدرة‪،‬‬ ‫جئت به من‬ ‫ٍ‬ ‫معجز كما تقول‪ ،‬ومن َث َّم قد يأتوا بمثله أو قد ال يأتوا بمثله‪ ،‬أما ُ‬ ‫أو لم نفهم ما جئتنا به‪.‬‬

‫ولكنه جاءهم بمعجزة هم يفهمون لغتها وطبيعتها‪ ،‬وهي القرآن الكريم ببالغته التي وصلت إلى أعلى‬ ‫درجات الكمال آنذاك‪.‬‬ ‫وهكذا الحال بالنسبة إلى النبي موسى (ع) الذي جاء إلى قوم قد انتشر بينهم السحر والشعوذة‪ ،‬وبلغ‬ ‫كل سحرهم‪ .‬وكذلك النبي عيسى‬ ‫السحر عندهم إلى أعلى درجات التعقيد‪ ،‬فجاءهم بمعجزة َح ِبطت وأبطلت َّ‬ ‫(ع) الذي جاء إلى قومه بألوان من المعاجز‪ ،‬سواء على مستوى إحياء الموتى أو إبراء األكمه واألعمى‬ ‫وحيرت الناس آنذاك‪.‬‬ ‫واألبرص وغيرها من المعاجز التي أبهرت كبار األطباء ّ‬ ‫وهكذا الحال بالنسبة إلى سائر األنبياء والمرسلين بمعاجزهم وكراماتهم التي ال حصر لها‪.‬‬ ‫وهكذا الحال بالنسبة إلى سيد الطائفة السيد الخوئي (رحمه هللا)‪.‬‬ ‫فقد قال عن السيد الخوئي أحد تالمذته‪ ،‬وهو أحد المراجع والفقهاء في النجف األشرف‪ ،‬وهو آية هللا‬ ‫الفياض‪:‬‬ ‫العظمى الشيخ محمد إسحاق ّ‬ ‫القطب الذي تدور حوله الحركة العلمية‪ ،‬فكان كالشمس ترسل‬ ‫"كان السيد الخوئي (قدس سره) بحق‬ ‫َ‬ ‫أشعتها على الدوام" ‪.‬‬ ‫لملمة للحديث‪:‬‬

‫‪51‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)5‬‬

‫فيما لو اعترض علينا معترض ‪ -‬وما أكثر المعترضين ‪ -‬بقوله‪:‬‬ ‫تردون وترفضون شهادة مرجعكم مير از حسن (رحمه هللا) في حق ابنه ؟ أليس هذا تكذيب لمرجعكم‬ ‫كيف ّ‬

‫أي استناد بنيتم هذا الرفض!؟‬ ‫السابق ؟! فعلى ّ‬ ‫نقول‪:‬‬

‫هذه قاعدة عامة عند علماء الشيعة‪ ،‬يقولون فيها‪:‬‬ ‫إن (س) من العلماء شهد باجتهاده عالم أو أكثر‪ ،‬وفي نفس الوقت نفى اجتهاده مجموعة من العلماء‪،‬‬ ‫فأي التقييمين نأخذ به؟‬ ‫ُّ‬ ‫هل نأخذ بالتقييم األول ونحضر الثاني ونلغيه ؟‬ ‫مرجح‪.‬‬ ‫فهذا ترجيح بال ّ‬ ‫أم نأخذ بالتقييم الثاني ونذر األول وال نصغي إليه؟‬ ‫مرجح‪.‬‬ ‫وهذا أيضاً ترجيح بال ّ‬ ‫إذن ما الحل في هذا المقام؟‬ ‫بينة جديدة‬ ‫البينات والشهادات عندئ ٍذ تسقط عن االعتبار‪ ،‬ونحتاج إلى ّ‬ ‫يقول العلماء ‪ :‬إذا تعارضت ّ‬ ‫البينة الجديدة؟‬ ‫لتوضيح اجتهاد (س)‪ .‬فما هي ّ‬ ‫تدعي أنك مجتهد أو ُيّدعى بأنك مجتهد‪،‬‬ ‫البينة الجديدة هي أن نسأله ونقول ‪ :‬أيها العالِم (س) الذي ّ‬ ‫ّ‬ ‫وعلمك؟‬ ‫بين من خاللها فضُلك‬ ‫هل عندك أبحاث علمية ُم ّ‬ ‫عدة ؛ لكي َي َ‬ ‫ُ‬ ‫علمية‪ ،‬سواء في النجف األشرف‪ ،‬أو قم المقدسة‪ ،‬ودخل‬ ‫المدعين جاء إلى حاضرة‬ ‫يعني لنفرض أن أحد ّ‬ ‫ّ‬ ‫على العلماء في حلقات الدرس هناك‪ ،‬وقال لهم‪:‬‬ ‫قروا جميعاً بعلمي واجتهادي‪ ،‬وأني أعلمكم جميعاً على اإلطالق!‬ ‫يجب عليكم أن ُت ّ‬ ‫المّدعى منك؟‬ ‫فعندئ ٍذ يقولون له ‪ :‬لماذا ؟ ما الدليل على هذا ُ‬ ‫فيقول لهم ‪ :‬عندي شاحنة في الخارج مليئة بشهادات االجتهاد والفقاهة من كل علماء الطائفة!‬ ‫‪52‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)5‬‬

‫بينتم لنا مصدا َق ِّادعائكم هذا؟‬ ‫السعة‪ .‬ولكن َهالَّ ّ‬ ‫فيقولون له ‪ :‬أهالً وسهالً بكم موالنا‪ ،‬وعلى ّ‬ ‫الرحب و ّ‬ ‫ونحن كلنا آذان صاغية إلى أبحاثك وأطروحاتك‪.‬‬ ‫تفضل‬ ‫لنرى ذلك من لسانك على المنبر‪ّ ،‬‬ ‫ُ‬ ‫فمن ّادعى بما ليس فيه ك ّذبته شواهد االمتحان‪..‬‬ ‫ويقر العلماء له بذلك‪.‬‬ ‫وإذا كان هذا االدعاء فيه َّ‬ ‫وتبين مصداقه ؛ فعندئ ٍذ يكون صادقاً في دعواه‪ّ ،‬‬ ‫أي وز ٍن لإلجازات والشهادات‪ ،‬غاية ما في‬ ‫ولذلك كثير من العلماء والفقهاء في العصر الحاضر ال يقيم ّ‬ ‫التبرك ال أكثر‪.‬‬ ‫المجيز من أجل ّ‬ ‫المجاز يأخذها من ُ‬ ‫األمر أن ُ‬ ‫ويقال أن آية هللا العظمى الشيخ المير از جواد التبريزي (قدس سره) عندما يستجيزه أحد الفضالء في‬ ‫الحوزة ‪ -‬يطلب منه إجازة رواية أو دراية ‪ -‬فإنه رأساً يشير إلى منبر الدرس ويقول ‪ :‬هذا َم ْن يشهد لك‪،‬‬ ‫ولست أنا!‬ ‫ُ‬ ‫وحسب المثل الشعبي السائد بيننا‪:‬‬ ‫(هذا الميدان يا حميدان)‪.‬‬ ‫ولذا نجد أن اإلمام محمد الجواد (سالم هللا عليه) توّقف بعض الشيعة عن اإلذعان بإمامته‪ ،‬ال عن عناد‪،‬‬ ‫تدل على إمامته (ع) بالنسبة لهم‪ ،‬ومنها العلم الذي‬ ‫بل لعدم وضوح الرؤية عندهم وسطوع ّ‬ ‫البينات التي ّ‬ ‫هو من أبرز الصفات والسمات في الشخصية القيادية‪.‬‬ ‫أقروا بإمامته في النهاية ؛ لما أروا بأن اإلمام كان معجزًة في علمه‪ ،‬وال يوجد أعظم‬ ‫فما كان منهم إال أن ّ‬ ‫بركة على الشيعة منه (سالم هللا عليه) كما وصفه أبوه اإلمام علي بن موسى الرضا (عليهما السالم)‬ ‫فكان اإلمام يخرج مرفو َع الرأس من كل تلك المجالس العلمية التي ُتعقد له ويحضرها مختلف الطبقات من‬

‫الناس‪ ،‬سواء تلك المجالس العلمية من طرف المأمون العباسي‪ ،‬أو من طرف رؤساء الشيعة وكبرائهم‬ ‫لتبيين فضل اإلمام (ع) ومقامه‪.‬‬ ‫ثالثاً ذكره‪:‬‬ ‫قال الشيخ أحمد بن زين الدين األحسائي (رحمه هللا وأعلى درجاته) تحت هذا الشرط في جوامع الكلم كما‬ ‫نقلناه في المذ ّكرة السابقة ‪:‬‬

‫‪53‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)5‬‬

‫العامي هو من نقص عن هذه الرتبة فيعرفه بهذه‬ ‫"وأما ذكره ‪ :‬فأن يكون مشهو اًر بين العلماء بذلك‪ ،‬و ّ‬ ‫األمور أو بأحدها على اختالف مراتبهم‪ ،‬وبشهادة عدلين وبالشياع المعتبر هنا شرعاً وباألخبار المتواترة‬

‫والمحفوفة بالقرائن‪ " .‬انتهى‪.‬‬

‫فالمير از عبدالرسول بحسب هذا الكالم للشيخ (رحمه هللا) ليس مشهو اًر بين العلماء باالجتهاد‪ ،‬بل بالعدم‬

‫ِ‬ ‫سنبين ذلك‪.‬‬ ‫بينا ذلك سابقاً ‪ -‬وإن ُوجدت بعض الشهادات‬ ‫المعارضة كما ّ‬ ‫‪ -‬كما ّ‬

‫عمن لم يبلغ رتبة‬ ‫عبر‬ ‫العامي)‬ ‫عامة‪ ،‬وهم الناس كا ّفة‪ ،‬واصطالحاً ‪ُ :‬ي َّ‬ ‫بالعامي ّ‬ ‫ّ‬ ‫العامي جمع ّ‬ ‫ّ‬ ‫قوله ‪( :‬و ّ‬ ‫ظ من العلم أم لم يكن‪( .‬القاموس الفقهي ومعجم المصطلحات الفقهية)‪.‬‬ ‫االجتهاد‪ ،‬سواء كان ذا ح ٍّ‬ ‫عت ِبر هذا المصطلح كلم ًة مستبشع ًة‪،‬‬ ‫في َ‬ ‫العامي) عند الفقهاء‪َ ،‬‬ ‫وقد يستوحش البعض من تعبير مصطلح ( ّ‬ ‫عبر عن استصغار وتوهين لعامة الناس‪ ،‬واعتبارهم بسطاء‬ ‫وال يرضى بها ؛ ألنه يتصور بأن الكلمة ُت ّ‬

‫التصور خاطئ جمل ًة وتفصيالً‪ .‬إذ كيف يمكن أن نعتبر مجتمعاً يضم‬ ‫ظ لهم من العلم‪ ،‬وهذا‬ ‫وس ّذج ال ح ّ‬ ‫ّ‬ ‫اماً بالمعنى العرفي عند الناس؟‬ ‫بين جوانحه الكثير من الشرائح المثّقفة والواعية عو ّ‬

‫فمنهم دكاترة على مستوى طب األبدان‪ ،‬وعلى مستوى الفكر والثقافة والعلوم اإلنسانية‪ ،‬وأساتذة بمختلف‬ ‫تخصصاتهم العلمية‪.‬‬ ‫تكرست حالة الهامشية في واقع األمة من خالل هذه الرؤية في كتب الفقه‪،‬‬ ‫ولذلك ّ‬ ‫يدعي البعض بأنه قد ّ‬ ‫التعبيرية السائدة في اللغة الفقهية‪ ،‬إ ْذ َّ‬ ‫يتحفظ هذا البعض على التقسيم الفقهي‬ ‫وتحديداً بعض الصيغ‬ ‫ّ‬

‫ام)‪ .‬فاألمة ‪ -‬حسب التصنيف‬ ‫لألمة في الرسائل العملية‪ ،‬فهي ّ‬ ‫تقسم الناس إلى ‪( :‬فقهاء) وإلى (عو ّ‬ ‫ام بمفكريها وكفاءاتها العلمية في قبال الفقهاء‪.‬‬ ‫المعت َمد في الرسائل العملية ‪ -‬عو ٌّ‬ ‫َ‬ ‫تتحسس من هذا المصطلح‪ ،‬فكما أن الفقيه قد يعتبر‬ ‫لكّننا نقول ‪ :‬ال ينبغي للكفاءات العلمية في األمة أن‬ ‫ّ‬ ‫تخصصه الفقهي واألصولي‪ ،‬فكذلك أصحاب الكفاءات العلمية األخرى في األمة‬ ‫من عوام الناس في غير ّ‬ ‫تخصصهم ؛ ألنهم ال يملكون القدرة على استنباط الرؤية الفقهية أو األحكام الشرعية‪،‬‬ ‫هم عو ٌّ‬ ‫ام في غير ّ‬

‫تخصصاتهم‪ ،‬وربما‬ ‫تخصصه الفقهي وأولئك علماء في ّ‬ ‫تخصصاتهم‪ ،‬فالفقيه عالم في ّ‬ ‫لكنهم علماء في ّ‬ ‫يرجع الفقيه في بعض الحاالت والصور إلى أصحاب تلك الكفاءات فيما يتعلق بالتشخيص الموضوعي‬ ‫للفتوى‪.‬‬

‫‪54‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)5‬‬

‫ِ‬ ‫الخاصة به وال يألفها‬ ‫لكل حقل علمي مصطلحاته‬ ‫ولذلك ال‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫مشاحة في األلفاظ أو المصطلحات ؛ ألنه ّ‬ ‫عامة الناس‪ ،‬إال عن طريق الدراسة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫فإذن ال يمكن أن نعتبر األمة بمفاصلها وشرائحها كلها‪ ،‬وكفاءاتها الفكرية والعلمية والثقافية والسياسية‬ ‫اماً بالمعنى المألوف عند البعض‪ ،‬وإال نكون قد صنعنا حال ًة من االنهزامية‬ ‫واالقتصادية واالجتماعية عو ّ‬ ‫وروحيتها‪.‬‬ ‫في وعي األمة‬ ‫ّ‬ ‫على العموم‪ ..‬أشرت إلى هذا المعنى بالمناسبة ؛ ليكن معلوماً لدى الجميع‪.‬‬ ‫فموضع الشاهد‪. .‬‬ ‫إن الشيخ األوحد (قدس سره) قال بأن‬ ‫العامي هو من نقص عن هذه الرتبة‪ ،‬بمعنى عدم كونه مصداقاً‬ ‫ّ‬ ‫لألمور المذكورة (الحال‪ ،‬المقال‪ ،‬الذكر)‪.‬‬ ‫العامي يعرف الفقيه الكامل والمجتهد من خالل هذه األمور الثالثة أو أحدها‪.‬‬ ‫فهذا‬ ‫ّ‬ ‫طبعاً ال يمكن أن يعرفه من خالل مقاله ؛ ألنه ليس من أهل الفن والخبرة‪ ،‬حتى يراقب إنتاج هذا العالم‬ ‫ويميز بينهما‪ ،‬وإنما من خالل سؤاله ألهل الخبرة في ذلك‪.‬‬ ‫وذاك العالم ّ‬ ‫مناقشة في اإلجازتين‪:‬‬ ‫قال الشيخ (رحمه هللا)‪:‬‬ ‫"وبشهادة عدَلين" ‪.‬‬ ‫يعني يشهد شاهدان عادالن من أهل الخبرة في حقه‪.‬‬ ‫ولنفرض أن هذا الشرط موجود ومتحقق في شخص المير از عبدالرسول (رحمه هللا) بصرف النظر عن‬ ‫الموانع األخرى‪ ،‬ومنها شهادات النفي‪ ،‬كما ذكرنا‪.‬‬ ‫قد يقول قائل في هذا المقام ‪ :‬لماذا لم تعترفوا إذن بشهادة العدلين‪ ،‬بعد تحققهما في هذا المقام ؟‬ ‫فعلى أقل تقدير قد شهد في حقه أبوه المير از حسن (رحمه هللا) واآلخر هو المرحوم المير از فتح هللا ثقة‬ ‫اإلسالم باالجتهاد‪ ،‬والعبارات واضحة في اإلجازتين؟‬

‫‪55‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)5‬‬

‫وللجواب على هذا اإلشكال نقول‪:‬‬ ‫أما إجازة المير از حسن في حق ابنه‪ ،‬فهي إجازة رواية‪ ،‬اللهم إال إذا اعتبرنا بالمالحظة المضافة‪ ،‬وفيها‬ ‫يجيز الوالد المير از حسن ولده المير از عبدالرسول باالجتهاد‪ .‬وهنا نقول ‪:‬‬ ‫إن المير از عبدالرسول في كتابه ‪( :‬قرنان من االجتهاد والمرجعية) يعتبرها (إجازته له بدون اإلضافة‬ ‫المتأخرة) ضمن اإلجازات األخرى‪ُ ،‬معنوناً إياها بإجازات اجتهاد‪ ،‬مع لحاظ عدم وجود اإلضافة فيها في‬

‫الكتاب المذكور ! وأخواتها مثلها أيضاً‪ ،‬بمعنى أنها إجازات رواية وليست دراية‪ ،‬باستثناء إجازة المير از‬ ‫سيمر علينا النقاش حولها‪.‬‬ ‫فتح هللا ثقة اإلسالم كما‬ ‫ّ‬

‫فإذا كانت إجازة مير از حسن لولده إجازة اجتهاد ؛ فلماذا اإلضافة المتأخرة بعد مضي حوالي ثالثين عاماً‬

‫عليها!؟‬

‫ألن اإلجازة األصلية في الرواية تاريخها ‪١3٨٨‬هـ‪ ،‬واإلضافة غير المؤرخة كما نعلم انتشرت في سنة‬ ‫‪١٤١٨‬هـ‪ ،‬أو بعدها بسنة أو سنتين كما أتذكر‪.‬‬ ‫يقررون في الرسائل العملية في كتاب‬ ‫ولكن لنقل أنها إجازة اجتهاد بالجملة‪ ،‬مع العلم أن الفقهاء ّ‬ ‫الشهادات هناك ؛ بأن الشهادة التي تجلب نفعاً أو تدفع ضر اًر فهي غير مقبولة‪ ،‬وهنا قد يعتبرها البعض‬ ‫موضع تهمة ‪ -‬شهادة الوالد في حق ولده (أقول قد يعتبرها) ولكن هذا مستبعد‪ ،‬ونحن ال نريد أن نثبت‬

‫هذا األمر‪ ،‬مهما كانت الدوافع ؛ ألنه قد يعتبر دخوالً في محاسبة النوايا‪ ،‬وهو مرفوض من الناحية العلمية‬ ‫وعار عن الصحة‪.‬‬ ‫؛ ألنه بعيد عن النزاهة والحياد‪ٍ ،‬‬

‫ولكن لنقل أنها إجازة اجتهاد‪ ،‬لكنها تتعارض مع شهادات نفي أخرى‪ ،‬فعندئذ تسقط هي كما تسقط‬ ‫الشهادات األخرى المعارضة لها عن االعتبار ؛ ألن كالم الفقهاء واضح باالتفاق‪ ،‬أنه ال ترجيح في‬ ‫نرجحها‬ ‫البينات بأكثرية العدد‪ ،‬مع العلم بأن شهادات النفي أكثر بكثير من شهادات اإلثبات‪ ،‬ومع ذلك لم ّ‬ ‫ّ‬ ‫مرجح‪.‬‬ ‫على شهادات اإلثبات في هذا المقام ؛ ألنه ترجيح بال ّ‬ ‫بينا ذلك في النقطة السابقة‪ ،‬بما ال مزيد‬ ‫ولذلك ّ‬ ‫بينة جديدة إلثبات اجتهاده‪ ،‬كما ّ‬ ‫البد من البحث عن ّ‬ ‫عليه‪.‬‬

‫‪56‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)5‬‬

‫وأما المجيز اآلخر له‪ ،‬وهو المرحوم المير از فتح هللا ثقة اإلسالم (رحمه هللا)‪ ،‬فقد قال في إجازته له‬ ‫بصريح العبارة‪:‬‬ ‫"مستعداً على استنباط األحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية المعهودة‪ ....‬إلخ‪.‬‬ ‫وهنا نقول‪:‬‬ ‫إن هذه اإلجازة يمكن النقاش فيها في ثالث جهات‪:‬‬ ‫الجهة األولى‪:‬‬ ‫موقع المجيز ومنزلته العلمية في الحوزات العلمية‪ ،‬وهل هو من أهل االجتهاد والفقاهة‪ ،‬وهل هو أهل أن‬ ‫ُيجيز غيره أم ال؟‬ ‫فالعرش أوالً ثم النقش كما يقال‪.‬‬ ‫الجهة الثانية‪:‬‬ ‫في أصل صدور اإلجازة‪ ،‬وهل صدرت من المجيز أم ال؟‬ ‫فنحن نرى في الحوزة العلمية‪ ،‬عندما يستقبل الفقيه أي رواية‪ ،‬فإنه أول شيء يدرسه فيها هو سلسلة‬ ‫ُ‬

‫رجال السند فيها‪ ،‬وهل فعالً هذا الكالم صدر من المعصوم (ع) أم ال ؟ ألننا لم َنر ولم نسمع المعصوم‬ ‫تخصص أم اًر‬ ‫يقول هذا الكالم‪ّ ،‬‬ ‫فالبد من دراسة السند‪ .‬ويتأكد أكثر إذا كانت الرواية ّ‬ ‫تقيد أم اًر مطلقاً أو ّ‬

‫عاماً‪ ،‬أو ما إلى ذلك‪.‬‬

‫فكذلك هذه اإلجازة الصادرة من هذا الشخص المذكور وهو المرحوم المير از فتح ثقة اإلسالم‪.‬‬ ‫بين‬ ‫وهناك رأي جميل للمولى المير از حسن (رحمه هللا) في كتابه (منظرة الدقائق على تبيان الحقائق) إذ ُي ّ‬

‫في كتابه المذكور حول ما إذا كان المرحوم السيد كاظم الرشتي أجاز الحاج كريم خان الكرماني (رحمه‬

‫هللا) أو لم ُيجزه ؟‬ ‫فقد ذكر أدلة تدل على عدم إجازته له‪ ،‬ومنها مطالبته بنسخة األصل بعد الشك في صدورها عن السيد‪،‬‬ ‫ومنها نفي تالمذة السيد كاظم الرشتي لصدور تلك اإلجازة جمل ًة وتفصيالً‪ ،‬والتصرف والتغيير بعد وفاة‬

‫السيد كاظم (رحمه هللا) في بعض إجازاته من خالل االستيالء على خاتمه‪.‬‬

‫‪57‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)5‬‬

‫وغيرها من األدلة‪.‬‬ ‫وقد حدث مؤخ اًر بأن كسر أبناء المرحوم آية هللا العظمى السيد محمد الشاهرودي (قدس هللا روحه) ختمه‬

‫الخاص ؛ لكي ال يتم استعماله من أجل أغراض دنيئة‪ ،‬وهذه أصبحت شبه عادة م ّتبعة خصوصاً عند‬

‫العوائل العلمية‪.‬‬

‫وهنا أريد أن أنقل كالم المير از حسن (رحمه هللا) الهام‪ ،‬وأجعله معيا اًر وقاعدة‪ ،‬من أجل أن نجري عملية‬

‫إسقاط على إجازة المير از فتح هللا ثقة اإلسالم (رحمه هللا) انطالقاً من كالم المير از حسن في منظرة الدقائق‬

‫كما حصل معنا في كالم الشيخ األوحد من قبل‪ ،‬استناداً إلى قاعدة اإللزام التي يخضع ويذعن ويسّلم بها‬

‫كل العقالء في العاَلم‪.‬‬

‫( ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم) ولكن إن شاء هللا ال نكون مصداقاً لقوله تعالى‪:‬‬ ‫ِ ِ​ِ‬ ‫َرَي ُتم ِإ ْن ُكْن ُت عَل ٰى بِيَن ٍة ِم ْن ربِي و َ ِ‬ ‫وها َوأَْن ُت ْم َل َها‬ ‫آتاني َر ْح َم ًة ِم ْن عْنده َف ُع ِّمَي ْت َعَل ْي ُك ْم أَُنْل ِزُم ُك ُم َ‬ ‫َ َّ‬ ‫َّ َ‬ ‫ال َيا َق ْو ِم أَأ ْ ْ‬ ‫( َق َ‬ ‫َك ِارُهونَ)‪.‬‬ ‫سورة هود‪28‬‬ ‫بل نقبل بالحق حتى لو كان ُمَّر المذاق‪.‬‬ ‫قال المير از حسن (يرحمه هللا) في كتابه منظرة الدقائق في صفحة‪١٦ :‬‬ ‫"مقابلة النسخة باألصل‪:‬‬ ‫فنقول في جواب ذلك‪:‬‬ ‫أوالً ‪ :‬إن الفاضل الكرماني َّادعى أن هناك إجازتين من السيد لوالده‪ ،‬على خالف المستفاد من عبارة فصل‬

‫طبع إجازتين فارسية وعربية ونشرهما بين األنام إلثبات َّ‬ ‫مدعاه‪.‬‬ ‫الخطاب‪ ،‬و َ‬ ‫فأسأله وأجعل نفسه حكما ‪ً :‬‬

‫هل يكفي النافي و ِ‬ ‫ويصح سكوته عليه ؟ أو يزول ُّ‬ ‫شكه ويحصل له‬ ‫المنكر منه بهذا النشر والطبع فقط‬ ‫ّ‬

‫القطع‪ ،‬أو الظن بوجود اإلجازة بمجرد مشاهدته سواد اإلجازة؟‬

‫‪58‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)5‬‬

‫أفيكون هذا حج ًة قاطع ًة على المنكر أو على سائر الناس‪ ،‬أو يكفيه قوله سّلمه هللا ‪ " :‬وهما اآلن‬ ‫موجودتان عندي؟ "‬ ‫ويدقق‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫فهال بعث أصل النسخة إلينا خصوصاً‪ ،‬أو بين م ٍأل من الناس مع ثقة أمين من قومه ح ّتى ُينظر ُ‬ ‫يد الجعل والتصرف‪ُ ،‬كالً أو بعضاً فذاك هو‬ ‫فإن خرج أصالً أصيالً نقياً عن كل تحريف وتصحيف ال تناله ُ‬

‫يشد الرحال‪ ،‬ويقطع الفيافي والقفار‪ ،‬ويخوض‬ ‫البرهان القاطع له‪ ،‬ال نشر السواد‪ .‬فإنه ال يكّلف النافي أن ّ‬ ‫لجج البحار ويقصد كرمان لتحقيق أن فالناً المدفون تحت أطباق الثرى هل كان له إجازة في زمان كذا‬

‫أو ال؟‬

‫المَّدعي أن يتكّلف ويتعب نفسه في إقناعه‬ ‫بل حق النافي أن يجلس على ّ‬ ‫منصة االستراحة‪ ،‬وعلى ُ‬ ‫شيء وال يريحه عن كل تكليف ومحنة‪.‬‬ ‫وتسكيته بأي وسيلة كانت‪ .‬ونشر السواد ال يسمن وال يغنيه من‬ ‫ٍ‬ ‫االستشهاد بأقوال العلماء في عصره‪:‬‬ ‫وقال المير از حسن (رحمه هللا) تحت هذا العنوان في صفحة ‪ ١٨‬ما نصه بالحرف الواحد‪:‬‬ ‫"سيما مع مصادمته لِما ُيستفاد من عبارة فصل الخطاب مع ما طرق سمع النافي عن ثالثة من تالمذة‬ ‫السيد ومشاهير من استفاد من محضره الشريف‪ ،‬أنهم شهدوا استجازة والده من السيد ُقدس سره‪ ،‬وهو‬ ‫أبى من ذلك وامتنع‪ .‬مثل ما حكى ُّ‬ ‫جدنا المقدس عن أستاذه‪ ،‬تلميذ أرشد للشيخ األوحد‪ ،‬وركن وثيق‬ ‫ووصيه والمصلي عليه وقاضي دينه موالنا المير از حسن الشهير بگوهر‪ ،‬وعمدة الفقهاء‬ ‫للسيد األمجد‬ ‫ّ‬ ‫والمجتهدين الشيخ المعتمد والمجاز من المير از المذكور والسيد األمجد المولى الشيخ محمد أبي خمسين‬ ‫األحسائي‪ ،‬وقدوة الحكماء واألساطين المير از محمد شفيع التبريزي الملّقب بثقة اإلسالم‪ ،‬وغيرهم من‬ ‫المالزمين له والمستفيدين من محضره الشريف‪ .‬فالمعروف ممن حضر مجالس هؤالء األعالم من تالمذتهم‬ ‫وثقاة أصحابهم أنه سمع منهم أعلى هللا مقامهم في َّ‬ ‫ألح على السيد‬ ‫أصر و َّ‬ ‫عدة مجالس أن والده كّلما َّ‬

‫ويجري قلمه على‬ ‫في أمر اإلجازة لم ُيوفق لذلك‪ ،‬ولم ت َ‬ ‫رض نفس السيد الزكية قدس سره أن ُيجبر قلبه ُ‬ ‫جد ِه سالم هللا عليه‪. ".‬‬ ‫بعض مرامه ومطلوبه‪ ،‬وصار ميؤوساً ح ّتى انتقل إلى جوار ّ‬ ‫التصرف والتغيير بعد وفاة السيد‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫وقال المير از حسن تحت هذا العنوان في صفحة ‪ ١٩‬مانصه بالحرف الواحد‪:‬‬

‫‪59‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)5‬‬

‫الركون إلى ذلك‬ ‫"فمع هذا االشتهار كيف يبقى ألحد وثوق بهذا المنشور أو تقنع نفسه بالسكوت أو ُّ‬ ‫كل ما يقال حان وقته‪ )....‬إلخ‪ ،‬ل َذكر ذاكر بعض ما ُعلم‬ ‫كل ما ُيعلم يقال وال ُّ‬ ‫المسطور‪ .‬ولوال أن ‪( :‬ما ُّ‬ ‫جد ِه عليه‬ ‫تحقيقاً‪ ،‬مما نالته أيادي التصرف والتغيير في خاتم السيد قدس سره‪ ،‬بعدما انتقل إلى جوار ّ‬

‫وشبهوا بإمضائه وقلمه الشريف في خاتمه بعض اإلجازات الموضوعة بقلم بعض‬ ‫السالم‪ .‬وما تجاسروا ّ‬ ‫المالزمين لخدمته والمنتحلين لمحبته‪ .‬ومعروف لدينا اسماً ورسماً الذي كان َّ‬ ‫تصرف‬ ‫مسلطاً وماه ارً في ُّ‬ ‫كل بخطه وقلمه‪.".‬‬ ‫الخطوط وتشبيه اإلمضاءات ٌّ‬ ‫نسخة األصل سبب الوثوق‪:‬‬ ‫وقال المير از حسن تحت هذا العنوان في صفحة ‪ ١٩‬ما نصه بالحرف الواحد ‪:‬‬ ‫"ومن ذلك يستريب اإلنسان في كل إجازة لم تكن بقلمه الشريف من البداية إلى النهاية‪ .‬وقد اعترف‬ ‫فأي‬ ‫الفاضل الكرماني أن اإلجازة العربية المنشورة لم تكن بخطه وقلمه‪ ،‬بل فيها إمضاء السيد وخاتمه‪ّ .‬‬ ‫ق يبقى لمن علم بعض هذه األمور أو سبق ذهنه ببعض الشبهة إال أن يرى أصل النسخة وتقوم‬ ‫وثو ٍ‬

‫الصحة‪.‬‬ ‫عنده إمارات‬ ‫ّ‬

‫بعض اإلجازات ال تفيد إال مدحا‪ً :‬‬ ‫وقال تحت هذا العنوان في صفحة ‪ ٢0‬من كتابه المذكور‪:‬‬ ‫صحت وثبتت فهي توصية ومدح ال تسمى إجازة‪.‬‬ ‫وأما اإلجازة الفارسية فإن ّ‬ ‫وقال تحت عنوان‪:‬‬ ‫اإلجازة قد تفيد حسن الظن بالمستجيز فقط‪:‬‬ ‫أن النسخة المنشورة لها أصل أصيل‪ ،‬ولم يتطرق إليها شائبة الوضع‬ ‫وثانياً ‪ :‬على فرض الصحة‪ ،‬وتسليم َّ‬

‫التصرف واالختالف كالً أو بعضاً‪ ،‬فغاية ما في الباب أن اإلجازة تفيد حسن ِّ‬ ‫ظن‬ ‫والجعل‪ ،‬وما نالته يد‬ ‫ّ‬ ‫المجيز بالمستجيز‪ ،‬ووثوقه به حين صدور اإلجازة منه‪ ،‬لما ظهر من المستجيز من إمارات اإلسالم‬

‫واإليمان‪ ،‬وتظاهر بحسن الحال واألفعال‪ ،‬وال تكون اإلجازة كاشفة عن باطنه وسريرته‪ ،‬وال تكون ص ّكاً من‬ ‫تطور‪ ،‬وكل صورة ُت َص َّور‪ ،‬وحج ًة باقي ًة له إلى يوم‬ ‫أي ٍ‬ ‫حال ّ‬ ‫هللا ورسوله على وجوب اتباع المستجيز على ّ‬

‫الساعة‪.‬‬

‫‪60‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)5‬‬

‫غيروا فطرة هللا‪ ،‬و ُّ‬ ‫ارتدوا عن الديانة اإلسالمية‪ ،‬وانقلبوا عن‬ ‫لك َّملين َّ‬ ‫كم وكم من المجتهدين المجازين من ا ُ‬

‫األصلية‪ ،‬ولم تنفعهم تلك اإلجازات في الدارين‪ ." .‬انتهى‬ ‫الفطرة‬ ‫ّ‬

‫المصدر‪ /‬منظرة الدقائق على تبيان الحقائق‪( ،‬ص‪) ٢١ - ١٦‬‬ ‫معيارية كالم مير از حسن‪:‬‬ ‫العْرض المسبق من كالم المير از حسن (رحمه هللا) فلنجعل ذلك بمثابة القاعدة أو المدخل إلى‬ ‫وبعد هذا َ‬ ‫ما سنناقشه في هذه الجهة الثانية‪ ،‬من أصل صدور اإلجازة من الشيخ فتح هللا ثقة اإلسالم للمير از‬ ‫عبدالرسول‪.‬‬ ‫طر هذا الكالم الالحق على‬ ‫مقدمات في كالم المير از حسن السابق‪ ،‬نس ّ‬ ‫فاعتماداً على ما رأيناه سابقاً من ّ‬

‫ضوئه ؛ وذلك بغية الحصول على النتائج القهرية التي نريد الوصول إليها بعد ذلك‪.‬‬ ‫فنقول وباهلل المستعان‪:‬‬

‫إن المير از عبدالرسول (رحمه هللا) قد طبع سواد اإلجازة من الشيخ فتح هللا‪ ،‬ونشرها بين األنام إل ثبات‬ ‫ونحن نطالبه كما نطالب من نشر صورة هذه اإلجازة بنسخة األصل‪ ،‬كما طالب المير از حسن‬ ‫اجتهاده‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫الحاج كريم خان الكرماني بنسخة األصل من إجازة السيد له‪ .‬فال يتهمنا ُم َّت ِه ٌم أننا ُنك ّذبه في دعواه‪.‬‬

‫يدعي‪ ،‬بل لزيادة االطمئنان بصدورها من المجيز‪.‬‬ ‫البينة ال يعني تكذيبه فيما ّ‬ ‫المدعي بإحضار ّ‬ ‫فمطالبة ّ‬ ‫أي مواطن بوثائق األصل مع الصور‪،‬‬ ‫كما يحصل ذلك على المستوى القانوني والرسمي‪ ،‬حينما ُيطالب ُّ‬

‫مجتهد وفقيه‪،‬‬ ‫مد ٍع بأنه‬ ‫هب َّ‬ ‫لكل من َّ‬ ‫ٌ‬ ‫ودب‪ ،‬ولكل ّ‬ ‫وإال فالقضية ستصبح فوضى‪ ،‬والباب يغدو مفتوحاً ّ‬ ‫فنجري عليه قاعدة ُح ِ‬ ‫سن الظن‪ ،‬ونأمر الناس بأن يؤسسوه أمامهم ويمشوا خلفه‪ ،‬دون ضوابط أو معايير‬

‫أو قيود‪.‬‬

‫يدعي صدور اإلجازة له من السيد‬ ‫ثم أن المير از حسن استشهد بأقوال العلماء في عصر الكرماني‪ ،‬الذي ّ‬ ‫ّ‬ ‫الرشتي‪ ،‬وهم ينفون صدورها جمل ًة وتفصيالً منه‪ .‬وهذا األمر أيضاً نراه في إجازة السيد إب ارهيم الخوئي‬ ‫بيان ُم َوّق ٌع من تالمذة السيد إبراهيم الخوئي ينفون‬ ‫(رحمه هللا) في إجازته لمير از عبدالرسول‪ ،‬فقد خرج ٌ‬ ‫بينا ذلك في نقطة سابقة من البحث‪.‬‬ ‫صدور اإلجازة منه للمير از‪ ،‬كما ّ‬

‫‪61‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)5‬‬

‫فقد يكون الشيخ فتح هللا ثقة اإلسالم ممن ال بواكي عليه‪ ،‬بحيث ينفون صدور إجازته للمير از‪ ،‬كما فعل‬ ‫ميت منذ فترة طويلة‪ ،‬وليس بوسعنا التأكد منه أو‬ ‫تالمذة السيد إبراهيم الخوئي ألستاذهم ؛ ألن الرجل ّ‬ ‫مقربين منه‪ .‬والتصرف والتغيير بعد وفاته وارد ومحتمل‪ ،‬كما قال مير از حسن بالنسبة إلى السيد‬ ‫من أناس ّ‬

‫وشبه بإمضائه وقلمه وخاتمه‪ ،‬وقد ذكر أن هناك الكثير من‬ ‫كاظم الرشتي‪ ،‬وكيف أن البعض تجاسر ّ‬ ‫اإلجازات الموضوعة بقلم المالزمين لخدمته والمنتحلين لمحبته‪( .‬منظرة الدقائق)‪.‬‬

‫ثم أنه على فرض صدورها من الشيخ المذكور‪ ،‬فإن غاية ما فيها أنها تفيد ُحسن ِّ‬ ‫ظن المجيز بالمستجيز‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ووثوقه به حين صدور اإلجازة منه ‪ -‬كما قال المير از حسن ‪ -‬وال تكون اإلجازة كاشفة عن باطنه‬

‫تطور‪ ،‬وكل صورة‬ ‫أي ٍ‬ ‫حال ّ‬ ‫وسريرته‪ ،‬وال تكون ص ّكاً من هللا ورسوله على وجوب اتباع المستجيز على ّ‬ ‫ُت َص َّور‪ ،‬وحج ًة باقي ًة له إلى يوم القيامة‪.‬‬ ‫فكل هذا الكالم الذي ذكره المير از حسن في منظرة الدقائق‪ ،‬ما المانع أن نسوقه في هذا المقام بالنسبة‬ ‫إلى إجازة المير از فتح هللا ثقة اإلسالم لمير از عبدالرسول !؟‬ ‫قانونا‪.‬‬ ‫ً‬ ‫أما أن نكيل بمكيالين فال يجوز‪ ،‬ال شرعاً وال‬ ‫بينا‬ ‫وكذلك هذه الشهادة ال يمكن أن نأخذها بعين االعتبار ؛ ألنه هناك شهادات‬ ‫ّ‬ ‫مضادة في مقابلها‪ ،‬كما ّ‬

‫ذلك سابقاً‪ ،‬وال نعيد‪.‬‬ ‫الجهة الثالثة‪:‬‬

‫في مدلول العبارة‪ ،‬وإفادتها‪.‬‬ ‫للمجاز ‪:‬‬ ‫المجيز ُ‬ ‫فما هو المقصود بقول ُ‬ ‫‪"....‬مستعداً على استنباط األحكام الشرعية‪ ،‬عن أدلتها التفصيلية‪.‬؟؟ ‪... ".‬‬ ‫وأنا ال يمكنني هنا أن أتحدث عن معنى االستعداد لتحصيل ملكة االجتهاد باستنباط األحكام الشرعية من‬ ‫المختصين من العلماء‬ ‫أدلتها التفصيلية ؛ ألني لم أصل إلى ذلك المستوى‪ ،‬وإنما أستطيع أن أنقل كالم‬ ‫ّ‬ ‫والفقهاء في ذلك‪.‬‬

‫‪62‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)5‬‬

‫وكأن كاتبه ومؤلفه قد فرغ منه باألمس‬ ‫وهنا أحيل القارئ الكريم إلى كتاب هو في غاية الروعة واألهمية‪َّ ،‬‬ ‫القريب‪ ،‬وما ذلك إال لبراعة المؤلف وجودة إنتاجه‪ ،‬الذي سبق عصره بعش ارت السنين‪.‬‬ ‫الكتاب هو من تأليف آية هللا العظمى السيد مهدي القزويني (رحمه هللا) المتوفى عام ‪١300‬هـ‪١٨٨3 /‬م‪.‬‬ ‫والكتاب هو ‪:‬‬ ‫االستعداد لتحصيل ملكة االجتهاد‪.‬‬ ‫وهو محقق تحقيقاً رشيقاً من قبل أحد أحفاد المؤلف وهو الدكتور جودت القزويني‪.‬‬ ‫والكتاب يقع في ‪ 300‬صفحة من الحجم المتوسط‪.‬‬ ‫تم سنة ‪١٢75‬هـ‪١٨5٨/‬م‪ ،‬أي في عصر ازدهار مدرسة االجتهاد وظهور‬ ‫وكان تأليف الكتاب قد َّ‬

‫المجتهدين الكبار‪ ،‬وهو العصر الذي أُطلق عليه تسمية (عصر الكمال العلمي) الذي تجلى بمدرسة الشيخ‬

‫مرتضى األنصاري (ت ‪١٢٨١ :‬هـ‪١٨٦7/‬م) العلمية‪ ،‬مما يعني أن تأليف الكتاب جاء في عصر ازدهار‬ ‫مدرسة االجتهاد بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى‪.‬‬ ‫وهذا الكتاب الرائع‪ ،‬يتكون من مقدمة وأبواب وخاتمة‪.‬‬ ‫أما المقدمة فقد تناول فيها المؤلف موضوع االجتهاد وغايته‪.‬‬ ‫وأما أبواب الكتاب‪ ،‬فقد أسماها مؤلفه بالتأسيسات‪ ،‬وهي على النحو التالي‪:‬‬ ‫التأسيس األول ‪ :‬في االستعداد‪.‬‬ ‫وفيه فصول كثيرة ال يسعني ذكرها هنا‪ ،‬منعاً لإلطالة‪.‬‬ ‫التأسيس الثاني ‪ :‬في المستعد‪.‬‬ ‫وهو أيضاً فيه فصول وعناوين‪.‬‬ ‫التأسيس الثالث ‪ :‬في بيان المستعد له‪ ،‬ويقع فيه فصول وعناوين أيضاً‪.‬‬ ‫خصصها المؤلف (رحمه هللا) في بيان كيفية االستدالل بواسطة الملكة‪ ،‬والكالم فيها‬ ‫وأما الخاتمة‪ ،‬فقد ّ‬ ‫بتطويل وتفصيل‪.‬‬ ‫‪63‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)5‬‬

‫أدعو لقراءة الكتاب ودراسته بتمعن وتدقيق‪ ،‬حتى يدرك من ال معرفة له بأجواء الحوزة العلمية وما يدور‬ ‫فيها من أمور وقضايا معقدة‪ ،‬وخاص ًة على صعيد االجتهاد والمرجعية‪ ،‬وتشخيص المجتهد والفقيه الكامل‬ ‫يمر بقنوات‬ ‫من بين العديد من العلماء والفقهاء‪ ،‬وأن من يصل إلى ذلك المستوى التكاملي ّ‬ ‫البد له أن ّ‬ ‫ثم فضالً‬ ‫غاية في العسر والحرج‪ ،‬وليس من السهل أن يحصل على ملكة االجتهاد فضالً عن األعلمية ّ‬

‫عن المرجعية‪ ،‬بسهولة ويسر‪.‬‬ ‫عودة إلى كالم الشيخ األوحد‪:‬‬ ‫قال (رحمه هللا)‪:‬‬

‫"وبالشياع المعتبر هنا شرعاً واألخبار المتواترة والمحفوفة بالقرائن" ‪.‬‬ ‫إنما قال بالشياع المعتبر هنا شرعاً ؛ ألن الشياع على قسمين‪:‬‬ ‫شياع مفيد لالطمئنان‪.‬‬ ‫وشياع غير مفيد لذلك‪.‬‬ ‫الجهال‪ ،‬بل بين العلماء وفي‬ ‫فالشياع المعتبر هنا شرعاً المفيد لالطمئنان‪ ،‬وليس الشياع بين العوام و ّ‬ ‫العادية وفي أوساط العوام‪ ،‬وغير‬ ‫أوساط العلم في الحوزات العلمية لدى الشيعة‪ ،‬وليس في األماكن‬ ‫ّ‬

‫المتخصصين‪.‬‬

‫متمسكون‬ ‫ليت شعري هل ما ذكرناه مما سبق‪ ،‬وعلى طبق رأي الشيخ األوحد (رحمه هللا) الذي نزعم أننا‬ ‫ّ‬ ‫الميرز عبدالرسول اإلحقاقي أم ال !؟‬ ‫ا‬ ‫بنهجه وطريقته‪ ،‬موجود ومتحقق في شخص‬ ‫علمية مسكتة‪ ،‬بل العاطفة‬ ‫ذمة من يقّلده‪ ،‬ويرجع الناس إليه‪ ،‬حتى تاريخه‪ ،‬وبدون أدلة‬ ‫ّ‬ ‫والجواب في ّ‬ ‫والحب األعمى هو سيد الموقف‪.‬‬ ‫أقدم اعتذاري للقراء بسبب اإلطالة ؛ لكون الفكرة طويلة‪ ،‬وتتطّلب تسويد الكثير‬ ‫وللكالم بقية إن شاء هللا‪ ،‬و ّ‬ ‫من األوراق‪ ،‬لكن أرجو أن ال تكون الفكرة في هذه المذ ّكرة ممّلة‪ ،‬وأن ال أكون قد أثقلت على الجميع‪،‬‬ ‫بالقيل والقال وكثرة المقال‪.‬‬

‫والسالم عليكم‪..‬‬

‫‪64‬‬


‫مذكراتي‬ ‫الجزء (‪)6‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)6‬‬

‫الجزء السادس‬ ‫البعض علينا إشكاالً ويقول‪:‬‬ ‫بعد سرد تلك الدراسة المتأنية في المذ ّكرة السابقة ‪ -‬الخامسة ‪ -‬قد يطرح‬ ‫ُ‬ ‫ُأيعقل أنك حينما رأيت كالم الشيخ األوحد (رحمه هللا) متناوالً في كتابه (جوامع الكلم) شرائط الفقيه الكامل‪،‬‬

‫وحينما أسقطتها على المير از عبدالرسول رأيتها غير منطبقة عليه‪ ،‬وبالتالي لم ترجع له في التقليد ؟ وهل‬

‫هذا سبب مقنع الدعائك أمام الناس بعدم تقليده!؟‬ ‫أقول ‪ :‬ليس األمر كذلك‪ ،‬أبدا‪ً..‬‬ ‫كنت‬ ‫أغير تقليدي ؛ إنما ُ‬ ‫قوياً ومن العيار الثقيل‪ ،‬ولكنه ليس هو السبب الذي جعلني ّ‬ ‫وإن كان ذلك سبباً ّ‬ ‫كنت كالمسافر الذي يتردد في‬ ‫في البداية متردداً في تقليده بعد وفاة والده المير از حسن (رحمه هللا)‪ .‬فقد ُ‬

‫ذكرت ذلك في مذكرة سابقة بقولي ‪:‬‬ ‫فت ألشهر‪ ،‬كما‬ ‫ُ‬ ‫ثم بعد ذلك توّق ُ‬ ‫ّ‬ ‫نيته بين اإلقامة وعدمها‪ّ ،‬‬

‫المرجعيات األخرى) وبين جه ٍة‬ ‫جاذب ودافع‪ .‬بين جه ٍة تجذب بفقهها وتدفع بعقائدها (‬ ‫صرت ما بين‬ ‫إ ْذ‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ومرجعيتي التي أنتمي إليها) وهذا ما سأوضحه وأفيض فيه أكثر‬ ‫تجذب بعقائدها وتدفع بفقهها (جماعتي‬ ‫ّ‬ ‫في هذه الحلقة إن شاء هللا‪.‬‬

‫يتصور َّن إنسان ما‪ ،‬بأن موقفاً واحداً يكفي لمثلي ممن عاش في بيئ ٍة قد بلغت الغاية في‬ ‫المهم‪ ..‬ال‬ ‫ّ‬ ‫مرجع آخر‪ .‬وإنما حصل ذلك بحكم التراكمات‬ ‫يتحول بهذه السهولة والبساطة إلى‬ ‫ٍ‬ ‫التعصب للمير از ؛ أن ّ‬ ‫ّ‬

‫بشكل تدريجي‪ ،‬وبعد سلسلة طويلة من التجارب والتبريرات لكثير‬ ‫غيرت قناعاتي‬ ‫ٍ‬ ‫والمواقف الكثيرة التي ّ‬ ‫امتدت قرابة العشر سنوات‪ .‬ثم جاءت مجموعة من المواقف والقضايا التي ال يمكن‬ ‫من المواقف‪ ،‬التي ّ‬

‫رمم من خالل التبرير أو حملها على وجه من الوجوه البعيدة‪ ،‬من أجل أن ُتصرف عن الجانب السلبي‬ ‫أن ُت َّ‬

‫الق ّشة التي قصمت ظهر البعير‪.‬‬ ‫إلى الجانب اإليجابي‪ ،‬وإنما صارت بمثابة القطرة التي أفاضت الكأس‪ ،‬و َ‬

‫وإال فكالم الشيخ أحمد بن زين الدين األحسائي(رحمه هللا) ما هو إال وضع النقاط على الحروف‪ ،‬أو ُق ْل‬ ‫صح التعبير ‪ -‬لموقفي الجديد‪ ،‬أو قل عّلة‬ ‫حالة من االطمئنان واليقين‪ ،‬أو هو بمثابة اإلمضاء ‪ -‬إن ّ‬

‫تامة‪ ،‬أو ما شابه ذلك من التعبيرات المرادفة‪.‬‬ ‫ناقصة وليس عّلة ّ‬

‫غير تقليده من المولى إلى فقيه آخر‪،‬‬ ‫ولذا فإننا حينما نسمع بين وقت وآخر‪ ،‬بأن (س) من الناس قد ّ‬ ‫نصدق هذا النوع من األنباء بسرعة‪ ،‬إال بعد أخذه من قنواته السليمة والصحيحة‬ ‫فإننا ال يمكننا أن ّ‬ ‫‪66‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)6‬‬

‫تحول بهذه‬ ‫والجلوس مع صاحب الشأن ؛ ألن ذلك الجو المكهرب بتلك الثقافة المعروفة ال يمكن معها ال ّ‬ ‫السهولة والبساطة وتغيير القناعة‪.‬‬ ‫وخصوصاً الشيخ األوحد (قدس سره) إذ يعتبر بالنسبة لنا بعد المعصومين (عليهم السالم) وإن لم نعتبره‬

‫صرح في كتبه بأنه ي ّتبع من ال يخطؤون‪ ،‬كما نقلنا عبارته‬ ‫معصوماً ّ‬ ‫نظرياً‪ ،‬ولكن عم ّلياً نعتبره ذلك ؛ ألنه ّ‬

‫في المذ ّكرة الرابعة من كتابه شرح الفوائد‪ ،‬والتي نتغنى بها على الدوام‪ ،‬بقوله ‪:‬‬

‫أثبت في كتبي فهو عنهم‪ ،‬وهم عليهم السالم معصومون‬ ‫‪"....‬لم يتطرق على كلماتي الخطأ ؛ ألني ما ُّ‬ ‫عن الخطأ‪ ،‬والغفلة والزلل‪ ،‬ومن أخذ عنهم ال يخطئ‪ ،‬من حيث هو تابع‪.. ".‬‬ ‫المصدر‪/‬شرح الفوائد للشيخ‪.‬‬ ‫صرح بمثل هذا الكالم أيضاً في بعض كتبه‪ ،‬وهو‬ ‫مع العلم بأن المرحوم المال صد ار الشيرازي (رحمه هللا) ّ‬ ‫الذي له تفسير كامل للقرآن الكريم‪ ،‬وشرح ألصول الكافي للكليني (رحمه هللا) والشيخ األوحد ليس له‬ ‫ذلك!‬ ‫ولكن الحب يعمي ويصم‪.‬‬ ‫الفالحين‪:‬‬ ‫تحول من تقليده للمير از إلى مجته ٍد آخر وهو من ّ‬ ‫ح ّتى قال لي أحدهم ممن ّ‬ ‫بالخزامة ‪ -‬وله‬ ‫شيء‬ ‫العَلم العظيم إلى أشبه‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫أنتم مع األسف الشديد ّ‬ ‫حولتم الشيخ األوحد (رحمه هللا) هذا َ‬

‫الم َث ُل األعلى‪. -‬‬ ‫َ‬

‫الخزامة!؟‬ ‫قلت له ‪ :‬وما هذه ّ‬ ‫ُ‬ ‫فقال ‪ :‬هي التي توضع في أنف البقرة أو الثور أو البعير‪ ،‬فينساق أو ينصاع الحيوان معها تلقائياً مع‬

‫الخزامة هذه تؤلمه كثي اًر‪ ،‬فيضطر أن ينساق مع قائده بكل سهولة‪ .‬ومنه‬ ‫القائد دون أدنى مقاومة ؛ ألن ّ‬ ‫قوله تعالى‪:‬‬

‫ِ‬ ‫ن)‪.‬‬ ‫ْكُلو َ‬ ‫وب ُه ْم َو ِمْن َها َيأ ُ‬ ‫( َوَذَّلْلَن َ‬ ‫اها َل ُه ْم َفمْن َها َرُك ُ‬ ‫سورة يس‪72‬‬

‫‪67‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)6‬‬

‫بخالف ما إذا كان أحدهم يحاول أن يقود الثور أو البقرة أو البعير من القرن أو من األذن أو الذيل أو‬ ‫عبث به عن طريق هذه األعضاء‪ ،‬وربما ينطحه أو يرمحه!!‬ ‫ما شابه ؛ فإنه يقاوم من َي ُ‬ ‫فقلت له ‪ :‬وما هي عالقتنا بهذا الم َثل؟‬ ‫وكن هادئاً معي!‬ ‫فقال لي ‪ :‬أوالً ال تنفعل‪ُ ،‬‬ ‫فقلت له ‪ :‬تفضل‪ ..‬أوضح‪.‬‬ ‫يحدثكم عن الشيخ األوحد (رحمه هللا) كأنه قد لزمكم من الجهة التي تؤلمكم‪،‬‬ ‫قال لي ‪ :‬إن الشخص الذي ّ‬

‫غير صحيح‪ ،‬وال يلتقي‬ ‫ولذا فإنكم تطمئنون له وتنساقون معه انصياعاً ال حدود له‪ ،‬ح ّتى ولو كان كالمه َ‬ ‫بفكركم ال من قريب وال من بعيد‪ ،‬بل فيه إشكاالت وعيوب أو ما أشبه‪ ،‬ولكن بما أن فالناً قاله‪ ،‬إذن فهو‬

‫في منتهى الصواب‪ ،‬بصرف النظر عن القائل من يكون؟‬

‫لشيء إال‬ ‫وكم رأينا من يستحسن القبيح من قريب أو حبيب‪ ،‬ويستقبح أحسن الحسن من آخر‪ ،‬أبداً ال‬ ‫ٍ‬

‫أنه أكمل منه وأفضل!‬

‫الدجالين والك ّذابين من خارج السرب‪ ،‬ممن َدَر َسكم عن كثب‪ ،‬وعرف كل شيء عنكم‬ ‫حتى أن البعض من ّ‬ ‫؛ من نقاط القوة والضعف‪ ،‬كان إذا أراد منكم شيئاً‪ ،‬وربما تكون ّنيته سيئ ًة للغاية تجاهكم ‪ -‬كما حدث‬ ‫عدة من قضايا مالية أو ما شابه ‪ -‬فما عليه إال أن يتلبس بلباس الشيخ األوحد (رحمه هللا)‬ ‫في مواقف ّ‬

‫يصل إلى مآربه بكل سهولة !! مع أنه شخص غريب عنكم وغير معروف‬ ‫ويزعم أنه من أتباعه‪ ،‬ثم‬ ‫ُ‬ ‫عندكم‪ ،‬وربما نصحكم باالبتعاد عنه بعض محبيكم‪ ،‬ممن كان على صل ٍة به‪ ،‬ويعرفه بأتم المعرفة‪ ،‬إال‬ ‫يتلبس بلباس الشيخ (رحمه هللا) وهو في صورة حمل‬ ‫إنكم تتخذون الناصحين لكم‬ ‫أعداء‪ ،‬والعدو الذي ّ‬ ‫ً‬ ‫وديع‪ ،‬ولكن قلبه قلب وحش كاسر‪ ،‬تتخذونه صديقاً حميما!! ً‬ ‫ولكنكم تكتشفونه متأخرين مع األسف الشديد‪ ،‬وكما يقال حسب المثل العربي ‪ :‬سبق السيف العذل!‬ ‫المر‪ ،‬الذي تعيشونه مع بعض الغرباء الذين يدخلون في بيئتكم‪ ،‬دون أن تكّلفوا‬ ‫أليس هذا هو الواقع ّ‬ ‫أنفسكم عناء البحث والسؤال عنهم!؟‬ ‫من هم؟‬

‫‪68‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)6‬‬

‫من أين جاءوا ؟‬ ‫وما هو هدفهم وغرضهم؟‬ ‫لماذا تسمحون لهؤالء أن يقودوكم لمآربهم الخاصة؟‬ ‫طبعاً‪ ..‬كالم هذا الناصح الصادق صحيح ‪ ،%١00‬وللعلم هناك شواهد على هذا الكالم المؤلم‪ ،‬وقد رأيتها‬ ‫وشاهدتها‪ ،‬سواء في الخارج أيام إقامتي في سوريا‪ ،‬أو في األحساء‪.‬‬

‫فعلى كل حال‪..‬‬ ‫البد له من أن يلتحم ببيئته وظروفه االجتماعية‪ ،‬شاء أم أبى‪ ،‬فكيف يكون‬ ‫إن من يولد في بيئة ما‪ّ ،‬‬

‫اإلنسان ُحّاًر وهذه هي حاله !؟‬ ‫وقد صدق من قال ‪:‬‬

‫مسيٌر واقعا" ً‪.‬‬ ‫مخيٌر ظاه اًر‪ّ ،‬‬ ‫"إن اإلنسان ّ‬ ‫فالبد أن يكون‬ ‫متطبعاً بنفس تلك البيئة‪ ،‬مستصحباً‬ ‫ولذلك مثلي مثل غيري ممن يولد وينشأ في بيئة ما‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫أحوالها‪ ،‬حامالً بصماتها وسماتها‪.‬‬ ‫بالرقيات‪ ،‬من عائلة ملتزمة ‪ -‬وهلل الحمد والمن ‪ -‬تؤمن‬ ‫فقد كانت والدتي ونشأتي في مدينة الهفوف‬ ‫ّ‬ ‫فقهياً إلى من ي ّتبع‬ ‫بعمق بتعاليم الشيخ أحمد بن زين الدين األحسائي (األوحد) ‪ -‬رحمه هللا ‪ -‬والرجوع ّ‬ ‫مسلكه في العقيدة والكالم‪ ،‬ولهذا كان من الطبيعي أن أ ّتبع ما ألفيت عليه آبائي وأجدادي‪.‬‬

‫بعد انكشاف عدم اجتهاده‪:‬‬

‫مفصالً في الحلقة الماضية‬ ‫بعد أن انكشف لي عدم اجتهاد مير از عبدالرسول اإلحقاقي ‪ -‬كما ّ‬ ‫بينت ذلك ّ‬ ‫‪ -‬واجهني أمر جديد ومشكلة عويصة جداً‪ ،‬وهو األمر الذي أوقعني في حيرة شديدة أال وهو موضوع‬

‫العقيدة!!‬

‫‪69‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)6‬‬

‫كيف أختار لي شخصاً من الفقهاء وأقّلده وهو ال يؤمن بما جاء به موالنا الشيخ األوحد (قدس سره)!؟‬ ‫كيف أقّلد شخصاً يرى هذه األمور التي أشار إليها الشيخ حسين الفهيد ‪ -‬كما ذكرتها في الحلقة الرابعة‪،‬‬ ‫حيث طرح عدة تساؤالت قائال‪ً :‬‬

‫شخص يرى شريكاً للباري عز وجل!؟‬ ‫▪ هل تقبل على نفسك أن ترجع إلى‬ ‫ٍ‬ ‫▪هل نقّلد شخصاً يقول أن هللا تعالى َعَل ٌم على الذات المقدسة!؟‬ ‫يقر بوحدة الوجود!؟‬ ‫▪هل نرجع في التقليد إلى من ّ‬ ‫▪هل نرجع في التقليد إلى من يرى نجاسة مدفوعات المعصومين (عليهم السالم) بما فيها نجاسة دم‬ ‫اإلمام!؟‬ ‫تصور الذات إجماالً ؟! أو أن هللا تعالى علة العلل!؟‬ ‫▪هل نرجع في التقليد إلى‬ ‫ٍ‬ ‫شخص يرى جواز ّ‬ ‫ولذلك ليس من فراغ أن نطلق على هؤالء بأنهم ناقصو العقيدة ؛ ألنهم يؤمنون بهذه األباطيل‪ ،‬وعقيدتهم‬ ‫بها شوائب !!‬ ‫إذن كيف لي أن أسّلم رقبتي لواحد من هؤالء الذين يؤمنون بهذه األباطيل كما نراها!؟‬ ‫تدريجياً من خالل معايشتي‬ ‫تبين لي‬ ‫ّ‬ ‫لكن بعد دخولي الحوزة العلمية ودراستي على أيدي الفضالء‪ّ ،‬‬ ‫هامة منها‪:‬‬ ‫ألجواء أهل العلم والفضل أمور ّ‬ ‫أناس عوام ال صلة لهم بالعلم والمعرفة‪ ،‬وأننا أناس ظالمون للعلماء‬ ‫أننا نعيش في أوهام نسجها لنا ٌ‬ ‫التشيع‬ ‫ال مظلومون‪ ،‬كما نصف أنفسنا بذلك ؛ ألننا نقوم بجرم كبير وظلم عظيم‪ ،‬ال سابقة له في تاريخ‬ ‫ّ‬

‫كله‪ ،‬وهو الوقيعة في العلماء والطعن فيهم‪ ،‬وفي عقائدهم‪ .‬والمشكلة األعظم من ذلك أننا ال نشعر بهذا‬ ‫الداء العضال!!‬

‫التكبر‬ ‫أننا نصف أنفسنا بأننا أصحاب العقيدة الصحيحة والكاملة التي ليس بها شوائب‪ ،‬وهذا عين ّ‬

‫والغرور ؛ ألن هذا فيه اعتداد بالنفس وحدها ومصادرة ما عداها من المؤمنين‪.‬‬ ‫ولذلك فإن جميع المشائخ من أتباعنا يقولون للعامة من الناس‪:‬‬

‫‪70‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)6‬‬

‫أن العقائد على مستوى التوحيد الخالص‪ ،‬واالعتقاد بمقامات المعصومين (عليهم السالم) ال يوجد ذلك‬ ‫نحن األوحدية أتباع الشيخ األوحد ‪ -‬وإن كل العلماء المعاصرين وغيرهم‪ ،‬أهل شرك من‬ ‫إال عندنا ‪ُ -‬‬ ‫حيث ال يشعرون ‪ -‬والعياذ باهلل ‪ -‬وأهل تقصير في حق المعصومين (عليهم السالم) ونقص عقيدة‪ ،‬وال‬ ‫يجوز الرجوع إليهم في التقليد الفقهي !‬ ‫ولذلك يدندن البعض ويتغنى بذلك البيت الشعري البائس القائل‪:‬‬ ‫الجبار إال من به‬ ‫ما ّ‬ ‫وحد ّ‬ ‫علقت عقائدنا فكان األوحدا‬ ‫وكأن هذا البيت آية من السماء‪ ،‬أو حديث شريف عن أهل البيت (عليهم السالم)‪.‬‬ ‫بأي صلة‪.‬‬ ‫وهلم ّاً‬ ‫جر من األفكار المسمومة التي ال ّ‬ ‫ّ‬ ‫تمت إلى مدرسة أهل البيت (عليهم السالم) ّ‬ ‫ويمكن مناقشة هذا األمر على قسمين‪:‬‬ ‫أ‪ -‬هل العقيدة من شروط التقليد؟‬ ‫عندما نبحث في مصطلح التقليد نجد بأنه من المصطلحات الفقهية دون العقدية‪ ،‬وأنه ينحصر في‬ ‫المسائل الشرعية‪ ،‬أما العقائد فال تقليد فيها‪ ،‬وهذا ما ذهب إليه علماء الطائفة كلهم‪ ،‬بما فيهم علماء‬ ‫اإلحقاقية الذين نرجع إليهم في التقليد‪ ،‬كما كان يرجع إليهم آباؤنا وأجدادنا من قبل‪ .‬ومنهم المير از موسى‬ ‫صرح كل واحد منهم بهذا األمر‪،‬‬ ‫الحائري (رحمه هللا) وابناه المير از علي والمير از حسن (رحمهما هللا) فقد ّ‬ ‫سواء من خالل الرسالة العملية أو من خالل اإلجابة على بعض المسائل الشرعية‪.‬‬ ‫المسماة بـــ (لطائف الدرر)‬ ‫فمثالً المير از موسى الحائري (رحمه هللا) ذكر في رسالته العملية المختصرة‬ ‫ّ‬ ‫أنه ال يجوز التقليد في أصول الدين‪ ،‬بل يجب على جميع المكّلفين العلم بها بطريق القطع واليقين‪ ،‬فال‬ ‫الظن الحاصل من تقليد الغير والحدس والتخمين‪( .‬لطائف الدرر ‪ :‬ص‪.)٨‬‬ ‫يكفي ّ‬ ‫وكذلك ما ذكره المولى المذكور في رسالته األخرى‬ ‫المفصلة المعروفة بـــ (درر األحكام في معرفة الحالل‬ ‫ّ‬ ‫والحرام)‪.‬‬ ‫العملية المعروفة بمنهاج الشيعة‪.‬‬ ‫وكذلك المير از علي في رسالته‬ ‫ّ‬ ‫‪71‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)6‬‬

‫وكذلك المير از حسن (رحمه هللا) ذكر في رسالته العملية (أحكام الشيعة) هذا العنوان العريض‪:‬‬ ‫ال يجوز التقليد في أصول الدين‪.‬‬ ‫وكذلك ابنه المير از عبدالرسول في رسالته (أحكام الشريعة) وهي عينها رسالة أبيه بال فرق بينهما‪ ،‬وقد‬ ‫ذكر نفس الكالم‪.‬‬ ‫وقد ذكر المرحوم المير از موسى في بعض أجوبته على بعض المسائل الشرعية بأن األولى أن تكون‬

‫المقَّلد‪.‬‬ ‫المسائل العقائدية متوفرة لدى العالم َ‬

‫فأوالً ‪ :‬إن األولى هو مصطلح فقهي بصيغة أفعل التفضيل‪ ،‬بمعنى أن المسألة ُتحمل على نحو االستحباب‪.‬‬

‫ورأيه ذكره (رحمه هللا) في معرض إجابته على سؤال ُو ِّجه إليه‪ ،‬وألهل العلم الحق في مناقشته ومعرفة‬ ‫مدركه في هذه المسألة‪.‬‬ ‫وثانياً ‪ :‬هذا تحصيل حاصل ؛ ألن كل أعالم الطائفة العظام متوفر فيهم هذا األمر‪.‬‬ ‫وفي هذه المسألة كالم‪ ،‬كما وقد ناقش الشيخ األوحد (قدس سره) هذه المسائل الفقهية ولم يختلف رأيه‬

‫ِ‬ ‫قرره علماء‬ ‫عن رأي العلماء األصوليين المتقدمين والمتأخرين‪ ،‬ولم ُيض ْف شرطاً جديداً زائداً على ما ّ‬ ‫مدرسة األصول‪ .‬وباإلمكان مراجعة ذلك في كتابه جوامع الكلم‪.‬‬ ‫ولما سئل المير از حسن (رحمه هللا) عن تقليد المجتهد كامل العقيدة‪ ،‬وإنه بماذا يتحقق كمال العقيدة‬ ‫ّ‬ ‫ليصبح تقليد العالِم جائ ازً عندكم؟‬ ‫قال رحمه هللا ‪:‬‬ ‫"يكفي أن يؤمن بمضامين الزيارة الجامعة الكبيرة‪".‬‬ ‫وهذا الشرط متوفر عند جميع طالب العلوم الدينية‪ ،‬فضالً عن العلماء والفقهاء العاملين‪.‬‬ ‫نؤرخ لمصطلح كامل العقيدة وناقص العقيدة‪ ،‬فإننا نجد أن هذا المصطلح مصطلح متأخر‪،‬‬ ‫وإذا أردنا أن ّ‬ ‫ولم نعثر عليه في تراث الشيخ األوحد (رحمه هللا) وال في تالمذته المباشرين!‬ ‫فإن مسألة كمال العقيدة ونقصها في المجتهد لم يذكره الشيخ األوحد في كتبه‪ .‬وبإمكان القارئ أن يراجع‬ ‫كتبه في ذلك‪ ،‬فإن عثر على شيء من ذلك فنحن له شاكرون‪.‬‬ ‫‪72‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)6‬‬

‫مد ٍع أن مصطلح كمال العقيدة هو متولد من تراث الشيخ األوحد‪ ،‬فهذا غير صحيح البتة‬ ‫يدعي ّ‬ ‫وإن كان ّ‬ ‫؛ ألن نواقضه في كتبه كثيرة يطول في بسطها المقام‪.‬‬

‫وما الشيخ (قدس سره) إال عَلم من أعالم الشيعة الكبار‪ ،‬ولم ِ‬ ‫يأت بما ُيخالف ما هم عليه‪ ،‬وإن تراثه ذو‬ ‫السمة اإلبداعية ‪ -‬كما يصفه أتباعه ‪ -‬في مجال األصول واللغة والكالم والحكمة‪ ،‬ال يمكن أن ُيتداول‬ ‫ّ‬ ‫العامة أو اتخاذه‬ ‫بالتشدق بمصطلحاته وبعض عباراته فوق المنابر إلطراب‬ ‫إال بين أهل العلم‪ ،‬وليس‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫عنواناً يحوز مكاناً خاصاً بين شيعة آل محمد عليهم السالم‪.‬‬

‫تامة أم ال؟‬ ‫ب ‪ -‬هل علماء الطائفة (أعلى هللا كلمتهم) عندهم عقائد كاملة ّ‬ ‫إنه من الفداحة بمكان إذا كان علماء الطائفة ليس عندهم عقائد ! فمن أين تؤخذ العقائد إذا!؟؟ ً‬ ‫العامي هو صاحب العقيدة الكاملة‪ ،‬وأنه أفضل من ذلك العالِم كبير العمامة‬ ‫وإذا كان يتردد عندنا كثي اًر أن ّ‬

‫ِ‬ ‫أي ما‪،‬‬ ‫في النجف األشرف وقم المقدسة‪ ،‬فهذا يعتبر من الجهل بمكان‪ .‬حيث أن العالم إذا وصل إلى ر ٍ‬ ‫شك ؛ ألنه‬ ‫أقل مما عند‬ ‫باجتها ٍد‬ ‫وتفحص ودليل‪ ،‬ح ّتى على فرض أنه َّ‬ ‫العامي كنتيجة‪ ،‬فهو أفضل بال ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يملك لرأيه الدليل‪ .‬فالمسألة عند هللا عز وجل ال تقوم على النتائج دون البحث عن دالئل تلك النتائج‪،‬‬

‫وهذا هو الفرق بين العالِم والجاهل‪.‬‬

‫فإن العالِم يملك الدليل على ما يقول‪ ،‬والعدل اإللهي ينسجم مع النتائج القائمة على األدّلة‪ ،‬ال النتائج‬

‫هرف بها دون أن ُيعرف‪.‬‬ ‫نعق بها دون معرفة‪ُ ،‬‬ ‫وي َ‬ ‫التي ُي َ‬

‫ومن هنا فقد قال النبي األعظم (صلى هللا عليه وآله وسلم)‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫خير من عبادة الجاهل"‪.‬‬ ‫"نوم العالم ٌ‬ ‫أجمل بها هذه المذ ّكرة ؛‬ ‫وإليك أخي الكريم (رعاك هللا) بعضاً من عقائد بعض أعالم الطائفة المعروفين‪ّ ،‬‬ ‫ألنه راعني كثي اًر ما سمعته وأسمعه عن مشائخنا أنهم يقولون سواء في جلساتهم الخاصة أو ح ّتى على‬ ‫منابرهم وفي بياناتهم دون حياء وال رادع من دين أو ضمير‪ ،‬بأن العلماء الموجودين ليس عندهم عقائد‪،‬‬

‫يدق عليه أولئك النفر من أتباعنا مقّلدي المولى (هداهم هللا) ما ذلك إال من أجل أن‬ ‫وإن الناقوس الذي ّ‬

‫‪73‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)6‬‬

‫اقعيون‪ ،‬وأنه ال وجود لعقائد صحيحة وصافية‬ ‫يحبسوا الناس عن تقليد علماء الطائفة وهم الفقهاء الو ّ‬ ‫من الشوائب إال عند التابعين للشيخ األوحد فقط!‬ ‫عز وجل‪ ،‬أال يخافونه‪! .‬؟‪.‬‬ ‫أال ي ّتقون هللا ّ‬ ‫تثبت‪ ،‬ونسوا قوله تعالى ‪:‬‬ ‫إنهم يضربون ضرب عشواء دون ّ‬ ‫ِٰ‬ ‫ان َعْن ُه َم ْسُئوًال)‪.‬‬ ‫س َل َك ِب ِه ِعْل ٌم ۚ ِإ َّن َّ‬ ‫( َوَال َت ْق ُ‬ ‫الس ْم َع َواْلَب َصَر َواْل ُف َؤ َاد ُك ُّل أُوَلئ َك َك َ‬ ‫ف َما َل ْي َ‬ ‫سورة اإلسراء‪36‬‬ ‫وقال سبحانه وتعالى‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫(وَال َتُقوُلوا لِما َت ِصف أَْل ِسَن ُت ُكم اْل َك ِذب ٰه َذا ح َال ل و ٰه َذا حرام لِ َت ْف َتروا عَلى َّ ِ ِ‬ ‫ين َي ْف َتُرو َن َعَلى‬ ‫ُ‬ ‫َّللا اْل َكذ َب ۚ ِإ َّن َّالذ َ‬ ‫َ َ َ ٌ َ َ َ​َ ٌ ُ َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َّ ِ‬ ‫َّللا اْل َك ِذ َب َال ُي ْفلِ ُحونَ)‪.‬‬ ‫سورة النحل‪116‬‬

‫فمن العلماء الماضين‪:‬‬ ‫يقول زعيم الحوزة العلمية آية هللا العظمى السيد أبو القاسم الخوئي (رحمه هللا تعالى) في مصباح الفقاهة‬ ‫الجزء الخامس صفحة ‪33 :‬‬ ‫"الظاهر أنه ال شبهة في واليتهم (عليهم السالم) على المخلوقات بأجمعهم‪ ،‬كما يظهر من األخبار ؛‬ ‫لكونهم واسطة في اإليجاد وبهم الوجود‪ ،‬وهم السبب في الخلق‪ ،‬إذ لوالهم لما خلق هللا الناس كلهم‪ ،‬وإنما‬ ‫ُخلقوا ألجلهم وبهم وجودهم‪ ،‬وهم الواسطة في اإلفاضة‪ ،‬بل لهم الوالية التكوينية لما دون الخالق‪ ،‬فهذه‬ ‫الوالية نحو والية هللا تعالى على الخلق" ‪.‬‬ ‫فحينما نالحظ قوله (رحمه هللا)‪:‬‬ ‫" لكونهم واسطة في اإليجاد وبهم الوجود " فهذا مجمل ما قاله الشيخ األوحد (رحمه هللا) وأعالم مدرسته‬ ‫في ذلك‪.‬‬

‫‪74‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)6‬‬

‫ويقول آية هللا العظمى السيد روح هللا الخميني (قدس سره)‪:‬‬ ‫"وثبوت الوالية والحاكمية لإلمام ال تعني تجرده عن منزلته التي هي له عند هللا‪ ،‬وال تجعله مثل من عداه‬ ‫من الحكام‪ ،‬فإن لإلمام مقاماً محموداً‪ ،‬ودرجة سامية وخالفة تكوينية‪ ،‬تخضع لواليتها وسيطرتها جميع‬

‫ذرات هذا الكون"‪.‬‬ ‫ّ‬

‫راجع الحكومة اإلسالمية ص‪. 25‬‬

‫ويقول المحقق األصفهاني (رحمه هللا) في تعليقته الشريفة على كتاب المكاسب للعالمة الشيخ األنصاري‬ ‫‪:‬‬ ‫" النب ي واألئمة لهم الوالية المعنوية والسلطنة الباطنية على جميع األمور التكوينية والتشريعية‪ ،‬كما‬ ‫أنهم مجاري الفيوضات التكوينية‪ ،‬كذلك مجاري الفيوضات التشريعية‪ ،‬فهم وسائط التكوين والتشريع وفي‬ ‫المفوض إليه دين هللا‪.‬‬ ‫نعوت سيد األنبياء (صلى هللا عليه وآله)‬ ‫ّ‬ ‫راجع تعليقة ج‪ ٢‬ص‪. 379‬‬ ‫ويقول آية هللا العظمى الشيخ الفاضل اللنكراني(رحمه هللا) في أجوبته على بعض األسئلة المتعلقة‬ ‫بموضوع الغلو‪:‬‬ ‫"من ال يعتقد بربوبية أمير المؤمنين (عليه السالم) وال يعتقد بتفويض األمور إليه‪ ،‬أو إلى أحد من ُوْلده‬

‫وإنما يعتقد بأنه وغيره من المعصومين بعده والة األمر‪ ،‬وإنهم كما ثبتت لهم الوالية التشريعية ثبتت لهم‬ ‫الوالية التكوينية‪ ،‬فيقدرون على اإلماتة واإلحياء‪ ،‬والشفاء واإلغناء بإذن هللا تبارك وتعالى وإقداره لهم مع‬ ‫أزمة‬ ‫حفظ كمال قدرته واستقالله تعالى وعدم انعزاله‪ ،‬وأن كل شيء بيده وال حول وال قوة إال به‪ ،‬وكون ّ‬

‫ِ‬ ‫المعتقد بهذه العقيدة‬ ‫األمور طُ اًر بيده‪ ،‬فهذا مع أنه ال يكون مستلزماً للكفر يكون كمال التوحيد ؛ ألن‬

‫الصحيحة يعتقد بأن دائرة قدرة هللا ليس لها ٌّ‬ ‫حد محدود‪ ،‬وإنه تعالى كما يقدر نفسه على اإلماتة واإلحياء‪،‬‬ ‫المزية لنفسه فكيف‬ ‫المزية له مع حفظ قدرته وثبوت‬ ‫كذلك يقدر على إقدار الغير على ذلك‪ ،‬وإعطاء هذه‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يكون من الكفر والشرك ؟! مع أنه ال محيص من االلتزام بذلك‪ ،‬باإلضافة إلى طائفة اصطفاهم هللا من‬

‫‪75‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)6‬‬

‫وفضلهم على غيرهم‪ ،‬بمقتضى اآليات والروايات الكثيرة في هذا الباب‪( .‬أ َْم َي ْح ُس ُدو َن َّ‬ ‫اس‬ ‫بين الناس ّ‬ ‫الن َ‬ ‫َّللا ِم ْن َف ْضلِ ِه)‪.‬‬ ‫َعَل ٰى َما َ‬ ‫آت ُ‬ ‫اه ُم َّ ُ‬ ‫سورة النساء ‪54‬‬ ‫للتشيع المعتقدين باإلمامة‪ ،‬كيف يرى أنه ال فضيلة لألئمة‬ ‫ومن العجب بعد ذلك من بعض المنتحلين‬ ‫ّ‬ ‫(عليهم السالم) على غيرهم‪ ،‬وأن امتيازهم في مجرد استجابة الدعاء‪ ،‬وأنهم ال يقدرون على شيء من‬ ‫األمور المذكورة‪ ،‬فإذا كان المسيح قاد اًر على إحياء الموتى‪ ،‬غاية األمر بإذن هللا‪ ،‬كيف ال يكون اإلمام‬ ‫قاد اًر عليه!؟‬

‫وتأويل اآلية الظاهرة في ذلك من دون قيام دليل على خالف ظاهره ال مجال له أصالً‪ ،‬ودعوى رجوعه‬

‫إلى الشرك واضحة الفساد‪ ،‬فإن الشرك ال يتحقق إال باالعتقاد باتحاد الرتبة في الذات أو الفعل أو في‬ ‫العبادة‪ ،‬وما نعتقده في أئمتنا (عليهم السالم) ال يرجع إلى ذلك بوجه‪ ،‬فإن قدرتهم تابعة لقدرة هللا وال‬ ‫تكون واقعة في عرضها‪ ،‬كما أن قدرة الوكيل في طول قدرة الموّكل" ‪.‬‬

‫ويقول آية هللا العظمى الشيخ المير از جواد التبريزي (قدس سره) في جواب سؤال حول الوالية التكوينية‪:‬‬ ‫"باسمه تعالى‬ ‫إن المراد بالوالية التكوينية أن نفس الولي بما له من الكمال‪ ،‬متصرف في أمور التكوين بإذن هللا تعالى‪،‬‬ ‫ال على نحو االستقالل‪ ،‬وهذا هو ظاهر اآلية الكريمة‪:‬‬ ‫َّللا)‪.‬‬ ‫ُحِيي اْل َم ْوَت ٰى ِبِإ ْذ ِن َّ َِ‬ ‫( َوأ ُْبر ُ‬ ‫ص َوأ ْ‬ ‫ِئ ْاألَ ْك َم َه َو ْاأل َْبَر َ‬ ‫سورة آل عمران ‪49‬‬ ‫وقوله ‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ك)‪.‬‬ ‫طْرُف َ‬ ‫َن َيْرَتَّد ِإَل ْي َك َ‬ ‫يك ِبه َقْب َل أ ْ‬ ‫(أَ​َنا آت َ‬ ‫سورة النمل‪40‬‬

‫‪76‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)6‬‬

‫حيث نسب الفعل إلى المباشر إلى نفسه‪ ،‬كما أن المراد من اإلذن في اآلية اإلذن التكويني‪ ،‬بمعنى القدرة‬ ‫المفاضة من قبل هللا تعالى‪ ،‬ال اإلذن التشريعي‪.‬‬ ‫وأما اآليات النافية كقوله تعالى‪:‬‬ ‫( ُقل َال أ ِ ِ ِ‬ ‫َّ‬ ‫َّللاُ)‪.‬‬ ‫اء َّ‬ ‫ْ‬ ‫َمل ُك لَن ْفسي َن ْف ًعا َوَال َضًّار ِإال َما َش َ‬ ‫ْ‬ ‫سورة األعراف‪188‬‬ ‫التصرف‪ ،‬ال نفي الوالية المعطاة من قبل هللا تعالى‪ ،‬هذا مضافاً إلى أن‬ ‫فالمقصود بها نفي االستقالل في‬ ‫ّ‬ ‫األولياء ال يتصرفون في التكوينيات استجاب ًة لكل اقتراح ُيطرح عليهم‪ ،‬وإنما في خصوص الموارد التي‬ ‫شاءت حكمة هللا التصرف فيها ؛ لحفظ مصالح التشريع والتكوين‪ .‬وبالجملة فالوالية التكوينية بالمعنى‬

‫المتدبر في اآليات والمتتبع لحاالت‬ ‫الذي ذكرناه من العقائد الواضحة التي ال مجال للتشكيك فيها عند‬ ‫ّ‬ ‫األ نبياء واألئمة (صلوات هللا عليهم أجمعين) في األحاديث واألخبار‪ ،‬وهللا الهادي إلى سواء السبيل‪.‬‬ ‫(راجع األنوار اإللهية ص‪.) 79‬‬

‫ويقول أيضاً (رحمه هللا)‪:‬‬ ‫"المسّلم عندنا أنهم (عليهم السالم) وسائط بين هللا تعالى وبين خلقه‪ ،‬وال نعرف تفصيل ذلك‪ ،‬وما نعلمه‬

‫أنهم (عليهم السالم) مأذونون من قبله تعالى في التصرف في الكون‪ ،‬إذا اقتضت المصلحة ذلك‪ ،‬فإنهم‬ ‫(عليهم السالم) ليسوا أقل من األنبياء السابقين على نبينا‪ ،‬وقد ورد عن عيسى (عليه السالم) أنه كان‬ ‫ُيحيي الموتى بإذن هللا‪ ،‬وهللا العالم‪.‬‬ ‫ويقول أيضاً (رحمه هللا) في جواب سؤال (هل االعتقاد بأفضلية أهل البيت على الخلق واجب من ضروريات‬

‫المذهب؟)‪:‬‬

‫"باسمه تعالى‬ ‫إنكار األفضلية غير جائزة ؛ ألنه مخالف للكتاب المجيد‪ ،‬كما في أجوبة سابقة‪ ،‬ولكن الذي ال يلتفت إلى‬ ‫ويدعي أنه ال داللة في الكتاب المجيد على األفضلية‪ ،‬ال يخرج عن اإلسالم وهللا العالم" ‪.‬‬ ‫ذلك ّ‬ ‫‪77‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)6‬‬

‫راجع األنوار اإللهية ص‪124.‬‬ ‫ويقول أيضاً (رحمه هللا)‪:‬‬ ‫"ال نعلم من حقيقتهم إال أن أنوارهم مخلوقة قبل خلق األشياء‪ ،‬وأجسادهم باقية على حالها‪ ،‬مفارقة‬ ‫ألرواحهم‪ .‬وهللا العالم" ‪.‬‬ ‫راجع األنوار اإللهية ص‪142.‬‬ ‫خلقت األفالك‪ ،‬ولوال علي‬ ‫ويقول أيضاً (رحمه هللا) في جواب سؤال (جاء في الحديث " لوالك يا محمد ما‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫نوجه هذا الحديث ‪):‬؟‬ ‫خلقتك‪ ،‬ولوال فاطمة ما ُ‬ ‫ما ُ‬ ‫خلقتكما "‪ .‬كيف ّ‬ ‫"باسمه تعالى‬ ‫المراد مما ذكرتم أنه لو كان في علم هللا سبحانه‪ ،‬عدم وجود هذه السلسلة من الذوات المقدسة الطاهرة‬ ‫المطهرة (عليهم السالم)‪ ،‬لما خلق هللا العاَلم على ما في الخبر‪ ،‬وكان األمر كما كان قبل العاَلم‪ ،‬وهللا‬ ‫ِ‬ ‫العالم ‪".‬‬ ‫راجع األنوار اإللهية ص‪91.‬‬ ‫ويقول أيضاً (رحمه هللا)‪:‬‬ ‫يدل عليه ما ورد في الحديث‬ ‫"هللا هو المنشئ للكون‪ ،‬وقد يكون الداعي منه هو خلق النبي واألئمة‪ ،‬كما ّ‬

‫من قوله تعالى مخاطباً نبيه (صلى هللا عليه وآله)‪:‬‬ ‫خلقت األفالك)‪.‬‬ ‫(لوالك لما‬ ‫ُ‬ ‫راجع األنوار اإللهية ص‪. 85‬‬

‫ومن العلماء المعاصرين ‪:‬‬ ‫يقول آية هللا العظمى الشيخ حسين الوحيد الخراساني (حفظه هللا) مخاطباً اإلمام الحجة (عجل هللا فرجه‬

‫وعليه السالم)‪:‬‬

‫‪78‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)6‬‬

‫سيدي لقد عشنا عمرنا على مائدتك‪ ،‬وباسمك‪ ،‬قدمنا أنفسنا إلى الناس‪ ،‬لكّنا عندما نراجع حسابنا‪ ،‬نجد‬

‫أننا ما عرفناك‪ ،‬وال عرفنا قدرك‪ ،‬وال ّأدينا تجاهك واجب االحترام ! بل إني أتساءل كيف سيحاسبنا هللا‬ ‫ونزلنا مقامك إلى مستوياتنا ؟‬ ‫تعالى ؛ ألننا أنقصنا من حّقك ّ‬

‫يا من هو الواسطة في فيض نعم هللا على خلقه‪ ،‬يا من جعله هللا الذي منه الوجود فاعل ما به الوجود‪.‬‬ ‫ذرة من ملكه‪ ،‬فقد تعلمنا منكم التوحيد والتنزيه والتحميد‪ ،‬فنحن نشهد أن ال‬ ‫وحاشاك أن نشركك معه في ّ‬ ‫َّللا َر ُّب اْل َعاَل ِمينَ)‪.‬‬ ‫إله إال هللا وحده ال شريك له (أَ​َال َل ُه اْل َخْل ُ‬ ‫ق َو ْاأل َْمُر ۗ َتَب َار َك َّ ُ‬ ‫سورة األع ارف‪54‬‬ ‫لكننا نعتقد أن ما استثناه تعالى بقوله ‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫َّ‬ ‫فيضه وعطائه لخلقه‪ ،‬فحيثما كان عطاء إلهي‬ ‫َّللا)‪.‬هو الكثير الكثير‪ ،‬فقد جعلكم واسط َة‬ ‫اء َّ ُ‬ ‫(ِإال َما َش َ‬ ‫فأنت موجود‪ ،‬وحيثما كان فعل إلهي فأنت وسيلته‪ ..‬فالّن َفس الذي نتنفسه من هللا تعالى بكم‪ ،‬والنظر الذي‬

‫ننظر به من هللا تعالى بكم‪ ،‬والخطوة التي نخطوها من هللا بكم‪ ،‬نحن نعتقد أنك ال تملك من نفسك شيئاً‪،‬‬

‫لكنك تملك باهلل العظيم ما مّلكك ! فأنتم أهل البيت‪ ،‬وأنت يا إمام العصر رحمة هللا الواسعة التي وسعت‬ ‫كل شيء‪ ،‬وخير لنا أن نصمت عن مديحكم‪ ،‬ونتركه لمن هو أكفأ مّنا‪ ،‬فإنما أردنا هذا اليوم أن نفهم أننا‬

‫مقصرون جاهلون عاجزون‪ ،‬وأن نطلب العذر لتقصيرنا نحن بهذا الحديث عنك‪ ،‬نعرض أنفسنا أمامك‪،‬‬ ‫ّ‬

‫لعلك تتفضل علينا بنظرة‪.‬‬

‫راجع كتاب الحق المبين‪ ،‬تحت عنوان ‪ :‬كيف يستحق اإلمام مقامه؟‬ ‫ويقول أيضاً (حفظه هللا)‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫تستوف بحثاً‪،‬‬ ‫عرفني حجتك‪ ..‬إن المعرفة الكاملة لحجة هللا تعالى فوق مستوانا ! وهي مسألة لم‬ ‫"اللهم ّ‬ ‫السر‬ ‫يقصروا‪ ،‬لكن ّ‬ ‫وإن كان أعيان علمائنا (رضوان هللا عليهم وجزاهم هللا خي ارً) قد بذلوا جهوداً كبيرة ولم ّ‬ ‫في عظمة المطلب وليس في تقصير الباحثين في مسائل اإلمامة‪.‬‬

‫إن عظمة مطالب اإلمامة وعلو مقامها توجب أن ال نتوصل إلى أعماقها بسهولة" ‪.‬‬ ‫راجع الحق المبين تحت عنوان ‪ :‬كيف يستحق اإلمام مقام اإلمامة؟‬

‫‪79‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)6‬‬

‫وأما وبالنسبة إلى سماحة آية هللا العظمى السيد علي السيستاني (دام ظله الشريف) فإني لم أجد له‬ ‫كالماً أو بحثاً يتعلق بهذا الموضوع تحديداً ألنقل منه ما يناسب المقام‪ .‬ولكن يظهر لنا من خالل تتبعنا‬ ‫القاصر ألجوبته على بعض المسائل الشرعية بشكل عام‪ ،‬والعقائدية بشكل خاص‪ ،‬أن سماحة السيد‬

‫(حفظه هللا) يؤمن بالمقامات العالية والرفيعة ألهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السالم)‪.‬‬ ‫فمثالً جواب سماحته على سؤال ُو ّجه له وهو‪:‬‬ ‫سيدنا الجليل‪. .‬‬ ‫فأيهما أولى‪ ،‬أن‬ ‫ُ‬ ‫نحن في مسجد الحي نق أر بعد صالة العشائين من ليلة الجمعة الزيارة الجامعة الكبيرة‪ّ ،‬‬ ‫ُتق أر هذه الزيارة أو دعاء كميل الذي ُيستحب قراءته في مثل هذه الليلة؟‬ ‫وجواب سماحته‪:‬‬ ‫كل أحد بدعاء كميل منفرداً فالخلوة‬ ‫دع ُّ‬ ‫األولى هو الجمع‪ ،‬فإن لم يمكن فاألولى أن ُتق أر زيارة الجامعة‪ ،‬و َلي ُ‬ ‫فيه مطلوبة‪.‬‬

‫ختم المكتب‬ ‫بتاريخ ‪ ١٦‬جمادى اآلخرة ‪١٤٢3‬هـ‬ ‫وكذلك جوابه الشريف على سؤال ُو ّجه له حول الزيارة الجامعة الكبيرة ومدى صحتها وصدورها من‬

‫المعصوم (عليه السالم) والسؤال وجوابه مخطوط ومختوم من مكتبه الشريف‪ ،‬وأظنه موجود على موقعه‬ ‫الرسمي‪.‬‬ ‫حيث أجاب بقوله‪:‬‬ ‫"في هذه الزيارات ال ُينظر إلى صحة السند‪ ،‬وإنما العبرة بالوثوق لصدورها واالطمئنان بها‪ ،‬وزيارة الجامعة‬

‫كما قال المجلسي (قدس سره) من أصح الزيارات سنداً ومتناً‪ ،‬ومضامينها خير شاهد على صدورها من‬

‫المعصوم (ع) الذي هو معدن العلم ومهبط الوحي‪ ،‬فإن فقرات هذه الزيارة ال تكون صادرة إال عن مقام‬ ‫الرباني وال يشكك فيها إال ضال أو منحرف أو مكابر‪.‬‬ ‫الوحي واإللهام ّ‬ ‫‪80‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)6‬‬

‫ختم المكتب‬ ‫وقال مجيباً على سؤال‪:‬‬ ‫ما مدى صحة كل من الزيارة الجامعة‪ ،‬زيارة عاشوراء؟‬ ‫باسمه تعالى‬ ‫االعتبار في مثل األدعية والزيارات بعلو المضامين ورفعة المداليل‪ ،‬ويكفي لمثل زيارة الجامعة وعاشوراء‬ ‫مضامينها الرفيعة‪ ،‬وال ُيبحث في مثلها عن السند‪.‬‬ ‫ختم المكتب‬ ‫‪٢3‬‬

‫ربيع الثاني ‪١٤٢٢‬هـ‬

‫وقال (حفظه هللا وأبقاه) مجيباً على سؤال ُو ّجه لسماحته ‪:‬‬ ‫هل تستحب الصالة في م ارقد األئمة المعصومين(عليهم السالم)؟‬ ‫الجواب‪:‬‬ ‫تستحب الصالة في مشاهد األئمة (عليهم السالم) بل قيل إنها أفضل من المساجد‪ ،‬وقد روي أن الصالة‬ ‫عند علي (عليه السالم) بمائتي ألف‪.‬‬ ‫وهذا كما هو موجود في موقعه مركز األبحاث العقائدية‪.‬‬ ‫فهذا شأن المراقد فكيف بالمعصومين أنفسهم (ع)‪.‬‬ ‫نتلمس فكر وتقرير آية هللا العظمى السيد السيستاني (دام ظله) بالنسبة لما يطرحه العلماء‬ ‫ونستطيع أن ّ‬

‫أدل على‬ ‫األجالء من عقائد وأفكار‪ ،‬من خالل بعض البيانات الصادرة من مكتبه وإمضائه عليها‪ ،‬وليس ّ‬ ‫ذلك من البيان الصادر عنه (مّد ظله الشريف) بعد وفاة آية هللا العظمى الشيخ المير از جواد التبريزي‬ ‫ُ‬

‫يدل على‬ ‫(قدس سره) فإنه بيان ليس‬ ‫ّ‬ ‫عادياً بكلمات عابرة فيها لو ٌن من المجاملة أو ما شابه‪ ،‬وإنما ّ‬ ‫توافق في المواقف واألفكار التي يطرحها آية هللا العظمى الشيخ التبريزي (قدس سره)‪.‬‬

‫‪81‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)6‬‬

‫ويعجبون‬ ‫والغريب في أمر جماعتي التي أنتمي إليها‪ ،‬أنهم حينما يستمعون إلى بعض الخطباء الحسينيين ُ‬ ‫بطرحهم حول مقامات المعصومين (عليهم السالم) يجلبونهم للقراءة عندهم في الحسينيات التابعة لهم‪،‬‬ ‫وهذا واقع ملموس عندنا سواء في األحساء أو الكويت‪ ،‬وإن كانت هذه الظاهرة في الكويت أكثر‪.‬‬ ‫ولكنهم لم يسألوا أنفسهم‪:‬‬ ‫هذه عقيدتهم في األئمة المعصومين (عليهم السالم) إذن كيف هي عقائد علمائهم وفقهائهم الراجعين‬ ‫إليهم!؟‬

‫خالصة‪:‬‬ ‫المتقدمين أو المتأخرين‬ ‫نفهم من خالل ما سبق ذكره‪ ،‬بأن علماء الطائفة (أعلى هللا كلمتهم) سواء من‬ ‫ّ‬ ‫وح ّتى المعاصرين منهم ؛ ال يختلفون في عقائدهم عما يطرحه الشيخ األوحد (رحمه هللا) في مقامات‬

‫معين واحد‪.‬‬ ‫المعصومين (عليهم السالم) بالجملة ؛ ألنهم يشربون من‬ ‫ٍ‬

‫وإال إذا اعتبرنا أن ما جاء به موالنا الشيخ األوحد (رحمه هللا) معيا اًر وميزاناً للتقليد ؛ إذن علينا أن‬

‫نشطب بقلم عريض على كل علماء اإلمامية وعقائدهم منذ عصر الغيبة ح ّتى تاريخنا المعاصر!!‬

‫التامة الكاملة التي جاءوا بها‪ ،‬وهي متقاربة من‬ ‫فماذا نريد من علمائنا األجالء بأكثر من هذه العقائد ّ‬ ‫حيث طرح الشيخ األوحد (قدس سره) وما جاء به من فكر إلى درجة التطابق!؟‬ ‫بل إن بعض األفكار العقائدية التي جاء بها الشيخ (رحمه هللا) هي عينها قد سبقه بها بعض أعالم‬ ‫أحد من قبله‪ ،‬مع‬ ‫يتصور البعض بأن هذه الفكرة أو تلك لم يسبق‬ ‫الطائفة الماضين‪ ،‬ولكن‬ ‫َ‬ ‫الشيخ بها ٌ‬ ‫ّ‬ ‫الح َّب الذي ُيعمي‬ ‫العلم بأنها موجودة عند غيره ممن سبقه بسنوات‪ ،‬ح ّتى قبل والدته‪ ،‬ولكن َ‬ ‫هللا ُ‬ ‫قات َل ُ‬ ‫ويصم‪.‬‬ ‫ُ‬

‫أذعنت للحق دون مكابرة‪ ،‬أو‬ ‫شك‪،‬‬ ‫عت على هذا الفكر العقدي الصافي‪ ،‬الذي ال يشوبه ّ‬ ‫ُ‬ ‫ولذلك عندما وق ُ‬

‫لف ودوران‪ ،‬وليس يعني ذلك بأني قد أعرضت عن الشيخ األوحد (رحمه هللا) بالمطلق‪ ..‬أبداً‪ ،‬ليس األمر‬ ‫ّ‬ ‫نظرت إليه باتزان كما أنظر إلى غيره من علماء الطائفة بإنصاف‪ ،‬لكن ال يعني أني أضعه‬ ‫كذلك‪ ،‬ولكنني‬ ‫ُ‬ ‫معيا اًر كاألئمة (ع) في الحب والبغض‪ ،‬وإال فما الفرق بينه و بينهم (ع)؟‬ ‫‪82‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)6‬‬

‫كنت أتوقع‪.‬‬ ‫فأنا‬ ‫وجدت ضاّلتي من العقائد عند علماء الطائفة أكثر بكثير مما ُ‬ ‫ُ‬ ‫ينص في جوابه على السؤال الذي ُو ّجه إليه ‪:‬‬ ‫بينما المير از حسن (رحمه هللا) ّ‬ ‫ما هو معيار كامل العقيدة عندكم‪ ،‬وكيف نرى مصداق ذلك في العالم الذي يستحق التقليد؟‬ ‫فقال (رحمه هللا)‪:‬‬ ‫أن يؤمن بالزيارة الجامعة الكبيرة ألهل البيت (عليهم السالم)‪.‬‬ ‫مر علينا ذلك‪.‬‬ ‫وهذا المقدار المتيّقن بال شك نجده في سائر علماء الطائفة‪ ،‬كما ّ‬ ‫بقي أن أشير إلى نقطة في غاية األهمية‪ ،‬وهي اتهام علماء الطائفة بالشرك وعدم امتالك التوحيد‬ ‫الخالص‪ ،‬من خالل الترويج لبعض المصطلحات الفلسفية والكالمية بين عوام الناس ممن ال يفهم هذا‬ ‫أشرت إليها على نحو اإلجمال وهي ما ساقه الشيخ حسين‬ ‫الفن‪ ،‬وال يدري ما يدور في أجواء العلم‪ .‬وقد‬ ‫ُ‬ ‫الفهيد في كالمه‪.‬‬

‫وهذا ما سأثيره في الحلقة القادمة إن شاء هللا‪.‬‬

‫‪83‬‬


‫مذكراتي‬ ‫الجزء (‪)7‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)7‬‬

‫الجزء السابع‬ ‫اج َه ُت في طريقي بعض‬ ‫تعر ُ‬ ‫فت على كمال عقيدة علماء الطائفة (أعلى هللا كلمتهم) عن َك َث ٍب‪ ،‬و َ‬ ‫بعد أن ّ‬

‫تربينا ونشأنا‬ ‫العقبات‪ ،‬وهي من مخّلفات الماضي‪ ،‬إذ ال تزال عالق ًة في ذهني ؛ بحكم التغذية الخاطئة التي ّ‬ ‫عليها منذ الصغر من قبل مشائخنا وجماعتنا (سامحهم هللا وعفى عنهم)‪ .‬وتتمّثل هذه العقبات في بعض‬

‫كرسه في‬ ‫المصطلحات الفلسفية والكالمية‪ ،‬التي لم نكن نفقه معناها الحقيقي من قبل‪ ،‬إال بمقدار ما ّ‬ ‫تمت إلى الواقع بصلة‪.‬‬ ‫أذهاننا مشائخنا الذين‬ ‫أشرت إليهم سابقاً‪ ،‬وهي ال تعدو كونها مغلوطة‪ ،‬وال ّ‬ ‫ُ‬ ‫وهذه المصطلحات مثل ‪:‬‬ ‫◇شريك الباري (ممتنع الوجود لذاته)‪.‬‬ ‫المقدسة‪.‬‬ ‫◇هللا َعَل ٌم على ال ّذات‬ ‫ّ‬ ‫تصور الذات إجماالً‪.‬‬ ‫◇ ّ‬ ‫◇وحدة الوجود‪.‬‬ ‫◇هللا عّلة العلل‪.‬‬ ‫جر من هذه المصطلحات التي من المفترض أن ال ُيسمح بنشرها في أوساط العوام ؛ ألنهم ال‬ ‫وهّلم ّاً‬ ‫شيء بالسالح في يد طفل أو مجنون ال‬ ‫يفقهون معناها‪ ،‬وليست من شأنهم أو اختصاصهم‪ ،‬فهي أشبه‬ ‫ٍ‬ ‫ُيحسن استعماله‪ ،‬فكيف ُيعطى ّإياه بهذه الطريقة العشوائية!؟‬ ‫بال شك أنه ستحدث كارثة كبيرة!!‬ ‫تصور معي بأن هذه المصطلحات الفلسفية التي مكانها في األروقة العلمية بالحوزات ؛ أصبح يستامها‬ ‫ّ‬ ‫جر ً‬ ‫وهلم ّا‬ ‫النجار في منجرته‪ ،‬والبّقال في بّقالته و ّ‬ ‫ح ّتى ّ‬ ‫الخضار في سوق الخضار‪ ،‬والفالح في مزرعته‪ّ ،‬‬

‫!‬

‫بينما الشاعر يقول‪:‬‬

‫‪85‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)7‬‬

‫العلم إال بأهله‬ ‫أالَ ال يروج ُ‬ ‫على العلم من بعد الفحول سالم‬ ‫ولكنني بالرغم من كل ذلك لم ِ‬ ‫مبر اًر‬ ‫أي ٍ‬ ‫أعْر َّ‬ ‫بال لهذه العقبات التي اعترضت طريقي‪ ،‬إ ْذ ُ‬ ‫قلت في نفسي ّ‬ ‫بهذه التبريرات التالية‪:‬‬ ‫وكالمية‪ ،‬وال تقليد في‬ ‫إن هذه األمور ليس لها عالقة بموضوع التقليد ؛ ألنها مصطلحات فلسفية‬ ‫أوالً ‪ّ :‬‬ ‫ّ‬ ‫األصول أو الفلسفة‪ ،‬وإنما التقليد في أحكام الفروع‪.‬‬ ‫وقد ذكر المرحوم المير از حسن (رحمه هللا) في أول رسالته العملية أنه ال يجوز التقليد في أصول الدين‪،‬‬ ‫البد من اليقين واإليمان بالدالئل والبراهين العقلية‪ ...‬إلخ‬ ‫وال‬ ‫بالظن الحاصل من أقوال الناس‪ ،‬بل ّ‬ ‫ّ‬ ‫المصدر‪ /‬أحكام الشيعة ج‪ ،١‬ص‪.٨‬‬ ‫مختلف "‪ .‬كما يقول الشاعر‪.‬‬ ‫اض والرأي‬ ‫كل بما عنده ر ٍ‬ ‫ُ‬ ‫ثانياً ‪ٌ " :‬‬ ‫فالشيخ األوحد (رحمه هللا) إن كان ال يرى هذه األمور فهذا رأيه‪ ،‬وأولئك العلماء والفالسفة لهم آراؤهم‪،‬‬ ‫يخل بأصل المعتقد‪ ،‬وبأصول المذهب‪ ،‬فما دخل العوام في هذه المسائل العلمية‬ ‫كل‬ ‫و ٌ‬ ‫يتحمل رأيه‪ ،‬وهذا ال ّ‬ ‫ّ‬ ‫الدقيقة!؟‬ ‫وجميل أن أذكر في هذا السياق القصة التالية ‪:‬‬ ‫درس‬ ‫ومر رجل عادي جداً‬ ‫يقال أنه كان في النجف األشرف ٌ‬ ‫صي في الفقه (البحث الخارج) ّ‬ ‫علمي ّ‬ ‫تخص ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫تجمعاً كبي اًر من العلماء وهم يصغون لدرس المجتهد الجالس على المنبر‪،‬‬ ‫على مكان ذلك الدرس‪ ،‬فرأى ّ‬ ‫تخصصي‬ ‫فأعجبه أن يواظب على الحضور معهم‪ ،‬وإن كان ال ُيدرك شيئاً مما يدور في الدرس ؛ ألنه درس ّ‬ ‫مليء باالصطالحات العلمية‪ ،‬وهو رجل جاهل لم يدرس شيئاً من العلم‪.‬‬

‫المدرس ليترك للطالب‬ ‫وعاد ًة ما يحدث نقاش وخالف حول بعض المسائل العلمية أثناء الدرس‪ ،‬فيتوقف ّ‬ ‫مجال المناقشة والجدال‪ ،‬فترتفع األصوات وينشغل كل طالب بمناقشة اآلخرين حول المسألة المختلف‬ ‫فيها‪ ،‬وهنا وجد ذلك الرجل العادي نفسه محرجاً حينما بقي ساكتاً ال يشارك في النقاش!‬

‫‪86‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)7‬‬

‫يظل ساكتاً‪ .‬وبالفعل الحظ الطالب أنه يتكّلم‬ ‫فصمم على أن يكون له صوت حينما يحتدم النقاش وأن ال ّ‬ ‫ّ‬ ‫عال أثناء النقاش‪ ،‬ولكن لكثرة األصوات وارتفاعها ال يدرون ماذا يقول!؟‬ ‫معهم بصوت ٍ‬ ‫رمز معروف‪ ،‬بينما يكون الرجل مستم اًر في‬ ‫فاتفقوا مع‬ ‫المدرس على أن يوقف النقاش فجأة عن طريق ٍ‬ ‫ّ‬ ‫صراخه وكالمه‪ ،‬ليعرفوا ما يقول!!‬ ‫بصوت عال ‪ٍ :‬‬ ‫المدرس النقاش فجأ ًة في اليوم التالي‪ ،‬وإذا بالرجل يهتف‬ ‫ٍ‬ ‫بالفعل أوقف ّ‬ ‫خبز ولحم‪ ...‬خبز ولحم‪ ...‬خبز ولحم‪.. !!.‬‬ ‫بد من أن يرفع صوته ليثبت وجوده وكفاءته لحضور الدرس‪ ،‬ولما لم يكن له علم أو رأي يطرحه‬ ‫إنه ال ّ‬

‫يردد كلمة " خبز ولحم" ‪.‬‬ ‫كان ّ‬

‫وبأي وسيلة كانت‪،‬‬ ‫أي دور ومكانة‪ّ ،‬‬ ‫وهكذا هم الجاهلون والفاشلون في المجتمعات‪ ،‬يبحثون لهم عن ّ‬ ‫فإذا لم يجدوها بالكفاءة والعلم‪ ،‬استخدموا أساليب الجهل والتد ّخل فيما ال يعنيهم بشيء ؛ ليلفتوا بذلك‬

‫أنظار الناس إليهم‪ ،‬لعلهم يحظون بشيء من القيمة أو االهتمام‪.‬‬

‫الكالمية المعّقدة!؟؟‬ ‫بربك ما هو دخل العوام بالفلسفة والمسائل‬ ‫ّ‬ ‫وإال قل لي ّ‬ ‫وإال فإن الشيخ أحمد بن زين الدين األحسائي (رحمه هللا) إن كان هناك اختالف بينه و بين المدارس‬ ‫الفلسفية األخرى‪ ،‬فإن هذا االختالف في أروقة الحوزات العلمية وأجواء العلم فحسب‪ ،‬وليس مبتذالً في‬ ‫ساحة العوام في سوق الخضار والمزارع وسوق الصفافير!!‬

‫ولذلك ُنقل عن المرحوم آية هللا الشيخ محمد الهاجري ( ُقدس سره) أنه قال‪:‬‬ ‫إن كثي اًر من االختالف الفلسفي والكالمي الذي وقع بين الشيخ أحمد بن زين الدين (رحمه هللا) وبين‬ ‫نظرائه من الفالسفة ؛ معظمه اختالف على مستوى األلفاظ فقط‪ ،‬دون االختالف على األصول‪ ،‬وإال فكّلهم‬

‫موحدون هلل تعالى‪.‬‬ ‫ّ‬

‫والحظ هذا الكالم ممن صدر؟‬ ‫إنه صدر من َعَلم نعتبره عظيماً من أعالم مدرسة الشيخ األحسائي وهو الشيخ الهاجري (قدس هللا‬ ‫روحه)‪.‬‬

‫‪87‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)7‬‬

‫ممن ال يفقهون شيئاً من هذه األمور وليست‬ ‫عالم هذا الصراع بين عو ّ‬ ‫ام الناس ّ‬ ‫وما دام األمر كذلك‪ ،‬فإذن َ‬ ‫من شأنهم!؟‬

‫ثالثاً ‪ :‬ليس من المعقول أن تغيب عن علماء الطائفة هذه العيوب واألمراض الفكرية التي كان يقوم‬ ‫بتسويقها أتباعنا بيننا على أساس أنها ال تنسجم مع التوحيد الخالص والعقيدة الصافية ألهل البيت‬

‫(عليهم السالم) فيما لو كانوا يؤمنون بها كمصطلحات فلسفية‪ ،‬وتحمل هذه المعاني الغير صحيحة ‪-‬‬ ‫نحن من زاويتنا ونافذتنا ‪ -‬فبالتأكيد قد يحتفظون بردودهم في محّلها‪ ،‬على هذه األفكار‬ ‫كما نراها ُ‬

‫الردود ؛ لكي نراها عن كثب ؛ ألنه ليس‬ ‫البد أن نقع يوماً ما على تلك ّ‬ ‫واإلشكاالت العالقة في أذهاننا‪ ،‬و ّ‬

‫الموضوعية‬ ‫قوم أو فكرهم من أعدائهم أو مخالفيهم‪ ،‬فهذا ليس من‬ ‫من الصحيح أبداً أن نأخذ عقيدة ٍ‬ ‫ّ‬

‫ذرة من النزاهة والحياد‪.‬‬ ‫على اإلطالق‪ ،‬وليس به أدنى ّ‬

‫فنحن نعيب على أبناء المخالفين بأنهم ال يأخذون عقائدنا من كتبنا وإنما من أعدائنا‪ ،‬فكيف نقوم بنفس‬ ‫ُ‬

‫الطريقة واألسلوب!؟‬

‫ومع كامل االحترام والتقدير للشيخ أحمد زين الدين (رحمه هللا وأعلى درجاته) إال أنه ال يعيش في دائرة‬ ‫العصمة‪ ،‬فالعصمة ألهلها‪.‬‬ ‫الصحة‪ ،‬كما هو مفاد القاعدة الفقهية (قاعدة سوق المسلمين)‬ ‫أحمل عمل المسلمين على‬ ‫رابعاً ‪ :‬أنا‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ثم كيف بعلماء الطائفة !؟‬ ‫فكيف بإخوتي في الوالية‪ ،‬ال أقوم على حملهم على حسن ّ‬ ‫الظن بعقائدهم ؟ ّ‬ ‫إذ المشكلة أعظم وأعظم‪..‬‬ ‫وهللا تعالى يقول‪:‬‬ ‫يل َّ ِ‬ ‫َّ ِ‬ ‫ين آمُنوا ِإ َذا َضَرْب ُتم ِفي س ِب ِ‬ ‫الس َال َم َل ْس َت ُم ْؤ ِمًنا َت ْب َت ُغو َن‬ ‫َّللا َف َتَبَّيُنوا َوَال َتُقوُلوا لِ َم ْن أَْلَق ٰى ِإَل ْي ُك ُم َّ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫(َيا أَُّي َها الذ َ َ‬ ‫ِ‬ ‫الدْنيا َف ِعْن َد َّ ِ ِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِٰ‬ ‫ان ِب َما‬ ‫َعَر َ‬ ‫َّللا َك َ‬ ‫ض اْل َحَياة ُّ َ‬ ‫َّللا َعَل ْي ُك ْم َف َتَبَّيُنوا ۚ ِإ َّن َّ َ‬ ‫َّللا َم َغان ُم َكث َيرةٌ ۚ َك َذل َك ُكْن ُت ْم م ْن َقْب ُل َف َم َّن َّ ُ‬ ‫ير)‪.‬‬ ‫َت ْع َمُلو َن َخ ِب ًا‬ ‫سورة النساء‪94‬‬ ‫وقال سبحانه وتعالى ‪:‬‬

‫‪88‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)7‬‬

‫ِ‬ ‫اسق ِبَنبٍإ َف َتبَّيُنوا أ ْ ِ‬ ‫ِ‬ ‫يبوا َق ْو ًما ِب َج َهاَل ٍة َف ُت ْص ِب ُحوا َعَل ٰى َما َف َعْل ُت ْم َن ِاد ِمينَ)‪.‬‬ ‫(َيا أَُّي َها َّالذ َ‬ ‫َن ُتص ُ‬ ‫اء ُك ْم َف ٌ َ َ‬ ‫آمُنوا ِإ ْن َج َ‬ ‫ين َ‬ ‫سورة الحجرات‪6‬‬ ‫وقد يأتيني البعض ممن لم يفهم ُمرادي هذا ليقول ‪ :‬أنت تنعتنا بالفاسقين ؟‬ ‫تتبين من بعدنا‪ ،‬كما هو غرضك السقيم من وراء استشهادك بآية البيان في هذا السياق!!؟‬ ‫أجل لماذا ّ‬ ‫وأقول لهم ‪ :‬إن مفهوم اّللقب باطل كما يقول علماء األصول في ذلك‪ ،‬فحينما أقول ‪:‬‬ ‫أبدا‪.‬‬ ‫علياً كذلك أيضاً‪ً ،‬‬ ‫(خالد فاسق) ال ُيفهم من كالمي أن ّ‬ ‫أي خبر ووقوعه‪ ،‬ليس منحص اًر على الكالم أو النبأ الذي يجلبه ويسوقه لنا‬ ‫ّ‬ ‫فالتبين والتأكد من صحة ّ‬ ‫التبين‬ ‫الفاسق‪ ،‬وإنما كل إنسان ال يعيش في دائرة العصمة فكالمه ّ‬ ‫البد أن نضعه تحت مجهر العلم و ّ‬

‫يخصص الوارد‪ .‬فإن سبب نزول هذه اآلية‬ ‫والفحص‪ ،‬لنرى صدقه من عدمه ؛ ألن خصوص السبب ال ّ‬ ‫الكريمة معلومة قصته‪ ،‬وانطباق مصداقه على مفهومه‪ ،‬ولكنها ‪ -‬أي اآلية ‪-‬غير منحصرة في الشخص‬ ‫طلت معظم آيات القرآن الكريم في ذلك‪.‬‬ ‫الذي نزلت فيه‪ ،‬وإال لتع ّ‬ ‫فموضع الشاهد‪:‬‬

‫قررت أن أُبقي هذه األفكار في سنبلها‪ ،‬ح ّتى يأتي وقتها المناسب إن شاء هللا تعالى‪ .‬إذ أنه من‬ ‫إنني ّ‬ ‫اسياً في الحوزة‪.‬‬ ‫المؤكد أن تزول هذه الشبهات‬ ‫تعمقي در ّ‬ ‫ّ‬ ‫تدريجياً عن ذهني‪ ،‬مع ّ‬

‫الدراسة في الحوزة العلمية‪:‬‬ ‫ّ‬

‫درست في كتب الفلسفة وعلم الكالم في الحوزة العلمية‪ ،‬ككتاب المنهج الجديد في تعليم الفلسفة‬ ‫وبعد أن‬ ‫ُ‬

‫للشيخ محمد تقي مصباح اليزدي‪ ،‬وكذلك جزءاً من البداية والنهاية للسيد محمد حسين الطباطبائي (رحمه‬ ‫هللا) وكتاب ‪ :‬النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر للعالمة أبي منصور جمال الدين الحسن‬

‫وقمت باالطالع على بعض األبحاث والدراسات الفلسفية والكالمية األخرى‪،‬‬ ‫بن يوسف الحّلي (قدس سره)‬ ‫ُ‬ ‫فتبين لي من خالل ذلك عكس‬ ‫كما‬ ‫ُ‬ ‫تحاورت مع بعض األساتذة والزمالء من أهل الفن في الحقل الفلسفي‪ّ ،‬‬ ‫‪89‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)7‬‬

‫التصورات الخاطئة من‬ ‫تصور خاطئ عن تلك المصطلحات‪ .‬وساعد على محو تلك‬ ‫ما ُ‬ ‫ّ‬ ‫كنت أحمله من ّ‬ ‫رك ْت تأثي اًر ملحوظاً في تفكيري‪ ،‬وب ّثت النزعة العقلية في‬ ‫ذهني األجواء العلمية والدروس الحوزوية‪ ،‬التي َت َ‬ ‫الشخصيات‬ ‫وجودي‪ ،‬وتوجيه عنايتي إلى مناهج البحث العلمي‪ ،‬والحرص على الد ّقة في معرفة األشياء و‬ ‫ّ‬ ‫من حولي‪.‬‬

‫عامة‪ ،‬ونصل إلى نتيجة من ك ّل هذه األطروحات والمصطلحات‪ ،‬بعيداً‬ ‫ولذلك علينا أن نستخلص فائدة ّ‬ ‫المتسرعة‪ ،‬وما أخذناه من أفكار معّلبة جاهزة دون تأمل ودراية أو‬ ‫عن الخطاب االنفعالي والخالصات‬ ‫ّ‬ ‫متصيدة أو مستنبطة إما من القرآن‬ ‫دراسة‪ ،‬لنقول أن معظم هذه المصطلحات الفلسفية والكالمية إنما هي‬ ‫َّ‬

‫المطهرة‪ ،‬غاية ما في األمر أنها ِصيغت في قوالب فلسفية جديدة وبألفاظ مختلفة ليس‬ ‫الكريم أو السّنة‬ ‫ّ‬ ‫وسأوضح بالتفصيل إن شاء هللا في هذه‬ ‫أكثر‪ ،‬أو من دليل الحكمة والعقل دون معارضته للكتاب والسنة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الحلقة من مذ ّكراتي وفي الحلقة القادمة‪.‬‬

‫البد منه‪:‬‬ ‫تنبيه هام ّ‬ ‫أنبه‬ ‫وقبل الخوض في تفاصيل هذه المصطلحات الفلسفية والكالمية‪ ،‬والتي‬ ‫القراء بها‪ّ ،‬‬ ‫ُ‬ ‫البد لي أن ّ‬ ‫وعدت ّ‬

‫مهمتين‪:‬‬ ‫إلى نقطتين ّ‬

‫األولى‪ /‬حول تسمية هذه المذ ّكرات والغرض منها‪:‬‬ ‫تسميها اسماً‬ ‫إن البعض قد ذكر ضمن تعليقاته وانطباعاته على هذه المذ ّكرات‪ ،‬فقال لي ‪ :‬حرّي بك أن ّ‬ ‫آخر ينسجم مع طبيعتها‪ ،‬فهي تدور في أجواء ِ‬ ‫الح َجاج الكالمي‪ ،‬فهي أشبه ما تكون كذلك‪ ،‬فأعطها اسماً‬ ‫يتناسب مع طبيعة طرحها‪ ،‬وليس بالمذ ّكرات‪.‬‬

‫قصتي‪ ،‬أو دوافع أسباب َتْركي لذلك المنهج‬ ‫سمها ما شئت‪ ،‬ولكنني ّ‬ ‫البد أن أقوم بتدوين ّ‬ ‫فقلت له ‪ّ :‬‬ ‫ظْل ُت عليه عاكفاً لسنوات‪ ،‬وال يزال الكثير يظّلون عاكفين عليه ح ّتى الساعة ؛ ألن الكثير‬ ‫وتفاصيله الذي َ‬

‫الحجة‬ ‫يتصورون بأننا ال نملك‬ ‫من أخوتنا األعزاء (حفظهم هللا ورعاهم وهدانا هللا و ّإياهم إلى الحق)‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الدامغة والدليل الصارم من وراء موقفنا األخير‪ ،‬بعد عكوفنا على ذلك الخط والمنهج لسنوات‪ ،‬وال يحاولون‬

‫‪90‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)7‬‬

‫يضطر الكثير منهم أن يخوض ذات التجربة التي خضناها‪ ،‬وخاضها الكثير‬ ‫أن يسألونا عن السبب‪ ،‬وإنما‬ ‫ّ‬ ‫غيرنا من قبل‪ ،‬وال يزال البعض يخوضها ح ّتى الساعة‪.‬‬

‫ضدنا الشائعات الباطلة والكاذبة‪ ،‬ومنها أن بعض الجهات‬ ‫والبعض اآلخر ‪ -‬لألسف ‪ -‬يحاول أن يشيع ّ‬

‫قامت بإغرائنا ببعض المال الذي يسيل له اللعاب‪ ،‬ثم قمنا بترك ما كّنا عليه من منهج سابق ؛ استسالماً‬

‫المادي ال المنطق العلمي والشرعي‪.‬‬ ‫للمنطق ّ‬

‫بأية صلة‪ .‬ولكن ماذا نصنع مع‬ ‫وهلم ّاً‬ ‫جر من االتهامات الباطلة التي ُتضحك الثكلى‪ ،‬وال ّ‬ ‫تمت إلى الواقع ّ‬ ‫ّ‬ ‫من يستعمل الفجور فى الخصومة مع من يختلف معه في الرأي‪ ،‬خصوصاً من يدرك أسباب تركنا لذلك‬

‫المنهج!؟‬

‫قصتنا‪ ،‬وما عندنا من أسباب‬ ‫ولذلك أحببنا من خالل عرض هذا النتاج وهذه التجربة أن يعرف اآلخرون ّ‬

‫جعلتنا نقوم بتغيير موقفنا السابق في التقليد الفقهي‪ ،‬وما ألفينا عليه آباءنا وأجدادنا من أفكار مغلوطة‪،‬‬ ‫البد من تصحيحها وتقويمها‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫انتقامية‬ ‫فهذه المذ ّكرات حصيلة تجارب ودراسة استمرت حوالي عشرين عاماً‪ ،‬ولذلك ليست دراسات وأبحاثاً‬ ‫ّ‬

‫علمية وبأعصاب هادئة‪ ،‬بعيدة عن أجواء الغرائز العاطفية‬ ‫كما يحلو للبعض تسميتها‪ ،‬وإنما هي دراسة‬ ‫ّ‬ ‫والتعصب األعمى‪.‬‬ ‫الثانية‪ /‬حول ضرورة فهم المصطلح‪:‬‬ ‫ألي حقل علمي بشكل دقيق وواضح يعتبر فهماً لنصف ذلك العلم ؛‬ ‫إن فهم المصطلحات العلمية التابعة ّ‬ ‫ألن المصطلحات هي مفاتيح العلوم‪.‬‬ ‫يبين أهمية فهم المصطلح‪.‬‬ ‫مهماً في هذا المجال‪ّ ،‬‬ ‫واليسمح لي القارئ الكريم أن أنقل نصاً ّ‬ ‫قال د‪ .‬عبدالسالم المسدي‪:‬‬

‫يتوسل به اإلنسان إلى منطق العلم غير ألفاظه االصطالحية‪ .‬حتى لكأنها تقوم من‬ ‫"ليس من مسلك ّ‬ ‫العلم مقام جهاز الدوال‪ ،‬ليست مدلوالته إال محاور العلم ذاته‪ ،‬ومضامين قدره‪ ،‬من يقين المعارف وحقيق‬ ‫وضح أن السجل االصطالحي هو الكشف المفهومي‬ ‫فن‪َ ،‬ت ّ‬ ‫األقوال‪ .‬فإذا استبان خطر المصطلح في كل ّ‬

‫‪91‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)7‬‬

‫كالسياج العقلي الذي يرسي حرماته‪ ،‬رادعاً ّإياه أن‬ ‫الذي يقيم للعلم ُس َ‬ ‫وره الجامع وحصنه المانع‪ ،‬فهو له ّ‬ ‫يالمس غيره‪ ،‬وحاظ اًر غيره أن يلتبس به" ‪.‬‬ ‫صياغة المصطلح وأسسها النظرية ‪ :‬سلسلة بحوث ودراسات‪ ،‬ص ‪ ،٢7‬بيت الحكمة‪ ،‬قرطاج‪ ،‬تونس‪.‬‬ ‫وقال د‪ .‬عبدالرزاق جعنيد معّلقاً على النص السابق للدكتور المسدي ‪:‬‬ ‫فلكل علم اصطالح خاص‬ ‫"يكشف هذا النص عن ّ‬ ‫أهمية المصطلح في تحصيل العلوم وضبطها وإدراكها‪ّ ،‬‬

‫يتيسر للشارع فيه االهتداء سبيالً‪ ،‬وال إلى انفهامه دليالً ؛ ألن كل‬ ‫به‪ ،‬وإذا لم ُيعلم بذلك فال يمكن أن ّ‬ ‫تتبعت كشفه المصطلحي وقارنته بالرصيد القاموسي‬ ‫علم يصطنع لنفسه من اللغة معجماً خاصاً‪ ،‬فلو ّ‬ ‫المشترك في اللغة كالتي يتحاور بها العلم ذاته‪ ،‬لوجدت حظاً واف اًر من ألفاظ العلم غير وارد قطعاً في‬

‫عما هو شائع انفصاالً ال يبقى‬ ‫الرصيد المتداول لدى أهل اللسان‪ ،‬وما منه وارد فإنما ينفصل في الداللة ّ‬ ‫وخصوصياته في كل علم‪،‬‬ ‫معه إال التواتر في الشكل األدائي‪ .‬ومن ثم وجب االهتمام به وبتحديد دالالته‬ ‫ّ‬

‫تخصص باعتباره عالمة لغوية ال يدركها إال ذوو االختصاص‪ ،‬على خالف العالمة اللغوية‬ ‫بل وفي كل ّ‬ ‫العادية والتي تكون قاسماً مشتركاً بين المتكّلمين داخل نفس المجموعة اللغوية ‪".‬‬ ‫ّ‬ ‫المصدر ‪ :‬المصطلح النقدي قضايا وإشكاالت ‪ :‬د‪ .‬عبدالرزاق جعنيد‪ ،‬ص‪. ٦ - 5‬‬ ‫مثال على ذلك‪:‬‬ ‫عدة‪ ،‬كما في كتابه مفاتيح العلوم‪:‬‬ ‫لفظة الرجعة مثالً كما يرى الخوارزمي لها مواضعات ّ‬ ‫المرة الواحدة من الرجوع‪ ،‬ال يكادون يعرفون غيرها‪.‬‬ ‫فهي عند أصحاب اللغة ‪ّ :‬‬ ‫وعند الفقهاء ‪ :‬الرجوع في الطالق الذي ليس ببائن‪.‬‬ ‫المتحيرة على خالف نضد البروج‪.‬‬ ‫المنجمين ‪ :‬عبارة عن سير الكواكب الخمسة‬ ‫وعند‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬

‫الكالميين (علماء الكالم)‪ :‬عود جماعة قليلة إلى الحياة الدنيوية قبل يوم القيامة‪ ،‬ثم موتهم وحشرهم‬ ‫وعند‬ ‫ّ‬ ‫مجدداً يوم القيامة‪.‬‬ ‫ّ‬

‫جر‪.‬‬ ‫وهلم ّاً‬ ‫ّ‬

‫‪92‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)7‬‬

‫المختصة‬ ‫ولهذا اهت ّم القدماء ‪ -‬وعياً منهم بأهمية عتبة المصطلح ‪ -‬بتصنيف الكتب والمصّنفات والمعاجم‬ ‫ّ‬

‫مقدمة كتابه مفاتيح‬ ‫في مختلف المجاالت المعرفية‪ ،‬كما فعل الخوارزمي الذي دعته نفسه ‪ -‬كما يقول في ّ‬

‫العلوم ‪- :‬‬

‫إلى تصنيف كتاب يكون جامعاً لمفاتيح العلوم‪ ،‬وأوائل الصناعات‪ ،‬متضمناً ما بين كل طبقة من العلماء‬ ‫من المواضعات واالصطالحات التي خلت منها أو من جّلها الكتب الحاصرة لعلم اللغة‪ ،‬حتى أن اللغوي‬

‫صّنفت في أبواب العلوم والحكمة‪ ،‬ولم يكن قد أخذ الصدر‬ ‫ّ‬ ‫المبرز في األدب إذا تأمل كتاباً من الكتب التي ُ‬ ‫كاألمي األعتم عند نظره فيه‪.‬‬ ‫من تلك الصناعات‪ ،‬لم يفهم شيئاً منه‪ ،‬وكان‬ ‫ّ‬ ‫بتصرف‪.‬‬ ‫المصدر‪ /‬مفاتيح العلوم ص ‪٢‬‬ ‫ّ‬ ‫وهكذا فعل غير الخوارزمي من العلماء مثل الكاشاني والتهاوني وأبي هالل العسكري وعلي بن محمد‬ ‫الشريف الجرجاني وسواهم‪.‬‬ ‫والفلسفة شأنها شأن باقي العلوم‪ ،‬لها مفاهيمها وضوابطها وقواعدها ومصطلحاتها التي هي أحد مفاتيحها‬ ‫وعتباتها‪ ،‬وبدون فهم تلك المصطلحات والقوانين الخاصة بالفلسفة وضبط دالالتها ال يمكن للمتلقي فهم‬ ‫أسرارها وتذليل صعوباتها‪ ،‬وخاص ًة صعوبة الفهم والتلقي‪ ،‬باعتبارها إحدى العناصر األساسية في الفعل‬ ‫ثم فإن الجهل بمعنى المصطلحات ودالالتها‬ ‫اإلبداعي إلى جانب القائل والمقول إليه كما يرى أرسطو‪ .‬ومن ّ‬

‫يؤدي حتماً إلى عدم فهم الكالم‪ ،‬ويحول بالتالي إلى عدم حصول الفائدة منه‪ ،‬والفائدة ال تحصل إال بفهم‬

‫الصورية ‪-‬‬ ‫المتحدث فيه ؛ ألن الجهاز المصطلحي في كل علم هو بمثابة لغته‬ ‫مصطلحات ذلك العلم‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫رياضياته النوعية‪ ،‬وكل ذلك يفضي جدالً إلى اعتبار كل‬ ‫كما يقول عبدالسالم المسدي ‪ -‬بل قل هو‬ ‫ّ‬ ‫أي علم من العلوم ركناً يرتكز عليه البناء المعرفي‪ ،‬فيكون للمصطلح من الوظائف الصورية‬ ‫مصطلح في ّ‬ ‫ما يكون للرمز السيني في المعادلة الرياضية‪.‬‬

‫المصدر‪ /‬عبدالرزاق جعنيد‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص ‪ 7 - ٦‬بتصّرف‪.‬‬ ‫وتأسيساً على هذه القاعدة أقول‪:‬‬ ‫متخصص‪ ،‬له باع طويل ويستند إلى ركن‬ ‫كأي علم من العلوم‪ ،‬فهو يحتاج إلى أستاذ‬ ‫ّ‬ ‫إن علم الفلسفة ّ‬ ‫بتطفل و ّادعاء بما ليس‬ ‫وثيق في الفلسفة‪ ،‬ح ّتى يتسنى له أن يشرح هذا العلم لطالبيه بإتقان وجدارة‪ ،‬ال ّ‬

‫‪93‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)7‬‬

‫يصح أن يكتفي الطالب بالتثقيف الذاتي‪ ،‬واالطالع العابر على علم الفلسفة ومصّنفاتها‬ ‫له به علم‪ .‬ولذلك ال‬ ‫ّ‬ ‫تزل قدمه ويهوي في وادي سحيق ؛ ألن هذا التعامل‬ ‫فقط‪ ،‬وإال فإنه سيغرق حتماً في هذا البحر‪ ،‬أو فقل ّ‬ ‫العشوائي مع الفلسفة يعتبر مغامرة‪ ،‬كالذي يدخل البحر دون ُرّبان سفينة مقتدر‪ ،‬أو دون معرفة منه‬ ‫بفنون السباحة والعوم‪.‬‬

‫وكما قيل ‪:‬‬ ‫"من كان أستا َذه كتابه‪ ،‬كان خطؤه أكثر من صوابه" ‪.‬‬ ‫كأي واحد من أتباع المولى ومقّلديه‪ ،‬الذين تتداول في محيطهم تلك المصطلحات العلمية‬ ‫ولذلك ُ‬ ‫كنت ّ‬ ‫التطفل على مائدتها دون عمق أو دراسة‪.‬‬ ‫الفلسفية ونقوم بنقدها و ّ‬ ‫وهذه هي ظاهرة سيئة ومشكلة كبيرة نعاني منها‪ ،‬وهي الخوض بالمواضيع التي نجهلها‪ .‬فترى الواحد مّنا‬ ‫يقوم بنقد الكثير من األفكار في مختلف المجاالت المعرفية‪ ،‬وكأنه أعلم أهل زمانه‪ ،‬في نفس الوقت الذي‬

‫أي طرفيه أطول !!‬ ‫ال يدري ّ‬ ‫أوجه شكري وتقديري لكل أساتذتي في الحوزة العلمية‪ ،‬تلك الحوزة‬ ‫ولذلك فإني أحمد هللا تعالى أوالً‪ ،‬وثانياً ّ‬

‫التي‪:‬‬

‫عّلمتني خالص التعليم في زمنٍ‬ ‫تلوثت فيه بالتعليم أفكـــــارُ‬ ‫ّ‬ ‫كنت ال ّأدعي بأّني على شيء‪ ،‬ولكن على األقل أعرف حدودي المعرفية وأقف عندها‪ ،‬وأرجو من هللا‬ ‫وإن ُ‬ ‫تعالى أن يكتبني ضمن قائمة المتعّلمين على سبيل نجاة‪.‬‬

‫واآلن بعد أن عرفنا أهمية وعي المصطلحات ودالالتها في أي حقل علمي‪ ،‬نأتي لمعرفة ما أردنا بيانه‬ ‫يروجها البعض وال يدرك معناها‪.‬‬ ‫من بعض المصطلحات الفلسفية التي ّ‬ ‫سأبينه في الحلقة القادمة من مذ ّكراتي إن شاء هللا تعالى‪..‬‬ ‫وهذا ما ّ‬ ‫وأبدأ من‪:‬‬ ‫مصطلح شريك الباري (ممتنع الوجود لذاته)‪:‬‬ ‫‪94‬‬


‫مذكراتي‬ ‫الجزء (‪)8‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)8‬‬

‫الجزء الثامن‬ ‫أي حقل من الحقول العلمية‪ ،‬وأن معرفته تعتبر نصف‬ ‫أهمية المصطلح في ّ‬ ‫ذكرنا في الحلقة الماضية ّ‬ ‫أي قضية أو موضوع‪ ،‬يبدأ من‬ ‫معرفة العلم التابع له‪ ،‬إن ّ‬ ‫صح هذا التعبير ؛ ألن المدخل الطبيعي لفهم ّ‬ ‫شك حول تلك القضية‪ ،‬أو ذاك الموضوع المراد‬ ‫أي التباس أو ّ‬ ‫تحرير المصطلحات وتحديدها‪ ،‬حتى يزول ّ‬ ‫فهمه‪ ،‬فمعظم الصدام ال ّثقافي ُّ‬ ‫مرده ومنشؤه من عدم تحديد المصطلحات وفهمها الفهم الصحيح‪ .‬وهذا ما‬

‫مقدمة لهذه الحلقة وما يأتي بعدها من حلقات‪ ،‬وفهم ما فيها من‬ ‫أثرناه في الحلقة الماضية وكان بمثابة ّ‬ ‫مصطلحات‪.‬‬

‫ذكرت ذلك في حلقات سابقة ‪ -‬بأن هذه المصطلحات العلمية مبتذلة في ساحة‬ ‫ومما يؤسف له ‪ -‬كما‬ ‫ُ‬

‫العوام‪ ،‬وفي ساحة من ال يحسن استخدامها أو فهمها‪ ،‬وكأننا في حالة حرب‪ .‬فكّنا نسمع ونق أر كثي اًر من‬ ‫المصطلحات الفلسفية والكالمية‪ ،‬ولكن ال نفهم المراد‪ ،‬واألدهى من ذلك أننا نقوم بنقدها دون أن نفتح‬

‫كوًة نحو دراستها ومعرفتها معرف ًة صحيحة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫أبين للقارئ الكريم بعض هذه المصطلحات الفلسفية‪ ،‬والتي شغلت بالي كثي اًر‬ ‫ولذا‬ ‫سأضطر هنا راغماً أن ّ‬ ‫ّ‬ ‫أتصور بأنها مصطلحات غريبة وال ُّ‬ ‫بأية صلة‪ ،‬وخاص ًة‬ ‫سنين طويلة‪ .‬وكنت‬ ‫تمت إلى ثقافتنا اإلسالمية ّ‬ ‫ّ‬ ‫مدرسة أهل البيت (عليهم السالم) التابعين لها !‬

‫تبين لي من خالل دراستي للفلسفة وعلم الكالم بأن معظم هذه المصطلحات الفلسفية والكالمية إنما‬ ‫ثم ّ‬ ‫ّ‬ ‫ومتصيدة من آيات قرآنية أو أحاديث شريفة‪ ،‬أو من العقل‪ ،‬الذي يعتبر أحد المنابع واألدّلة‬ ‫هي مستنبطة‬ ‫ّ‬ ‫التي يعتمد عليها المذهب اإلمامي في عملية االستنباط‪.‬‬

‫وهذا الفضل يعود إلى هللا تعالى بالدرجة األولى‪ ،‬ثم إلى الحوزة وأساتذتها األفاضل‪.‬‬ ‫ذكرت سابقاً بأن أول ما تكشف عنه أجواء الحوزة العلمية لدى الطالب‪ ،‬خصوصاً بعد قطع شوط ال‬ ‫فقد‬ ‫ُ‬

‫ففكرها قائم على د ّقة المالحظة‪ ،‬وعمق في‬ ‫بأس به بين أروقتها‪ ،‬هو شيوع الروح المنهجية في ثناياها ؛ ُ‬ ‫النظر والتحليل والمقارنة والنقد‪ ،‬واللجوء إلى كشف المتناقضات والمغالطات في األفكار المطروحة‪.‬‬

‫فالشك‬ ‫بالشك والتخطئة كآلية علمية تقوم على أسس موضوعية دقيقة‪،‬‬ ‫ولذلك فإن الحوزة العلمية تتوسل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬

‫معينة‪ ،‬إذ تتركز على أساس من‬ ‫عندها يمّثل منهجاً من مناهج البحث الذي يتأسس على أصول منطقية ّ‬ ‫‪96‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)8‬‬

‫محددة‪ ،‬بحيث‬ ‫عدم التسليم المطلق‪ ،‬ورفض األجوبة واألحكام المسبقة التي ال تستند إلى معايير علمية ّ‬ ‫تسربت إلى الثقافة العامة لدى سائر الناس‪.‬‬ ‫تقطع الصلة مع مظاهر الفكر التسليمي التي ّ‬

‫ولذلك فإن منهج الحوزة العلمية هو منهج يمّثل منهج مدرسة أهل البيت (عليهم السالم) التي َت ْع ِت ُبر‬ ‫ِّ‬ ‫بالمصوبة ؛‬ ‫المدارس األخرى المخالِفة‬ ‫سمى‬ ‫َّ‬ ‫ُ‬ ‫الشك وسيل ًة ال غاية‪ ،‬للوصول إلى الحقائق‪ ،‬أو ْ‬ ‫قل كما ُت ّ‬ ‫شيء صواب عندهم‪ ،‬إال‬ ‫كل‬ ‫ٍ‬ ‫فإن مدرسة أهل البيت (عليهم السالم) ُتسمى بالمخ ِّ‬ ‫طئة‪ ،‬بمعنى أنه ليس ّ‬ ‫إذا عرض على منهاج التحليل ومجهر النقد‪ ،‬فإذا كان تاماً سالم العيوب أ ِ‬ ‫رحب به‪.‬‬ ‫ُخذ به‪ ،‬وإال لم ُي ّ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬

‫وهذا المنهج النقدي أول واضع له هو إمام المذهب وزعيمه اإلمام جعفر الصادق (عليه أفضل الصالة‬ ‫والسالم) حيث ورد عنه أنه قال ‪:‬‬ ‫ربنا‪ ،‬فما وافق‬ ‫"ما أتاكم من كالمنا وأحاديث ّ‬ ‫جدنا رسول هللا (صلى هللا عليه وآله) فاعرضوه على كتاب ّ‬ ‫فخذوا به‪ ،‬وما عارض فذروه‪ ،‬فهو زخرف لم نقْله " ْأو " فاضربوا به عرض الحائط "‪ْ .‬أو " ال تقبلوا علينا‬

‫حديثاً إال ما وافق الكتاب والسنة‪.... ".‬‬

‫فاإلنسان الذي ال تربطه بالحوزة العلمية ّأية صلة‪ ،‬وليس له نصيب من علومها‪ ،‬يقوم بالخوض في حقول‬

‫ويرد بعض المصطلحات ويقبل أخرى‪ ،‬دون أن يملك أدوات النقد أو العلم‬ ‫تخصصية‪ ،‬وينقد بعض اآلراء ّ‬ ‫ّ‬ ‫في هذا المجال!!‬

‫التصور اإلجمالي ‪-‬‬ ‫يتصور البعض ممن لم يدرس أوّليات الفلسفة بأن مصطلح‬ ‫فعلى سبيل المثال‪ ،‬قد‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫تصور شيء ما في الذهن‪ ،‬بينما المعنى الدقيق لهذا المصطلح هو أعمق من‬ ‫مثالً ‪ -‬ينحصر معناه في ّ‬

‫سيمر علينا إن شاء هللا في محّله‪.‬‬ ‫ذلك بكثير‪ ،‬كما‬ ‫ّ‬

‫وأول ما نبدأ توضيحه من هذه المصطلحات الفلسفية والكالمية هو‪:‬‬ ‫مصطلح شريك الباري (ممتنع الوجود لذاته)‪:‬‬ ‫يصح إطالقه‬ ‫صم آذاننا به الكثير من المشايخ‪ ،‬وقاموا بنقده‪ ،‬وكانوا يقولون ‪ :‬ال‬ ‫ّ‬ ‫هذا المصطلح طالما ّ‬ ‫حتى على سبيل الفرض أصالً‪ .‬ومن كثرة ما كان مشائخنا ممن لم يدرس الفلسفة على أصولها عند أستاذ‬ ‫قدير‪ ،‬صاروا يعرضونه بشكل مغلوط وسيئ للغاية‪ ،‬حتى أن الكثير من العوام ‪ -‬وأنا واحد منهم ‪ -‬صاروا‬ ‫موحدين !!‬ ‫يعتقدون بأن علماء الطائفة المحّقة ‪ -‬والعياذ باهلل ‪ -‬مشركون وغير ّ‬ ‫‪97‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)8‬‬

‫الموحد الحقيقي هو الشيخ أحمد‬ ‫وكل هذا بحكم التفسير الخاطئ لهذا المصطلح الكالمي عند هؤالء‪ .‬وأن‬ ‫ّ‬

‫بن زين الدين األحسائي (رحمه هللا) وأتباعه فقط دون سواهم!‬

‫أشرت إليه في‬ ‫يردد هذا البيت من الشعر الذي‬ ‫وكان البعض من خطباء وماللي جماعتنا كثي اًر ما كان ّ‬ ‫ُ‬

‫حلقة سابقة‪:‬‬

‫الجبار إال من به‬ ‫ما ّ‬ ‫وحد ّ‬ ‫علقت عقائدنا فكان األوحدا‬

‫شرح المصطلح‪:‬‬ ‫فنقول وباهلل المستعان‪ ،‬ومن باب التقديم والتمهيد أوال‪ً :‬‬ ‫إن مدرسة أهل البيت (عليهم السالم) هي تابعة للقرآن الكريم ومنهاج العترة (ع)‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫حل اإلشكال‪.‬‬ ‫ثم نبادر إلى ّ‬ ‫ففي القضايا الفكرية ال تنتظر مدرستنا اآلخرين ُي ْشكُلو َن علينا ّ‬ ‫وإنما ديدن علمائنا منذ عصور األئمة (ع) هو فرض اإلشكال قبل أن يولد ثم دحضه في مهده قبل إيراده‬ ‫من قبل الغير المخالف‪.‬‬ ‫فعندما نلقي نظرة عابرة على بعض الكتب لعلمائنا ‪ -‬سواء القديمة منها أو الحديثة‪ ،‬وسواء كانت على‬ ‫مستوى علم الكالم أو األصول أو الفقه أو ما أشبه ‪ -‬فإننا نالحظ كيف هم واعون لهذه المسألة بالدقة‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫يرد عليه‬ ‫يتفوه به‪ ،‬فال ينتظره يشكل عليه ثم ّ‬ ‫إذ يحاول العالم الباحث أن يفرض كالم الخصم قبل أن ّ‬ ‫إشكاله‪ ،‬وإنما كان يقول ‪:‬‬ ‫فإن قال قائل كذا‪ ،‬قلنا له كذا‪.‬‬ ‫وقوة‪ ،‬من أجل أن تصبح‬ ‫أن شخصاً ما يجلب له‬ ‫ٍ‬ ‫فهو يفترض ّ‬ ‫شبهات وعيوباً لفكرته‪ ،‬حتى يزيدها مناع ًة ّ‬ ‫أي إعصار شبهة أو عيب‪ ،‬فيضع لفكرته حصناً منيعاً ال يهتز عند أول ضربة‪.‬‬ ‫صامد ًة أمام ّ‬

‫‪98‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)8‬‬

‫خذ على سبيل المثال آية هللا العظمى سماحة السيد أبا القاسم الخوئي (أعلى هللا مقامه) فأنا أسمع‬ ‫محصنة‬ ‫بعض الفضالء في الحوزة العلمية يقول إن آراء السيد الخوئي (قدس سره) ونظرياته العلمية‬ ‫ّ‬

‫قوية أمام اإلشكاالت والفروض األخرى‪ .‬إلى درجة أني ‪ -‬وال زال الكالم له ‪ -‬عندما أق أر‬ ‫وذات مناعة ّ‬ ‫تامة‪ ،‬ربما يلوح في خاطري‬ ‫إشكال ما على بعض جوانب تلك‬ ‫ٌ‬ ‫نظرية علمية ما لسماحته‪ ،‬وأستوعبها بد ّقة ّ‬

‫توصل إليه سماحة السيد في‬ ‫النظرية‪ ،‬وأرى نفسي قد‬ ‫ُ‬ ‫وقعت على كنز عظيم أو نظرية أخرى أقوى مما ّ‬ ‫قررها بعض طالبه حول تلك النظرية‪،‬‬ ‫مبناه أو ّ‬ ‫نظريته تلك ! ولكن عندما أرجع إلى بحثه وتقريراته التي ّ‬

‫أجد نفسي صغي اًر جداً أمام بحث السيد‪ ،‬حيث أتفاجأ بأن ذات اإلشكال الذي انقدح في ذهني موجوداً إلى‬

‫جانب سلسلة أخرى من اإلشكاالت العلمية الدقيقة‪ ،‬وقد دحضها بأكملها‪ ،‬بحيث قام بوضع سياج محكم‬ ‫وقوي حول نظريته ومبناه‪.‬‬ ‫بالرد‪ ،‬وإنما‬ ‫قوية‬ ‫ومحصنة‪ ،‬فهي ال تنتظر اآلخر يطرح إشكاله حتى تقوم ّ‬ ‫فإذن‪ ..‬مدرسة أهل البيت (ع) ّ‬ ‫ّ‬ ‫تستبق اآلخر باإلشكال وتدحضه‪ ،‬وهكذا علماؤنا األبرار أيضاً‪.‬‬ ‫ونحن نجد عندما نراجع سيرة الرسول األعظم (صلى هللا عليه وآله) وأهل بيته الطاهرين المعصومين (ع)‬ ‫ُ‬ ‫الحل جاه اًز قبل أن يقع اإلشكال‪.‬‬ ‫فإننا نرى َّ‬

‫ولذلك ترى بعض الشباب ممن يهتز إيمانه عند أول ضربة‪ ،‬عندما يق أر في تراث الغير المخالف‪ ،‬ويقع‬ ‫يتصور بأنه وقع على إشكال كبير يعجز علماء الطائفة‬ ‫على إشكال تافه جداً‪ ،‬قد أكل الدهر عليه وشرب‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫رده‪ .‬فهو ال يدري بأنه مسكين‪ ،‬وأن هذا اإلشكال قد طُرح من زمان المعصومين (ع) وأجابوا عليه‪،‬‬ ‫عن ّ‬

‫يمد يده ويق أر من هذا التراث اإلسالمي الصافي‪ ،‬ولكنه قد ينساق مع المخالف‬ ‫وما على اإلنسان إال أن ّ‬

‫طلع عليه‪ ،‬وهذا مما يؤسف له‪.!!.‬‬ ‫ويتمرد على تراثه قبل أن ي ّ‬ ‫ّ‬

‫وبعد هذه المقدمة التي طالت كثي ارً‪ ،‬كل ذلك من أجل الوصول إلى هذه النتيجة التي نريدها‪.‬‬ ‫وهي أن مصطلح ممتنع الوجود لذاته الذي هو شريك الباري إنما هو قضية فرضية فقط‪ ،‬وليست قضية‬ ‫متبّناة من قبل العلماء‪ .‬وجوهر هذا المصطلح هو ما أشرنا إليه في المقدمة التوضيحية لهذا المصطلح‪.‬‬ ‫ومن أجل توضيحه نورد هذا النص الهام‪.‬‬

‫‪99‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)8‬‬

‫تتبعي القاصر ‪ -‬نصاً أفضل من النص الذي أورده العالمة الحلي (أعلى هللا مقامه)‬ ‫ولم أجد ‪ -‬حسب ّ‬ ‫وشارحه المحقق السيوري‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫فقد ورد في كتاب النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر للعالمة الحلي (ت ‪7٢٦‬هـ) وبشرح‬ ‫الفقيه الفاضل المقداد السيوري (ت ‪٨٢٦‬هـ ) تحت عنوان (الصفة الخامسة ‪ :‬في نفي الشريك عنه‬ ‫تعالى)‪:‬‬ ‫قال ‪ " :‬الصفة الخامسة ‪ :‬في نفي الشريك عنه للسمع وللتمانع‪ ،‬فيفسد نظام الوجود‪ ،‬والستلزامه التركيب‪،‬‬ ‫بد من مائز" ‪.‬‬ ‫الشتراك الواجبين في كونهما واجبي الوجود فال ّ‬ ‫أقول (أي الشارح السيوري)‪:‬‬ ‫اتفق المتكّلمون والحكماء على سلب الشريك عنه تعالى لوجوه‪:‬‬ ‫الداّلة عليه‪ ،‬وإجماع األنبياء عليهم السالم وهو حجة هنا لعدم توقف‬ ‫الوجه األول ‪ :‬الدالئل السمعية ّ‬ ‫صدقهم على ثبوت الوحدانية‪.‬‬

‫ان ِف ِ‬ ‫يه َما آلِ َه ٌة ِإَّال‬ ‫الوجه الثاني ‪ :‬دليل المتكّلمين ويسمى دليل التمانع وهو مأخوذ من قوله تعالى ‪َ( :‬ل ْو َك َ‬ ‫َّللا َل َف َس َد َتا)‪.‬‬ ‫َّ ُ‬ ‫سورة األنبياء‪22‬‬ ‫وتقريره ‪ :‬أنه لو كان معه شريك لزم فساد نظام الوجود وهو باطل‪.‬‬ ‫متحرك‪ ،‬فال يخلو إما أن يكون لآلخر إرادة سكونه‬ ‫بيان ذلك ‪ :‬أنه لو تعّلقت إرادة أحدهما بإيجاد جسم‬ ‫ّ‬ ‫أو ال‪ ،‬فإن أمكن فال يخلو إما أن يقع مرادهما فيلزم اجتماع المتنافيين أو ال يقع مرادهما‪ ،‬فيلزم خلو‬ ‫الجسم عن الحركة والسكون‪ ،‬أو يقع مراد أحدهما ففيه فسادان‪:‬‬ ‫مرجح‪.‬‬ ‫أحدهما ‪ :‬الترجيح بال ّ‬ ‫وثانيهما ‪ :‬عجز اآلخر‪.‬‬ ‫وإن لم يكن لآلخر إرادة سكونه فيلزم عجزه‪ ،‬إذ ال مانع إال تعلق إرادة ذلك الغير‪ ،‬لكن عجز اإلله باطل‪،‬‬ ‫مرجح محال‪ ،‬فيلزم فساد النظام وهو محال أيضاً‪.‬‬ ‫والترجيح بال ّ‬ ‫‪100‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)8‬‬

‫الوجه الثالث ‪ :‬دليل الحكماء‪ ،‬وتقريره ‪ :‬أنه لو كان في الوجود واجبا الوجود لزم إمكانهما‪.‬‬ ‫يتمي از لم‬ ‫يتمي از أو ال‪ ،‬فإن لم ّ‬ ‫وبيان ذلك ‪ :‬إنهما حينئ ٍذ يشتركان في وجوب الوجود‪ ،‬فال يخلو إما أن ّ‬ ‫كل واحد منهما مما به المشاركة ومما به الممايزة‪ ،‬وكل مرّكب‬ ‫تحصل االثنينية‪ ،‬وإن ّ‬ ‫تمي از لزم تركيب ّ‬ ‫ممكن‪ ،‬فيكونان ممكَنين‪ ،‬هذا خلف‪. ".‬‬

‫المصدر‪/‬شرح الباب الحادي عشر‪ ،‬ص‪. ٦3 - ٦٢‬‬ ‫فإذن شريك الباري ممتنع الوجود ما هو إال عبارة عن فرضية‪ ،‬وهذه الفرضية (وهي فرض شريك الباري)‬ ‫أول من طرحها هو هللا تعالى في القرآن الكريم‪ ،‬وكذلك أهل البيت (عليهم السالم) في رواياتهم وأحاديثهم‬ ‫التي بين أيدينا‪.‬‬ ‫وهذه الفرضية الممتنعة الوجود لم يطرحها هللا تعالى في القرآن الكريم على مستوى التوحيد فقط‪ ،‬وإنما‬ ‫ط ِرحت في موضوعات مختلفة‪ ،‬إذ أن معظم األصول العقدية‪ ،‬من‬ ‫بعد التأمل في آيات الكتاب رأيت أنها ُ‬ ‫طرحت فيها‪ ،‬وسوف أورد على ذلك الشواهد القرآنية في محلها‪.‬‬ ‫التوحيد والنبوة واإلمامة والمعاد‪ ،‬قد ُ‬ ‫البد أن نعرف معنى (لو) على مستوى معاني النحو‪ ،‬كما يشير إليها‬ ‫ولكن قبل الخوض في التفاصيل ّ‬

‫النحاة‪.‬‬

‫إن (لو) هي من أدوات الشرط‪ ،‬وهي ‪ -‬كما يقول النحاة ‪ -‬تأتي على عدة معان ‪ٍ.‬‬ ‫فقد تكون امتناعية‪ ،‬نحو قوله تعالى ‪:‬‬ ‫ُم ًة و ِ‬ ‫اح َدةً)‪.‬‬ ‫َّللا َل َج َعَل ُك ْم أ َّ َ‬ ‫اء َّ ُ‬ ‫( َوَل ْو َش َ‬ ‫سورة المائدة‪48‬‬ ‫وهذا محل الكالم (أي شريك الباري ممتنع الوجود)‪.‬‬ ‫‪،‬وقد تكون غير امتناعية‪ ،‬نحو قوله تعالى ‪:‬‬ ‫ض ِمن َشجرٍة أَ ْق َالم واْلبحر يمُّده ِمن بع ِد ِه سبع ُة أَبح ٍر ما َن ِف َد ْت َكلِمات َّ ِ‬ ‫ِ‬ ‫يز‬ ‫َّللا َع ِز ٌ‬ ‫َ ُ‬ ‫( َوَل ْو أََّن َما في ْاألَْر ِ ْ َ َ‬ ‫َّللا ۗ ِإ َّن َّ َ‬ ‫ٌ َ َ ُْ َ ُ ُ ْ َ ْ َ ْ َ ْ ُ َ‬ ‫َح ِكيمٌ)‪.‬‬

‫‪101‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)8‬‬

‫سورة لقمان‪27‬‬ ‫وقد تأتي للتمّني‪ ،‬نحو قوله تعالى ‪:‬‬ ‫َن لِي ِب ُك ْم ُق َّوًة أ َْو آوِي ِإَل ٰى ُرْك ٍن َش ِديدٍ)‪.‬‬ ‫ال َل ْو أ َّ‬ ‫( َق َ‬ ‫سورة هود‪80‬‬ ‫إن) نحو قوله تعالى ‪:‬‬ ‫وقد تأتي بمعنى ( ْ‬ ‫( َو َما أَْن َت ِب ُم ْؤ ِم ٍن َلَنا َوَل ْو ُكَّنا َص ِاد ِقينَ)‪.‬‬ ‫سورة يوسف‪17‬‬ ‫بشق تمرة)‪.‬‬ ‫وذكروا أنها تأتي لمعنى التقليل‪ ،‬نحو قول النبي (صلى هللا عليه وآله)‪( :‬اتقوا النار ولو ّ‬ ‫وتأتي للتكثير أيضاً‪ ،‬نحو ‪( :‬ولو كانت كقطر البحر)‪.‬‬ ‫فاهلل تعالى هو ّأول من وضع هذا الفرض في كتابه الكريم‪ ،‬وسوف نأتي إلى ذلك على التوالي‪ ،‬بدءاً من‬ ‫أصل التوحيد‪.‬‬ ‫▪على مستوى التوحيد‪:‬‬ ‫فمن اآليات قوله تعالى ‪:‬‬ ‫َّللا َل َفس َد َتا ۚ َفسبحان َّ ِ‬ ‫ان ِف ِ ِ َّ‬ ‫َّللا َر ِّب اْل َعْر ِ‬ ‫ن)‪.‬‬ ‫ش َع َّما َي ِص ُفو َ‬ ‫َُْ َ‬ ‫(َل ْو َك َ‬ ‫يه َما آل َه ٌة ِإال َّ ُ َ‬ ‫سورة األنبياء‪22‬‬ ‫وقوله تعالى‪:‬‬ ‫ان َم َع ُه آلِ َه ٌة َك َما َيُقوُلو َن ِإ ًذا َال ْب َت َغ ْوا ِإَل ٰى ِذي اْل َعْر ِ‬ ‫يال ُس ْب َحاَن ُه َوَت َعاَل ٰى َع َّما َيُقوُلو َن ُعُل ًّوا‬ ‫ش َس ِب ً‬ ‫( ُق ْل َل ْو َك َ‬ ‫ير)‪.‬‬ ‫َك ِب ًا‬ ‫سورة اإلسراء‪42 - 43‬‬ ‫وقوله تعالى ‪:‬‬

‫‪102‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)8‬‬

‫ض ۗ أَِإ َٰلهٌ مع َّ ِ‬ ‫السم ِ‬ ‫ِ‬ ‫اء َو ْاأل َْر ِ‬ ‫َّللا ۚ ُق ْل َه ُاتوا ُبْرَهاَن ُك ْم ِإ ْن ُكْن ُت ْم‬ ‫(أ َّ‬ ‫َم ْن َي ْب َدأُ اْل َخْل َق ثُ َّم ُي ِع ُ‬ ‫َ​َ‬ ‫يد ُه َو َم ْن َيْرُزُق ُك ْم م َن َّ َ‬ ‫َص ِاد ِقينَ)‪.‬‬ ‫سورة النمل‪64‬‬ ‫وقوله تعالى‪:‬‬ ‫ٰ‬ ‫ٰ‬ ‫(ما َّات َخ َذ َّ ِ‬ ‫ان‬ ‫ض ُه ْم َعَل ٰى َب ْع ٍ‬ ‫ان َم َع ُه ِم ْن ِإَل ٍه ۚ ِإ ًذا َل َذ َه َب ُك ُّل ِإَل ٍه ِب َما َخَل َق َوَل َع َال َب ْع ُ‬ ‫ض ۚ ُس ْب َح َ‬ ‫َّللا م ْن َوَل ٍد َو َما َك َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َّ ِ‬ ‫ن)‪.‬‬ ‫َّللا َع َّما َي ِص ُفو َ‬ ‫سورة المؤمنون ‪91‬‬ ‫مقدرة إن لم تكن ظاهرة‪.‬‬ ‫قال الفراء ‪ :‬حيث جاءت بعدها الالم فقبلها (لو) ّ‬ ‫فقد جاء قول الفراء هذا تعليقاً على اآلية السابقة من سورة المؤمنون في كتابه معاني القرآن ‪،٢/٢٤١ :‬‬

‫قال‪:‬‬

‫رد أبو‬ ‫‪("....‬إذن) جواب لكالم مضمر‪ ،‬أي لو كانت معه آلهة إذن لذهب كل إله بما خلق‪ ." ....‬وقد ّ‬

‫حيان هذا التقدير‪ ،‬فقال ‪:‬‬ ‫ّ‬

‫ان َم َع ُه ِم ْن ِإ َٰل ٍه)‬ ‫"قالوا ‪ :‬فالشرط محذوف‪ ،‬تقديره ‪ :‬ولو كان معه آلهة‪ ،‬وإنما ُحذف لداللة قوله ‪َ ( :‬و َما َك َ‬ ‫عليه‪.‬‬ ‫وقوله تعالى ‪:‬‬ ‫(ِإَّن ُكم وما َتعب ُدو َن ِمن ُدو ِن َّ ِ‬ ‫ِ‬ ‫يها‬ ‫ْ‬ ‫ان َٰه ُؤَال ِء آلِ َه ًة َما َوَرُد َ‬ ‫َّللا َح َص ُب َج َهَّن َم أَْن ُت ْم َل َها َو ِارُدو َن َل ْو َك َ‬ ‫وها ۖ َوُك ٌّل ف َ‬ ‫ْ َ َ ُْ‬ ‫َخالِ ُدونَ)‪.‬‬ ‫سورة األنبياء‪98 - 99‬‬ ‫فهذا على مستوى التوحيد‪.‬‬ ‫▪على مستوى النبوة والقرآن الكريم الذي هو نبوة النبي (صلى هللا عليه وآله)‪:‬‬ ‫قال تعالى‪:‬‬

‫‪103‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)8‬‬

‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ين ثُ َّم َلَق َ ِ‬ ‫او ِ‬ ‫ض ْاألَ َق ِ‬ ‫َخ ْذَنا ِمْن ُه ِباْلَي ِم ِ‬ ‫َح ٍد َعْن ُه‬ ‫يل َأل َ‬ ‫( َوَل ْو َتَق َّو َل َعَل ْيَنا َب ْع َ‬ ‫ط ْعَنا مْن ُه اْل َوِت َ‬ ‫ين َف َما مْن ُك ْم م ْن أ َ‬ ‫َح ِ‬ ‫اج ِزينَ)‪.‬‬ ‫سورة الحاقة‪44 - 47‬‬ ‫وقال تعالى‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫اك َلَق ْد‬ ‫وك َخلِ ً‬ ‫يال َوَل ْوَال أ ْ‬ ‫( َوإ ْ‬ ‫َن َثَّب ْتَن َ‬ ‫ِي َعَل ْيَنا َغ ْيَرُه ۖ َوِإ ًذا َال َّت َخ ُذ َ‬ ‫ِن َك ُادوا َلَي ْفتُنوَن َك َع ِن َّالذي أ َْو َح ْيَنا ِإَل ْي َك ل َت ْف َترَ‬ ‫ِ‬ ‫اة و ِضعف اْلمم ِ‬ ‫ير)‪.‬‬ ‫ات ثُ َّم َال َت ِج ُد َل َك َعَل ْيَنا َن ِص ًا‬ ‫ِك ْد َت َتْرَك ُن ِإَل ْي ِه ْم َش ْيًئا َقلِ ً‬ ‫اك ِض ْع َ‬ ‫يال ِإ ًذا َألَ َذ ْقَن َ‬ ‫ف اْل َحَي َ ْ َ َ َ‬ ‫سورة اإلسراء‪73 - 75‬‬ ‫ولخرجت من واليتي‪.‬‬ ‫ولياً‪،‬‬ ‫والتقدير ‪ :‬أي ولو اتبعت مرادهم التخذوك خليالً‪،‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ولكنت لهم ّ‬ ‫كل هذا لم يحصل أبداً‪.‬‬ ‫ولكن ّ‬ ‫وقال تعالى في موضوع أخالق النبي األعظم (صلى هللا عليه وآله)‪:‬‬ ‫( َف ِبما رحم ٍة ِمن َّ ِ‬ ‫َّللا لِْن َت‬ ‫َ ََْ َ‬ ‫َو َش ِ‬ ‫اوْرُه ْم ِفي ْاأل َْم ِر ۖ َفِإ َذا‬

‫ِ‬ ‫َل ُهم ۖ وَل ْو ُكْن َت َف ًّ‬ ‫اس َت ْغ ِفْر َل ُه ْم‬ ‫ظا َغلِي َ‬ ‫اع ُ‬ ‫ظ اْلَقْل ِب َال ْن َف ُّضوا م ْن َح ْولِ َك ۖ َف ْ‬ ‫ْ َ‬ ‫ف َعْن ُه ْم َو ْ‬ ‫ع َزمت َف َتوَّكل عَلى َّ ِ‬ ‫ن)‪.‬‬ ‫َّللا ُي ِح ُّب اْل ُم َت َوِّكلِي َ‬ ‫َ َْ َ ْ َ‬ ‫َّللا ۚ ِإ َّن َّ َ‬

‫سورة آل عمران‪159‬‬ ‫نبيه (صلى هللا عليه وآله)‪:‬‬ ‫وفي موضوع علم الغيب أيضاً يقول هللا تعالى آم اًر بذلك ّ‬ ‫( ُقل َال أ ِ ِ ِ‬ ‫َّ‬ ‫َعَل ُم اْل َغ ْي َب َال ْس َت ْك َثْر ُت ِم َن اْل َخ ْي ِر َو َما َم َّس ِني‬ ‫َّللا ۚ َوَل ْو ُكْن ُت أ ْ‬ ‫ْ‬ ‫اء َّ ُ‬ ‫َمل ُك لَن ْفسي َن ْف ًعا َوَال َضًّار ِإال َما َش َ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ن)‪.‬‬ ‫وء ۚ ِإ ْن أَ​َنا ِإَّال َن ِذ ٌير َوَب ِش ٌير لَِق ْو ٍم ُي ْؤ ِمُنو َ‬ ‫ُّ‬ ‫الس ُ‬ ‫سورة األعراف ‪188‬‬ ‫بمعنى أن النبي (صلى هللا عليه وآله) ال يمكن أن يعلم الغيب باالستقالل‪ ،‬بل بعلم من لدن حكيم عليم‪،‬‬ ‫كما قال تعالى‪:‬‬ ‫يم َعلِيمٍ)‪.‬‬ ‫آن ِم ْن َل ُد ْن َح ِك ٍ‬ ‫( َوإَِّن َك َلُتَلَّقى اْلُقْر َ‬ ‫سورة النمل‪6‬‬ ‫‪104‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)8‬‬

‫أو قوله تعالى ‪:‬‬ ‫( ِك َتاب أ ِ‬ ‫ير)‪.‬‬ ‫يم َخ ِب ٍ‬ ‫آي ُات ُه ثُ َّم ُف ِّصَل ْت ِم ْن َل ُد ْن َح ِك ٍ‬ ‫ٌ ْ‬ ‫ُحك َم ْت َ‬ ‫سورة هود‪1‬‬ ‫أما على مستوى القرآن الكريم فقوله تعالى ‪:‬‬ ‫َّللا َلوجدوا ِف ِ‬ ‫ير)‪.‬‬ ‫اخ ِت َال ًفا َك ِث ًا‬ ‫يه ْ‬ ‫ان ِم ْن ِعْن ِد َغ ْي ِر َّ ِ َ َ ُ‬ ‫آن ۚ َوَل ْو َك َ‬ ‫(أَ َف َال َي َت َدَّبُرو َن اْلُقْر َ‬ ‫سورة النساء‪82‬‬ ‫طرح هذا الفرض‪ ،‬كما في قوله تعالى‪:‬‬ ‫بل حتى على مستوى المالئكة ُ‬ ‫ِ​ِ‬ ‫( ُقل َلو َكان ِفي ْاألَر ِ ِ‬ ‫السم ِ‬ ‫ِ‬ ‫اء َمَل ًكا َر ُسوًال)‪.‬‬ ‫ض َم َال ئ َك ٌة َي ْم ُشو َن ُم ْط َمئّن َ‬ ‫ْ ْ َ‬ ‫ْ‬ ‫ين َلَن َّزْلَنا َعَل ْي ِه ْم م َن َّ َ‬ ‫سورة اإلسراء‪95‬‬ ‫▪على مستوى اإلمامة والعصمة‪:‬‬ ‫قال تعالى في آية البالغ ‪:‬‬ ‫(َيا‬

‫َّللا‬ ‫َّ َ‬

‫َّ‬ ‫الن ِ‬ ‫َّللا َي ْع ِص ُم َك ِم َن َّ‬ ‫اس ۗ ِإ َّن‬ ‫أَُّي َها َّ‬ ‫ِك ۖ َوإ ْ‬ ‫ول َبّلِ ْغ َما أُْن ِز َل ِإَل ْي َك ِم ْن َرّب َ‬ ‫ِن َل ْم َت ْف َع ْل َف َما َبل ْغ َت ِر َساَل َت ُه ۚ َو َّ ُ‬ ‫الر ُس ُ‬ ‫َال يه ِدي اْلَقوم اْل َك ِ‬ ‫ين)‪.‬‬ ‫اف ِر َ‬ ‫َْ‬ ‫َْ‬

‫سورة المائدة‪67‬‬ ‫بمعنى أنه لو لم يفعل النبي (صلى هللا عليه وآله) ويضع محامياً وحصناً للدين بوضع أمير المؤمنين‬

‫(عليه السالم) إماماً للمسلمين من بعده‪ ،‬فكأنه لم يبّلغ رسالة هللا تعالى على امتداد ‪ ٢3‬عاماً‪ ،‬ولكنه‬ ‫ولكن أمته خالفت أمره‪ ،‬ولم تسلك طريقه‪.‬‬ ‫ونص عليه في غدير خم‪ّ ،‬‬ ‫وضعه ّ‬

‫وفي هذا السياق وردت رواية من طرق غيرنا من المخالفين ‪ -‬على ما يبدو ‪ -‬وهي‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫أخرج البخارُّي‬ ‫لم ‪« :‬أَُّي َها َّ‬ ‫اس‬ ‫الن ُ‬ ‫ٌ‬ ‫ول هللا َصلى هللا َعَليه وآله َ‬ ‫ال َر ُس ُ‬ ‫ومسلم وغيرهما َع ْن َعائ َش َة قالت ‪َ :‬ق َ‬ ‫وس َ‬ ‫ِ‬ ‫وه‪َ ،‬وِإ َذا َسَر َق ِف ِ‬ ‫ين َقْبَل ُك ْم أََّن ُه ْم َكاُنوا ِإ َذا َسَر َق ِف ِ‬ ‫يهمِ َّ‬ ‫يهمِ َّ‬ ‫اموا َعَل ْي ِه‬ ‫ِإَّن َما أ ْ‬ ‫الض ِع ُ‬ ‫الش ِر ُ‬ ‫َهَل َك َّالذ َ‬ ‫يف َتَرُك ُ‬ ‫يف أَ َق ُ‬

‫هللا‪َ ،‬لو أَ َّن َف ِ‬ ‫اْلحد‪ ،‬وأيم ِ‬ ‫ط ْع ُت َي َد َها‪«.‬‬ ‫اط َم َة ِبْن َت ُم َح َّم ٍد َسَرَق ْت َلَق َ‬ ‫ْ‬ ‫َ َ ُْ‬

‫‪105‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)8‬‬

‫‪-‬‬

‫حكاية الحديث وسببه‪:‬‬

‫َن ُقريشاً أَه َّمهم َشأْن الم أر َِة الم ْخ ُزو ِمَّي ِة َّال ِتي سرَق ْت‪َ ،‬فَقاُلوا ‪ :‬ومن ي َكّلِم ِفيها رسول ِ‬ ‫ِ‬ ‫هللا َصلى‬ ‫َع ْن َعائ َش َة أ َّ َ ْ‬ ‫َ ُ ْ ُ َْ‬ ‫َ​َ‬ ‫َ​َْ ُ ُ َ َ ُ َ‬ ‫َ‬ ‫هللا صلى هللا عَل ِ‬ ‫ِ‬ ‫ول ِ‬ ‫ِئ َعَل ْي ِه ِإالَّ أُسام ُة ْب ُن َزْي ٍد‪ِ ،‬ح ُّب َرس ِ‬ ‫يه وآله‬ ‫لم؟ َفَقاُلوا ‪َ :‬و َم ْن َي ْج َتر ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫هللا َعَليه وآله َ‬ ‫وس َ‬ ‫َ َ‬ ‫هللا صلى هللا عَل ِ‬ ‫يه وآله وسلم ‪« :‬أ َ​َت ْش َفع ِفي حٍّد ِمن ح ُدوِد ِ‬ ‫وسلم‪َ ،‬ف َكَّلمه أُسام ُة‪َ ،‬فَقال رسول ِ‬ ‫هللا» ؟!‪ُ ،‬ث َّم‬ ‫َ ْ ُ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ​َُ ُ‬ ‫َ َ‬ ‫َ َ‬ ‫َُ َ َ‬

‫َهَل َك‬ ‫اخ َت َ‬ ‫ام َف ْ‬ ‫ال‪ِ« :‬إَّن َما أ ْ‬ ‫ط َب‪ ،‬ثُ َّم َق َ‬ ‫َق َ‬ ‫ِ‬ ‫َّ‬ ‫الحدَّ‪َ ،‬و ْأي ُم‬ ‫الض ِع ُ‬ ‫اموا َعَل ْيه َ‬ ‫يف أَ َق ُ‬ ‫والنسائي‪.‬‬

‫ِ‬ ‫ين َقْبَل ُك ْم أََّن ُه ْم َكاُنوا ِإ َذا َسَر َق‬ ‫َّالذ َ‬ ‫َن َف ِ‬ ‫ِ‬ ‫اط َم َة ِبْن َت ُم َح َّم ٍد‬ ‫هللا‪َ ،‬ل ْو أ َّ‬

‫وه‪َ ،‬وِإ َذا َسَر َق ِف ِ‬ ‫ِف ِ‬ ‫يه ُم َّ‬ ‫يه ُم‬ ‫الش ِر ُ‬ ‫يف َتَرُك ُ‬ ‫ط ْع ُت َي َد َها»‪ .‬أخرجه مسلم‬ ‫َسَرَق ْت َلَق َ‬

‫وقد يعترض البعض على هذه الرواية‪ ،‬زاعماً بأنه من المستبعد حصول مثل هذا!‬ ‫ولكننا نستطيع أن نقول بأنها تتوافق مع القرآن الكريم والسنة المطهرة ؛ ألن هللا تعالى قد خاطب رسوله‬ ‫صلى هللا عليه وآله بقوله‪:‬‬

‫ۡ‬ ‫ۡ‬ ‫ۡ‬ ‫ۡ‬ ‫ۡ‬ ‫ِۡ‬ ‫ۡ‬ ‫ۡ‬ ‫ۡ‬ ‫ط ۡعَنا ِم ۡن ُه ٱلوِتين َفما ِ‬ ‫َخذَنا ِم ۡن ُه ِبٱلي ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َح ٍد َعن ُه‬ ‫أ‬ ‫ن‬ ‫م‬ ‫م‬ ‫نك‬ ‫م‬ ‫ق‬ ‫ل‬ ‫م‬ ‫ث‬ ‫ين‬ ‫م‬ ‫أل‬ ‫يل‬ ‫او‬ ‫ق‬ ‫َ‬ ‫ٱأل‬ ‫ض‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫( َوَلو َتَق َّو َل َعَليَنا َبع َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ّ َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َحـ ِٰج ِزينَ)‪.‬‬ ‫سورة الحاقة‪. ٤7 - ٤٤‬‬ ‫وعلى العموم فإن علماءنا نقلوها في كتبهم عن أبناء الجمهور‪ ،‬وابن شهرآشوب نقلها في المناقب عن‬ ‫الدارقطني ونحوه‪.‬‬ ‫ويمكن أن ُتستنبط منها مقامات للصديقة فاطمة الزهراء (صلوات هللا وسالمه عليها) بأدنى تأمل ؛ ألنها‬

‫لنبيه في القرآن الكريم ‪ -‬كما أسلفنا ‪ -‬وصدورها منه (صلى هللا عليه وآله)‬ ‫تنسجم مع خطاب هللا تعالى ّ‬ ‫محتمل على كل حال‪ .‬فإذا كان القرآن قال عن عموم األنبياء وعن خصوص النبي (صلى هللا عليه وآله)‬ ‫وعن هللا ماهو أعظم في صورة الجملة الشرطية‪ !!.‬إذن ال مشكلة في ذلك من هذه الناحية ؛ ألن الشرطية‬

‫ال تثبت أحد طرفيها فضالً عن كليهما‪.‬‬ ‫والرواية ‪ -‬على كل حال ‪ -‬بصدد تنبيه الناس على خطورة حدود هللا والمنع من تعطيلها مهما كان‬ ‫العذر‪..‬‬ ‫▪على مستوى المعاد يوم القيامة‪:‬‬ ‫‪106‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)8‬‬

‫قال تعالى ‪:‬‬ ‫ن)‪.‬‬ ‫اك ْم َعَب ًثا َوأََّن ُك ْم ِإَل ْيَنا َال ُتْر َج ُعو َ‬ ‫(أَ َف َح ِس ْب ُت ْم أََّن َما َخَل ْقَن ُ‬ ‫سورة المؤمنون‪115‬‬ ‫وهذا االستفهام االستنكاري الذي هو الحسبان ‪( :‬أَ َف َح ِس ْب ُت ْم‪ ،‬أو في قوله في آيات أخرى ‪ :‬أَ َف َح ِس َب) إنما‬ ‫هو بمثابة الفرض ال الواقع‪.‬‬ ‫وجل في كتابه الكريم‪.‬‬ ‫هذا ما قاله هللا ّ‬ ‫عز ّ‬ ‫فإذن طرح هذا المعنى على سبيل الفرض ال إشكال فيه ؛ ألنه من يطرح هذا الفرض هو بمثابة إثارة‬ ‫المتبّنى أكثر متانة وحصانة‪،‬‬ ‫إشكال على نظريته أو أدلته‪ ،‬وإجابة عليه ؛ لكي تكون النظرية أو الدليل ُ‬ ‫مقدمة شرح هذا المصطلح‪.‬‬ ‫كما أشرنا إلى ذلك سابقاً في‬ ‫ّ‬ ‫وبعد هذه الجولة في كتاب هللا تعالى نأتي إلى أحاديث أهل البيت (عليهم السالم)‪.‬‬ ‫فهل يوجد فيها هذا الفرض على غرار ما قاله هللا تعالى في القرآن الكريم أم ال؟‬ ‫أحاديث أهل البيت (عليهم السالم)‪:‬‬ ‫لو أردنا أن نستقصي لكم كل اآلثار الشريفة ألهل البيت (عليهم السالم) سواء على مستوى األحاديث أو‬ ‫على مستوى األدعية والمناجاة‪ ،‬لخرجنا عن جوهر الموضوع والبحث‪ ،‬ولكن بوسعنا أن نأتي بقليل من‬ ‫الشواهد الشريفة لنرى ذلك بوضوح‪.‬‬ ‫بعض األحيان نرى األئمة (عليهم السالم) يثيرون هذا الفرض بصورة مباشرة‪ ،‬وتارة بصورة غير مباشرة‪،‬‬ ‫من خالل االقتباس القرآني‪ ،‬كما في قول اإلمام الحسين (عليه السالم) في دعائه الموسوم بـــ (دعاء‬ ‫عرفة) قال‪:‬‬ ‫فيضاده فيما ابتدع‪ ،‬وال‬ ‫‪"....‬الحمد هلل الذي لم يتخذ ولداً فيكون موروثاً‪ ،‬ولم يكن له شريك في ملكه‬ ‫ّ‬

‫طرتا‪ ،‬سبحان‬ ‫الذل فيرفده فيما صنع‪ ،‬فسبحانه سبحانه‪ ،‬لو كان فيهما آلهة إال هللا لفسدتا وتف ّ‬ ‫ٌّ‬ ‫ولي من ّ‬ ‫هللا الواحد األحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد‪.... ".‬‬

‫‪107‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)8‬‬

‫وأشار إمامنا أبو الحسن علي بن موسى الرضا (عليهما السالم) في حديث جرى بينه و بين الفتح بن‬ ‫يزيد الجرجاني‪ ،‬وهو في طريقه إلى خراسان‪ ،‬فقد قال اإلمام (ع)‪:‬‬ ‫جسم األجسام‪ ،‬وهو ليس بجسم‪ ،‬وال صورة‪....،‬‬ ‫كل جسم ُمغ ّذى بغذاء إال الخالق الرازق‪ ،‬فإنه ّ‬ ‫"يا فتح‪ّ ..‬‬

‫" ثم قال (ع)‪:‬‬

‫المشبهة لم ُيعرف الخالق من المخلوق‪ ،‬وال الرازق من المرزوق‪ ،‬وال المنشئ من‬ ‫"لو كان كما يقول‬ ‫ّ‬ ‫المنشأ لكنه المنشئ‪ ،‬فرق بين جسمه وصوره‪ ،‬وشيئه وبينه إذ كان ال يشبهه شيء‪.... ".‬‬ ‫المصدر‪/‬حياة اإلمام علي بن موسى الرضا (عليه السالم) للشيخ باقر شريف القرشي‪ .‬ج‪ ١‬ص‪. ٢7٦‬‬ ‫وقال (ع) في قدم الخالق العظيم وصفاته ‪:‬‬ ‫‪"....‬إنه ال شيء قبل هللا‪ ،‬وال شيء مع هللا في بقائه‪ ،‬وبطل قول من زعم أنه كان قبله أو كان معه‬ ‫شيء‪ ،‬وذلك أنه لو كان معه شيء في بقائه لم يجز أن يكون خالقاً له ؛ ألنه لم يزل معه‪ ،‬فكيف يكون‬ ‫خالقاً لمن لم يزل معه ؟ ولو كان قبله شيء كان األول ذلك الشيء ال هذا‪ ،‬وكان األول أولى بأن يكون‬

‫خالقاً لألول‪.... ".‬‬

‫نفس المصدر السابق‪ /‬ص‪.٢٨١‬‬ ‫ونكتفي بهذه الشواهد التي أعتقد بأنها كافية لمن أراد الهداية‪.‬‬ ‫بعض شواهد أعالم المدرسة‪:‬‬ ‫نسميهم بأعالم مدرسة‬ ‫مهمة في نفس سياق الموضوع‪ ،‬وهذه الشواهد هي لمن ّ‬ ‫ولننتقل إلى شواهد أخرى ّ‬

‫الشيخ األوحد أحمد بن زين الدين األحسائي (رحمه هللا)‪.‬‬

‫وهذه بعض تلك الشواهد من بعض الكتب ومنسوبة إلى أصحابها‪.‬‬ ‫ولنبدأ من عميد المدرسة الشيخ األوحد (قدس سره) وماذا قال في كتبه حول هذا المصطلح الكالمي‬ ‫موافق ًة ومخالفة‪.‬‬ ‫كما يظهر من عرض مشائخنا لهذا المصطلح الكالمي‪ ،‬أن الشيخ ال يرتضي استعماله‪ ،‬وقد أشار إلى‬ ‫ذلك في كتابه شرح الفوائد‪ ،‬وتحديداً في الفائدة الثانية‪ ،‬في بيان معرفة الوجود‪.‬‬ ‫‪108‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)8‬‬

‫المفصل بهذا الشكل‪:‬‬ ‫وأستطيع أن أجمل القول هنا عن البسط‬ ‫ّ‬ ‫إن الشيخ األوحد (رحمه هللا) يرفض رفضاً قاطعاً فرض شريك للباري في كتابه شرح الفوائد وكتابه شرح‬

‫العرشية للمال صد ار الشيرازي (رحمه هللا)‪.‬‬

‫ضد له‪ ،‬وإال لم يكن عنه‬ ‫فقد قال ‪ :‬قلت وأما أنه ال ُيدرك ٍّ‬ ‫ضد الممكن ممكن‪ ،‬إذ القديم ال ّ‬ ‫بضد ؛ فألن ّ‬ ‫ِّ‬ ‫تضادها‪.‬‬ ‫شيء‪ ،‬ولشابهها في‬ ‫وألنه إن كان قديماً ؛ لزم تعدد القدماء‪.‬‬ ‫يصح الفرض ‪ -‬لزم تعدد‬ ‫الضد لو ُفرض ‪ -‬وإن لم‬ ‫ثم يقول في شرح هذه العبارة األخيرة ‪ :‬يعني أن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬

‫القدماء المتفق على بطالنه‪ ،‬على ما هو مقرر في أدلة التوحيد‪.‬‬ ‫انتهى‪.‬‬

‫هذا كالمه باختصار في كتابه الفوائد وشرحه عليها في الفائدة الثانية‪.‬‬ ‫وهكذا في كتابه شرح العرشية للمال صد ار الشيرازي (رحمه هللا) حيث يناقش هذا المصطلح في الكتاب‬ ‫المذكور‪ ،‬وتحديداً في شرحه لقول المصّنف ‪ :‬قاعدة مشرقية واجب الوجود واحد ال شريك له‪.‬‬ ‫أصله في‬ ‫ولكنه (أي الشيخ األوحد) في كتابه حياة النفس في حضرة القدس يخالف مبناه الفكري الذي ّ‬ ‫كتابيه السابقين مائة وثمانين درجة مئوية (كما ُيقال)‪.‬‬ ‫نصه بالحرف‬ ‫فقد قال في كتابه حياة النفس في حضرة القدس في الفصل الثامن من باب التوحيد ما ّ‬ ‫الواحد ‪:‬‬ ‫"ويجب أن يعتقد أنه تعالى واحد ال شريك له ؛ ألنه كامل مطلق‪ ،‬وغني مطلق‪ ،‬فيكون ما سواه محتاجاً‬

‫إليه فيكون متفرداً باأللوهية‪ ،‬ولو ُفرض معه إله وجب أن يكون مستغنياً عنه تعالى‪ ،‬وإال لم يكن إلهاً‪،‬‬

‫ولو كان من فرض شريكاً له تعالى‪ ،‬محتاجاً إليه عز وجل لكان أكمل لكماله المطلق من كون ذلك الشريك‬

‫مستغن عنه نقص في كماله وغناه‪ ،‬فال يكون‬ ‫أتم لغناه المطلق‪ ،‬ففرض وجود شريك‬ ‫ٍ‬ ‫مستغنياً عنه تعالى و ّ‬

‫له شريك ؛ الستلزام التعدد حصول النقص في الكمال المستلزم للحدوث ؛ وألنه لو كان له شريك في‬

‫‪109‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)8‬‬

‫وجودية ؛ لتحقق اإلثنينية فيكونون ثالثة‪ ،‬وتلزم الفرج القديمة‬ ‫أز ّليته لوجب أن يكون بينهما فرجة قديمة‬ ‫ّ‬ ‫بينهم فيكونون خمسة‪ ،‬وهكذا بال نهاية‪ ،‬وهو باطل‪.‬‬

‫يميزه عن اآلخر‪ ،‬فيتركب كل‬ ‫وألنه لو كان له شريك في أز ّليته الشتركا في األزل‪ ،‬واختص كل واحد بما ّ‬ ‫تمي از به والمركب حادث‪.‬‬ ‫واحد منهما مما اشتركا فيه‪ ،‬ومما ّ‬ ‫الشْركة‪ ،‬والقتضت‬ ‫كل واحد صنعه عن صنع غيره‪ ،‬وإال لم تثبت ِّ‬ ‫وألنه لو كان له شريك في أز ّليته ؛ ّ‬ ‫لميز ّ‬ ‫ذات كل منهما العلو على اآلخر‪ ،‬وإال لم يكن إلهاً وذلك كما قال تعالى‪:‬‬ ‫ٰ‬ ‫ض ُه ْم َعَل ٰى َب ْعضٍ)‪.‬‬ ‫(ِإ ًذا َل َذ َه َب ُك ُّل ِإَل ٍه ِب َما َخَل َق َوَل َع َال َب ْع ُ‬ ‫سورة المؤمنون‪91‬‬ ‫وقال المرحوم السيد كاظم الرشتي في كتابه أصول العقائد في باب التوحيد في الفصل الثاني في إثبات‬ ‫أن واجب الوجود واحد‪ ،‬مشي اًر في ذلك إلى دليل التمانع ودليل الفرجة‪ ،‬طبعاً مع األخذ بعين االعتبار بأن‬ ‫هذين الدليلين هما جوهر فرض شريك الباري ممتنع الوجود‪ ،‬كما طرحهما أستاذه الشيخ األوحد (رحمه‬

‫هللا)‪.‬‬ ‫نصه بالحرف الواحد‪:‬‬ ‫قال السيد الرشتي في كتابه المذكور أعاله ما ّ‬ ‫"فاعلم أنه لو كان متعدداً لما خلى من إحدى صورتين ‪:‬‬ ‫إما االتفاق في إرادتهما أو االختالف فيهما‪ .‬أما في صورة االختالف‪ ،‬أي تعّلق إرادة أحدهما بإيجاد زيد‪،‬‬ ‫وتعّلق إرادة اآلخر بعدم إيجاده‪.‬‬ ‫فإما أن تقع اإلرادتان معاً‪ ،‬أو تنتفيان معاً‪ ،‬أو تقع إحداهما وتنتفي األخرى‪.‬‬ ‫إن قلت بوقوع اإلرادتين معاً فقد نطقت بالمحال‪ ،‬إذ يلزم حينئ ٍذ وجود زيد وعدمه‪ ،‬وهو باطل بالبداهة‪ .‬وإن‬ ‫إن كليهما ليسا بواجب ؛ لعدم وقوع إرادتهما‪.‬‬ ‫قلت بعدم وقوع اإلرادتين‪ ،‬قلنا ‪ّ :‬‬

‫وإن قلت بوقوع إحدى اإلرادتين دون األخرى‪ ،‬سألتك عن سبب عدم وقوع األخرى هل هو عجز المريد‪،‬‬ ‫أو تبعية إرادته إلرادة اآلخر ؟‬ ‫ففي الصورتين حكمنا بأن الواجب هو القادر المتبوع النافذ الحكم الذي ال رّاد إلرادته‪.‬‬ ‫‪110‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)8‬‬

‫وأيضاً نقول ‪ :‬إن سبب االختالف ‪ -‬أي اختالف الذاتين بحيث يكونان اثنين ‪ -‬إنما هو الفاصل بينهما‪،‬‬

‫الذي يسمى في لسان األخبار بـــ (الفرجة) فهو إما حادث ‪ -‬أي لم يكن هذا الفاصل ثم كان ‪ -‬وإما قديم‬ ‫ أي كان قديماً مع وجودهما من أول األمر‪.‬‬‫تعدداً ثانياً‪ ،‬واختلفا‬ ‫إن قلت بالصورة األولى‪ ،‬قلنا ‪ :‬يلزم منه أوالً ‪ :‬كون اإللهين‬ ‫المتعد َدين واحداً أوالً‪ ،‬ثم ّ‬ ‫ّ‬ ‫بسبب أمر خارجي الذي هو الفرجة‪ .‬أعني أنه انفرد كل منهما عن اآلخر بسبب الفرجة التي وقعت‬ ‫بينهما‪.‬‬

‫متعدداً‪ ،‬وهذا باطل بالبداهة والوجدان‪.‬‬ ‫ويلزم ثانياً إن الحادث الذي هو مخلوق لهما أثر فيهما‪ ،‬وجعلهما ّ‬ ‫وإن قلت بالثانية يعني كون الفاصل بينهما التي هي الفرجة قديماً‪ ،‬قلنا ‪ :‬إن كان قديماً لزم أن يكون‬

‫كل واحد منهم غير‬ ‫واجباً‪ ،‬فصار القديم الواجب ثالثة‪ ،‬الواجبان والفرجة بينهما‪ .‬وال شك أن هؤالء الثالثة ّ‬

‫اآلخر‪ ،‬ومنفرد عنه بما به االختالف واالمتياز بينهم وهو الفرجة‪ .‬فحصل فرجتان مع القدماء الثالثة‪،‬‬

‫بد منه وهو الفرج‬ ‫فصار الواجب خمسة‪ ،‬والخمسة أيضاً مختلفون في الذات وما به االختالف واالمتياز ال ّ‬

‫األربع بينهم‪ ،‬فحصل تسعة واجب‪ ،‬وهكذا تكون التسعة سبعة عشر‪ ،‬والسبعة عشر ثالثة وثالثين‪ ،‬والثالثة‬ ‫والثالثون خمسة وستين‪ ،‬والخمسة والستون مائة وثالثين‪ ،‬إلى ما ال نهاية له‪ ،‬وهذا باطل‪ ،‬إذ لم ُيعقل‬

‫يقل بآلهة غير محصورة بال نهاية‪.‬‬ ‫أمور غير متناهية في الخارج‪ ،‬مضافاً إلى أنه لم ّ‬ ‫يد ِع أحد ولم ْ‬

‫وأما في صورة االتفاق في جميع إرادات اآللهة المتعددة‪ ،‬قلنا ‪ :‬إن تم ّكن واحد منهم أن ينفرد باأللوهية‬

‫جل وعال ‪:‬‬ ‫والربوبية‪ ،‬فهو الواجب‪ ،‬وإن لم يتمكنوا فليسوا كلهم بواجب‪ ،‬وإليه اإلشارة بقوله ّ‬

‫ٰ‬ ‫ٰ‬ ‫ض ۚ سبحان َّ ِ‬ ‫ن)‪.‬‬ ‫َّللا َع َّما َي ِص ُفو َ‬ ‫ان َم َع ُه ِم ْن ِإَل ٍه ۚ ِإ ًذا َل َذ َه َب ُك ُّل ِإَل ٍه ِب َما َخَل َق َوَل َع َال َب ْع ُ‬ ‫ض ُه ْم َعَل ٰى َب ْع ٍ ُ ْ َ َ‬ ‫( َو َما َك َ‬ ‫سورة المؤمنون‪91‬‬ ‫وهذا الدليل مقتبس من أخبار أهل العصمة والطهارة‪ ،‬تركناها خوفاً من التطويل‪.".‬‬ ‫ص ‪ 70 - ٦٨‬من كتاب أصول العقائد للسيد كاظم الرشتي (رحمه هللا)‪.‬‬ ‫ود ّقق ‪ -‬أخي الكريم ‪ -‬في قول السيد الرشتي األخير القائل ‪:‬‬ ‫‪"....‬وهذا الدليل مقتبس من أخبار أهل العصمة والطهارة‪ "....‬؛ ألنه لنا عودة إلى ذلك وسنعّلق عليه‬ ‫إن شاء هللا‪.‬‬ ‫‪111‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)8‬‬

‫المسماة بأحكام الشيعة‪ ،‬تحت عنوان (دليل الفرجة)‬ ‫وقال المرحوم المير از حسن في مقدمة رسالته العملية‬ ‫ّ‬

‫في ص ‪ ٩‬ما نصه بالحرف الواحد ‪:‬‬

‫بد أن‬ ‫يتميز ٌّ‬ ‫كل عن اآلخر‪ ،‬وهذه الفرجة ال ّ‬ ‫"لو فرضنا إلهين اثنين قديمين‪ ،‬فال ّ‬ ‫بد بينهما فرجة حتى ّ‬ ‫تكون قديمة مثلهما‪ ،‬وإال إن كانت حادثة وأ ّثرت في القديم ؛ لم يكن القديم إلهاً‪ .‬فلو فرضناها قديمة‪،‬‬ ‫تكون اآللهة حينئ ٍذ ثالثة بينهم فرجتان‪ ،‬فتكون اآللهة خمسة بينهم أربع ُفرج‪ .‬فتكون تسعة‪ .‬فسبعة‬

‫عشر‪ ،‬فثالث وثالثين‪ ،‬فخمس وستين إلى ما ال نهاية‪ .‬وهذا باطل ال يصير إليه عاقل‪. ".‬‬ ‫وقال تحت عنوان (دليل التمانع) في نفس الكتاب المذكور أعاله في ص ‪ ١0‬ما نصه بالحرف الواحد ‪:‬‬ ‫"لو فرضنا إلهين اثنين‪ ،‬يريد هذا أن يرزق زيداً رزقاً واسعاً‪ ،‬ويريد ذاك أن ال يرزقه‪.‬‬ ‫إما تنفذ اإلرادتان معاً أم ال‪ .‬أو تنفذ إرادة أحدهما دون اآلخر‪ .‬الفرض األول محال‪ ،‬والفرض الثاني ينفي‬ ‫فّ‬ ‫كونهما إلهين لضعفهما وضعف إرادتهما‪ .‬وفي الثالث النافذ إرادته هو هللا وحده‪. ".‬‬

‫المسماة بأحكام الشريعة‪ ،‬بما‬ ‫كل ذلك المرحوم المير از عبدالرسول من جديد في رسالته العملية‬ ‫وقد ذكر ّ‬ ‫ّ‬ ‫ال مزيد على ما أشار إليه والده في رسالته السابقة‪.‬‬ ‫خالصة‪:‬‬ ‫إذن نصل إلى نتيجة مفادها بأن هذا المصطلح (شريك الباري ممتنع الوجود لذاته) إنما هو منتزع من‬ ‫القرآن الكريم وأحاديث أهل العصمة والطهارة (عليهم السالم) كما ذكر ذلك المرحوم السيد كاظم الرشتي‬ ‫في كتابه أصول العقائد‪ ،‬وقد أشار الشيخ األوحد في أكثر من مناسبة في كتبه بأنه تابع للقرآن الكريم‬ ‫وللعترة (عليهم السالم) ومنهجهم‪ ،‬كما أن تالمذته وتابعيه قالوا ذلك‪ ،‬فلماذا هذا الرفض الشديد لهذا‬ ‫المصطلح!!؟‬ ‫ثم لماذا بعد رفض هذا المصطلح يقع الشيخ األوحد (رحمه هللا) وتالمذته في نفس الفخ والشراك الذي‬ ‫َن َهوا عنه ورفضوه جمل ًة وتفصيال!؟ ً‬ ‫صاحبه من فروض والتي يفرضها صاحب الحق‪ ،‬ما هي إال عبارة عن اختبار عن‬ ‫فشريك الباري وما‬ ‫َ‬ ‫يتصور البعض‪ ،‬وهذا‬ ‫عتقداً ُيدين هللا تعالى به كما‬ ‫مدى حّقانية أو مصداقية ما يؤمن به‪ ،‬وإال ليست ُم َ‬ ‫ّ‬

‫‪112‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)8‬‬

‫أسلوب مستعمل في القرآن الكريم وأحاديث أهل البيت (عليهم السالم) سواء على مستوى التوحيد أو‬ ‫بيناه ذلك‪.‬‬ ‫النبوة أو القرآن الكريم أو ما شاكل ذلك‪ ،‬كما ّ‬ ‫ألعرج إلى بيان مصطلحات أخرى في الحلقة القادمة من مذكراتي‪ ،‬وهي الحلقة ما قبل‬ ‫وأكتفي بهذا القدر ّ‬ ‫األخيرة إن شاء هللا تعالى‪.‬‬

‫‪113‬‬


‫مذكراتي‬ ‫الجزء (‪)9‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)9‬‬

‫الجزء التاسع‬ ‫أواصل الحديث في هذه الحلقة‪ ،‬حول بيان بعض المصطلحات الفلسفية والكالمية‪ ،‬التي أحيطت باللبس‬ ‫والغموض عندي حتى بعد تغيير مشربي الفقهي في التقليد‪.‬‬ ‫فأقول‪:‬‬ ‫بمثابة تقديم‪:‬‬ ‫إن من أبرز المشاكل التي عانينا منها سابقاً‪ ،‬وال زال الكثير من إخوتنا يعانون منها ولكنهم ال يشعرون‬ ‫بها‪ ،‬هي التأثر بحكم اآلخرين والخضوع تحت سلطة تأثيرهم‪ ،‬واستقبال األفكار المعّلبة من الغير وأخذها‬

‫على سبيل التسليم المطلق دون أدنى محاولة للتفكير‪.‬‬

‫ِ‬ ‫إنسان ما ال يكون هو المالك والمعيار‪ ،‬بل يكون مالك ذلك العقل‪.‬‬ ‫الناس على‬ ‫كم‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫فح ُ‬ ‫فمثال‪ً :‬‬ ‫المضحك‬ ‫لو اختار اإلنسان ثوباً معتقداً أنه قد اختار لوناً جميالً‪ ،‬ثم يأتي آخر ويقول له ‪ :‬ما هذا اللون ُ‬ ‫ثان وثالث‪ ،‬فإنه سيعتقد بالتدريج أنه اختار ثوباً غير مناسب‪.‬‬ ‫الذي اخترته لنفسك‪ ،‬وكذلك ٍ‬ ‫الخاصة بأحكام اآلخرين‪.‬‬ ‫فليس من الصحيح أن يتأثر اإلنسان فيما يتعلق بشؤونه‬ ‫ّ‬ ‫ويعّلمنا اإلمام موسى الكاظم (عليه السالم) في حديثه الذي وجهه إلى هشام بن الحكم (رضوان هللا عليه)‬ ‫أن ال نرّتب أث اًر على حكم الناس إال ما كان مطابقاً للعقل‪.‬‬ ‫وقد ورد عن إمامنا أمير المؤمنين (عليه السالم) أنه قال ‪:‬‬ ‫"ال تستوحشوا في طريق الحق لقّلة سالكيه" ‪.‬‬ ‫فيالها من دعوة الستقالل العقل والتفكير‪.‬‬ ‫ثم قال (عليه السالم) ‪ -‬اإلمام الكاظم ‪- :‬‬ ‫ّ‬ ‫"لو كان في يدك جوزة‪ ،‬وقال الناس ‪ :‬في يدك لؤلؤة‪ .‬ما كان ينفعك وأنت تعلم أنها جوزة‪ .‬ولو كان في‬ ‫ضرك وأنت تعلم أنها لؤلؤة؟‬ ‫يدك لؤلؤة وقال الناس ‪ :‬إنها جوزة ما ّ‬ ‫‪115‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)9‬‬

‫التجرد حين الحكم على أقوالهم‬ ‫وهناك نقطة أخرى في غاية األهمية وهي تجّنب تقديس األشخاص و ّ‬ ‫شخصياتهم ما داموا خارج دائرة العصمة‪.‬‬ ‫وأفعالهم من دون االنبهار بعظمة‬ ‫ّ‬ ‫المهمة كتقديم لما سوف أطرحه‪ ،‬لعلمي بأن البعض سيعترض على مقالتي‬ ‫أشرت إلى هذه المسائل‬ ‫إنما‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫هذه ويقول ‪:‬‬ ‫أنت الذي تعترض على تلك األفكار التي طرحها عالم عظيم من علماء أهل البيت (عليهم السالم)‬ ‫ومن َ‬ ‫وأفكاره تنسجم مع القرآن الكريم وأحاديث العترة !؟‬

‫يصح نعتها بأنها‬ ‫أعلم بأني ال أساوي فلساً وال رقماً أمام تلك األرقام والقامات الكبيرة‪ ،‬ولكن تلك األفكار ال‬ ‫ّ‬

‫تنسجم مع ما يطرحه الثقالن الكتاب والعترة‪ ،‬بل على العكس من ذلك‪ ،‬إن من وصف تلك األفكار أو‬

‫المصطلحات بالمريضة وغير المنسجمة مع الثقلين حرّي به أن يراجع نفسه فيما طرح واعترض‪ ،‬فما‬ ‫طرحه من اعتراض على كثير من المصطلحات الفلسفية والكالمية هو عينه اعتراض على القرآن الكريم‬ ‫وأحاديث أهل البيت (عليهم السالم) وقد أشرنا في حلقة سابقة إلى بعض األخطاء والمالحظات في ذلك‪.‬‬ ‫مقدس ومعصوم فيما يطرح عند البعض ؛ فال يجوز االعتراض على قوله ! ولكننا‬ ‫ولكن بما أنه شخص ّ‬

‫نقول ‪ :‬إن العلم ليس وقفاً على أحد‪ ،‬وليس للمعرفة حدود‪.‬‬

‫يتطفلون‬ ‫ومع األسف الشديد أن كثي اًر من الخطباء والماللي الذين قد أشرت إلى شاكلتهم في حلقات سابقة ّ‬

‫المزيفة وغير الواقعية للناس العوام ! ولكن أقولها‬ ‫على تلك المصطلحات العلمية‪ ،‬وينقلون مفاهيمها‬ ‫ّ‬ ‫تنم عن‬ ‫بالفم الملئان وبضرس قاطع فإن تلك النقوالت ليست سوى نقوالت غير أمينة وال دقيقة‪ ،‬وإنما ّ‬

‫عدم فهم ومعرفة تخصصية بتلك المصطلحات الفلسفية والكالمية الدقيقة‪.‬‬

‫فلقد ولدنا في تلك البيئة‪ ،‬فوجدنا أنفسنا غارقين حتى شحمتي األذنين في معارك فلسفية وكالمية ال ناقة‬ ‫لنا فيها وال جمل‪ .‬وقد تعبنا كثي اًر من اللهاث خلف العصبيات واألحقاد واألفكار غير المسؤولة التي‬ ‫يدحرجها البعض من على بعض منابر الجمعة ومنابر الحسين (عليه السالم) ولكن تبعية العوام دون‬

‫وعي منهم لبعض الخطباء والماللي الذين لم يثّقفوا أنفسهم في الحوزات العلمية بالشكل المطلوب‪ ،‬وهي‬

‫أقصر الطرق لتحطيم الفرد‪ ،‬وكذلك انحسار الحركة العلمية‪ ،‬بل إن شئت انعدامها في وسطنا‪ ،‬وازدواجية‬ ‫بعض الشخصيات‪ ،‬هي التي أنتجت أنماطاً من الجهل ومن الفكر المريض‪ ،‬وانعكست على طبيعة التعامل‬ ‫ابقا‪.‬‬ ‫أشرت إلى ذلك س ً‬ ‫مع العلماء الحقيقيين وفقهاء الطائفة الذين اعتبرناهم ضعيفي عقيدة‪ ،‬كما‬ ‫ُ‬

‫‪116‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)9‬‬

‫المهم‪. .‬‬ ‫عوداً على بدء‪:‬‬ ‫البد أن نكمل ‪ -‬بعد هذه الشقشقة ‪ -‬ما بدأنا به من شرح لبعض المصطلحات الكالمية والفلسفية‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫المرة مع مصطلح ‪( :‬لفظ الجاللة (هللا) علم على الذات اإللهية المقدسة)‪.‬‬ ‫وهذه ّ‬ ‫فالذي نسمعه ونقرأه ونفهمه من تراثنا أنه ال يصح إطالق لفظ ‪(:‬هللا َعَلم على الذات المقدسة) !! ألن‬ ‫عدة‪ ،‬قد ذكر بعضها آية‬ ‫شيخنا‬ ‫المقدس الشيخ أحمد بن زين الدين (رحمه هللا) يرفض إطالقه لمحاذير ّ‬ ‫ّ‬ ‫ورد عليها‪ ،‬ونحن‬ ‫هللا العظمى السيد الخوئي (رحمه هللا) في كتابه الموسوم بـــ (البيان في تفسير القرآن) ّ‬

‫النص الكامل للسيد في كتابه اآلنف الذكر‪.‬‬ ‫بدورنا سننقل ّ‬

‫عامة عن هذا المصطلح‪.‬‬ ‫ولكن قبل الخوض في تفاصيله وتقليب ما جاء فيه‪ّ ،‬‬ ‫البد أن نأخذ فكرة ّ‬ ‫معنى االسم وتقسيمه‪:‬‬ ‫دل على معًنى في نفسه غير مقترن بزمان‪ ،‬كمحمد وعلي ودار وحنطة‬ ‫يقول النحاة ‪ :‬إن االسم هو ما ّ‬ ‫وماء‪..‬‬ ‫وهو من حيث العموم والخصوص ينقسم إلى قسمين ‪ :‬نكرة‪ ،‬وهي األصل‪ .‬ومعرفة‪ ،‬وهي الفرع‪.‬‬ ‫هل لفظ الجاللة (هللا) نكرة أم معرفة؟‬ ‫بال شك أنه معرفة وليس نكرة‪.‬‬ ‫العَلم واسم اإلشارة واالسم الموصول واالسم المقترن‬ ‫فإذا قلنا أنه معرفة‪ ،‬فالمعارف سبعة أنواع ‪ :‬الضمير و َ‬

‫بـــ (أل) والمضاف إلى معرفة والمنادى المقصود بالنداء‪.‬‬ ‫فمن أي نوٍع من أنواع المعارف لفظ الجاللة (هللا)؟‬ ‫بال شك أنه َعَلم‪.‬‬

‫معين‪ ،‬بحسب وضعه‪ ،‬بال قرينة ‪ :‬كمحمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين‬ ‫العَلم اسم يدل على‬ ‫مسمى ّ‬ ‫و َ‬ ‫ّ‬ ‫والمدينة والنجف وكربالء والفرات وجبل أحد‪.‬‬

‫‪117‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)9‬‬

‫ومنه أسماء البالد واألشخاص والدول والقبائل واألنهار والبحار والجبال‪.‬‬ ‫وإنما قلنا ‪ " :‬بحسب وضعه "؛ ألن االشتراك بحسب االتفاق ال يضر ؛ كخليل المسمى به أشخاص‬ ‫كثيرون‪ ،‬فاشتراكهم في التسمية إنما كان بحسب االتفاق والتصادف‪ ،‬ال بحسب الوضع ؛ ألن كل واحد‬ ‫من الواضعين إنما وضع هذا االسم لواحد بعينه‪ .‬أما النكرة ‪ :‬كرجل‪ ،‬فليس لها اختصاص بحسب الوضع‬ ‫بذات واحدة‪ ،‬فالواضع قد وضعها شائعة بين كل فرد من أفراد جنسها‪ .‬وكذا المعرفة من أسماء األجناس‬ ‫‪ :‬كالضمائر وأسماء اإلشارة‪.‬‬ ‫مسماه بقرينة الت ّكلم أو الخطاب أو‬ ‫مسماه بال قرينة ‪ :‬أما بقية المعارف‪ ،‬فالضمير يعين‬ ‫عي ُن‬ ‫العَلم ُي َّ‬ ‫و َ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يعينه بواسطة الجملة التي‬ ‫حسية أو معنوية‪ .‬واسم الموصول ّ‬ ‫الغيبة‪ .‬واسم اإلشارة ّ‬ ‫يعينه بواسطة إشارة ّ‬ ‫المعرف بأل يعينه بواسطتها‪ .‬والنكرة المقصودة بالنداء تعينه بواسطة قصدها به‪ .‬والنكرة‬ ‫تذكر بعده‪ .‬و ّ‬ ‫تعينه بواسطة إضافتها إليها‪.‬‬ ‫المضافة إلى معرفة ّ‬

‫المصدر‪ /‬جامع الدروس العربية للشيخ مصطفى الغالييني‪ ،‬بتصرف‪.‬‬ ‫فلفظ (هللا) ال يمكن أن ُيطلق إال على هللا تعالى وهو خالق كل شيء وموجده‪.‬‬ ‫وكل البشر على اختالف ألوانهم علماؤهم وجهالهم‪ ،‬عربهم وعجمهم يعلمون أن هللا اسم لرب العالمين‪،‬‬ ‫خالق السموات واألرضين‪ ،‬الذي يحيي ويميت وهو حي ال يموت‪ ،‬وهو رب كل شيء ومليكه‪ ،‬فهم ال‬ ‫يختلفون في أن هذا االسم ُيراد به هذا المسمى‪ ،‬وهو أظهر عندهم وأعرف وأشهر من كل اسم وضع لكل‬ ‫مسمى‪.‬‬ ‫هل هناك أحد في هذا الكون يطلق اسم (هللا) على خالق غير هللا ؟‬ ‫أرجو أن تدّلونا عليه إن ُو ِجد‪..‬‬ ‫ما نعرفه أن أشهر أسماء الرب تبارك وتعالى‪ ،‬وأعالها في الذكر والدعاء وسيد وإمام سائر األسماء‬ ‫الجاللية والكمالية وهو " هللا " إنما يقع علماً على الخالق عز وجل‪ ،‬وقد ُخ ّصت به كلمة اإلخالص‪،‬‬ ‫ووقعت به الشهادة فصار شعار اإلسالم‪ ،‬وهو اسم ممنوع أن يتسمى به غيره‪ ،‬قد قبض هللا عنه األ لسن‪،‬‬ ‫فلم ُي ْد َع به شيء سواه‪.‬‬ ‫قال تعالى‪:‬‬ ‫‪118‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)9‬‬

‫ۖ‬ ‫ۡ‬ ‫(ولىن سأ َۡلتهم م ۡن خلقه ۡ‬ ‫ن)‪.‬‬ ‫ٱّلل َفأََّن ٰى ُيؤَف ُكو َ‬ ‫ن‬ ‫ل‬ ‫و‬ ‫ق‬ ‫ي‬ ‫ل‬ ‫م‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ َ ِٕ َ َ ُ َّ َ َ َ ُ َ‬ ‫ُ‬ ‫سورة الزخرف‪87‬‬ ‫وقال تعالى‪:‬‬

‫ۡ‬ ‫ۡ‬ ‫ۡ ۡ‬ ‫ٱّلل)‪.‬‬ ‫ض َلَيُقوُل َّن َّ‬ ‫( َوَل ِٕىن َسأَل َت ُهم َّمن َخَل َق َّ‬ ‫ٱلس َمـ َٰو  ٰ ِت َوٱألَر َ‬ ‫سورة الزمر‪38‬‬ ‫وقال تعالى‪:‬‬

‫ۡ‬ ‫ۡ‬ ‫ۖ‬ ‫ۡ‬ ‫ۡ‬ ‫ِ ۡ ۡ‬ ‫ٱلش ۡ‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫ن)‪.‬‬ ‫ٱّلل َفأََّن ٰى ُيؤَف ُكو َ‬ ‫ن‬ ‫ل‬ ‫و‬ ‫ق‬ ‫ي‬ ‫ل‬ ‫ر‬ ‫م‬ ‫ق‬ ‫ٱل‬ ‫و‬ ‫س‬ ‫م‬ ‫ر‬ ‫خ‬ ‫س‬ ‫و‬ ‫ض‬ ‫َر‬ ‫ٱأل‬ ‫و‬ ‫ت‬ ‫ ‬ ‫ٰو‬ ‫ـ‬ ‫م‬ ‫ٱلس‬ ‫ق‬ ‫ل‬ ‫خ‬ ‫ن‬ ‫م‬ ‫م‬ ‫ه‬ ‫ت‬ ‫َل‬ ‫َّ‬ ‫ٰ‬ ‫َّ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ َ َ​َ َ‬ ‫َ‬ ‫( َوَل ِٕىن َسأ ُ‬ ‫َ​َ َ‬ ‫َ‬ ‫َ​َ‬ ‫ُ‬ ‫سورة العنكبوت‪61‬‬ ‫نصه بالحرف الواحد تحت هذا العنوان‪:‬‬ ‫يقول السيد الخوئي (رحمه هللا) في تفسيره البيان ما ّ‬ ‫االسم‪:‬‬ ‫في اللغة بمعنى العالمة‪ ،‬وهمزته همزة وصل‪ ،‬وليست من الحروف األصلية‪ ،‬وفيه لغات كثيرة والمعروف‬ ‫وضمه وهو مأخوذ من السمو " االرتفاع " باعتبار أن المعنى‬ ‫منها أربع ‪ :‬اسم‪ ،‬سم وكالمها بكسر األول‬ ‫ّ‬ ‫يرتفع به فيخرج من الخفاء إلى الظهور‪ ،‬فإن المعنى يحضر في ذهن السامع بمجرد سماع اللفظ بعد إن‬ ‫لم يكن فيه‪ ،‬أو باعتبار أن اللفظ يرتفع بالوضع فيخرج من اإلهمال إلى االستعمال‪ .‬وقيل باشتقاقه من‬ ‫السمة " العالمة " وهو خطأ ؛ ألن جمع اسم أسماء‪ ،‬وتصغيره سمي‪ ،‬وعند النسبة إليه ُيقال ‪ :‬سموي‬ ‫ّ‬ ‫السمة لقيل في جمعه أوسام‪ ،‬وفي‬ ‫سميت وأسميت‪ .‬ولو كان مأخوذاً من ّ‬ ‫واسمي‪ ،‬وعند التعدية يقال ‪ّ :‬‬ ‫تصغيره وسيم‪ ،‬وفي النسبة إليه وسمي‪ ،‬وعند التعدية وسمت وأوسمت‪.‬‬ ‫وقال (قدس هللا روحه) تحت عنوان (هللا) وهو حجر األساس والزاوية في هذا المقام‪:‬‬ ‫هللا‪:‬‬ ‫علم للذات المقدسة‪ ،‬وقد عرفها العرب به حتى في الجاهلية‪ ،‬قال لبيد‪:‬‬ ‫أال كل شيء ما خال هللا باطل‬

‫ُ‬

‫‪119‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)9‬‬

‫وكل نعيم ال محالة زائلُ‬ ‫ّ‬ ‫وقال سبحانه‪:‬‬ ‫السماو ِ‬ ‫ِ‬ ‫َّللا‪.)ُ...‬‬ ‫ض َلَيُقوُل َّن َّ‬ ‫ات َو ْاألَْر َ‬ ‫( َوَلئ ْن َسأَْل َت ُه ْم َم ْن َخَل َق َّ َ َ‬ ‫لقمان‪– 25‬‬ ‫توهم أنه اسم جنس فقد أخطأ‪ ،‬ودليلنا على ذلك أمور‪:‬‬ ‫ومن ّ‬ ‫يشك في ذلك أحد‪ ،‬وبأصالة‬ ‫األول ‪ :‬التبادر‪ ،‬فإن لفظ الجاللة ينصرف بال قرينة إلى الذات‬ ‫ّ‬ ‫المقدسة‪ ،‬وال ّ‬ ‫حجيتها في علم األصول‪.‬‬ ‫عدم النقل يثبت أنه كذلك في اللغة‪ ،‬وقد ُحّققت ّ‬

‫الثاني ‪ :‬إن لفظ الجاللة ‪ -‬بما له من المعنى ‪ -‬ال يستعمل وصفاً‪ ،‬فال يقال ‪ :‬العالم هللا‪ ،‬الخالق هللا‪،‬‬

‫على أن ُيراد بذلك توصيف العالم والخالق بصفة هي كونه هللا‪ ،‬وهذه آية كون لفظ الجاللة جامداً‪ ،‬وإذا‬ ‫فسره بالمعنى االشتقاقي‪.‬‬ ‫كان جامداً كان َعَلماً ال محالة‪ ،‬فإن الذاهب إلى أنه اسم جنس ّ‬ ‫تدل على‬ ‫الثالث ‪ :‬أن لفظ الجاللة لو لم يكن َعَلماً لما كانت كلمة " ال إله إال هللا " كلمة توحيد‪ ،‬فإنها ال ّ‬ ‫يدل عليه قول ‪ :‬ال إله إال الرازق‪ ،‬أو الخالق‪ ،‬أو غيرهما من األلفاظ التي‬ ‫التوحيد بنفسها حينئذ‪ ،‬كما ال ّ‬ ‫ُتطلق على هللا سبحانه‪ ،‬ولذلك ال ُيقبل إسالم من قال إحدى هذه الكلمات‪.‬‬

‫المقدسة‪ ،‬كما يقتضي الوضع بإزاء سائر المفاهيم‪،‬‬ ‫الرابع ‪ :‬أن حكمة الوضع تقتضي وضع لفظ للذات‬ ‫ّ‬

‫فيتعين أن يكون هو اللفظ الموضوع لها‪.‬‬ ‫وليس في لغة العرب لفظ موضوع لها غير لفظ الجاللة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫إن قلت‪:‬‬

‫تصورها ؛ الستحالة إحاطة‬ ‫إن وضع لفظ‬ ‫ّ‬ ‫تصور كل منهما‪ ،‬وذات هللا سبحانه يستحيل ّ‬ ‫لمعنى يتوقف على ّ‬ ‫ً‬ ‫الممكن بالواجب‪ ،‬فيمتنع وضع لفظ لها‪ ،‬ولو قلنا بأن الواضع هو هللا ‪ -‬وأنه ال يستحيل عليه أن يضع‬ ‫اسماً لذاته ؛ ألنه محيط بها ‪ -‬لما كانت لهذا الوضع فائدة الستحالة أن يستعمله المخلوق في معناه‬ ‫تصور المعنى كالوضع‪ ،‬على أن هذا القول باطل في نفسه‪.‬‬ ‫فإن االستعمال أيضاً يتوقف على ّ‬

‫قلت‪:‬‬

‫‪120‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)9‬‬

‫تصوره في الجملة‪ ،‬ولو باإلشارة إليه‪ ،‬وهذا أمر ممكن في الواجب‬ ‫وضع اللفظ بإزاء المعنى يتوقف على ّ‬ ‫تصور الواجب بكنهه وحقيقته‪ ،‬وهذا ال يعتبر في الوضع وال في االستعمال‪ ،‬ولو‬ ‫وغيره‪ ،‬والمستحيل هو ّ‬ ‫اعتبر ذلك المتنع الوضع واالستعمال في الموجودات الممكنة التي ال تمكن اإلحاطة بكنهها ‪ :‬كالروح‬

‫ويقصد به الذات‬ ‫المَلك و ّ‬ ‫الجن‪ ،‬ومما ال يرتاب فيه أحد أنه يصح استعمال اسم اإلشارة أو الضمير ُ‬ ‫و َ‬ ‫المقدسة مستجمعة لجميع صفات‬ ‫المقدسة‪ ،‬فكذلك يمكن قصدها من اللفظ الموضوع لها‪ ،‬وبما أن الذات‬ ‫ّ‬

‫صح أن يقال ‪ :‬لفظ الجاللة‬ ‫الكمال‪ ،‬ولم يلحظ فيها ‪ -‬في مرحلة الوضع – جهة من كماالتها دون جهة ّ‬ ‫موضوع للذات المستجمعة لجميع صفات الكمال‪.‬‬

‫إن قلت‪:‬‬ ‫عز اسمه‪:‬‬ ‫إن كلمة " هللا " لو كانت َعَل َماً شخصياً لم يستقم معنى قوله ّ‬ ‫السماو ِ‬ ‫(و ُهو َّ ِ‬ ‫ات َوِفي ْاأل َْرض ۖ ِ )‪.‬‬ ‫َّللا في َّ َ َ‬ ‫َ َ ُ‬ ‫سورة األنعام‪: 3‬‬ ‫وذلك ألنها لو كانت َعَلماً لكانت اآلية قد أثبتت له المكان وهو محال‪ ،‬فال مناص من أن يكون معناه‬ ‫المعبود‪ ،‬فيكون معنى اآلية ‪ :‬وهو المعبود في السماوات واألرضين‪.‬‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫المراد باآلية المباركة أنه تعالى ال يخلو منه مكان‪ ،‬وأنه محيط بما في السماوات وما في األرض‪ ،‬وال‬ ‫تخفى عليه خافية‪ ،‬ويشهد لهذا قوله تعالى في آخر اآلية الكريمة ‪:‬‬ ‫ن)‪.‬‬ ‫(َي ْعَل ُم ِسَّرُك ْم َو َج ْهَرُك ْم َوَي ْعَل ُم َما َت ْك ِسُبو َ‬ ‫األنعام‪: 3‬‬ ‫ظن الصدوق قال ‪:‬‬ ‫وقد روى أبو جعفر وهو محمد بن نعمان في ّ‬ ‫عز وجل ‪ّ :‬‬ ‫"سألت أبا عبدهللا (عليه السالم) عن قول هللا ّ‬ ‫السماو ِ‬ ‫(و ُهو َّ ِ‬ ‫ض)‪.‬‬ ‫ات َوِفي ْاأل َْر ِ‬ ‫َّللا في َّ َ َ‬ ‫َ َ ُ‬

‫‪121‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)9‬‬

‫سورة األنعام‪: 3‬‬ ‫كل مكان‪ ،‬قلت ‪ :‬بذاته؟ قال ‪ :‬ويحك إن األماكن أقدار‪ ،‬فإذا قلت في‬ ‫قال عليه السالم ‪ :‬كذلك هو في ّ‬ ‫مكان بذاته لزمك أن تقول في أقدار وغير ذلك‪ ،‬ولكن هو بائن من خلقه محيط بما خلق ‪ِ :‬عْلماً وقدرًة‬

‫وإحاط ًة وسلطانا"‪ً...‬‬

‫العَل ِمّية‪ ،‬إال أن الهمزة فيها همزة وصل تسقط‬ ‫واأللف والالم ‪ :‬من كلمة الجاللة وإن كانت جزءاً منها على َ‬ ‫في َّ‬ ‫الدْرج‪ ،‬إال إذا وقعت بعد حرف النداء‪ ،‬فتقول يا هللا ‪ -‬بإثبات الهمزة ‪ -‬وهذا مما اختص به لفظ‬

‫الجاللة‪ ،‬ولم يوجد نظيره في كالم العرب قط‪ ،‬وال مضايقة في كون كلمة الجاللة من المنقول‪ ،‬وعليه‬ ‫فاألظهر أنه مأخوذ من كلمة " اله " بمعنى االحتجاب واالرتفاع‪ ،‬فهو مصدر مبني للفاعل ؛ ألنه سبحانه‬ ‫هو المرتفع حقيقة االرتفاع التي ال يشوبها انخفاض‪ ،‬وهو ‪ -‬في غاية ظهوره بآثاره وآياته – محتجب‬ ‫عن خلقه بذاته‪ ،‬فال تدركه األبصار وال تصل إلى كنهه األفكار‪:‬‬ ‫الفكر كليال‬ ‫فيك يا أعجوبة الكون غدا ُ‬ ‫حيرت ذوي الّل ّب وبلبلت العقوال‬ ‫أنت ّ‬ ‫كّلما أقدم فكري فيك شب اًر ّفر ميال‬ ‫ناكصاً يخبط في عشواء ال يهدي السبيال‬ ‫ِ‬ ‫تحير ليكون اإلله مصد اًر بمعنى المفعول‬ ‫وال موجب للقول باشتقاقه من " أَله " بمعنى عبد‪ ،‬أو "أله" بمعنى ّ‬

‫‪ -‬ككتاب ‪ -‬فإنه التزام بما ال يلزم‪.‬‬

‫المصدر‪ /‬كتاب البيان في تفسير القرآن للسيد الخوئي (رحمه هللا) ص‪. : ٤٢٨ - ٤٢٤‬‬ ‫بينا ذلك‪.‬‬ ‫إذن نخلص إلى نتيجة مفادها أن لفظ الجاللة ال يقع َعَلماً إال على الذات اإللهية‬ ‫ّ‬ ‫المقدسة كما ّ‬ ‫التصور اإلجمالي للباري ‪ -‬سبحانه وتعالى‬ ‫طبعاً ذكر سماحة السيد الخوئي (رحمه هللا) في معرض كالمه‬ ‫ّ‬ ‫‪ -‬وهذا يأتي الكالم عليه إن شاء هللا خالل المصطلح الالحق‪.‬‬

‫ولكن بقي أن أشير تحت عنوان هذا المصطلح إلى نقطة غاية في األهمية وهي أن رأي الشيخ األوحد‬ ‫(رحمه هللا) في لفظ الجاللة في كتابه جوامع الكلم في ج‪ ٩‬منه ضمن موسوعة تراث األوحد ص ‪3١٢‬‬

‫‪122‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)9‬‬

‫يسوقه لنا مشايخنا حول رأيه‪ ،‬على األقل في هذا النص الواضح و الصريح‪،‬‬ ‫‪ 3١3 -‬هو بخالف ما كان ّ‬

‫نصه بالحرف الواحد في كتابه المذكور‪:‬‬ ‫إذ قال ما ّ‬

‫"أقول ‪ :‬وجه االختصاص أن هللا اسم لذات اتصفت بصفات القدس كالقدوس والسبحان والعزيز والعلي‬ ‫المنزه المتنزه وأمثال ذلك‪ ،‬وبصفات اإلضافة كالعلم والقدرة والسمع والبصر‪ ،‬فإن العلم يقتضي مفهومه‬ ‫و ّ‬

‫اللغوي معلوماً والقدرة مقدو اًر والسمع مسموعاً والبصر مبص ارً‪ ،‬وهكذا وبصفات الخلق كالخالق والرازق‬

‫والمعطي‪ ،‬فالذات الجامعة لهذه المراتب هو المسمى باهلل‪ ،‬فإنه يقتضي مألوهاً‪ ،‬فإن العبادة إنما تكون‬

‫بتنزيه المعبود عن المشاركة في الذات والصفات واألفعال والعبادة‪ ،‬وهذه األربعة هي مراتب األحد‪ ،‬وهذا‬

‫التنزيه هو مقتضى صفات القدس‪ ،‬وإنما تكون العبادة أيضاً بمقتضى صفات اإلضافة كالعلم والقدرة وهي‬

‫الموجبة للتعظيم وتكون أيضاً بمقتضى صفات الخلق‪ ،‬فيسأله المغفرة والرزق ودفع الباليا وما أشبه ذلك‪،‬‬

‫فمن اتصف بهذه الصفات الثالث فهو هللا‪ ،‬وأما الرحمن فهو اسم لذات اتصفت بصفات اإلضافة وبصفات‬

‫الخلق‪ ،‬ولهذا استوى بروحانيته على عرشه فأعطى كل ذي حق حقه‪ ،‬وساق إلى كل مخلوق رزقه‪ ،‬فمن‬ ‫اتصف بهذين النوعين من الصفات فهو الرحمن‪ ،‬فكان هللا موصوفاً بثمانية وتسعين اسماً‪ ،‬فهو هللا‬ ‫القدوس السالم المؤمن إلى آخر األسماء الحسنى‪ ،‬وكان الرحمن موصوفاً بسبعة‬ ‫الرحمن الرحيم الملك ّ‬

‫وتسعين اسماً فهو الرحمن الرحيم الملك القدوس السالم إلخ‪ ،‬فتقول ‪ :‬يا هللا ارحمني ؛ أل نه متصف‬

‫عدوي ؛ ألنه متصف بالمهلك‪ ،‬وهكذا إلى آخر‬ ‫بالرحمن الرحيم‪ ،‬واغفر لي ؛ ألنه متصف بالغافر‪ ،‬وأهلك ّ‬ ‫ۡ ۟‬ ‫ۡ ۟‬ ‫ۡ ۟‬ ‫ۡ ۖ ࣰ‬ ‫ِ‬ ‫ٱلرح َمـ َٰن أَّيا َّما َتد ُعوا َفَل ُه‬ ‫ٱّلل أ َِو ٱد ُعوا َّ‬ ‫األسماء الحسنى‪ .‬وكذلك الرحمن وهو قوله تعالى ‪ُ ( :‬قل ٱد ُعوا َّ َ‬ ‫ۤ ۡ‬ ‫ۡ‬ ‫ٱأل َۡس َما ُء ٱل ُح ۡسَنى ۚ ٰ )‪.‬‬ ‫سورة اإلسراء‪110‬‬ ‫فأي ذات اتصفت بجميع األسماء الحسنى جاز إطالق هللا والرحمن عليها وذلك خاص باهلل‪ ،‬قال هللا تعالى‬ ‫ّ‬ ‫ۡ‬ ‫ۤ ۡ ۡ‬ ‫ۡ‬ ‫۟‬ ‫۟‬ ‫ۚ‬ ‫ۡ‬ ‫ين ُكم وَال َتُقوُلوا عَلى َّ ِ‬ ‫‪( :‬يـٰأَهل ٱل ِك َتـ ِٰب َال َتغُلوا ِفی ِد ِ‬ ‫ٱّلل ِإَّال ٱل َحق َ ّ )‪.‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ َ‬ ‫سورة النساء‪171‬‬ ‫تسموا أحداً باهلل إال الحق فهذا وجه اختصاص هذين االسمين" ‪.‬‬ ‫أي ال ّ‬ ‫انتهى‪.‬‬

‫‪123‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)9‬‬

‫أكتفي بهذا القدر‪ ،‬ومن أراد المزيد أكثر من هذه اإلطالة فليراجع ما ُكتب في محله من أبحاث‪.‬‬ ‫فأين من يقول بأن الشيخ يعترض على هذا الكالم؟‬

‫تصور الباري إجماال‪ً :‬‬ ‫مصطلح ّ‬ ‫المرة نخوض في معترك‬ ‫لقد تناولنا من قبل في حلقة سابقة أهمية المصطلح ودراسته دراسة واعية‪ .‬وهذه ّ‬ ‫مصطلح جديد‪ ،‬يبدو ألول وهلة أنه ال ينسجم مع القرآن الكريم والسنة المطهرة عندنا أتباع الشيخ‪ ،‬أو‬

‫ق ما خلفه من‬ ‫على أقل تقدير هو بحاجة إلى تطهير لفظه‪ ،‬بصرف النظر عن مفهومه أو عما ُيشر ُ‬ ‫معنى‪.‬‬

‫لكن كما قلنا م ن قبل ال ينبغي لنا أن نحكم على ظواهر األلفاظ ما لم ندرسها دراسة واعية متأملة‪ ،‬ال‬ ‫نعتمد فيها على المسبقات الذهنية‪ ،‬أو نصغي من أجل فهم مرادها إلى جهات لم تفهم معناها‪.‬‬ ‫أليس الناقد الموضوعي المنصف يجتهد في عرض الفكرة أو الرأي الذي يخالفه معتمداً في ذلك على‬

‫مصدر تلك الفكرة ؟ إذ ال يجوز أخذ عقائد قوم من أعدائهم ومناوئيهم‪ ،‬فهذا ليس من الموضوعية في‬

‫شيء‪.‬‬ ‫ولكي يتضح لنا المعنى تماماً علينا أن نسوق بعض الشواهد واألمثلة‪.‬‬ ‫يتبين لنا بأن كثي اًر من‬ ‫ولنبدأ برواية عن موالنا أبي عبدهللا جعفر بن محمد الصادق (عليه السالم) حتى ّ‬ ‫ومتصيدة من النصوص‬ ‫المصطلحات الكالمية والفلسفية ‪ -‬كما أثبتنا من قبل ‪ -‬إنما هي مستنبطة‬ ‫ّ‬

‫الشريفة (كتاب أو سنة أو عقل في بعض األحيان)‪.‬‬

‫‪١‬سأل شخص اإلمام الصادق (عليه السالم)‪ :‬ما الدليل على وجود هللا؟‬‫فسأله اإلمام إن كان قد ركب البحر ؟ فقال ‪ :‬نعم‪ .‬فسأله اإلمام إن كان قد صادف طوفاناً وهيجاناً في‬

‫البحر‪ ،‬وإنه كان على وشك الغرق‪ ،‬وإنه قد قطع رجاءه من كل شيء‪.‬‬

‫فقال ‪ :‬نعم‪ .‬فقال له اإلمام ‪ :‬هل اتجه قلبك في تلك اللحظة إلى جه ٍة ما‪ ،‬إلى ملجأ يحميك‪ ،‬إلى نقطة‬ ‫تتوسل إليها كي تنجيك من محنتك؟‬

‫‪124‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)9‬‬

‫فقال ‪ :‬نعم‪.‬فقال له اإلمام ‪ :‬ذاك هو هللا‪.‬‬ ‫تصور الخالق أو الباري إجماالً‪ ،‬أي بمعنى الجهة أو‬ ‫هذا الذي عناه اإلمام مع ذلك الرجل السائل هو ّ‬ ‫القوة الموجدة لهذا الكون‪ ،‬إذ من الطبيعي أن تفزع نفسك إليها انطالقاً من الفطرة السليمة التي أودعها‬ ‫ّ‬ ‫هللا فيك‪.‬‬

‫‪٢‬لنفترض شخصين جلس كل واحد منهما وراء حاسوب (جهاز الكمبيوتر) وأراد أن يكتب البيت الشعري‬‫التالي‪:‬‬ ‫وعاجز الرأي مضياع لفرصته‬ ‫حتى إذا فات أمر عاتب القد ار‬ ‫أمّياً ال يعرف الحروف‬ ‫وكان أحد الشخصين‬ ‫َ‬ ‫المذكورين مثّقفاً ومتعلماً‪ ،‬عارفاً بالحروف ومفاتيحها‪ .‬واآلخر ّ‬

‫ومفاتيحها‪ ،‬ثم َشَرعا معاً في الضرب على لوحة المفاتيح لطبع البيت المذكور‪ ،‬فإن النتيجة ستكون هكذا‬

‫‪:‬‬

‫سيضرب األول ‪ -‬بحكم معرفته ‪ -‬حرف (و) ثم (ع) ثم (ا) ثم (ج) ثم (ز) وهكذا إلى آخر البيت‪ ،‬وسوف‬ ‫لن تمضي سوى دقائق معدودة إال وقد طبع البيت المذكور بصورة دقيقة وصحيحة‪.‬‬ ‫األمي وضرباته العشوائية الجاهلة إال على صفحة طبعت عليها عشرات الحروف‬ ‫بينما لن‬ ‫ّ‬ ‫يتحصل من فعل ّ‬ ‫المختلفة المصفوفة إلى جانب بعضها في غير نظام وال معنى‪ ،‬بل ولعلنا نجد بينها كلمات تدعو إلى‬

‫السخرية وتثير الضحك ؛ لكونها غاية في السخافة والّل ْغوية‪.‬‬ ‫شك فيه عند مشاهدة الورقتين هو أن الورقة األولى التي تحمل البيت الشعري مطبوعاً طبعاً‬ ‫إن الذي ال ّ‬

‫ظماً‪ ،‬تكشف عن أنها من صنع كاتب عارف بما كتب‪ ،‬عالم بالحروف والكلمات والجمل‬ ‫صحيحاً ومن ّ‬

‫التصور اإلجمالي المعني في كالم‬ ‫هويته واسمه وشخصه‪ ،‬هذا هو‬ ‫والتعابير حتى وإن كّنا ال نعرف ّ‬ ‫ّ‬ ‫الفالسفة‪.‬‬ ‫طره من‬ ‫أمي ال يعرف شيئاً من القراءة والكتابة‪ ،‬وأن ما س ّ‬ ‫بينما تكشف الورقة الثانية عن أنها من فعل ّ‬ ‫الحروف والكلمات الغريبة كان وليد الضربات العشوائية على مفاتيح الحروف‪ ،‬فهي التي جمعت هذه‬

‫‪125‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)9‬‬

‫الحروف المتنافرة على سبيل الصدفة بعضها إلى جانب بعض‪ ،‬وخلقت منها كلمات غريبة لم تطرق سمع‬ ‫أبدا‪.‬‬ ‫ط‪ ،‬ولم تخطر على قلب بشر ً‬ ‫إنسان ق ّ‬ ‫المثقف العارف عالمة القصد والتدبير‪ ،‬وتكون الفوضى في ما‬ ‫وهكذا يكون النظام السائد في ما طبعه‬ ‫ّ‬ ‫األمي الجاهل عالمة الصدفة وعدم التدبير‪.‬‬ ‫طبعه ّ‬ ‫تصور‬ ‫‪3-‬لو أننا وقفنا على لوحة فّنية زاهية األلوان‪ ،‬متناسقة األصباغ‪ ،‬رائعة الجمال‪ ،‬جميلة المعالم‪ّ ،‬‬

‫وسباحين‪ ،‬وسفناً تمخر عباب البحر‪ ،‬وأمواجاً صغيرة تداعب المحارات المتناثرة على‬ ‫شاطىء بحر أزرق ّ‬

‫تعج بأشجار باسقة‪ ،‬وتتناثر فيها جنائن خضراء وحدائق غناء‪.‬‬ ‫تتوسط الماء‪ّ ،‬‬ ‫الساحل‪ ،‬وجزيرة ّ‬

‫رساماً ماه اًر هو الذي رسمها‪ ،‬وهو يتمتع‬ ‫ثمة ّ‬ ‫فإن هذه اللوحة الجميلة سوف تهدينا ‪ -‬فو اًر ‪ -‬إلى أن ّ‬ ‫بذوق رفيع‪ ،‬ومهارة عالية‪ ،‬وتحملنا على اإلعجاب بموهبته وفّنه وإبداعه‪.‬‬ ‫كما تحملنا في نفس الوقت على االعتقاد بأن مثل هذه اللوحة الجميلة والرائعة ال يمكن أن تصدر إال من‬ ‫القوية التي تقدر على اختصار ذلك المشهد العظيم العريض في منظر جميل مص ّغر‬ ‫هذه الموهبة الفّنية ّ‬ ‫لتصور أن تلك اللوحة‬ ‫على قطعة صغيرة المساحة من الورقة‪ ،‬فال عالقة إذن للصدفة بذلك‪ ،‬وال مجال‬ ‫ّ‬

‫تصور ‪ -‬على نحو اإلجمال ‪ -‬أن هناك صانعاً وفّنياً لهذه‬ ‫البد من‬ ‫ظهرت اتفاقاً ودون قصد‪ ،‬وإنما ّ‬ ‫ّ‬ ‫اللوحة‪.‬‬ ‫ليس من الضروري أن نعرف شخصه على نحو الدقة والتفصيل‪.‬‬ ‫رسام ماهر وفّنان قدير‪ ،‬قد تحلى بذوق رفيع ومهارة‬ ‫فالعقل يذعن ‪ -‬دون تأخير ‪ -‬بأن هذا من صنع ّ‬ ‫تم من حركات ّأدت إلى ظهور هذه الصورة الفنية لم تكن سوى حركات منتظمة‪ ،‬ومتناسقة‬ ‫فائقة‪ ،‬وأن ما ّ‬ ‫ومدروسة بعناية بالغة‪.‬‬

‫بعد هذه الجولة في رواية اإلمام (ع) والمثالين السابقين يتضح لنا اآلتي‪:‬‬ ‫نتصور أن لهذا الكون خالق وصانع على نحو اإلجمال‪ ،‬وهذه هي المعرفة الممكنة والتي‬ ‫إننا يمكن أن‬ ‫ّ‬ ‫أشارت إليها الروايات‪ ،‬ومنها ما ورد عن إمامنا أمير المؤمنين (عليه السالم) أنه قال ‪:‬‬ ‫"أول الدين معرفته‪ ،‬وكمال معرفته التصديق به‪ ،‬وكمال التصديق به توحيده‪ ،‬وكمال توحيده اإلخالص‬ ‫له‪ ،‬وكمال اإلخالص له نفي الصفات عنه‪.... ".‬‬ ‫‪126‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)9‬‬

‫فاإلمام قال ‪ :‬أول الدين معرفته‪ ،‬فهذه المعرفة اإلجمالية‪.‬‬ ‫مفصالً‪ ،‬فتلك معرفة مستحيلة عقالً‬ ‫ولكن ال يمكن معرفته على حقيقته وكنهه‪ ،‬بحيث يتجلى لنا ونعرفه ّ‬

‫وشرعاً (يامن ال يعرف ماهو إال هو) فحيث ثبت أن هللا تعالى غير متنا ٍه‪ ،‬وما عداه متنا ٍه فمن المحال‬

‫أن يحيط المتناهي بالالمتناهي‪ ،‬وأّنى له ذلك !‬

‫فلو أن اإلنسان اكتنه حقيقة شيء ووقف على كنهه فقد أحاط به‪ ،‬ولو كانت تلك إحاطة علمية‪ .‬ولما‬ ‫كان الواجب ‪ -‬سبحانه ‪ -‬ال متنا ٍه‪ ،‬فمن المستحيل لإلنسان أن يكتنهه‪ ،‬حيث ال يمكن للمتناهي ‪ -‬كما‬ ‫مر ‪ -‬أن يحيط به علماً‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫وفي هذا االتجاه راح القرآن الكريم والمأثور من أحاديث الرسول (صلى هللا عليه وآله) وأهل بيته الطاهرين‬ ‫(عليهم السالم) يح ّذران اإلنسان من االنزالق إلى هذا الوادي السحيق ؛ لما يفضي إليه من تيه وضياع‬ ‫وضالل‪.‬‬ ‫أما القرآن فهناك الكثير من اآليات تثبت حقيقة عدم إمكان اإلحاطة به علماً‪ ،‬ومنها قوله تعالى ‪:‬‬ ‫ۡ‬ ‫ۡ‬ ‫(َي ۡعَل ُم َما َب ۡي َن أ َۡي ِد ِ‬ ‫يه ۡم َو َما َخل َف ُه ۡم َوَال ُي ِحيطُو َن ِب ِه ۦ ِعل ࣰما)‪.‬‬ ‫سورة طه‪١١0‬‬ ‫المحدث أن اإلمام احتج‬ ‫قرة‬ ‫ّ‬ ‫وفي ّ‬ ‫رد اإلمام علي بن موسى الرضا (عليه السالم) على أسئلة وشبهات أبي ّ‬ ‫ۡ‬ ‫ۡ ۡ‬ ‫ٰر)‪.‬‬ ‫في دفع الرؤية بقوله سبحانه ‪َّ( :‬ال ُتد ِرُكهُ ٱألَب َصـ ُ‬ ‫سورة األنعام‪. 103‬‬

‫ۡ‬ ‫وقوله تعالى ‪َ ( :‬وَال ُي ِحيطُو َن ِب ِه ۦ ِعل ࣰما)‪.‬‬

‫سورة طه‪110‬‬

‫ۡ‬ ‫وقوله تعالى ‪( :‬ل ۡيس ك ِم ۡثلِ ِه ۦ ش ۡی ࣱۖ‬ ‫ٱلس ِ‬ ‫ير)‪.‬‬ ‫يع ٱلَب ِص ُ‬ ‫م‬ ‫و‬ ‫ه‬ ‫و‬ ‫ء‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫َ َ َ‬ ‫ُ‬ ‫َ َُ‬

‫سورة الشورى‪11‬‬ ‫حيث قال (ع)‪ " :‬فإذا رأته األبصار فقد أحاط به العلم ووقعت المعرفة ‪".‬‬

‫‪127‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)9‬‬

‫المصدر‪/‬األصول من الكافي‪ ،‬ج ‪ ،١‬ص ‪٩٦.‬‬ ‫والمعرفة التي يعنيها الحديث هي المعرفة اإلحاطية‪ .‬وكذا الحال إذا وقع كنهه في العقل ؛ وإذا وقعت‬ ‫هويته وذاته فيه أيضا ‪ً.‬‬ ‫ّ‬ ‫وتوضيح ذلك ‪:‬‬ ‫أن اإلحاطة على ضربين ‪:‬‬ ‫إحاطة بصرية وإحاطة بصيرية (نسبة إلى البصيرة) تقع في القلب‪ .‬والقرآن ينفي اإلحاطتين كليهما‪ ،‬فأنت‬ ‫هوية ذات الحق محال الستحالة اإلحاطة‬ ‫هويته‪ ،‬ومعرفة ّ‬ ‫إذا قلت ‪ :‬اإلنسان حيوان ناطق‪ .‬فقد عرفت ّ‬ ‫بضربيها‪.‬‬ ‫يقول اإلمام أمير المؤمنين (عليه السالم)‪ " :‬لم يطلع العقول على تحديد صفته‪ ،‬ولم يحجبها عن واجب‬ ‫معرفته "‪ .‬نهج البالغة خطبة رقم‪. ٤٩‬‬ ‫حدها الواجب‪.‬وربما أشار‬ ‫إذ ُيجمع النص في توازن دقيق بين استحالة اإلحاطة كنهاً‪ ،‬وإمكان المعرفة في ّ‬

‫المفسرين إلى استحالة المعرفة الكنهية‪ ،‬وتحذير القرآن منها‪ ،‬بقول الحق تعالى‪:‬‬ ‫بعض‬ ‫ّ‬ ‫ۡ‬ ‫ِ‬ ‫ٱّلل َنف َس ُه)‪.‬‬ ‫( َوُي َح ّذُرُك ُم َّ ُ‬ ‫سورة آل عمران‪٢٨‬‬ ‫حيث ال يمكن ألحد أن يبلغ ذلك المقام‪.‬‬ ‫وقال مولى الموحدين أمير المؤمنين (عليه السالم)‪:‬‬ ‫"فتبارك هللا الذي ال يبلغه ُبعد الهمم‪ ،‬وال يناله حدس الفطن" ‪.‬‬ ‫السجاد (عليهما السالم)‪:‬‬ ‫وقال موالنا اإلمام علي بن الحسين‬ ‫ّ‬

‫"ِإلـهي َقصر ِت ْاألَ ْلسن ع ْن بُلوِغ َثنا ِئ َك َكما يليق ِبجاللِ َك‪ ،‬وعج َز ِت اْلعُقول ع ْن ْإدر ِ‬ ‫اك ُكْن ِه َجمالِ َك‪َ ،‬واْن َح َسَر ِت‬ ‫ُ ُ َ‬ ‫َ​َ​َ‬ ‫َ ُ َ‬ ‫ُ​ُ َ ُ‬ ‫َُ‬

‫ظ ِر إلى سب ِ‬ ‫صار ُدو َن َّ‬ ‫حات َو ْج ِه َك‪َ ،‬وَل ْم َت ْج َع ْل لِْل َخْل ِ‬ ‫طريقاً إلى َم ْع ِرَفِت َك إالّ ِباْل َع ْج ِز َع ْن َم ْع ِرَفِتك ‪َ....‬‬ ‫ق َ‬ ‫الن َ‬ ‫ُ​ُ‬ ‫ْاأل ْب ُ‬ ‫"‪.‬‬

‫‪128‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)9‬‬

‫يتصور‬ ‫تصور الذات إجماالً ليس معناه بأن اإلنسان‬ ‫المهم كما ّ‬ ‫ّ‬ ‫ومر معنا خالل سياق الكالم بأن ّ‬ ‫بينا ّ‬ ‫شيئاً في ذهنه‪ ،‬وإنما معناه أن تفزع نفسك إلى جهة أوجدتك وخلقتك‪ ،‬وهو معنى كالم اإلمام (ع)‪ :‬أول‬

‫الدين معرفته‪.‬‬

‫فكيف نوّفق بين هذا وبين ما نحن فيه من استحالة المعرفة؟‬ ‫إن اإلمام ال يعني في كالمه أن المعرفة اإلنسانية تتعلق بذات الحق (سبحانه) فمعرفة الذات ال مجال‬ ‫لها‪ ،‬وال يمكن ألحد أن يعلم ما هي‪ .‬وإنما عنى من كالمه ما سقناه مما ذكره السيد الخوئي (رحمه هللا)‬ ‫في تفسيره ‪:‬‬ ‫تصوره في الجملة‪ ،‬ولو باإلشارة إليه‪ ،‬وهذا أمر ممكن في الواجب‬ ‫"وضع اللفظ بإزاء المعنى يتوقف على ّ‬

‫تصور الواجب بكنهه وحقيقته‪ ،‬وهذا ال يعتبر في الوضع وال في االستعمال‪ ،‬ولو‬ ‫وغيره‪ ،‬والمستحيل هو ّ‬ ‫اعتبر ذلك المتنع الوضع واالستعمال في الموجودات الممكنة التي ال تمكن اإلحاطة بكنهها ‪ :‬كالروح‬ ‫ويقصد به الذات‬ ‫المَلك و ّ‬ ‫الجن‪ ،‬ومما ال يرتاب فيه أحد أنه يصح استعمال اسم اإلشارة أو الضمير ُ‬ ‫و َ‬ ‫المقدسة‪ ،‬فكذلك يمكن قصدها من اللفظ الموضوع لها‪ ،‬وبما أن الذات المقدسة مستجمعة لجميع صفات‬ ‫صح أن يقال ‪ :‬لفظ الجاللة‬ ‫الكمال‪ ،‬ولم يلحظ فيها ‪ -‬في مرحلة الوضع ‪ -‬جهة من كماالتها دون جهة ّ‬ ‫موضوع للذات المستجمعة لجميع صفات الكمال" ‪.‬‬

‫التصور اإلجمالي للباري سبحانه هو انطباع صورة‬ ‫فسماحة السيد وكل علماء الطائفة ال يرون أن معنى‬ ‫ّ‬

‫توجه القلب وفزعه‬ ‫شيء في الذهن ! والعياذ باهلل العظيم‪ ،‬ومن يرى هذا االعتقاد الفاسد الباطل‪ ،‬وإنما ّ‬ ‫ِ‬ ‫بينا في رواية اإلمام الصادق (عليه السالم)‪.‬‬ ‫إلى جهة ما مقتدرة‬ ‫وموجدة وخالقة لهذا الكون‪ ،‬كما ّ‬ ‫وبعبارة أخرى ومختصرة أقول‪:‬‬ ‫نجا اًر ما صنع هذا الباب أو هذا الكرسي‪ ،‬ولكنك ال تعرفه على نحو التفصيل والدقة‬ ‫إنك‬ ‫تتصور إجماالً أن ّ‬ ‫ّ‬

‫مثال‪.‬‬ ‫أنه يكون زيداً ً‬

‫هذا هو التصور اإلجمالي ببساطة‪.‬‬ ‫ولننتقل إلى مصطلح جديد للتعرف عليه‪.‬‬ ‫مصطلح وحدة الوجود‪:‬‬ ‫‪129‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)9‬‬

‫سترد علينا‬ ‫وقبل الخوض في تفاصيل هذا المصطلح‪ ،‬هناك بعض المطالب العلمية والمصطلحات التي‬ ‫ُ‬

‫طلع عليها كثي اًر في قراءاتنا المتنوعة هنا وهناك‪ ،‬إذ ينبغي‬ ‫في شرح هذا المصطلح تحديداً‪ ،‬كما نسمعها ون ّ‬

‫بمحل كالمنا‪ ،‬ومنها المفهوم والمصداق‪.‬‬ ‫التعرف عليها وهي مرتبطة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬

‫أصعب الكالم‪ ،‬خاصة وأن معظم قراء هذه المذ ّكرات من هواة حب االستطالع العاجل‬ ‫وال أريد أن أعّقد و ّ‬ ‫التعمق في المعارف والفضول العلمي العميق (الوجبات الدسمة‬ ‫والوجبات السريعة (الساندويش) وليس‬ ‫ّ‬

‫الثقيلة)‪.‬‬

‫موضع الشاهد‪:‬‬ ‫إن المفهوم ‪ -‬ببساطة ‪ -‬هو المعنى الموجود في الذهن‪.‬‬ ‫والمصداق هو الموجود في الخارج‪.‬‬ ‫فصورة الكتاب ‪ -‬مثالً ‪ -‬التي في الذهن هي المفهوم‪ ،‬والوجود الخارجي للكتاب هو مصداق لذلك‬

‫المفهوم‪.‬‬

‫فكل ما هو موجود في الذهن فهو (مفهوم) كمفهوم العلم والقدرة والحياة والصالة والوجود وغيرها‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫و هذه المفاهيم لها مصاديق في الخارج‪ ،‬فمفهوم العلم له مصداق في الخارج‪ ،‬ومفهوم الوجود له مصداق‬ ‫في الخارج وهكذا‪.‬‬ ‫وبعد اتضاح الفرق بين المفهوم و المصداق نقول‪:‬‬ ‫إن الفالسفة يؤكدون بأن االشتراك في الوجود بين هللا تعالى و بين المخلوقات هو في مفهوم الوجود‬ ‫بأن هذا واضح ووجداني‪.‬‬ ‫وليس في مصداقه‪ .‬فيقولون ّ‬ ‫درسنا حكمة الشيخ أحمد بن زين الدين (رحمه هللا) عند شرحه‬ ‫إن مشكلة البعض من المشائخ ممن ّ‬ ‫كمادة خام ‪ -‬وجود الواجب ووجود‬ ‫لمفهوم الوجود يجعله بمثابة المقسم‪ ،‬ويتوّلد من هذا المقسم ‪ّ -‬‬

‫علوا كبي اًر ‪ -‬في مادة الوجود‪،‬‬ ‫الممكن‪ّ ،‬‬ ‫ويفهمنا بهذه السذاجة بأننا نشترك مع هللا ‪ -‬تعالى عن ذلك ّ‬ ‫وكأن الفالسفة يؤمنون بهذا الكالم !!‬ ‫الفالسفة ال يؤمنون بهذا على اإلطالق‪ ،‬إنما هذا فهمنا الخاطىء والمعوج‪.‬‬

‫‪130‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)9‬‬

‫وقد حصل هذا التخبط واللبس بسبب الخلط بين المفهوم والمصداق‪.‬‬ ‫فمثال ‪ً :‬‬ ‫هل مفهوم العلم ومعنى العلم الذي نطلقه على هللا تعالى يختلف عن مفهوم ومعنى العلم الذي نطلقه‬ ‫على زيد أم ال ؟‬ ‫وبعبارة أخرى لو سألنا ‪:‬‬ ‫ما هو مفهوم ومعنى العلم الذي نطلقه على هللا تعالى ؟‬ ‫وما هو مفهوم ومعنى العلم الذي نطلقه على زيد ؟‬ ‫الجواب ‪ :‬إنه بمعنى واحد وال يختلف‪ ،‬وهو الذي في مقابل الجهل‪ ،‬و هذا هو المتبادر من مفهوم كلمة‬ ‫(العلم)‪.‬‬ ‫وهذا بلحاظ مفهوم العلم‪.‬‬ ‫وأما بلحاظ المصداق‪ ،‬فمصداق العلم بالنسبة هلل تعالى يختلف عن غيره‪ ،‬فعلمه غير متنا ٍه ومطلق وغير‬ ‫مقيد بأي قيد إطالقاً‪ ،‬وهذا بخالف غيره من المخلوقات العالمة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫و عندما نأتي إلى مفهوم الوجود نسقط الكالم نفسه‪ ،‬فنقول ‪:‬‬ ‫ماذا نفهم من معنى ومفهوم الوجود ؟‬ ‫لنقل أنه في مقابل مفهوم العدم‪.‬‬ ‫ما نفهمه من مفهوم الوجود ينطبق على هللا تعالى وعلى سائر الخلق‪.‬‬ ‫هذا بلحاظ المفهوم‪.‬‬ ‫وأما مصداق الوجود‪ ،‬فوجود هللا تعالى وجود محض ال يدانيه أي نقص أو قيد‪ ،‬فهو مطلق من جميع‬ ‫الجهات‪.‬‬ ‫فهو غني مطلق في وجوده‪ ،‬وغني مطلق في علمه‪ ،‬وغني مطلق في قدرته وغني مطلق في سمعه‪،‬‬ ‫وسائر صفات الجالل والكمال‪.‬‬ ‫‪131‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)9‬‬

‫والغني المطلق هو الغني في نفسه الغير محتاج إلى غيره وغيره محتاج إليه‪.‬‬ ‫فمقصود الفالسفة من مفهوم الوجود هو ذاك األمر الوجداني وهو في عالم المفهوم ال في عالم المصداق‪.‬‬ ‫فالشيخ األوحد (قدس سره) عالم ونفهم من هذا العلم أنه في مقابل الجهل‪.‬‬ ‫و كذلك هللا عالم ونفهم من معنى هذه الكلمة أنها في مقابل الجهل‪.‬‬ ‫نعم‪ .‬العلم بلحاظ المصداق يختلف‪ ،‬فاهلل تعالى ال شريك له ال في الوجود وال في الصفات‪.‬‬ ‫وبعبارة أخرى ‪ :‬نحن نعلم أن مفهوم العلم واحد‪ ،‬فهو المقابل لمفهوم الجهل‪ ،‬سواء أطلق العلم على هللا‬ ‫تعالى أو على غيره‪.‬‬ ‫نعم‪ .‬الفارق هو في مصداق العلم وفي مصداق الوجود‪.‬‬ ‫و كل اإلشكاالت التي يطلقها مشائخنا الكرام ‪ -‬سامحهم هللا وعفا عنهم ‪ -‬ال تثبت أمام النقد‪ ،‬وإنما تأتي‬ ‫وترد إذا كان مقصود الفالسفة هو المصداق‪ ،‬بينما مقصودهم هو المفهوم‪.‬‬ ‫ومن هنا وقع الخلط‪.‬‬ ‫فالوقوع في الشرك والوقوع في تشبيه الخلق بالخالق و غيرها من اللوازم األخرى إنما هي تأتي بلحاظ‬ ‫مصداق الوجود ال بلحاظ مفهومه‪.‬‬ ‫الصوفية‪ ،‬فعارضهم وحاربهم علماء الطائفة على هذا القول‬ ‫وهذا المفهوم الخاطىء هو الذي وقع فيه‬ ‫ّ‬ ‫كل علماء اإلمامية‬ ‫الباطل‪ ،‬ولكن جاء من لم يفقه أو يدرس بالشكل الصحيح وخلط الحابل بالنابل‪ ،‬واتهم ّ‬ ‫الصوفية فحسب‪ ،‬ولكنه قام بسحبه على الطائفة المحّقة‪.‬‬ ‫بهذا القول الفاسد الباطل‪ ،‬مع العلم بأنه قول‬ ‫ّ‬

‫صرح ببطالن هذا القول مرجع الطائفة وزعيم الحوزات العلمية آية هللا العظمى السيد أبوالقاسم‬ ‫وقد ّ‬ ‫الخوئي (رحمه هللا) في كتابه التنقيح في شرح العروة الوثقى‪.‬‬ ‫نصه بالحرف الواحد‪:‬‬ ‫قال سماحته في كتابه التنقيح في ص ‪ ٨١‬وما بعدها ما ّ‬ ‫تعدد في حقيقته‪ ،‬وأنه كما يطلق على الواجب‬ ‫أن الوجود حقيقة واحدة و ال ّ‬ ‫إن أراد ّ‬ ‫"القائل بوحدة الوجود ْ‬

‫كذلك ُيطلق على الممكن فهما موجودان وحقيقة الوجود فيهما واحدة‪ ،‬واالختالف إنما هو بحسب المرتبة‬

‫‪132‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)9‬‬

‫القوة والتمام‪ ،‬والوجود الممكني في أنزل مراتب الضعف والنقصان‪،‬‬ ‫؛ ألن الوجود الواجبي في أعلى مراتب ّ‬ ‫وإن كان كالهما موجوداً حقيقة وأحدهما خالق لآلخر‪ ،‬وموجد له فهذا في الحقيقة قول بكثرة الوجود‬

‫والموجود معاً‪ .‬نعم‪ ،‬حقيقة الوجود واحدة فهو مما ال يستلزم الكفر والنجاسة بوجه‪ ،‬بل هو مذهب أكثر‬

‫الفالسفة‪ ،‬بل مما اعتقده المسلمون وأهل الكتاب‪ ،‬ومطابق لظواهر اآليات واألدعية‪ .‬فترى أنه (ع) يقول ‪:‬‬ ‫الرب وأنا المربوب " ‪ -‬كما في دعاء يستشير وغيره من األدعية‪. -‬‬ ‫"أنت الخالق وأنا المخلوق‪ ،‬وأنت ّ‬ ‫متعد َدين‪ ،‬أحدهما ِ‬ ‫ويعبر عن‬ ‫وغير ذلك من التعابير الدالة على أن هناك‬ ‫موجودين ّ‬ ‫َ‬ ‫موجد وخالق لآلخر‪ّ ،‬‬ ‫العامي‪ .‬وإن أراد من وحدة الوجود ما يقابل األول وهو أن يقول بوحدة الوجود‬ ‫ذلك في االصطالح بالتوحيد ّ‬

‫تطورات متك ّثرة واعتبارات مختلفة‬ ‫والموجود حقيقة‪ ،‬وأنه ليس هناك في الحقيقة إال موجود واحد ولكن له ّ‬ ‫؛ ألنه في الخالق خالق‪ ،‬وفي المخلوق مخلوق‪ ،‬كما أنه في السماء سماء و في األرض أرض‪ ،‬وهكذا‪..‬‬ ‫وهذا هو الذي يقال له توحيد خاص الخاص‪ ،‬وهذا القول نسبه صدر المتألهين إلى بعض الجهلة من‬

‫ٰ‬ ‫َّللا ‪ -‬و أنكر نسبته إلى أكابر الصوفية‬ ‫المتصوفين ‪ -‬وحكي عن بعضهم أنه قال ‪ :‬ليس في جبتي سوى ّ‬ ‫ّ‬ ‫و رؤسائهم‪ ،‬وإنكاره هذا هو الذي يساعده االعتبار‪ ،‬فإن العاقل كيف يصدر منه هذا الكالم‪ ،‬وكيف يلتزم‬

‫ويدعي اختالفهما بحسب االعتبار !؟‬ ‫بوحدة الخالق ومخلوقه ّ‬ ‫وكيف كان فال إشكال في أن االلتزام بذلك كفر صريح و زندقة ظاهرة ؛ ألنه إنكار للواجب والنبي (صلى‬ ‫هللا عليه وآله) حيث ال امتياز للخالق عن المخلوق حينئذ إال باالعتبار‪ ،‬وكذا النبي(صلى هللا عليه‬ ‫وآله) وأبو جهل ‪ -‬مثالً ‪ -‬م ّتحدان في الحقيقة على هذا األساس‪ ،‬وإنما يختلفان بحسب االعتبار‪ ،‬وأما‬

‫متعدد ولكنه‬ ‫إذا أراد القائل بوحدة الوجود أن الوجود واحد حقيقة‪ ،‬وال كثرة فيه من جهة‪ ،‬وإنما الموجود ّ‬ ‫موجودية غيره من الماهيات الممكنة ؛ ألن إطالق الموجود على‬ ‫بين بين موجودّية الوجود وبين‬ ‫ّ‬ ‫فرق ّ‬ ‫الوجود من جهة أنه نفس مبدأ االشتقاق‪ .‬وأما إطالقه على الماهيات الممكنة فإنما هو من جهة كونها‬

‫منتسبة إلى الموجود الحقيقي الذي هو الوجود ال من أجل أنها نفس مبدأ االشتقاق وال من جهة قيام‬ ‫الوجود بها‪ ،‬حيث إن للمشتق إطالقات‪ ،‬فقد يحمل على الذات من جهة قيام المبدأ به كما في زيد عالم‬ ‫أو ضارب ؛ ألنه بمعنى من قام به العلم أو الضرب‪ .‬وأخرى يحمل عليه ؛ ألنه نفس مبدأ االشتقاق كما‬ ‫عرفته في الوجود والموجود‪ .‬وثالثة من جهة إضافته إلى المبدأ نحو إضافة وهذا كما في الالِّبن والتامر‪،‬‬

‫لضرورة عدم قيام اللبن و التمر ببايعهما‪ ،‬إال أن البائع لما كان مسنداً ومضافاً إليهما نحو إضافة ‪ -‬و‬

‫‪133‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)9‬‬

‫الماهيات‬ ‫صح إطالق الالبن والتامر على بايع التمر و اللبن‪ ،‬وإطالق الموجود على‬ ‫هو كونه بايعاً لهما ‪ّ -‬‬ ‫ّ‬ ‫ٰ‬ ‫َّللا سبحانه بإضافة يعبر عنها باإلضافة‬ ‫الممكنة من هذا القبيل ؛ ألنه بمعنى أنها منتسبة و مضافة إلى ّ‬

‫متعدد‪ ،‬والموجود االستقاللي الذي هو الوجود واحد‪ .‬و هذا القول‬ ‫اإلشراقية‪ ،‬فالموجود بالوجود االنتسابي ّ‬

‫منسوب إلى أذواق المتألهين‪ ،‬فكأن القائل به بلغ أعلى مراتب التأّله حيث حصر الوجود بالواجب سبحانه‪،‬‬

‫أصر عليه غاية اإلص ارر‪،‬‬ ‫ويسمى هذا توحيداً خاصياً‪ .‬و لقد اختار ذلك بعض األكابر ممن عاصرناهم و ّ‬ ‫مستشهداً بجملة وافرة من اآليات واألخبار‪ ،‬حيث أنه تعالى قد أطلق عليه الموجود في بعض‬

‫األدعية (وقفنا عليه في دعائي المجير والحزين المنقولين في مفاتيح المحدث القمي ص ‪٨١‬‬ ‫وهامش‪.)١٤٨‬‬ ‫المدعى وإن كان أم اًر باطالً في نفسه البتنائه على أصالة الماهية ‪ -‬على ما تحّقق في محله ‪-‬‬ ‫وهذا ّ‬

‫وهي فاسدة ؛ ألن األصيل هو الوجود‪ ،‬إال أنه غير مستتبع لشيء من الكفر والنجاسة والفسق‪ .‬بقي‬ ‫هناك احتمال آخر وهو ما إذا أراد القائل بوحدة الوجود وحدة الوجود والموجود في عين كثرتهما‪ ،‬فيلتزم‬

‫بوحدة الوجود والموجود وأنه الواجب سبحانه‪ ،‬إال أن الكثرات ظهورات نوره وشئونات ذاته‪ ،‬وكل منها نعت‬ ‫أخص الخواص‪ ،‬وهذا هو الذي‬ ‫من نعوته‪ ،‬ولمعة من لمعات صفاته‪ ،‬ويسمى ذلك عند االصطالح بتوحيد ّ‬

‫بأن اآلن‬ ‫حّققه صدر المتألهين‪ ،‬ونسبه إلى األولياء والعرفاء من عظماء أهل الكشف واليقين‪ ،‬قائالً ‪ّ :‬‬ ‫حصحص الحق‪ ،‬واضمحّلت الكثرة الوهمية‪ ،‬وارتفعت أغاليط األوهام‪ .‬إال أنه لم يظهر لنا ‪ -‬إلى اآلن ‪-‬‬

‫حقيقة ما يريدونه من هذا الكالم‪ .‬وكيف كان فالقائل بوحدة الوجود ‪ -‬بهذا المعنى األخير ‪ -‬أيضاً غير‬

‫محكوم بكفره وال بنجاسته‪ ،‬ما دام لم يلتزم بتوال فاسدة من إنكار الواجب أو الرسالة أو المعاد" ‪.‬‬ ‫انتهى كالمه (قدس هللا روحه)‪.‬‬

‫البد من التفريق بين رأي الصوفية الذي ال يخلو من الكفر والشرك حينما يشركون وجود الممكن‬ ‫فإذن‪ّ ..‬‬ ‫بوجود الواجب‪ ،‬وبين رأي سائر أعالم الطائفة (أعلى هللا كلمتهم)‪.‬‬

‫أي طرفيهم أطول‪،‬‬ ‫والغريب في األمر أن يأتي مجموعة ممن أعماهم الجهل والعصبية‪ ،‬وهم ال يدرون ّ‬ ‫يطعنون في عقيدة أعالم الطائفة الكبار‪ ،‬ويدخلون في نواياهم‪ ،‬ومنهم آية العظمى السيد الخوئي (رحمه‬ ‫هللا) زاعمين بأن هؤالء األعالم ليس عندهم توحيد خالص من الشوائب والشرك!!‬

‫‪134‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)9‬‬

‫ولكن ال نملك إال أن نقول ‪ :‬ال حول وال قوة إال باهلل العلي العظيم‪ ..‬صار الصغار ممن ال يملكون حصيلة‬ ‫علمية‪ ،‬ولم يرتقوا في سّلم العلوم والمعارف اإللهية وال درجة واحدة‪ ،‬صار هؤالء يعّلمون األعالم الكبار‬ ‫التوحيد والعقيدة الصحيحة‪. .‬‬ ‫إن هذه الحالة المأساوية تذ ّكرني بقول أحد األدباء إذ يصف واقعنا المزري مع هؤالء الجهلة بقوله‪:‬‬ ‫المنكر‬ ‫ُ‬ ‫فشت الجهالة واستفاض‬ ‫فالحق يهمس والضاللة تجهر‬ ‫والصدق يسري في الظالم مل ّثماً‬ ‫ويسير في الصبح الرياء فيسفر‬ ‫إنا لفي زمن كأن كباره‬ ‫بسوى الكبائر شأنها ال يكبر‬ ‫من كل ذي وجه لو أن صفاته‬ ‫تندى لكان من الفضيحة يقطر‬ ‫بئس الزمان لقد حسبت هواءه‬ ‫أن بحاره ال تطهر‬ ‫دنساً و ّ‬ ‫يردها‬ ‫وكأن كل الطيبات ّ‬ ‫مدبر‬ ‫شر األمور ّ‬ ‫فيه إلى ّ‬ ‫وثب اللئام إلى ذراه فقهقهوا‬ ‫إن القرود لبالتسلق أخبر‬ ‫ما نيل فيه مطلب إال له‬ ‫ثمن من العرض الوفير مقدر‬

‫‪135‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)9‬‬

‫وبقدر ما بذل امرء من قدره‬ ‫ُيجزى فأكبر من تراه األصغر‬ ‫وبدل من أن يحسنوا الظن في‬ ‫عقيدة أعالم الطائفة وحفظة الدين صاروا ي ّتهموهم‪ ،‬ويأخذون عقيدتهم ممن ال حظ له من العلم والفهم‪،‬‬

‫وال يسألون العلماء عما التبس عليهم من الفهم مما ق أروا‪ ،‬مع العلم بأن من صفات العاقل أن يتأكد من‬

‫صاحب الفكرة الملتبسة ويستمعها منه مباشرة دون أخذها من غيره‪ ،‬فقد قال هللا تعالى‪:‬‬

‫ۡ ۟‬ ‫ۡ ۡ ۚ‬ ‫ۡ ۡ‬ ‫ِ‬ ‫ۡ ِ ِ‬ ‫ٱلطـٰ ُغوت أَن ي ۡعب ُدوها وأَ​َناب ۤ ۟وا ِإَلى َّ ِ‬ ‫ِ‬ ‫َّ‬ ‫ين َي ۡس َت ِم ُعو َن ٱلَقو َل‬ ‫ا‬ ‫و‬ ‫ين ٱج َتَنُب‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ٱّلل َل ُه ُم ٱلُبشَر ٰى َفَب ِّشر عَباد ۝ َّٱلذ َ‬ ‫( َو َّٱلذ َ‬ ‫َ ُ‬ ‫َ ُ‬ ‫۟ ۟ ۡ ۡ‬ ‫ۖ ۟ ۤ‬ ‫ۤ‬ ‫َفي َّت ِبعو َن أ َۡحسَنه ۤۥ ۚ أ ُ۟وَلـٰ ِٕىك َّٱل ِ‬ ‫ٰ‬ ‫ٱّلل َوأُوَلـٰ ِٕى َك ُه ۡم أُوُلوا ٱألَلَبـٰبِ)‪.‬‬ ‫م‬ ‫ه‬ ‫ى‬ ‫د‬ ‫ه‬ ‫ين‬ ‫ذ‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫َ ُ‬ ‫َ‬ ‫َ ُ‬ ‫َ َ ُ​ُ ُ‬ ‫سورة الزمر‪17 - 18‬‬ ‫تقصي الخبر وأخذه من مصدره الصحيح من خالل‬ ‫ونق أر في القرآن الكريم كيف أن هللا تعالى يؤدبنا على ّ‬ ‫قوله تعالى‪:‬‬

‫ۡ‬ ‫ۡ‬ ‫ۡ ۡ‬ ‫ُمی ِإَلـٰه ۡي ِن ِمن ُدو ِن َّ ِۖ‬ ‫اس َّٱت ِخ ُذوِنی وأ ِ‬ ‫ِ‬ ‫َنت ُقل َت لِ‬ ‫ِ‬ ‫ٱّلل َقا َل ُس ۡب َحـَٰن َك َما َي ُكو ُن‬ ‫َّ‬ ‫لن‬ ‫أ‬ ‫ء‬ ‫م‬ ‫ي‬ ‫ر‬ ‫م‬ ‫ن‬ ‫ٱب‬ ‫ى‬ ‫يس‬ ‫ٰع‬ ‫ـ‬ ‫ي‬ ‫ٱّلل‬ ‫ال‬ ‫ق‬ ‫ِذ‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫َ َ َ​َ َ َ‬ ‫َ َّ َ‬ ‫( َوإ َ ُ َ َ‬ ‫ۡ‬ ‫ۡ‬ ‫ۡ‬ ‫ۚ‬ ‫ۡ‬ ‫ۤ ۡ‬ ‫ۚ‬ ‫ۡ‬ ‫ۡ‬ ‫لِ ۤی أ َۡن أَ ُقول ما َل ۡي ِ‬ ‫َنت‬ ‫نت ُقل ُت ُه ۥ َفَقد َعلِم َت ُه ۚۥ َتعَل ُم َما ِفی َنف ِسی َوَال أَعَل ُم َما ِفی َنف ِس َك ِإَّن َك أ َ‬ ‫ق ِإن ُك ُ‬ ‫س لی ِب َح ٍّ‬ ‫َ َ َ‬ ‫ۡ‬ ‫َعَّلـ ُٰم ٱل ُغُيوبِ)‪.‬‬ ‫سورة المائدة‪116‬‬ ‫فاهلل تعالى على عظمته وأنه عليم بكل شيء‪ ،‬وقد ذكر ذلك النبي عيسى (ع) من خالل حواره معه تعالى‪،‬‬ ‫ومع ذلك يعّلمنا كيف نتأكد من األخبار من أصحابها مباشرة‪.‬‬ ‫وكان الهدهد منضبطاً في نقل األخبار وكان على يقين تام‪:‬‬ ‫ۡ‬ ‫ۡ‬ ‫ۡ ِ‬ ‫ين)‪.‬‬ ‫طت ِب َما َل ۡم ُت ِحط ِب ِه ۦ َو ِجئ ُت َك ِمن َسَبِإ ِبَنَب ࣲإ َي ِق ٍ‬ ‫َح ُ‬ ‫ال أ َ‬ ‫( َف َم َك َث َغيَر َبع ࣲيد َفَق َ‬ ‫سورة النمل‪22‬‬ ‫لم يقل سمعت أو قرأت أو كما وصلني‪ ،‬أو ُنقل لي‪..‬‬

‫‪136‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)9‬‬

‫وكذلك موقف النبي سليمان (عليه السالم) مع الهدهد‪ ،‬فإنه لم يأخذ قوله على نحو التسليم والتصديق‬ ‫ۡ‬ ‫الفوري كما يفعل البعض ؛ وإنما (۞ قال سننظر أَصد ۡقت أ ۡ‬ ‫ين)‬ ‫نت ِم َن ٱل َكـ ِٰذ ِب َ‬ ‫ك‬ ‫َم‬ ‫ُ َ‬ ‫َ َ َ َ ُ​ُ َ َ َ‬ ‫سورة النمل‪27‬‬ ‫فالتثبت من األمر من صاحب الشأن قبل نشره أو قبل تصديقه هو نهج األنبياء والرسل‪ ،‬وهو منهج‬ ‫قرآني‪.‬‬

‫حسن الظن العلمي‪:‬‬ ‫المهمة‬ ‫هناك قاعدة يبحثها الفقهاء ضمن القواعد الفقهية وهي قاعدة سوق المسلمين‪ ،‬وهي من القواعد‬ ‫ّ‬

‫التي ينتفع بها كثي اًر في مجال تعايش المسلمين بعضهم مع البعض اآلخر‪ .‬فمن دون حجية القاعدة‬

‫المذكورة ال يمكن شراء اللحم من األسواق واألكل منها الحتمال عدم تذكيتها‪( .‬القواعد الفقهية للشيخ‬

‫األيرواني)‪.‬‬ ‫مبنية على حسن الظن بالمسلمين وإال لتعّقدت الحياة‪.‬‬ ‫فهذه القاعدة ّ‬ ‫فكذلك حسن الظن العلمي‪ ،‬أو حسن الظن في عقيدة الموالي المؤمن فهو من هذا القبيل‪.‬‬ ‫فإذا كّنا نحسن الظن باآلخر المخالف فكيف ال نحسن الظن مع أخينا المؤمن الموالي لمحمد وآل محمد‬

‫(ع)!؟‬

‫فهذا من باب أولى‪..‬‬ ‫الصادمة لما هو سائد من أفكار على نحوين‪:‬‬ ‫فالتعامل مع األفكار العلمية المثيرة ّ‬ ‫‪ -١‬المبادرة إلى التشنيع عليها وعلى أصحابها بأساليب قد تخرج عن حدود أخالق البحث العلمي واللياقة‬ ‫التي يجدر بأهل العلم والمعرفة التحلي بها‪ ،‬ومما يؤسف له أن هذا النحو من التعامل هو الذي يكاد‬ ‫يكون رسمياً في كل الساحات العامة على اختالف صعدها‪ ،‬بما فيها الساحة العلمية في بعض حاالتها‪.‬‬

‫‪137‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)9‬‬

‫تم استفراغ الجهد‬ ‫‪ -٢‬التأني والتروي ومحاولة التماس الوجه السديد لما نراه مفاجئاً من أفكار‪ ،‬فإذا ّ‬ ‫البد‬ ‫والوسع عندها نلجأ ألسلوب النقد العلمي الذي يتخذ أساليب وطرق متعددة‪ ،‬وهذا حق مشروع‪ ،‬بل ّ‬ ‫منه‪ ،‬وذلك حفاظاً على الحقيقة والواقع‪.‬‬

‫هناك أمثلة عديدة تحلت بهذا المستوى الرفيع من ال ُخلق العلمي الشامخ والمترفع عن العقد والحيثيات‬

‫المطهري (رحمه هللا) يطلق على الحكيم السبزواري عنوان ‪( :‬المصلح‬ ‫النفسية المختلفة‪ ،‬حيث نجد العالمة‬ ‫ّ‬

‫في الحقل العلمي) أي أنه كلما واجه كالماً أو نظرية يحاول بكل صورة أن يجد لها مخرجاً ومحمالً‬

‫صحيحاً‪ ،‬بينما نجد اتجاهاً آخر معاكساً لهذا االتجاه تماماً‪ ،‬حيث يحاول البعض أن يوجه كالم اآلخرين‬ ‫ولو توجيهاً باطالً‪ ،‬لكي يستطيع أن يشكل عليهم‪.‬‬

‫وليس األمر يقف عند السبزواري (رحمه هللا) فصدر المتألهين الشيرازي (رحمه هللا) وفي مواطن متعددة‬ ‫نراه يلتمس مخرجاً صحيحاً لكالم القدماء‪ ،‬فمثالً يقول ‪ :‬إن فالناً الفالني قال في المكان الفالني كلمة‬ ‫يشم منها أنه يؤمن بالفكرة الفالنية‪.‬‬ ‫ُّ‬

‫وها هو َعَل ٌم آخر يؤكد على هذا األمر ويتخذ منه دليالً على حمل القائلين بوحدة الوجود على محمل‬ ‫الصحة خالفاً لما يظهر من كلماتهم‪ ،‬حيث يقول السيد محسن الحكيم (رحمه هللا) في المستمسك‪:‬‬ ‫أما القائلون بوحدة الوجود من الصوفية فقد ذكرهم جماعة‪ ،‬ومنهم السبزواري في تعليقته على األسفار‪،‬‬ ‫قال ‪ « :‬والقائل بالتوحيد إما أن يقول بكثرة الوجود والموجود جميعاً مع التكلم بكلمة التوحيد لساناً‪،‬‬

‫واعتقاداً بها إجماال‪ ،‬وأكثر الناس في هذا المقام‪ .‬وإما أن يقول بوحدة الوجود والموجود جميعا‪ ،‬وهو‬ ‫مذهب بعض الصوفية‪ .‬وإما أن يقول بوحدة الوجود وكثرة الموجود‪ ،‬وهو المنسوب إلى أذواق المتألهين‪.‬‬

‫وعكسه باطل‪ .‬وإما أن يقول بوحدة الوجود والموجود في عين كثرتهما‪ ،‬وهو مذهب المصنف والعرفاء‬ ‫الشامخين‪ .‬واألول ‪ :‬توحيد عامي‪ ،‬والثالث ‪ :‬توحيد خاصي‪ ،‬والثاني ‪ :‬توحيد خاص الخاص‪ ،‬والرابع ‪:‬‬ ‫توحيد أخص الخواص‪«.‬‬ ‫أقول ‪ :‬حسن الظن بهؤالء القائلين بالتوحيد الخاص والحمل على الصحة المأمور به شرعا‪ ،‬يوجبان حمل‬ ‫هذه األقوال على خالف ظاهرها‪ ،‬وإال فكيف يصح على هذه األقوال وجود الخالق والمخلوق‪ ،‬واآلمر‬ ‫والمأمور والراحم والمرحوم ؟! وما توفيقي اال باهلل عليه توكلت واليه أنيب‪.‬‬

‫‪138‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)9‬‬

‫المصدر‪ /‬مستمسك العروة الوثقى للسيد محسن الطباطبائي الحكيم (أعلى هللا مقامه) ج ‪ ١‬ص‪. 3٩١‬‬ ‫تقربوا إلى هللا باإليقاع بهؤالء‬ ‫فهذا الرأي للسيد الحكيم فيه سعة كبيرة في حسن الظن‪ ،‬خالفاً آلخرين ّ‬ ‫شتم‬ ‫والتشنيع عليهم‪ ،‬لكنه (أعلى هللا مقامه) فور ما وجد في كالمهم فكرة عامة ُيفهم من خاللها أو ُي ُّ‬

‫التفريق بين الخالق والمخلوق التمس العذر لهم وأحسن الظن في عقيدتهم‪.‬‬

‫حتى شيخنا األوحد (أعلى هللا مقامه) التمس العذر وأحسن الظن لمن يرى نجاسة مدفوعات المعصومين‬ ‫سيمر علينا في محله في ختام هذه المذكرة‪.‬‬ ‫(عليهم السالم) من الدماء وغيرها خالفاً لرأيه‪ ،‬كما‬ ‫ّ‬ ‫علمياً‪ ،‬ويتخذ من‬ ‫الطامة الكبرى أن البعض يصول ويجول على أهل الجديد من األفكار بي ٍد ج ّذاء قاصرة‬ ‫ّ‬ ‫و ّ‬

‫صحة ما يأتون به من أفكار‪ ،‬وهو أمر يستدعي الشفقة على هؤالء‬ ‫عدم معرفته بجديدهم دليالً على عدم ّ‬

‫لشدة مسكنتهم العلمية‪.‬‬ ‫ّ‬

‫يقول السيد اإلمام الخميني (رحمه هللا)‪:‬‬ ‫فــــ "‪ّ ....‬إياك ثم ّإياك‪ ،‬وهللا حفيظك في أوالك وأخراك أن تحمل أمثاله على ظاهرها من غير الغور الكامل‬ ‫إلى غامرها‪ ،‬وال تأخذ بيدك الطعن عليهم من غير فهم مقصدهم‪ ،‬كما هو دأب المنتسبين إلى العلم‪ ،‬فإنهم‬ ‫طالعهم عليها‪ ،‬أو عدم فهمهم إياها فتراهم ي ّتهمون هؤالء العظماء‬ ‫جعلوا ميزان عدم صحة المطالب عدم ا ّ‬ ‫تعصباً منهم تعصب الجاهلية‪،‬‬ ‫بكل التهمة‪ ،‬ويغتابون هؤالء المكاشفين كل الغيبة‪ ،‬مع أنها ّ‬ ‫أشد من الزنية‪ّ ،‬‬

‫أعاذنا هللا من شر الشيطان الذي هو قاطع طريق الرحمن‪.... ".‬‬

‫فبدل أن ُيكافأ صدر المتألهين (رحمه هللا) على شرحه ألصول الكافي الذي عالج فيه المسائل المعّقدة‬ ‫نجد من ال خبرة له يقول ‪ :‬أول من شرحه بالكفر‪ ...‬صدر المتألهين‪. !! .‬‬ ‫بتصرف‪ ،‬عنه في مصباح الهداية إلى‬ ‫المصدر‪ /‬المثل اإللهية للشيخ عبدهللا األسعد ص ‪5٦ - 5٤‬‬ ‫ّ‬ ‫الخالفة والوالية لإلمام الخميني (رحمه هللا) وشرح المنظومة للمطهري‪.‬‬

‫‪139‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)9‬‬

‫طهارة مدفوعات المعصومين (ع)‪:‬‬ ‫بقي لنا في نهاية هذه المذ ّكرة أمر واحد فقط من بين ذلك الركام الكبير الذي وضعه أمامنا مشايخنا من‬

‫أجل أن ال نتصل بمراجع الطائفة (أعلى هللا كلمتهم) وهو طهارة مدفوعات المعصومين (عليهم السالم)‪.‬‬

‫تتحدد عقيدته‪ ،‬وهل هي إلى الكمال أم‬ ‫إن جماعتنا تعّلموا هذا السؤال وعلى ضوء إجابة المجيب عليه ّ‬

‫النقص‪.‬‬

‫ولكن عندما نق أر في تراث الشيخ أحمد بن زين الدين (رحمه هللا) نراه يرى طهارة مدفوعات المعصومين‬ ‫سنبينه إن شاء هللا تعالى في‬ ‫(عليهم السالم) ولكنه ال يعتبرها معيا اًر لكمال العقيدة ونقصانها وهذا ما‬ ‫ّ‬ ‫ختام هذه المذكرة‪.‬‬ ‫فالذي يرى النجاسة ‪ -‬كما فهمناه من إفادة بعض فضالء الحوزة وأساتذتها ‪ -‬فإنه يستدل على أن‬ ‫الطهارة أو النجاسة من المفاهيم االعتبارية وليست من المفاهيم الحقيقية حتى تكشف رفعة أو صفة‬ ‫واقعية أو ما إلى ذلك‪.‬‬ ‫ومن هنا نجد أن الشارع المقدس حكم بطهارة دم غير النفس السائلة وحكم بنجاسة دم اإلنسان وال يعني‬ ‫ذلك أفضلية البعوض أو السمك أو الوزغ على اإلنسان لطهارة دمائها على دمائه !!‬ ‫ولذا يقول أرباب هذا الرأي ‪ :‬يكفي من مقامات أهل البيت (عليهم السالم) وكراماتهم وفضائلهم التي ال‬ ‫يشدك لإلذعان بعظمتهم ال هذه األشياء المادية الدنيوية الزائلة التي يتقزز اإلنسان ويملكه‬ ‫حدود لها ما ّ‬

‫الحياء عندما يتج أر على الحديث عنها خصوصاً كونها متعلقة بهذه النسمات المقدسة (ع)‪.‬‬ ‫أما الشيخ أحمد بن زين الدين األحسائي (رحمه هللا) فإنه يرى الطهارة في ذلك‪.‬‬

‫فقد قال (أعلى هللا مقامه) في كتابه جوامع الكلم ج ‪ ١0‬ص ‪ 37٢ - 37١‬ورقم ‪ ٢0‬من موسوعة تراثه‬ ‫المطبوعة في دار األميرة ‪ -‬بيروت عندما سئل عن فضالتهم من الدم والبول والغائط نجسة لهم ال لغيرهم‬ ‫أو لغيرهم أيضاً‪ ،‬وعليه فما المراد من نجاستها‪ ،‬أو ال لهم وال لغيرهم؟‬ ‫قال ‪ :‬المشهور بين أصحابنا الحكم بالنجاسة لهم (عليهم السالم) ولغيرهم بناء على أن الحكم تابع‬

‫قتدى بهم‪.‬‬ ‫لصدق االسم‪ ،‬وألنهم معّلِمون لغيرهم فيجب مشاركتهم لهم في الحكم لُِي َ‬

‫‪140‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)9‬‬

‫حجمه شرب ما في المحجمة من دمه‬ ‫وقيل بالطهارة لما روي عنه (صلى هللا عليه وآله) أن‬ ‫الحجام لما ّ‬ ‫ّ‬

‫حرمه هللا على النار‪ ،‬وال تعد) انتهى‪.‬‬ ‫أما جسدك فقد ّ‬ ‫الشريف فقال (صلى هللا عليه وآله) ما معناه ‪ّ ( :‬‬

‫شرب ْته أم سلمة ورآها ولم َيْن َهها عن ذلك‪ ،‬واالعتبار شاهد‬ ‫ولما بال (صلى هللا عليه وآله) في القارورة َ‬ ‫مطهرون من جميع‬ ‫بالطهارة ؛ ألن النجاسة الخبيثة أثر المعاصي والذنوب‪ ،‬وهم (صلى هللا عليهم)‬ ‫ّ‬

‫وطهرهم تطهي ارً‪ .‬وبهذا قال بعض أصحابنا وبه قال‬ ‫الذنوب الكبائر والصغائر‪ ،‬قد أذهب هللا عنهم الرجس ّ‬ ‫الشافعي‪ ،‬ويمكن أن يقال ‪ :‬إنه ال منافاة بين القولين‪ ،‬فإن األولين قائلون بوجوب ال َغ ْسل من فضالتهم‪،‬‬ ‫غسل رسول‬ ‫ووجوب ال َغ ْسل ال يستلزم النجاسة‪ ،‬كما ورد في اغتسال أمير المؤمنين (عليه السالم) حين ّ‬ ‫مطهر‪ ،‬وإنما فعل ذلك لتجري السنة بذلك‪،‬‬ ‫هللا (صلى هللا عليه وآله) وهو (صلى هللا عليه وآله) طاهر ّ‬

‫تعبداً ال للّنجاسة فافهم" ‪.‬‬ ‫فكذلك هنا‪ ،‬ويكون الغسل من فضالتهم ّ‬ ‫انتهى كالمه (قدس هللا روحه)‪.‬‬

‫نستن‬ ‫فانظر أخي ‪ -‬الكريم والعزيز ‪ -‬إلى حسن الظن بالعلماء من عالم ورع تقي ال نتخّلق بأخالقه وال‬ ‫ّ‬

‫بسنته‪ ،‬ولكن قلت سابقاً ‪ :‬إن الشيخ األوحد شيء ونحن شيء آخر‪.‬‬

‫مزيفة ‪ -‬مع‬ ‫فمشايخنا (سامحهم هللا) وضعوا لنا معايير وضوابط أستطيع أن أقول عنها بأنها ضوابط ّ‬ ‫األسف الشديد ‪ -‬وهي تهدف إلى حفظ االنحراف واالحتفاظ به وترسيخه وتبريره وتقريره‪.‬‬ ‫والسؤال الذي َيطرح نفسه في هذا المقام ‪:‬‬ ‫إذا لم تكن طهارة مدفوعات المعصومين ودمائهم مقياساً لكمال عقيدة الشخص‪ ،‬فمتى توّلدت هذه القاعدة‬

‫الشاذة عندنا!؟‬

‫بعض الباحثين اعتقد أن هذا المعيار أو القاعدة ولدت في عصر المير از علي الحائري (رحمه هللا) فهو‬ ‫الذي قام بتأصيلها‪ ،‬وإال ال توجد في تراث الشيخ األوحد (رحمه هللا) ونحن ال نستطيع أن نجزم بذلك‪.‬‬ ‫المهم أن هذا المعيار أو القاعدة تحتاج إلى دراسة واعية متأنية وبأعصاب هادئة‪ ،‬ال هذا السرد المختصر‪،‬‬ ‫فأنا ال ّأدعي الكمال في إحاطتي بجميع جوانب الموضوع‪ ،‬فهذه المفردة بالذات من البحث البد وأن تكون‬

‫بجدية وبطريقة علمية‪ ،‬وإن كان البعض ال يحب دراسة هذا الموضوع إال بناء على توفر‬ ‫عرضة للبحث ّ‬

‫أتصور أنني كتبت الكلمة النهائية في‬ ‫تبرر إعادة درسها وبحثها‪ ،‬ولذلك ال يجوز لي أن‬ ‫ّ‬ ‫الظروف التي ّ‬ ‫‪141‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)9‬‬

‫هذا الموضوع‪ ،‬وأنني ختمت الحقيقة بشأنها‪ ،‬إذ أن هذا ليس من حقي‪ ،‬بل إن األمر متروك للباحثين‬ ‫اآلخرين سواء في زمني أو في المستقبل‪.‬‬ ‫وإذا كان من كلمة أخيرة أوجهها في نهاية هذه المذكرة فإني أقول‪:‬‬ ‫يصح أن تتداول هذه المصطلحات الفلسفية والكالمية الخاصة بين‬ ‫بعد هذا السرد وهذه القراءة أفهل‬ ‫ّ‬ ‫العوام الذين ال يملكون الحصيلة الكافية التي تؤهلهم لمعرفتها واإلحاطة بها؟‬ ‫أليس هذا لعب بالنار!؟‬

‫‪142‬‬


‫مذكراتي‬ ‫الجزء (‪)10‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)10‬‬

‫الجزء العاشر‬ ‫العد واإلحصاء‪ ،‬بصريح قوله تعالى‪:‬‬ ‫أنعم هللا تعالى على عباده بنعم كثيرة جداً‪ ،‬وهي خارجة عن ّ‬ ‫اكم ِمن ُك ِل ما سأَْل ُتموه ۚ وإِن َتعُّدوا ِنعمت َّ ِ‬ ‫وها ۗ ِإ َّن ِْ‬ ‫وم َك َّفارٌ)‪.‬‬ ‫ان َل َ‬ ‫( َو َ‬ ‫َْ َ‬ ‫ص َ‬ ‫اإل ْن َس َ‬ ‫آت ُ ْ ْ ّ َ َ ُ ُ َ ْ ُ‬ ‫َّللا َال ُت ْح ُ‬ ‫ظُل ٌ‬ ‫سورة إبراهيم‪34‬‬ ‫نقسم الرزق اإللهي إلى قسمين ‪:‬‬ ‫ونستطيع أن ّ‬ ‫س لِ ْ ِ‬ ‫إل ْن َس ِ‬ ‫ان ِإَّال َما َس َعىٰ)‪.‬‬ ‫‪ -١‬قسم يسعى إليه العبد ويناله ( َوأ ْ‬ ‫َن َل ْي َ‬ ‫سورة النجم‪39‬‬ ‫‪ -٢‬قسم يأتيه من دون أن يسعى إليه‪ .‬بمعنى أنه قد يتعب نفسه في البحث عنه‪ ،‬ورزقه مكفول ومحفوظ‬ ‫له‪.‬‬ ‫وهذا هو معنى الدعاء العظيم الذي نقرأه لتعقيب صالة العشاء من كل ليلة‪:‬‬ ‫طر على َقْلبي َفأَجول فى َ ِ‬ ‫ِ‬ ‫دان‬ ‫س لي ِعْل ٌم ِب َم ْو ِض ِع ِرْزقي َوإَِّنما أَ ْطُلُب ُه ِب َخ َ‬ ‫طَل ِبه اْلُبْل َ‬ ‫طرات َت ْخ ُ​ُ َ‬ ‫"اَلّل ُـه َّم اَّن ُه َل ْي َ‬ ‫ُ ُ‬ ‫َفأَنا فيما أَنا طالِ ٌب َكاْل َح ْير ِ‬ ‫ان ال ْأدري أفى َس ْهل َه ُو ْأم في َجَبل ْأم في ْأرض ْأم في َسماء ْأم في َبٍّر ْأم في‬ ‫ِ‬ ‫بحر وعلى ي َدي م ْن و ِم ْن ِقب ِل م ْن وَق ْد علِم ُت َّ ِ‬ ‫باب ُه ِبَي ِد َك َوأْن َت َّالذي َت ْق ِس ُم ُه ِبُل ْط ِف َك‬ ‫أس َ‬ ‫َْ َ​َ َ ْ َ َ‬ ‫أن عْل َم ُه عْن َد َك َو ْ‬ ‫َ َ َ َ ْ‬

‫ِ​ِ‬ ‫اجعل يا ر ِب ِرْزَق َك لي و ِ‬ ‫أخ َذ ُه َقريباً‬ ‫اسعاً َو َم ْطَلَب ُه َس ْهالً َو َم َ‬ ‫َف َص ِّل َعلى ُم َح َّمد َوآله َو ْ َ ْ َ ّ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫قير ِإلى َر ْح َم ِت َك‪َ ،‬ف َص ِّل َعلى ُم َح َّمد‬ ‫ُتَقّدْر لي فيه ِرْزقاً َف َّإن َك َغن ُّي َع ْن َعَنائي َوأَ​َنا َف ٌ‬

‫َوُت َسِّبُب ُه ِبَر ْح َمِت َك اَلّل ُـه َّم‬ ‫طَل ِب ما َل ْم‬ ‫َوال ُت َعِّنني ِب َ‬ ‫َوآلِ ِه َو ُج ْد َعلى َع ْب ِد َك ِب َف ْضلِ َك َّإن َك ُذو َف ْضل َعظيم‪.".‬‬

‫الرباني للعبد له أنواع عدة‪ ،‬وأفضله ما كان عافية أو علماً أو عبادة‪ .‬وال سيما العبادة ؛ فإنها‬ ‫والرزق ّ‬ ‫المقربين‪.‬‬ ‫رزق العرفاء و ّ‬ ‫ولذلك كان اإلمام موسى الكاظم (عليه السالم) يدعو ربه وهو في سجن هارون بهذا الدعاء‪:‬‬ ‫تفرغني لعبادتك اللهم وقد فعلت فلك الحمد" ‪.‬‬ ‫"اللهم إني طالما كنت أسألك أن ّ‬ ‫فرغه لعبادته ومناجاته‪.‬‬ ‫فكان يعتبر ذلك رزقاً عظيماً يستحق الشكر والحمد هلل تعالى‪ ،‬بأن ّ‬

‫‪144‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)10‬‬

‫وهكذا العلم والحكمة أيضاً ُيعتبران من أعظم األرزاق اإللهية للعبد فيما لو ُوِّفق العبد لهما ؛ ألنهما توفيق‬

‫حظ عظيم‪.‬‬ ‫من رب العالمين‪ ،‬ال ينالهما إال ذو ٍ‬ ‫قال تعالى ‪:‬‬

‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ير ۗ َو َما َي َّذ َّكُر ِإَّال أُوُلو ْاألَ ْلَبابِ)‪.‬‬ ‫اء ۚ َو َم ْن ُي ْؤ َت اْل ِح ْك َم َة َفَق ْد أُوِتي َخ ْيًار َك ِث ًا‬ ‫( ُي ْؤتي اْلح ْك َم َة َم ْن َي َش ُ‬ ‫َ‬ ‫سورة البقرة ‪269‬‬ ‫ويقول تعالى في وصف طالوت ذلك القائد العسكري لبني إسرائيل‪:‬‬ ‫ط ًة ِفي اْل ِعْل ِم َواْل ِج ْسمِ)‪.‬‬ ‫اه َعَل ْي ُك ْم َوَزَاد ُه َب ْس َ‬ ‫اص َ‬ ‫ط َف ُ‬ ‫َّللا ْ‬ ‫(ِإ َّن َّ َ‬ ‫سورة البقرة‪247‬‬ ‫العلم ‪ :‬وهو صفة كمال في الشخصية وخاصة القيادية‪.‬‬ ‫الجسم ‪ :‬ورزقه هللا تعالى الصحة والعافية والنشاط والقوة في البدن‪.‬‬ ‫والهداية إلى طريق الحق والحقيقة‪ ،‬أيضاً تحتاج إلى توفيق رباني للعبد ؛ ألن بعض الناس قد ال يكون‬

‫صادقاً في طلب الهداية من رب العالمين‪ ،‬ولذا ال ُيوفق لها‪.‬‬

‫ومتى ما اطلع هللا تعالى على قلب عبده ورأى الصدق فيه‪ ،‬فمن دون أدنى شك سيرزقه ما يتمّناه‪ ،‬بعد‬

‫توّفر األسباب والشروط وارتفاع الموانع‪ ،‬كما سيمر علينا‪.‬‬

‫وصلت إليه من حقائق كثيرة ومثيرة‪ ،‬خصوصاً من كتب الشيخ أحمد بن زين الدين األحسائي (رحمه‬ ‫وما‬ ‫ُ‬ ‫أسع لها سعياً حثيثاً أول األمر‪ ،‬ولكنها رزق قد ساقه هللا تعالى لي‪.‬‬ ‫هللا) وغيرها لم َ‬ ‫فتذكرت قول الشاعر‪:‬‬ ‫ألم َتر أن هللا أوحى لمريمٍ‬ ‫يساقط الرطب‬ ‫ّ‬ ‫وهزي إليك الجذع ّ‬ ‫هزه‬ ‫ولو شاء أن تجنيه من دون ّ‬

‫‪145‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)10‬‬

‫شيء له سبب‬ ‫كل‬ ‫ٍ‬ ‫جنته ولكن ّ‬ ‫سهل هللا تعالى لي عناءه‪ ،‬وتذّللت لي عواقبه وصعابه‬ ‫ولذلك بعد أن‬ ‫ُ‬ ‫وضعت قدمي على طريق البحث‪ّ ،‬‬ ‫المن على هدايته‪.‬‬ ‫وهلل الحمد و ّ‬ ‫وإذا كان العلماء هم ورثة األنبياء‪ ،‬كما يقول رسول هللا (صلى هللا عليه وآله) وأنهم هم االمتداد الطبيعي‬ ‫يدعيها‬ ‫لخط األنبياء والرسل واألئمة (ع) فإن مناصبهم الرفيعة كما هي مناصب األنبياء والمرسلين‪ ،‬قد ّ‬

‫يدعيه‬ ‫مقدس قد ّ‬ ‫من ليس أهالً لها‪ ،‬كما هي النبوة وحتى األلوهية أيضاً ؛ ألن التاريخ عّلمنا أن كل شيء ّ‬ ‫المدعين حتى في زمان النبوة‪ ،‬وكذلك في أزمنة األئمة المعصومين (عليهم‬ ‫من ليس له بأهل‪ .‬وما أكثر ّ‬

‫السالم) وحتى في العصور المتأخرة وفي زماننا المعاصر‪.‬‬

‫ولذلك أصبحت المرجعية ‪ -‬ولألسف ‪ -‬لدى البعض سلع ًة تجارية‪ ،‬وأدا ًة من أدوات الكسب المادي غير‬

‫ذكية‪ ،‬ظاهرها االهتمام بالدين وحراسته من أيدي التالعب‪ ،‬وباطنها أحابيل‬ ‫المشروع بطرق وأساليب ّ‬ ‫مبتكرة لتغطية األهداف البعيدة لكسب مالي غير مشروع‪ .‬وهناك مصاديق كثيرة في زماننا هذا‪ ،‬وال أريد‬ ‫أسمي‪ ،‬فبالد المسلمين مليئة بهذه النماذج‪.‬‬ ‫أن ّ‬ ‫الرسل واألئمة (ع) في‬ ‫ولذا فإن مهمة العلماء والفقهاء في زمن الغيبة‪ ،‬عسيرة جداً‬ ‫كمهمة األنبياء و ّ‬ ‫ّ‬ ‫زمانهم‪ ،‬وهي هداية الناس من الضالل إلى الحق‪ ،‬ومن الظالم إلى النور‪ ،‬وصرفهم عن أيدي المتالعبين‬ ‫بالعقول لمصالحهم الذاتية‪.‬‬ ‫كما هي عالقة الناقد بالشعر فهي كعالقة البستاني بأشجار الورد يبعد عنها ما ليس منها‪ ،‬وينّقيها من‬ ‫يسر الناظرين‪.‬‬ ‫األوشاب‪ ،‬ويعالج ما في بعضها من علل‪ ،‬ويبرز جمالها وفتنتها‪ ،‬فإذا هي مرأى ّ‬ ‫فكذلك العلماء فإن وظيفتهم عسيرة جداً‪ ،‬خصوصاً في عصر الغيبة؛ ألنهم كما وصفهم اإلمام (ع) بقوله‪:‬‬ ‫"علماء شيعتنا مرابطون بالثغر الذي يلي إبليس وعفاريته‪ ،‬يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا‪،‬‬ ‫وعن أن يتسلط عليهم إبليس وشيعته النواصب‪ ،‬أال فمن انتصب لذلك من شيعتنا كان أفضل ممن جاهد‬ ‫مرة ؛ ألنه يدفع عن أديان محبينا‪ ،‬وذلك يدفع عن أبدانهم" ‪.‬‬ ‫الروم والترك والخزر ألف ألف ّ‬ ‫هكذا هم علماء األمة كاألنبياء وهم ورثتهم‪.‬‬ ‫وورد أن النبي(صلى هللا عليه وآله) قال ‪:‬‬ ‫‪146‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)10‬‬

‫"في كل خلف من أمتي عدول من أهل بيتي‪ ،‬ينفون عن هذا الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين‪،‬‬ ‫وتأويل الجاهلين‪ ،‬أال وإن أئمتكم وفدكم إلى هللا عز وجل فانظروا من توفدون" ‪.‬‬ ‫فلله الحمد والشكر من قبل ومن بعد على نعمه وآالئه‪ ،‬على الرغم من عيشنا في خضم هذه الصراعات‬ ‫والفوضى‪.‬‬ ‫قال تعالى‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫الن ِ‬ ‫ق لَِي ْح ُك َم َبْي َن َّ‬ ‫َّ‬ ‫اس‬ ‫ين َو ُمْنذ ِر َ‬ ‫ين ُمَب ِّش ِر َ‬ ‫الن ِبِّي َ‬ ‫اب ِباْل َح ِّ‬ ‫ين َوأَْن َز َل َم َع ُه ُم اْلك َت َ‬ ‫ُوتوه ِمن بع ِد ما جاء ْتهم اْلبِيَنات ب ْغيا بيَنهم ۖ َفه َدى َّ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ين‬ ‫َّللا َّالذ َ‬ ‫ِإَّال َّالذ َ‬ ‫ين أ ُ ُ ْ َ ْ َ َ َ ُ ُ َ ّ ُ َ ً َ ْ ُ ْ َ‬ ‫ُ‬

‫ِ‬ ‫ان َّ‬ ‫َّللا‬ ‫اس أ َّ‬ ‫( َك َ‬ ‫الن ُ‬ ‫ُم ًة َواح َد ًة َفَب َع َث َّ ُ‬ ‫اخَتَلف ِف ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫يه‬ ‫يما ْ‬ ‫اخَتَل ُفوا ِفيه ۚ َو َما ْ َ‬ ‫ف َ‬ ‫ق ِبِإ ْذِن ِه ۗ و َّ ِ‬ ‫ِ ِ ِ‬ ‫اط ُم ْس َت ِقيمٍ)‪.‬‬ ‫اء ِإَل ٰى ِصَر ٍ‬ ‫آمُنوا لِ َما ْ‬ ‫اخَتَل ُفوا فيه م َن اْل َح ِّ‬ ‫َّللا َي ْهدي َم ْن َي َش ُ‬ ‫َ ُ‬ ‫َ‬ ‫سورة البقرة ‪213‬‬

‫وفي دعاء االفتتاح الصادر عن الناحية المقدسة لإلمام الحجة (عجل هللا فرجه) يثقفنا اإلمام ويؤدبنا‬ ‫الجم بقوله‪:‬‬ ‫بأدبه ّ‬ ‫اخُتلِف ِ‬ ‫‪"....‬و ِ ِ‬ ‫فيه ِمن اْلح ِ ِ ِ‬ ‫شاء ِإلى ِصراط ُم ْس َتقيم‪.... ".‬‬ ‫َ ْ‬ ‫اهدنا ِبه لِ َما ْ َ‬ ‫َ َ ّ‬ ‫ق بِإ ْذنكَ ‪ِ ،‬إَّن َك َت ْهدي َم ْن َت ُ‬ ‫ويشهد هللا تعالى علي‪ ،‬أّني ال أعتبر أهلي وإخواني ممن يقّلد المير از على ضالل وظالم في مقابل الهداية‬ ‫ّ‬ ‫يتوهم البعض‪ ،‬أو يتهمني بذلك‪ ،‬كالّ ثم كالّ‪ .‬فكّلنا‬ ‫والنور في طريق أهل البيت (عليهم السالم) كما قد ّ‬ ‫موالون في طريق أهل البيت (عليهم السالم) ولكّني أقول‪:‬‬

‫ُّ ِ‬ ‫كل‬ ‫أي تيه أعظم من هذا ال ّتيه الذي نعيشه في واقعنا الشيعي ؟!ويعتاش عليه البعض‪ ،‬بحيث نعتبر ّ‬ ‫الترهات‪،‬‬ ‫علماء الطائفة المحّقة ناقصي عقيدة‪ ،‬أو لديهم‬ ‫ّ‬ ‫شركيات‪ ،‬أو ما شابه ذلك من هذه الخزعبالت و ّ‬ ‫ضد أعالم الطائفة إال أعداء اإلسالم والنواصب !؟‬ ‫الغل الذي ال يحمله ّ‬ ‫و ّ‬ ‫وهللا تعالى يقول‪:‬‬ ‫ِ ِ‬ ‫ِ​ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ين َسَبُقوَنا ِب ِْ‬ ‫يم ِ‬ ‫ان َوَال َت ْج َع ْل ِفي ُقُلوبَِنا ِغ ًّال‬ ‫اءوا م ْن َب ْعده ْم َيُقوُلو َن َرَّبَنا ا ْغفْر َلَنا َوِ​ِإل ْخ َوانَنا َّالذ َ‬ ‫( َو َّالذ َ‬ ‫ين َج ُ‬ ‫اإل َ‬ ‫ِ‬ ‫وف َر ِحيمٌ)‪.‬‬ ‫آمُنوا َرَّبَنا ِإَّن َك َرُء ٌ‬ ‫لَِّلذ َ‬ ‫ين َ‬ ‫سورة الحشر‪10‬‬

‫‪147‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)10‬‬

‫فكل العلماء والفقهاء الموجودين في الحواضر العلمية المقدسة عند الشيعة‪ ،‬هم ال يصلحون للتقليد‬ ‫ونحن من نملك التوحيد الخالص والعقيدة الصافية الكاملة!؟؟‬ ‫واالتباع !!‬ ‫ُ‬ ‫ضد أعالم الطائفة !؟‬ ‫أي منطق‬ ‫ٍ‬ ‫بائس شا ٍّذ نحمل ّ‬ ‫ّ‬ ‫المقدسة يعتبر من الخطأ الكبير الذي ال‬ ‫ثم إن الذهاب إلى حواضر الشيعة العلمية كالنجف األشرف وقم‬ ‫ّ‬

‫ُيغتفر!!‬

‫التشيع بعد هللا تعالى إال أعالم الطائفة المتمركزون في تلك الحواضر العلمية العظيمة‬ ‫ومن َح َفظ الشيعة و ّ‬

‫!؟‬

‫الظن فيهم وفي عقائدهم!‬ ‫والغريب في األمر أننا ّ‬ ‫ندعي احترام العلماء‪ ،‬وفي نفس الوقت ُنسيء ّ‬ ‫أريد أن أفهم هذه المعادلة المعّقدة!‬ ‫ولذلك ال يسعني إال أن أطلب من هللا تعالى إال أن يهدينا ويزيدنا هدى ويهدي إخوتنا إلى ما فيه الخير‬ ‫الصالح‪.‬‬ ‫و ّ‬ ‫شك أن‬ ‫السداد والهداية في مثل هذا األمر بصدق‪ ،‬بال ّ‬ ‫وإني ألرى أن من يطلب من هللا تعالى التوفيق و ّ‬ ‫هللا تعالى سيؤتيه سؤله‪ ،‬ويزداد هداي ًة واستقام ًة على ما هو عليه في طريق أهل البيت (عليهم السالم)‪.‬‬ ‫قال هللا تعالى‪:‬‬ ‫ِٰ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ ِ ِ‬ ‫ُوتوا اْل ِعْلم ما َذا َق ِ‬ ‫ِ‬ ‫طَب َع‬ ‫ين َ‬ ‫ين أ ُ‬ ‫ال آن ًفا ۚ أُوَلئ َك َّالذ َ‬ ‫( َو ِمْن ُه ْم َم ْن َي ْس َتم ُع ِإَل ْي َك َح َّت ٰى ِإ َذا َخَر ُجوا م ْن عْند َك َقاُلوا لَِّلذ َ‬ ‫َ‬ ‫َ َ‬ ‫ِ‬ ‫اه ْم)‪.‬‬ ‫اه َت َد ْوا َزَاد ُه ْم ُه ًدى َو َ‬ ‫ين ْ‬ ‫َّللا َعَل ٰى ُقُلوب ِ​ِه ْم َو َّاتَب ُعوا أ ْ‬ ‫اه ْم َت ْق َو ُ‬ ‫آت ُ‬ ‫اء ُه ْم ۝ َو َّالذ َ‬ ‫َه َو َ‬ ‫َّ ُ‬ ‫سورة محمد‪16 - 17‬‬ ‫أهم شيء أن يتجّنب الموانع التي تمنعه وتحجبه عن طريق الهداية‪ ،‬فإذا توفرت الشروط وارتفعت الموانع‬ ‫ّ‬ ‫والحجب ُهدي إلى طريق الحق‪.‬‬

‫فالبد لها من‬ ‫فإن المعرفة ظاهرة روحية ال تختلف عن سائر الظواهر الروحية‪ .‬وبما أنها ظاهرة ممكنة‪ّ ،‬‬

‫سبب وشرط ومانع‪ ،‬شأن سائر الظواهر اإلمكانية‪.‬‬

‫‪148‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)10‬‬

‫سبب المعرفة‪:‬‬ ‫سبب المعرفة هو أدوات المعرفة التي تستخدمها النفس اإلنسانية عبر االتصال بالمحيط الخارجي‪ ،‬ليحصل‬ ‫لها بذلك معرفة األشياء وإدراك الحقائق‪.‬‬ ‫شرائط المعرفة‪:‬‬ ‫البد من توفر شروط في النفس ذاتها‪،‬‬ ‫من المعلوم أن اإلدراك ال يتهيأ للنفس في جميع الظروف‪ ،‬بل ّ‬

‫فضالً عن أدوات المعرفة‪ ،‬ليتحقق اإلدراك‪.‬‬

‫أما ما ينبغي توفره في النفس وفي أدوات المعرفة عامة إلدراك الضروريات فضالً عن النظريات‪ ،‬فيمكن‬

‫تلخيصه في األمور التالية‪:‬‬

‫‪١‬االنتباه ‪ :‬فإن الغافل قد تخفى عليه أوضح الواضحات‪.‬‬‫‪٢‬سالمة الذهن ‪ :‬فإن كل من كان سقيم الذهن قد يشك في أظهر األمور أو ال يفهمها‪ .‬وقد ينشأ هذا‬‫السقم من نقصان طبيعي‪ ،‬أو مرض عارض‪ ،‬أو تربية فاسدة‪.‬‬ ‫الحسية‪ ،‬فإن األعمى يفقد العلم بالمبصرات‪ ،‬واألصم‬ ‫‪3‬سالمة الحواس ‪ :‬وهذا خاص بالمشاهدات‬‫ّ‬ ‫الشامة والالمسة‪ ،‬بالمذوقات والمشمومات والملموسات‪ .‬ومن هنا قيل ‪ :‬إن‬ ‫بالمسموعات‪ ،‬وفاقد الذائقة و ّ‬ ‫علما‪.‬‬ ‫ً‬ ‫من فقد حساً َفَق ْد َفَق َد‬ ‫ولذا قال تعالى‪:‬‬

‫ۡ‬ ‫ۢ‬ ‫ٱّلل أَخَر َج ُكم ِّمن‬ ‫( َو َّ ُ‬

‫ۡ ۡ‬ ‫ࣰۡ‬ ‫ۡ‬ ‫ۡ ۡ‬ ‫ۡ‬ ‫ۡ‬ ‫ن)‪.‬‬ ‫ٱلس ۡم َع َوٱألَب َصـَٰر َوٱألَف ٔـَِد َة َل َعَّل ُك ۡم َتش ُكُرو َ‬ ‫ُم َهـ ِٰت ُكم َال َتعَل ُمو َن َشي ٔـا َو َج َع َل َل ُك ُم َّ‬ ‫ُبطُو ِن أ َّ‬

‫سورة النحل‪78‬‬ ‫فبعض أعضاء الحس التي ُذكرت في اآلية الكريمة تعتبر نوافذ يلتقط اإلنسان من خاللها المعلومات‬ ‫والمعارف‪.‬‬ ‫وأما األدوات العقلية للمعرفة‪ ،‬فإن حصول المعرفة بها واالستنتاج منها يتوقف على شروط عدة لسنا في‬ ‫صدد اإلشارة إليها ؛ ألن البحث فيها سيطول‪ ،‬ومن أراد فليطلبها من كتاب نظرية المعرفة للشيخ جعفر‬

‫‪149‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)10‬‬

‫السبحاني في بحث شرائط المعرفة وموانعها‪ ،‬حيث اختصرنا منه هذه الزاوية من البحث بتصرف من ص‬ ‫‪ 3١5‬إلى ص‪. 3٢7‬‬ ‫موانع المعرفة‪:‬‬ ‫وهي على قسمين‪:‬‬ ‫خارجية‪.‬‬ ‫‪ -١‬موانع‬ ‫ّ‬ ‫‪ -٢‬موانع داخلية‪.‬‬ ‫فالموانع الخارجية للمعرفة هي‪:‬‬ ‫▪التكبر‪.‬‬ ‫▪العصبية‪.‬‬ ‫▪اتخاذ المواقف المسبقة دون دليل أو برهان‪.‬‬ ‫▪الغرور العلمي‪.‬‬ ‫▪التأثر بالشخصيات المرموقة‪.‬‬ ‫▪المادية في األخالق‪.‬‬ ‫سادة لباب المعرفة في مطلق العلوم‪ ،‬كوجود شبهة في‬ ‫وأما الموانع الداخلية للمعرفة‪ ،‬فهي ما تكون ّ‬ ‫الذهن‪ ،‬خصوصاً إذا طرأت عن غير طريق االستدالل‪ ،‬ولذا نرى بعض المالحدة قد ُحبسوا عن معرفة‬ ‫الشك في أوضح‬ ‫الواقعيات بأسرها ؛ لرسوخ الشبهة التي علقت بأذهانهم‪ ،‬فرفعوا عقيرتهم باإلنكار و ّ‬

‫البديهيات‪.‬‬ ‫ّ‬

‫كذلك فإن وجود الوهم وسيطرته على العقل‪ ،‬يجعله يصيغ األفكار في قالب المحسوسات‪ ،‬فتجد بعضاً‬ ‫يحرك ساكناً‪ ،‬أو يخاف من الظلمة مع أنها‬ ‫ممن يخاف من ّ‬ ‫الميت مع علمه اليقيني أنه جامد ال يقدر أن ّ‬

‫القوة الواهمة لدى اإلنسان في الحياة هكذا‪ ،‬فكيف بها إذا وردت مجال‬ ‫عدم ال تأثير له‪ ،‬فإذا كان دور ّ‬ ‫العقليات!؟‬ ‫ّ‬

‫‪150‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)10‬‬

‫وأنا أعرف البعض ممن يقلد المير از اليوم يعتمد في تقليده على أوهام وأحالم‪ ،‬كأن شاهد حلماً ‪ -‬بحكم‬

‫سيطرة الوهم على تفكيره ‪ -‬من خالله فهم أن تقليده لهذا الرجل صحيح من الناحية الشرعية‪.‬‬ ‫وكلها أوهام و أمنيات يعتمد عليها العوام وبعض من ال خبرة له في التقليد والمرجعية‪.‬‬

‫يحرر عقله من أسر الوهم‪ ،‬وال ير ّخص له بالدخول في مجال العقل‬ ‫ولذا يلزم على كل مت ٍّ‬ ‫حر للحقيقة أن ّ‬ ‫العقليات ؛ كي ال يقع فريس ًة سهل ًة للجهل‪.‬‬ ‫ومحيط‬ ‫ّ‬ ‫وكثير ممن ناقشتهم في مجال التقليد الفقهي الحظت أن الوهم قد ضرب بأطنابه بشدة في عقولهم‬ ‫ووجدانهم‪.‬‬ ‫يمر‬ ‫ينص عليها الفالسفة فيما ُيعرف بنظرية المعرفة‪ ،‬هي حاالت‬ ‫ّ‬ ‫مرضية ّ‬ ‫فهذه الموانع المذكورة والتي ّ‬ ‫بها الفكر اإلنساني ؛ ألن األمراض على قسمين‪:‬‬ ‫جسدية وأمراض نفسية‪.‬‬ ‫أمراض‬ ‫ّ‬ ‫وأخطر تلك األنواع هو المرض النفسي‪ .‬وأشدها خطورًة وفتكاً هو عدم اإلحساس بوجوده‪ ،‬خاص ًة إذا كان‬

‫مستفحالً في النفس‪ ،‬فيصعب اكتشا ُفه من الشخص نفسه‪ .‬إال إذا عرض نفسه على مختص‪ ،‬أو إذا ذهب‬ ‫وأخذ العلم من منابعه الصحيحة وهي القرآن والعترة‪ ،‬حينها يكتشف العيوب الفكرية أو أمراض الفكر الذي‬

‫يحمله‪ ،‬أو يهتدي إلى عالماته في نفسه‪.‬‬ ‫مفصالً في هذه المذكرة إلى موانع المعرفة فيما يتعلق بالموانع الخارجية تحديداً‪ ،‬مع ذكر‬ ‫وسوف أشير ّ‬ ‫الشواهد واألمثلة التي عايشتها على ما أقول ؛ ألن هذه الموانع هي من أبرز السدود والقيود لدينا مقّلدي‬ ‫جداً لمن يريد التعرف علينا عن كثب‪.‬‬ ‫مهمة ّ‬ ‫المولى سابقاً‪ ،‬وأعتبرها دراسة نفسية ّ‬

‫التكبر‪:‬‬ ‫علمتني الحياة أن السنبلة الفارغة تتشامخ وتتعالى‪ ،‬أما السنبلة المملوءة فتميل تحت ثقل حملها‪ .‬وأن‬ ‫ضعاف األسود أكثرها زئي اًر‪ ،‬وأصرمها اللواتي ال تزير‪ ،‬وأن البرميل الفارغ أكثر قرقعة من البرميل الممتلئ‪،‬‬

‫المحملة أكثر جلبة وضجيجاً من العربة‬ ‫وأن العربة غير‬ ‫المحملة التي يكسبها ثقل حملها توازناً وثباتاً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬

‫‪151‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)10‬‬

‫ضرب من الصخر‬ ‫على األرض يمتصان معظم جلبتها وضجيجها‪ .‬وأن الطبل الفارغ أعلى صوتاً إذا ُ‬

‫األصم‪.‬‬

‫لذلك صرت أعتقد أن اإلنسان كلما ازداد تواضعاً واقتناعاً بأن ما يعرفه ال يتعدى أن يكون نقطة في بحر‬

‫المعارف الكونية‪ ،‬وأن العلماء كلما عظمت أقدارهم عظم تواضعهم وبساطتهم وهدوءهم‪ ،‬فال يرفعون‬ ‫أصواتهم باعتداد ؛ ألنهم يعرفون أن الحماس العاطفي كثي اًر ما يولد البرودة الشديدة التي كثي اًر ما نجمت‬

‫عن الكلمات الحارة‪ ،‬ويعرفون بأن المعادن التي تسخن بسرعة تبرد بسرعة أيضاً‪ .‬وهم يسعون إلى‬

‫المعرفة‪ ،‬وعندما يسمعون أمو اًر ال يعرفونها يغلقون أفواههم ويفتحون آذانهم‪ ،‬ويلوذون بالصمت المنتبه‬ ‫ويعتبرونه عوناً على الفهم وست اًر للجهل‪ .‬وأن من فاته العلم فلن يفوته الصمت‪ ،‬وهم يتركون أعمالهم‬

‫تنطق عنهم ؛ ألن صوتها أفصح من أصوات ألسنتهم‪ ،‬فهي التي تشهد لهم بصحة أقوالهم وتقيم البينات‬

‫على صدقها فترفع من قيمتهم في عيون الناس‪.‬‬ ‫أي شخص يتكبر فإنه‬ ‫ولقد تعّلمنا من القرآن الكريم وأحاديث العترة (ع) دروساً كثيرة‪ ،‬ومن بينها أن ّ‬ ‫يحدق باإلعجاب‬ ‫فارغ‪ ،‬وال يملك رصيداً علمياً‪ ،‬وال ح ّ‬ ‫ظ له من العلم والمعرفة ؛ ألنه كإبليس الذي أصبح ّ‬

‫تكبر على هللا تعالى وعلى‬ ‫بصورته‪ ،‬فما لبث إال أن طرده هللا من رحمته‪ ،‬وأصبح من الملعونين‪ ،‬بعد أن ّ‬ ‫خلقه‪.‬‬

‫يحدق باإلعجاب بصورته ويستهين باآلخرين‪ ،‬فإنه سرعان ما يتآكل من‬ ‫أي إنسان يحاول أن ّ‬ ‫ولذلك فإن ّ‬ ‫الداخل ويضمحل‪.‬‬ ‫قال اإلمام الباقر عليه السالم‪:‬‬ ‫قل ذلك أو كثر" ‪.‬‬ ‫"ما دخل قلب امرٍء‬ ‫شيء من الكبر إال وقد نقص من عقله بمقدار ما دخله‪َّ ،‬‬ ‫ٌ‬ ‫يصورون أنفسهم‬ ‫ولذلك نرى الكثير من هؤالء المرضى المصابين بهذا الداء اإلبليسي (التكبر) دائماً ّ‬ ‫تطل على الناس من فوق‪ ،‬ودائماً نجدهم في نقدهم للحالة الدينية‬ ‫لآلخرين بأنهم العناصر المميزة التي ّ‬

‫ويالحظ الفطن الّنبه ذلك حتى في مالمح وجوههم‪ ،‬من حيث رفع الحواجب‬ ‫وغيرها يتحدثون باستعالء‪ُ ،‬‬ ‫للخد‪ ،‬ومحاولة النظر إلى اآلخر باستعالء واستصغار‪ ،‬كل ذلك مفضوح في‬ ‫واألنف إلى أعلى وتصعير ّ‬ ‫محياهم‪.‬‬

‫‪152‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)10‬‬

‫وهذا األمر مدروس ومعلوم يعرفه علماء النفس‪ ،‬وقبل ذلك هو موجود في روايات المعصومين (عليهم‬ ‫السالم) كما ورد عن إمامنا أمير المؤمنين عليه السالم أنه قال ‪:‬‬ ‫"ما أضمر امرء شيئاً إال وظهر في صفحات وجهه أو فلتات لسانه" ‪.‬‬ ‫ومن أجلى ما شاهدته بين جماعتي هو انتشار هذه الظاهرة‪ ،‬أقول هذه الظاهرة وأنا أعني ما أقول ؛ ألن‬ ‫البعض قد يشكل علي بقوله ‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫البد أن تقوم على دراسة‬ ‫أي ظاهرة اجتماعية من هذا النوع ّ‬ ‫كيف اعتبرت ذلك ظاهرة‪ ،‬وأنت تعلم بأن ّ‬ ‫تام‪ ،‬كما يقول علماء االجتماع في ذلك!؟‬ ‫ّ‬ ‫علمية واستقراء ميداني ّ‬ ‫أقول ‪ :‬ألن مسألة ّادعاء واحتكار كمال العقيدة لجماعتنا واتهام علماء الطائفة بنقصان العقيدة هو الحالة‬

‫السائدة والعامة لجماعتنا‪ ،‬وإال لماذا نسمع هذا الكالم حتى من كبرائنا فضالً عن صغارنا!؟‬

‫وأعني بالكبار هنا الشخصيات الالمعة التي نعتبرها قامات كبيرة‪ ،‬وأما الصغار فهم التابعون وهم العامة‬ ‫من الناس‪.‬‬ ‫فنحن كّنا كسائر الناس ننظر إلى إخواننا الموالين من مقّلدي المرجعيات األخرى نظرة فيها ازدراء واحتقار‪،‬‬ ‫نابعة من عقيدة االستعالء عليهم‪.‬‬

‫وكانت عقدة االستعالء هذه من أخطر األمور التي ّأدت إلى عزلنا عن عموم الشيعة اإلمامية‪ ،‬وعن الواقع‬

‫بأكمله‪ ،‬فالهوة التي تفصل بيننا وبين سائر الجماعات األخرى يعود سببها إلى هذه العقدة (نحن كاملو‬ ‫عقيدة وغيرنا ناقصو عقيدة)‪.‬‬

‫تشبعت بهذه الفكرة‪ ،‬وبنت على‬ ‫ولقد ش ّكل هذا المفهوم الخاطىء حالة من التعصب لدى جماعتنا‪ ،‬التي ّ‬ ‫أساسها موقفاً عدائياً من اآلخرين‪ ،‬حال بيننا وبين المرونة في مواجهة الواقع واألحداث‪ ،‬وصار هذا‬ ‫الواقع المؤلم الذي نحن عليه هو االنطباع العام الذي يتش ّكل لدى اآلخرين عندما يتم الحديث عنا كجماعة‬ ‫خاصة في وسط الفرقة المحّقة‪.‬‬

‫خذ على سبيل المثال ال الحصر جواب آية هللا العظمى السيد محمد سعيد الحكيم الطباطبائي (دام ظله‬ ‫الشريف) عندما سئل عّنا ماذا أجاب بجواب عجيب‪ ،‬من المفترض أن نخجل على أنفسنا منه!!‬

‫‪153‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)10‬‬

‫والسؤال هو‪:‬‬ ‫ما حقيقة الشيخية ؟ وما الفرق بينها وبين سائر الشيعة اإلمامية ؟ هذا وأنا من عائلة شيخية‪ ،‬وال أعرف‬ ‫فرقاً بيني وبين باقي الشيعة‪ ،‬علماً أني ق أرت بعض كتب الشيخية مثل (عقيدة الشيعة) للمير از علي‬

‫الحائري‪ ،‬وكذلك كتاب (حياة النفس) للشيخ أحمد األحسائي‪ ،‬ولم أستبن الفرق‪.‬‬ ‫أرجو اإلجابة بشيء من التفصيل‪.‬‬ ‫فأجاب سماحته (دام ظله) بقوله‪:‬‬

‫وخاص ُتهم ال يجهرون بما عندهم لنعرف جلّية الحال‪ ،‬غير أن هذا‬ ‫عام ُتهم ال يعرفون شيئاً عن عقائدهم‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫للريب فيهم‪ ،‬إذ لو لم‬ ‫التك ّتم من الخاصة‪ّ ،‬‬ ‫وتميز جماعة الشيخية عن بقية فرقة اإلمامية وانعزالهم مثير ّ‬

‫يكن بيننا وبينهم فرق كما يقولون‪ ،‬فلم هذا االنعزال واالنشقاق عن الفرقة الحقة ؟ حتى صاروا فرقة‬

‫وشق كلمتهم‪ .‬ومن ثم يصعب علينا الجزم بمطابقة‬ ‫داخل فرقة‪ ،‬وما الفائدة فيه غير إضعاف أهل الحق‬ ‫ّ‬ ‫يتيسر لنا تحديد معالم عقيدتهم مع‬ ‫عقائدهم لعقائد الفرقة الحّقة التي ّ‬ ‫تقدمت اإلشارة إليها‪ ،‬غير أنه ال ّ‬ ‫يتحملون مسؤولية االنشقاق والفرقة‪ ،‬ونسأله ‪ -‬سبحانه ‪-‬‬ ‫هذا الصمت واالنكماش واالنعزال‪ .‬وهم بذلك‬ ‫ّ‬ ‫صالح األحوال وجمع الكلمة إنه أرحم الراحمين‪.‬‬

‫انتهى كالمه ( ُمّد ظله الشريف)‪.‬‬ ‫فمحل الشاهد‪. .‬‬ ‫ّ‬ ‫األنانية المفرطة‬ ‫أننا وضعنا سياجاً بيننا وبين سائر الجماعات األخرى‪ ،‬وأكبر سياج هو سياج التعالي و ّ‬ ‫(كامل العقيدة)!!‬ ‫مدعين أن الصفات والخصال الحسنة‬ ‫كثيرون هم الناس الذين يزّكون أنفسهم ويمدحونها ويتحدثون عنها ّ‬ ‫كلها فيهم‪ ،‬فنرى الواحد منهم ينسب العلم واألخالق والعبادة له‪ ،‬فقد تظهر على لسانه عبارات من قبيل‬

‫وحزت على الشهادة الفالنية‪ ،‬أو من قبيل ‪ :‬أحسنت‬ ‫ست في المعهد الفالني أو الجامعة الفالنية‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫‪ :‬در ُ‬

‫إلى فالن بالمال‪ ،‬وأنفقت من مالي في بناء المدرسة الفالنية أو المسجد الفالني أو المستشفى الفالني‪.‬‬ ‫التدين والعبادة ‪ -‬مثالً ‪ -‬فتظهر على لسانه عبارات من قبيل ‪ :‬سهرت‬ ‫وربما يزّكي البعض نفسه بادعائه ّ‬

‫الليالي تالياً القرآن ومصّلياً المستحبات‪ ،‬وصمت األيام الفالنية وغير ذلك‪ .‬فهذا الذي يعرض نفسه‬ ‫‪154‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)10‬‬

‫مدعياً الكمال لنفسه فهو عدا عن أنه يمارس الحرام ‪ -‬وهو الرياء المبطل للعمل‬ ‫ومعلوماته على اآلخرين ّ‬

‫كبر مكنون في نفسه‪.‬‬ ‫يعبر عن ٍ‬ ‫‪ -‬فإن عمله هذا ينافي احترام اآلخرين‪ ،‬وبالتالي فإنه ّ‬

‫تكبر من نوع خاص ما سمعنا به من قبل‪ ،‬وكأنه لم يسبقنا إليه أحد من العالمين !! وهو أن‬ ‫ولكن هناك ّ‬ ‫نستصغر عقائد اآلخرين من إخوتنا في الوالية‪ ،‬ونعتبرها ناقصة ونمدح في عقيدتنا ونعتبرها كاملة وليس‬ ‫فيها شوائب أو نقصان!!‬ ‫ونقدسها ونعتبرها المصدر النظيف إلى جانب‬ ‫بينما أحاديث أهل البيت (عليهم السالم) التي نحترمها ّ‬ ‫وبشدة‪،‬‬ ‫المصدر األول وهو القرآن الكريم كي نستقي منهما عقائدنا ومعارفنا‪ ،‬هي ذاتها تنهى عن ذلك‬ ‫ّ‬

‫ندعي اتباعنا للقرآن والعترة وأخذ فكرنا منهما!!‬ ‫ونحن ّ‬ ‫أما القرآن الكريم فإنه يقول‪:‬‬

‫ۤ۟‬ ‫ۖ‬ ‫( َف َال ُت َزُّكوا أَن ُف َس ُك ۡم‬

‫ۡ‬ ‫ُه َو أَعَل ُم ِب َم ِن َّٱتَقى ۤ ٰ )‪.‬‬

‫سورة النجم‪32‬‬ ‫وأما أحاديث العترة (ع) منها ما ورد عن إمامنا أمير المؤمنين (عليه السالم)‪" :‬‬ ‫إن هلل طرائق بعدد أنفاس الخالئق" ‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫وورد في أصول الكافي للكليني (عليه الرحمة والرضوان) بإسناده إلى عبدالعزيز القراطيسي قال‪:‬‬ ‫قال لي أبو عبد هللا (عليه السالم)‪:‬‬ ‫يقولن صاحب‬ ‫يا عبد العزيز‪ ..‬إن اإليمان عشر درجات بمنزلة السّلم يصعد منه مرقاة بعد مرقاة فال‬ ‫ّ‬

‫لست على شيء حتى ينتهي إلى العاشر‪ ،‬فال تسقط من هو دونك فيسقطك من‬ ‫اإلثنين لصاحب الواحد َ‬ ‫تحملن عليه ما ال يطيق فتكسره‪ ،‬فإن‬ ‫هو فوقك‪ ،‬وإذا رأيت من هو أسفل منك بدرجة فارفعه إليك برفق وال‬ ‫ّ‬ ‫من كسر مؤمناً فعليه جبره‪.‬‬

‫تحث على هذا‪.‬‬ ‫فكل الروايات عنهم (ع) ّ‬ ‫فأين نحن منها!؟‬

‫‪155‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)10‬‬

‫ثم ما أدرانا بنفوس العباد ؟‬ ‫ولماذا نقوم بتزكية أنفسنا عليهم !؟‬ ‫بل وصلت النوبة حتى إلى أعالم الطائفة المحّقة!؟‬ ‫ثم لصالح َمن هذا التقوقع والتحوصل في عالم خارج نطاق التكتل الشيعي!؟‬ ‫مقدماتها من الطهارة وغيرها‬ ‫وهللا كم‬ ‫سمعت هذه العبارة البائسة من أفواه أناس ال يحرزون الصالة وال ّ‬ ‫ُ‬

‫فضالً عن معرفة بعض األفكار والمصطلحات المعّقدة التي يطلقونها لفظاً وال يعونها أو يفهمونها معنى‪،‬‬

‫إذ يزعمون بأن عقيدتهم أكمل من عقيدة سيد الطائفة السيد الخوئي (رحمه هللا)!!‬ ‫إلى أين سيصل هؤالء !؟‬ ‫ولما سألت أحدهم لماذا !؟‬

‫أنوه باسمها هنا) هو من قال‬ ‫قال لي بصريح العبارة ‪ :‬إن فالناً (وذكر لي شخصية كبيرة جداً ال أحب أن ّ‬ ‫له ‪ :‬أعد صالتك التي صّليت جماعة خلف السيد الخوئي في مسجد الخضراء بالنجف ؛ ألن عقيدتك‬ ‫أكمل من عقيدته!!‬ ‫فكيف والحال هذه ال نعتبر هذا المانع ظاهرة مستشرية حتى النخاع في جماعتنا!؟‬ ‫إذن‪ ..‬فالكبر هي حالة تضفي على صاحبها روح األنانية والغطرسة والتعالي واالستعالء‪ ،‬فالواحد ينظر‬ ‫إلى الغير بنظرة فوقية‪ ،‬بحيث يترّفع عن مصاحبتهم ومحاكاتهم‪ ،‬فالحق ما يراه هو حقاً‪ ،‬والباطل ما يراه‬

‫برده ونقده ولو‬ ‫أقل منه منزلة‪ ،‬يقوم ّ‬ ‫هو باطالً‪ ،‬فإذا وجد الدليل في كالم من ينافسه أو يعانده أو يراه ّ‬ ‫على وجه فاشل‪.‬‬ ‫وليسمح لي إخوتي‪ ..‬بأن هذه الصفة ‪ -‬صفة الكبر ‪ -‬هي من صفات مك ّذبي األنبياء والرسل واألئمة‬ ‫(ع) قال تعالى‪:‬‬

‫ࣰ ۡ‬ ‫ࣰ‬ ‫ۢ‬ ‫ۡ ۤ‬ ‫ۡ‬ ‫ۡ ۡ‬ ‫(أَفكَّلما ج ۤاءك ۡ‬ ‫ن)‪.‬‬ ‫ول ِب َما َال َته َو ٰى أَن ُف ُس ُك ُم ۡٱس َتكَبرُت ۡم َف َف ِريقا َك َّذب ُت ۡم َوَف ِريقا َتقُتُلو َ‬ ‫س‬ ‫ر‬ ‫م‬ ‫َُ َ َ َ ُ َ ُ ُ‬ ‫سورة البقرة‪87‬‬

‫‪156‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)10‬‬

‫والمشكلة أن كبراءنا هم من ساهموا في تفشي وباء احتقار العلماء الغير منتسبين لمدرسة الشيخ األوحد‬ ‫(رحمه هللا) إذ تسلسل هذا الوباء الكارثي إلى مجتمعنا وأثار في نفوس الكثير من الناس احتقا اًر للعلماء‪،‬‬

‫وصدق موالنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السالم) حيث قال لتلميذه الوفي كميل بن زياد‬

‫النخعي ‪:‬‬ ‫ول َل َك ‪َّ :‬‬ ‫اس َثال َث ٌة ‪َ :‬ف َعالِ ٌم َرَّب ِان ٌّي‪َ ،‬و ُم َت َعّلِ ٌم‬ ‫وب أ َْو ِعَي ٌة َف َخ ْيُرَها أ َْو َع َ‬ ‫اها‪َ ،‬و ْ‬ ‫الن ُ‬ ‫َيا ُك َمْي ُل ْب َن ِزَيا ٍد‪ " ،‬اْلُقُل ُ‬ ‫اح َف ْظ َما أَ ُق ُ‬ ‫اع ُك ِل َن ِ‬ ‫اع ٍ ِ‬ ‫َعَلى س ِب ِ‬ ‫يئوا ِبُن ِ‬ ‫ور اْل ِعْلمِ‪َ ،‬وَل ْم َيْل َجُئوا‬ ‫يل َن َجا ٍة‪َ ،‬و َه َم ٌج َر َع ٌ‬ ‫يح‪َ ،‬ل ْم َي ْس َت ِض ُ‬ ‫ق‪َ ،‬يميُلو َن َم َع ُك ِّل ِر ٍ‬ ‫اع أَ ْتَب ُ ّ‬ ‫َ‬

‫ِإَلى ُرْك ٍن َوِثيق" ‪.ٍ....‬‬

‫الخد أو‬ ‫ولذلك كل إنسان ي ّتسم بالتواضع عندما يطلب الحق‪ ،‬وال يعيش التعالي على اآلخرين أو تصعير ّ‬

‫ما إلى ذلك‪ ،‬فإن هللا تعالى سيوّفقه إلى ذلك حتماً‪.‬‬

‫أما المتكبر فإن هللا تعالى سيصرفه عن طريق الحق‪ ،‬وهذه سنة هللا فال تجد لسنته تبديالً أو تحويالً‪ ،‬كما‬ ‫قال تعالى‪:‬‬

‫ۡ ۡ‬ ‫ۡ۟‬ ‫ۡ ۟‬ ‫ۡ۟‬ ‫ۡ‬ ‫ۡ‬ ‫ۡ‬ ‫ِ ِ‬ ‫ين َي َت َكَّبُرو َن ِفی ٱأل َۡر ِ‬ ‫ض ِب َغي ِر ٱل َح ِّ‬ ‫ق َوإِن َيَروا ُك َّل َء َايةࣲ َّال ُيؤ ِمُنوا ِب َها َوإِن َيَروا‬ ‫( َسأَص ِر ُ‬ ‫ف َعن َء َايـٰت َی َّٱلذ َ‬ ‫ۡ‬ ‫۟‬ ‫۟‬ ‫ࣰ‬ ‫ࣰۚ‬ ‫۟ ۡ‬ ‫ٱلر ۡش ِد َال ي َّت ِخ ُذوه س ِبيال وإِن ير ۡوا س ِبيل ٱل َغ ِی ي َّت ِ‬ ‫وه َس ِبيال َذ  ٰ لِ َك ِبأََّن ُه ۡم َك َّذُبوا ِبـَٔ َايـ ِٰتَنا َوَكاُنوا َعن َها‬ ‫ذ‬ ‫خ‬ ‫يل ُّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫َ َ​َ َ َ ّ َ‬ ‫َ‬ ‫ُ َ‬ ‫َس ِب َ‬ ‫َغـ ِٰفلِينَ)‪.‬‬ ‫سورة األعراف‪146‬‬ ‫ومن وصية لإلمام موسى الكاظم (عليه السالم) لهشام بن الحكم وصفته للعقل ‪:‬‬ ‫عميق قد‬ ‫بحر‬ ‫إن لقمان قال البنه ‪ :‬تواضع للحق تكن أعقل الناس‪ ،‬يا بني‪ّ ..‬‬ ‫‪"....‬يا هشام‪ّ ..‬‬ ‫ٌ‬ ‫إن الدنيا ٌ‬ ‫وقيمها العقل‪،‬‬ ‫عالم ٌ‬ ‫كثير‪ ،‬فلتكن سفينتك فيها تقوى هللا‪ ،‬وجسرها اإليمان‪ ،‬وشراعها التوكل‪ّ ،‬‬ ‫غرق فيه ٌ‬ ‫ودليلها العلم‪ ،‬وس ّكانها الصبر‪....".‬‬

‫المصدر ‪ :‬تحف العقول‪.‬‬ ‫البعض من الناس قد ال يرضى وال يقبل توجيه النقد له‪ ،‬فهو يتمسك برأيه مهما كان هذا الرأي ويدافع‬ ‫عنه‪ ،‬ويرفض بتاتاً في هذا المجال النصيحة‪ ،‬وما أشبه حال هذا البعض من البشر بقوله تعالى‪:‬‬

‫‪157‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)10‬‬

‫ۡ ۡ‬ ‫ۡ ۡ‬ ‫ِ‬ ‫َخ َذت ُه ٱل ِعَّزةُ ِب ِ‬ ‫يل َل ُه َّٱت ِ‬ ‫ٱإل ثم ۚ ِ )‪.‬‬ ‫ٱّلل أ َ‬ ‫ق َّ َ‬ ‫( َوِإ َذا ق َ‬ ‫سورة البقرة‪206‬‬ ‫فال شك أن المتمسك برأيه الرافض للنقد والنصيحة‪ ،‬إنه يمارس نوعاً من التكبر والغرور‪ ،‬فإذا أراد اإلنسان‬

‫فالبد أن يذعن للنقد ويقبل بالنصيحة‪ ،‬خصوصاً وأنه ليس معصوماً‬ ‫أن يتخلص من مرض التكبر والتعالي ّ‬ ‫أسسه أمامه ومشى خلفه ليس معصوماً‪.‬‬ ‫وكذلك من ّ‬

‫فالبد‬ ‫وو ّجه إليه بعض النقد ّ‬ ‫فإذا كان اإلنسان يحاور أترابه مثالً وظهر منه بعض الخطأ في مسألة ما‪ُ ،‬‬

‫أن يعترف مذعناً بل وشاك اًر ؛ ألن إعراضه عن ذلك دليل بقاء آفة التكبر في نفسه‪.‬‬

‫باختصار ‪ :‬قبول النقد والنصيحة خطوة مهمة وكبيرة في جعل اإلنسان يبتعد كثي اًر عن طريق التكبر‪.‬‬ ‫العصبية‪:‬‬ ‫وهي ا ّتباع األهواء القبلية والقومية والفئوية وما شاكل ذلك‪ ،‬إذ تعتبر من أعظم سدود المعرفة وموانعها‪،‬‬ ‫ولنا في األمم السالفة خير دليل‪ ،‬فهناك أكثر من عشرين آية في القرآن الكريم تشير إلى هذه الظاهرة‬

‫السيئة التي اعترضت طريق األنبياء والمرسلين والمصلحين عبر التاريخ‪ ،‬وال زالت‪.‬‬ ‫قال هللا تعالى ‪:‬‬

‫ۡ‬ ‫ۤ‬ ‫ۡ ۤ‬ ‫ۤ‬ ‫ۡ‬ ‫(وَك َذ  ٰ لِك م ۤا أ َۡرسلَنا ِمن َق ۡبلِك ِفی َق ۡريةࣲ ِمن َّن ِ‬ ‫ير ِإَّ‬ ‫وها ِإَّنا َو َجدَنا َء َابا َءَنا َعَل ٰۤى أُ َّمةࣲ َوإَِّنا َعَل ٰۤى‬ ‫ق‬ ‫ال‬ ‫ذ‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫ال ُمتَرُف َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ َ َ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ۡ‬ ‫ن)‪.‬‬ ‫َءا َثـ ِٰرِهم ُّمق َت ُدو َ‬ ‫سورة الزخرف‪23‬‬ ‫والعصبية تتجلى عندنا بمختلف الصور واألشكال‪.‬‬ ‫وغير مشربه‬ ‫تبين له الحق ّ‬ ‫فهناك الكثير من القصص والحكايات في هذا المجال‪ ،‬وكل شخص ممن ّ‬ ‫الفقهي (التقليد) له قصة وحكاية‪.‬‬ ‫ومواقفي التي حدثت مع إخوتي مقّلدي المولى كثيرة‪ ،‬بعضها ال زلت أحتفظ بها في الذاكرة والبعض اآلخر‬ ‫نسيته وهلل الحمد والشكر‪.‬‬

‫‪158‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)10‬‬

‫ومن بين تلك المواقف التي تدل على العصبية وعدم استضاءة أصحابها بنور العلم ولجوئهم إلى ركن‬ ‫وثيق هذا الموقف‪:‬‬ ‫التقيت مع أحدهم (س ّتيني) مع بداية أزمة التقليد في إحدى القرى باألحساء‪ ،‬وجرى الحديث معه حول‬ ‫انجر الكالم دون اختيار حول األحداث الراهنة‬ ‫األحساء وتاريخها وبعض شخصياتها وأعالمها‪ ،‬وصدف ًة ّ‬ ‫آنذاك في التقليد والمرجعية وما شابه‪.‬‬

‫فقال لي ‪ :‬نحن نقّلد سابقاً الشيخ علي الحائري (رحمه هللا) ‪ -‬يقصد المير از علي ‪ -‬وبعده أخاه الشيخ‬

‫حسن واآلن الشيخ يوسف!!‬

‫فقلت له ‪ :‬من الشيخ يوسف هذا!؟‬ ‫قال ‪ :‬الشيخ يوسف بن حسن‪.‬‬ ‫قلت له ‪ :‬لعّلك تقصد الشيخ عبدالرسول‪.‬؟‪.‬‬ ‫فقال ‪ :‬نعم‪ .‬هو ذاك‪.‬‬ ‫غريب‪ !! ..‬يقّلده وال يعرف حتى اسمه !!‬ ‫قلتها في نفسي وأسررتها ولم ِ‬ ‫أبدها‪..‬‬ ‫ثم قلت له ‪ :‬هل تعرف شيئاً عنه!؟‬ ‫فقال ‪ :‬ال‪ .‬الذي أعرفه هو أبوه فقط‪..‬‬ ‫ومرجعيتنا‪ ،‬فنحن من‬ ‫نغير تقليدنا‬ ‫ّ‬ ‫ثم أضاف قائالً ‪ :‬مشكلة بعض الشباب اليوم أنهم يريدون مّنا أن ّ‬ ‫سالف الزمان مع هذه األسرة وهم يريدون أن يحرفونا عنها‪.‬‬ ‫فقطعت الكالم عن هذا الموضوع وصرنا نخوض في حديث غيره‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫وهناك خطيب وإمام مسجد يعترف بأنه لم يدخل حوزة علمية قط‪ ،‬ولم يدرس شيئاً‪ ،‬وليس عنده رصيد من‬

‫حب المولى المير از‪ ،‬ويسأل هللا أن يميته عليه !! كما يدعو جميع الناس‬ ‫العلم والمعرفة‪ ،‬وال يملك إال ّ‬

‫‪159‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)10‬‬

‫الذين يصلون خلفه أن يكونوا مثله بهذه القوة‪ ،‬كما يزعم ! (والمحاضرة هي خطبة جمعة ومسجلة‬ ‫وموجودة)‪.‬‬ ‫ذكرت بعضهم في حلقات سابقة من هذه المذكرات يقولون ‪ :‬لو‬ ‫وأسمع كثي اًر من بعض األشخاص الذين‬ ‫ُ‬

‫تبق في هذا البيت إال امرأة لقّلدناها ديننا !!‬ ‫لم َ‬

‫أغير‬ ‫أبق إال أنا فقط مقّلداً لعائلة اإلحقاقي لبقيت ولن ّ‬ ‫والبعض اآلخر يقول (وقد سمعته بنفسي)‪ :‬لو لم َ‬ ‫مهما وصلت األمور إلى أي حد !! ّ‬ ‫وهناك كلمات أخرى في هذا المجال قد ال تليق لهذا المقام سأعرض عنها كشحا‪ً..‬‬ ‫اتخاذ المواقف المسبقة دون دليل أو برهان‪:‬‬ ‫إن من يبني لنفسه موقفاً أو رأياً مسبقاً ‪ّ -‬أياً كان مصدره ‪ -‬بال دليل وال برهان‪ ،‬مهما سيقت أمامه‬ ‫البراهين والحجج لن يراها مقنعة‪ ،‬إال إذا كان رجالً موضوعياً منصفاً يحترم الحق أكثر من نفسه وآرائه‬ ‫وموروثاته‪.‬‬

‫تجرد من كل موروث ومسبقات ذهنية فقام وقد أذعن للحق ولم يعاند‪.‬‬ ‫فكم من الناس من جلس معنا وقد ّ‬

‫وفي المقابل هناك من جلس معنا وسقنا له األدلة والبراهين ولكننا لم نفلح ولم نصل معه إلى نتيجة‬

‫إيجابية‪.‬‬ ‫أهم شيء أن يكون اإلنسان حيادياً في معالجة األمور‪ ،‬كما قال تعالى على لسان رسوله (صلى هللا عليه‬ ‫وآله)‪:‬‬

‫ۡ‬ ‫ۤ ۡ‬ ‫اك ۡم َل َعَل ٰى ُه ًدى أَو ِفی َضَلـ ࣲٰل ُّم ِبين ࣲ )‪.‬‬ ‫( َوإَِّنا أَو ِإَّي ُ‬ ‫سورة سبأ‪24‬‬

‫الغرور العلمي‪:‬‬

‫‪160‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)10‬‬

‫ويصدهم عن رؤية الواقع والحقيقة‪،‬‬ ‫وهو داء خطير يصيب المجتمعات فيلقي حجاباً على قلوب أبنائها‬ ‫ّ‬

‫وقد تفشى هذا الداء في صفوفنا وال زال ؛ ألن الكثير من الخطباء ينسجون كثي اًر من القصص والحكايات‬ ‫الخيالية التي ال واقع لها إال في أذهانهم‪.‬‬

‫يثبت بها أفئدة بعض الناس التي‬ ‫فمثالً ينقل البعض على المنبر أحالماً ومنامات شخصية من أجل أن ّ‬ ‫هزت قناعتهم‪.‬‬ ‫اهتزت واضطربت بعد حدوث بعض المواقف التي ّ‬ ‫وهناك البعض اآلخر ينسج قصة وحكاية ال نعلم من أين أتى بها!؟‬ ‫إذ قال ‪ :‬قدم جملة من األعالم وكانوا قد جلبوا مجموعة من األسئلة واإلشكاالت المعّقدة وبعثوها إلى‬ ‫مختلف الحوزات العلمية للشيعة‪ ،‬ولم يهتدوا إلى أجوبة لها!!‬ ‫فقال لهم أحدهم ‪ :‬إذا كنتم تريدون الجواب لهذه اإلشكاالت والتساؤالت فال تذهبوا إلى النجف أو قم‪ ،‬وإنما‬ ‫اذهبوا بها إلى كربالء المقدسة عند المولى المير از موسى الحائري‪ ،‬وهناك تجدون ضالتكم وأجوبتكم!!‬ ‫ولما ذهب ذاك الفريق من العلماء إلى كربالء والتقوا بالمولى مير از موسى الحائري قال لهم ‪:‬‬ ‫جواب هذه األسئلة واإلشكاالت بسيط جداً‪ ،‬ولست أنا الذي أجيب‪ ،‬وإنما أدع ولدي علي يجيب عليها !!‬

‫(ويقصد مير از علي)‪.‬‬

‫فناداه ‪ :‬تعال يا ولدي علي‪ ..‬هل عندك جواب هذه المسائل العلمية ؟‬ ‫إذ كان ولده مير از علي يخدم في مجلس أبيه‪ ،‬في توزيع الشاي والقهوة على الحضور‪( ..‬وهذا الكالم‬ ‫مسجلة ومنتشرة وعندي نسخة منها)‪.‬‬ ‫للمتحدث في محاضرة‬ ‫ّ‬ ‫فيقول له ولده مير از علي ‪ :‬نعم‪ .‬عندي جواب‪ ،‬ولكن بشرط أن أجيب عليها وأنا على المنبر‪.‬‬ ‫فصعد المنبر وأجاب عن تلك األسئلة وشّقق لها فروعاً عجيبة وكذا وكذا‪ ..‬إذ حّير علماء ذلك العصر‬ ‫!!‬ ‫فارتفعت أصوات الناس بالصلوات تتعالى كأنها القيامة الصغرى !!‬ ‫طيب‪. .‬‬

‫‪161‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)10‬‬

‫حيرت العلماء ولم يستطع اإلجابة عليها إال المولى مير از موسى وولده‬ ‫ما هذه األسئلة واإلشكاالت التي ّ‬ ‫!؟‬ ‫إلى اآلن لم ِ‬ ‫نهتد إلى معرفتها‪.‬‬ ‫وثانياً ‪ :‬إن هذه الحكاية واضح فيها التوهين من مقام العلماء‪ ،‬يعني انظروا يا حضرات السادة‪ ..‬إن ولدي‬

‫هذا الصغير يملك اإلجابة وأنتم ال تملكونها!!‬

‫وتذ ّكرني هذه القصص والحكايات الخيالية بالمواقف العلمية التي تحصل لألئمة (ع) مع علماء عصرهم‪،‬‬

‫قص ولزق باستثاء المسائل العلمية المجهولة التي إلى اآلن لم نعرفها‪ ،‬فهم ال يقومون‬ ‫ولكن هناك ّ‬ ‫بوضعها كما هي خوفاً من الفضيحة !‬

‫ۡ ۡ‬ ‫ۡ‬ ‫ِ ِ‬ ‫ۡ ۡ ِ‬ ‫ِ‬ ‫وه‬ ‫ج‬ ‫ر‬ ‫خ‬ ‫ت‬ ‫ف‬ ‫م‬ ‫ل‬ ‫َ‬ ‫ونحن نقول لهم ‪ :‬إذا كان هناك علوم ومعارف ومؤلفات أخرجوها لنا ( ُقل َهل ع َند ُكم ّمن ع ࣲ ُ ُ ُ‬ ‫ۤ‬ ‫ۡ‬ ‫ٱلظ َّن وإ ِۡن أ ۡ‬ ‫َلَنا ۖ ِإن َت َّت ِبعو َن ِإَّال َّ‬ ‫ن)‪.‬‬ ‫صو َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َنتم ِإَّال َتخُر ُ‬ ‫سورة األنعام‪148‬‬ ‫فلستم بحاجة إلى اختالق قصص وحكايات من نسج الخيال‪.‬‬ ‫وهناك الكثير من القصص القصيرة والطويلة من هذا القبيل‪.‬‬ ‫فيجعلون الناس يغترون غرو اًر ال حدود له على سراب بقيعة يحسبونه ماء حتى إذا جاءوا إليه لم يجدوا‬

‫شيئا‪.‬‬ ‫ً‬

‫حيرت العلماء ولم‬ ‫لكن لم نجد أحداً سأل هذا المتحدث عن مصدر هذه الحكايات أو عن األسئلة التي ّ‬ ‫يستطيعوا اإلجابة عليها‪ ،‬كل ذلك لم يحصل‪ ،‬ولن يحصل‪.‬‬ ‫ويتبجح بالعلم حتى أمام أهل العلم‪،‬‬ ‫فالجاهل معتد بنفسه وبمعلوماته السطحية‪ ،‬يهرف بما ال يعرف‪،‬‬ ‫ّ‬

‫التبجحات التي ما خرجت يوماً عن إطار االدعاء إلى‬ ‫ويظن أنه قد ملك ناصية األمور‪ ،‬فيطلق لسانه‬ ‫ّ‬

‫إطار التطبيق والعمل‪ .‬وما بنت يوماً غير أبراج من األوهام تتالشى أمام أول صدمة مع الواقع ويبرز‬

‫زيفها‪ ،‬وهو يكثر التحدث عن نفسه غير آبه إلى أن من يكثر الكالم عن نفسه متكبر ال يفكر إال بها‬

‫‪162‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)10‬‬

‫وكيف يريد أن يحبه الناس وهو يحب إال نفسه‪ .‬وبعد أن يصاب الجاهل بالغرور فإنه لن يرعوي ولن‬ ‫يخدر وال يمكن التحرر منه بسهولة‪.‬‬ ‫يعدل عن أسلوبه ؛ ألن التكبر نوع من اإلدمان الذي ّ‬ ‫وأذكر أن أحد األعالم في األحساء ذكر لي موقفاً كان قد حصل له مع المرحوم سماحة آية هللا العظمى‬

‫السيد الشهيد محمد باقر الصدر (رحمه هللا) في النجف األشرف‪ ،‬يقول لي‪:‬‬

‫عندما كنت على تقليد فالن ‪ -‬وذكره لي ‪ -‬جئت أناقش السيد الصدر في بعض المطالب الفلسفية‬ ‫والكالمية‪ ،‬فأراه ال يجيبني إال بهز رأسه‪..‬‬ ‫الرد على سيدهم ولم ِ‬ ‫يهتد إلى الرد على إشكالي‬ ‫فكنت أنقل إلى أقراني وبعض األصحاب بأني تمكنت من ّ‬

‫!!‬

‫وغيرت مشربي الفقهي‪ ،‬تبّين لي العكس تماماً‪ ،‬وأن السيد الشهيد الصدر‬ ‫ولكن لما كبرت ووعيت وتأملت ّ‬ ‫رأى أن أفضل جواب لي هو السكوت‪ ،‬فتذكرت قول أحدهم‪:‬‬ ‫وإذا ُبليت بجاهل متحامل‬ ‫يدعو القبيح من األمور صوابا‬ ‫أوليته مني السكوت وربما‬ ‫ُ‬ ‫كان السكوت عن الجواب جوابا‬ ‫سداً عظيماً من سدود المعرفة‪ ،‬وأختم هذه النقطة بحديث عن أمير المؤمنين علي‬ ‫فالغرور العلمي يعتبر ّ‬

‫(عليه السالم) حيث يقول‪:‬‬

‫"ليس يفهم كالمك من كان كالمه لك أحب إليه من االستماع منك‪ ،‬وال يعلم نصيحتك من غلب هواه على‬ ‫أتم معرفة بما أشرت عليه به منك" ‪.‬‬ ‫رأيك‪ ،‬وال يسّلم لك من اعتقد أنه ّ‬ ‫المصدر‪/‬الحكم المنسوبة لإلمام (ع) في نهج البالغة ‪ -‬حكمة رقم‪. ٨٦0‬‬

‫التأثر بالشخصيات المرموقة‪:‬‬

‫‪163‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)10‬‬

‫ال شك أن للشخصية االجتماعية والمكانة العلمية المرموقة تأثي اًر في انبهار العيون وانجذاب النفوس‬

‫إليها قه اًر بال اختيار‪ .‬ومن الناس من يجعل المنزلة مقياساً للحق والباطل‪ ،‬فإذا سمع كالماً من شخصية‬ ‫بارزة يتلّقاه حقاً بحجة أن قائله ذو مكانة اجتماعية أو مرتبة عالية‪ .‬كما أنه إذا تلقى كالماً أو رأياً من‬

‫فاقد تلك المنزلة‪ ،‬ال يعطيه باالً أو يجعله في خانة الشك والترديد‪ ،‬وهذا من موانع نيل الواقع ومعرفة‬

‫الحق والباطل‪.‬‬

‫متحر للحقيقة اجتناب هذه العادة الجارية بين الس ّذج من الناس‪ ،‬فإن الشخصيات‬ ‫فالواجب على كل‬ ‫ٍّ‬ ‫االجتماعية والعلمية‪ ،‬مهما بلغت في درجات السلطة والوقار أو العلم والكمال‪ ،‬ليست بمعصومة‪ ،‬وإنما‬ ‫العصمة تختص باألنبياء وأوصيائهم (ع) وأما غيرهم فيجوز عليهم الخطأ واالشتباه‪ .‬فعليه أن ينظر إليهم‬ ‫بعين االحترام والتوقير‪ ،‬ال متابعتهم في المسائل العقلية والعلمية بال دليل وال برهان‪ ،‬فإن التبعية في هذه‬

‫وتحجر الطاقات الباطنية عن التفتح واالزدهار‪ ،‬وإنما ينظر إلى نفس‬ ‫المجاالت‪ُ ،‬ت ْع ِقم العقول عن اإلبداع‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الكالم بغض النظر عمن صدر منه‪.‬‬

‫وهناك الكثير من األحاديث عن أهل بيت العصمة (ع) نذكر منها ما ورد عن إمامنا أمير المؤمنين (عليه‬ ‫السالم) أنه قال‪:‬‬ ‫"انظر إلى ما قال‪ ،‬وال تنظر إلى من قال" ‪.‬‬ ‫وما روي عنه (ع) عندما سئل عن محاربته أهل الجمل وهم من أصحاب رسول هللا (صلى هللا عليه‬ ‫وآله)‪ :‬أيمكن أن يجتموا على باطل!؟‬ ‫فقال ‪:‬‬ ‫"إنك لملبوس عليك‪ ،‬إن الحق والباطل ال ُيعرفان بأقدار الرجال‪ ،‬اعرف الحق تعرف أهله واعرف الباطل‬ ‫تعرف أهله" ‪.‬‬ ‫إننا نعرف الكثير من األشخاص ممن هم باقون تقليد المير از ال لسبب إال ألن فالناً الشخصية العلمية‬

‫أتمرد وأترك هذا المنهج‬ ‫الكبيرة أو الوجيه الكذائي ٍ‬ ‫باق على تقليده‪ ،‬إذن فمن أنا الذي ال أساوي شيئاً ّ‬ ‫والتقليد!؟‬

‫‪164‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)10‬‬

‫وللعلم فإن هناك من نعرفه من الشخصيات المؤثرة في الجماعة سواء كان شخصية علمية (طالب علم)‬ ‫أو شخصية اجتماعية فهو قد قام بتغيير تقليده ومشربه الفقهي‪ ،‬ولكنه ال يملك الجرأة على التصريح‬ ‫بذلك !‬ ‫نعم‪ .‬هو ال يستطيع أن يستبدل ذلك التبجيل واالحترام والتقدير والقيام والتقبيل باالستحقار والتوهين‪.‬‬ ‫وجلست معهم وقلت لهم ‪ :‬اتقوا هللا في أنفسكم وفي هؤالء أيتام آل محمد‬ ‫وأنا أعرف البعض من هؤالء‬ ‫ُ‬ ‫(ع) فإنهم ال يعلمون‪.‬‬ ‫فقال لي ‪ :‬أنا لست معهم وال أقّلد المولى وال هم يحزنون!‬ ‫فقلت له ‪ :‬أنا أعلم بذلك‪ ،‬ولكن ما أدرى هؤالء الذين يعتمدون على أمثالك بالبقاء على التقليد ظاّنين أنك‬

‫تبق على تقليدك إال بدليل‪ ،‬ولذا نحن باقون ببقائك!‬ ‫لم تتمسك ولم َ‬

‫عندها لم يجب إال بالحوقلة واالسترجاع‪ ،‬وقال ‪ :‬هذه فتنة فتنة‪ ،‬وال نعلم متى تنتهي!؟‬ ‫ومبش اًر أخرى‪.‬‬ ‫وأحب أن أقول لهؤالء الذين يمارسون هذه األساليب الملتوية مح ّذ اًر إياهم تارة‬ ‫ّ‬ ‫أما التحذير‪:‬‬ ‫فأح ّذرهم بما ورد في غوالي اللئالي عن النبي (صلى هللا عليه وآله) أنه قال‪:‬‬ ‫من كتم علماً نافعاً ألجمه هللا يوم القيامة بلجام من نار‪.‬‬ ‫وروي عن اإلمام علي (عليه السالم) أنه قال ‪:‬‬ ‫الجهال أن يتعلموا حتى أخذ على العلماء أن يعلموا‪.‬‬ ‫ما أخذ هللا على ّ‬ ‫وروي عن اإلمام الصادق (عليه السالم) أنه قال ‪:‬‬ ‫من احتاج الناس إليه ليفقههم في دينهم فيسألهم األجرة كان حقيقاً على هللا تعالى أن يدخله نار جهنم‪.‬‬ ‫وأما التبشير‪:‬‬ ‫فأبشرهم بما ورد عن رسول هللا (صلى هللا عليه وآله) أنه قال ‪:‬‬ ‫ّ‬

‫‪165‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)10‬‬

‫تم يتيم انقطع عن إمامه وال يقدر على الوصول إليه‪ ،‬وال يدري‬ ‫ّ‬ ‫أشد من يتم اليتيم الذي انقطع عن أبيه‪ُ ،‬ي ُ‬ ‫كيف حكمه فيما ُيبتلى به من شرائع دينه‪ ،‬أال فمن كان من شيعتنا عالماً بعلومنا وهذا الجاهل بشريعتنا‬

‫المنقطع عن مشاهدتنا يتيم في حجره‪ ،‬أال فمن هداه وأرشده وعّلمه شريعتنا كان معنا في الرفيق األعلى‪.‬‬ ‫وعنه (صلى هللا عليه وآله) أنه قال ‪:‬‬

‫وجدهم في إرشاد عباد‬ ‫فيخلع عليهم من خلع الكرامات على قدر كثرة علومهم ّ‬ ‫إن علماء شيعتنا ُيحشرون ُ‬ ‫هللا‪ ،‬حتى يخلع على الواحد منهم ألف ألف خلعة من نور‪.‬‬

‫ثم ينادي منادي ربنا عز وجل ‪ :‬أيها الكافلون أليتام آل محمد‪ ،‬الناعشون لهم عند انقطاعهم عن آبائهم‬ ‫الذين هم أئمتهم‪ ،‬هؤالء تالمذتكم واأليتام الذين كفلتموهم ونعشتموهم‪ ،‬فاخلعوا عليهم كما خلقتموهم خلع‬ ‫العلوم في الدنيا‪.‬‬ ‫وعن اإلمام الحسن (عليه السالم) أنه قال ‪:‬‬ ‫ويوضح له‬ ‫فضل كافل يتيم آل محمد المنقطع عن مواليه الناشب في رتبة الجهل ‪ -‬يخرجه من جهله‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ما اشتبه عليه ‪ -‬على فضل كافل يتيم يطعمه ويسقيه‪ ،‬كفضل الشمس على السهى‪.‬‬

‫وعن اإلمام الحسين (عليه السالم) أنه قال ‪:‬‬ ‫من كفل لنا يتيماً قطعته عنا محبتنا باستتارنا‪ ،‬فواساه من علومنا التي سقطت إليه حتى أرشده وهداه‪،‬‬ ‫قال هللا عز وجل ‪ :‬أيها العبد الكريم المواسي أنا أولى بالكرم منك‪ ،‬اجعلوا له يا مالئكتي في الجنان بعدد‬

‫وضموا إليها ما يليق بها من سائر النعم‪.‬‬ ‫كل حرف علمه ألف ألف قصر‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫(انظر) العلم في ميزان الحكمة للري شهري ‪ :‬باب‪. 2838 - 2845‬‬ ‫كما كأني أدعو إخوتي ممن ُلّبس عليهم أن يدرسوا ضوابط ومعايير التقليد الفقهي‪ ،‬ويقّلدوا على أساس‬ ‫التخرصات واألحالم والمنامات التي ال ُيعرف أولها من‬ ‫من العلم والدليل ال على أساس من الظنون و ّ‬

‫آخرها‪.‬‬

‫‪166‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)10‬‬

‫المادية في األخالق‪:‬‬ ‫إن من المستحيل الفصل والتفكيك بين طريقة سلوك الفرد في حياته‪ ،‬وطريقة تفكيره ؛ ألن بين العمل‬ ‫ويصر عليه يؤثر في تفكيره أيضاً‪.‬‬ ‫والفكر رابطة وثيقة‪ ،‬فما يفكر به المرء ينعكس على عمله‪ ،‬وما يعمله‬ ‫ّ‬ ‫صحيح أن من األفكار ما ال تأثير له على السلوك‪ ،‬كالعلوم الرياضية والجغرافية مثالً‪ ،‬بيد أن هناك من‬

‫األفكار ما يستحوذ على وجود اإلنسان بأسره‪ ،‬ويصبغ سلوكه ويحدد مسيرته في الحياة‪ ،‬وذلك مثل معرفة‬ ‫مجرد أفكار خاوية معزولة عن واقع الحياة‪ ،‬ال شأن‬ ‫هللا تعالى واإليمان بوجوده‪ ،‬فإن هذه المعرفة ليست ّ‬ ‫تجر وراءها أفكا اًر ومعارف أخرى تؤدي‬ ‫لها في السلوك وال تأثير لها في األخالق والعمل‪ ،‬بل هي معرفة ّ‬

‫باإلنسان إلى اتخاذ مواقف معينة في الحياة‪.‬‬

‫يجره هذا االعتقاد حتماً إلى االعتقاد بأنه سبحانه خالق‬ ‫فمن يعتقد بوجود هللا تعالى ويؤمن بذلك يقيناً‪ّ ،‬‬ ‫حكيم‪ ،‬وقادر عليم‪ ،‬خلق الحياة والكون لغرض وهدف‪ ،‬وأوجد اإلنسان لغاية وحكمة فلم يتركه سدى بل‬ ‫ألزمه بفرائض ونهاه عن أمور‪ .‬وهكذا‪ ،‬في ضوء هذه األفكار المتالحقة المترابطة‪ ،‬ينتهي المرء إلى أن‬ ‫يغير أسلوبه في الحياة‪ ،‬وينحو منحى يناسب تلك المعارف‪ ،‬وتمليه عليه تلك األفكار‪.‬‬ ‫ً‬ ‫وهكذا المادية في الفكر والثقافة‪ ،‬نجد البعض قد استحوذ على تفكيره األمور المادية الدنيوية‪.‬‬ ‫أعلنت عن موقفي ومنهجي‬ ‫وفي هذا المجال أذكر أن أحد الزمالء ‪ -‬وأحتفظ باالسم ‪ -‬عندما علم بأني قد‬ ‫ُ‬

‫الجديد‪ ،‬قال لي بكل صراحة ‪:‬‬

‫أال تخاف من الناس إثر هذه الصراحة؟‬ ‫قلت له ‪ :‬ال‪ .‬وما شأن الناس وما خطرهم أمام هللا تعالى!؟‬ ‫طنت نفسي على أسوء االحتماالت‪.‬‬ ‫فلقد و ّ‬ ‫فإن هللا تعالى يقول في كتابه‪:‬‬

‫ۡ ۡ‬ ‫۟ ۡ ۡ‬ ‫ۡ‬ ‫ٱخش ۡوه ۡم فزاده ۡم ِإيمـ ࣰٰنا وقال ۟وا ح ۡ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫اس ِإ َّن َّ‬ ‫ال َل ُه ُم َّ‬ ‫يل ۝‬ ‫ك‬ ‫و‬ ‫ٱل‬ ‫م‬ ‫ع‬ ‫ن‬ ‫و‬ ‫ٱّلل‬ ‫ا‬ ‫ن‬ ‫ب‬ ‫س‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫( َّٱلذ َ‬ ‫اس َقد َج َم ُعوا َل ُكم َف َ ُ َ َ ُ َ َ‬ ‫ٱلن َ‬ ‫ٱلن ُ‬ ‫َ َُ ُ َ َ َ ُ‬ ‫ين َق َ‬ ‫ۡ‬ ‫ِ‬ ‫ٱّلل وَف ۡض ࣲل َّل ۡم ي ۡمس ۡسه ۡم س ۤو ࣱء و َّٱتبع ۟وا ِر ۡضو  ٰ ن َّ ِۗ‬ ‫ٱنقَلب ۟وا ِب ِن ۡعمةࣲ ِمن َّ ِ‬ ‫يم ۝ ِإَّن َما َذ  ٰ لِ ُك ُم‬ ‫و‬ ‫ٱّلل‬ ‫َّ‬ ‫ٱّلل ُذو َفض ٍل َعظ ٍ‬ ‫َ‬ ‫َ َّ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َف َ ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ۡ‬ ‫ٱلش ۡيطـٰن يخ ِوف أ َۡولِي ۤاءه ۥ فال تخاف ۡ‬ ‫ين)‪.‬‬ ‫نتم ُّمؤ ِم ِن َ‬ ‫وهم َو َخا ُفو ِن ِإن ُك ُ‬ ‫َّ َ ُ ُ َ ّ ُ َ َ ُ َ َ َ َ ُ ُ‬

‫‪167‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)10‬‬

‫سورة آل عمران‪174 - 175 - 173‬‬ ‫فقال لي بكل صراحة ‪ :‬سوف ُتقطع عنك كل معونة‪ ،‬ولن تحصل على نيابة في موسم الحج‪ ،‬وسوف تفقد‬ ‫كل المجالس والمآتم الحسينية التي تقرأها!‬

‫الرزاق ذو القوة المتين‪ ،‬وليس هؤالء الناس‬ ‫قلت له ‪ :‬إن هللا تعالى موجود وأنا أحسن الظن به وهو ّ‬

‫ويوزعوها بين العباد من دون هللا تعالى‪..‬‬ ‫الضعفاء الذين تعتقد أنهم هم من يقسموا األرزاق ّ‬ ‫وثانياً قال موالنا أمير المؤمنين (عليه السالم)‪:‬‬

‫إن األمر بالمعروف والنهي عن المنكر ال يقربان من أجل وال ينقصان من رزق‪ ،‬لكن يضاعفان الثواب‬ ‫ويعظمان األجر‪ ،‬وأفضل منهما كلمة عدل عند إمام جائر" ‪.‬‬ ‫فأنا أعرف مجموعة ال بأس بها ممن يعتاش على هذا األمر‪.‬‬ ‫موزع األرزاق ال غيره‪.‬‬ ‫ولكن ينبغي لإلنسان المؤمن أن يحسن الظن بخالقه سبحانه ؛ ألنه هو ّ‬ ‫البد له أن يكون شجاعاً في مثل هذه المواقف‪ ،‬فقد قال أحد العلماء ‪:‬‬ ‫وكذلك ّ‬ ‫إن الشجاعة أن تقف إلى جانب الحق عندما يصبح مهزوماً‪ ،‬أما عندما ينتصر فإن الجميع سيصطف‬

‫إلى جانبه‪.‬‬

‫الخيرة تثور فيهم‪ ،‬ولكن عندما ينتصر الباطل يخذلون‬ ‫فهناك بعض الناس عندما ينتصر الحق فإن النوازع ّ‬

‫الحق بوقوفهم في جبهة الباطل ضده‪.‬‬

‫خالصة‪:‬‬ ‫صح التعبير‪-‬‬ ‫بعد هذه التجربة المتعبة ‪ -‬إن ّ‬ ‫هناك من يسأل ‪:‬‬ ‫لماذا بعد هذه الحقائق نجد الكثير من الناس من يعرض عنها كشحا؟ ً‬

‫‪168‬‬


‫مذكراتي – الجزء (‪)10‬‬

‫لإلجابة على هذا السؤال بشكل تفصيلي نرجو قراءة هذه المذكرة األخيرة بتأني وصبر‪ ،‬ففيها الجواب‬ ‫الحاسم‪.‬‬ ‫وأدعو جميع إخوتي أن َي َدعوا عداوتي على صفحة ويتأملوا فيما قلت‪ ،‬وليتركوا التحديق في من قال‪.‬‬ ‫كلمة أخيرة‪:‬‬ ‫من خالل خوض التجربة يتضح المعنى ويتجلى أكثر‪.‬‬ ‫عمليا‪ ،‬أي أنهم لم يجوعوا ولم‬ ‫بين ألناس معنى الجوع أو العطش‪ ،‬دون أن يدركوا معناه‬ ‫فلو أن ً‬ ‫أحدا ّ‬ ‫ً‬ ‫يعطشوا قط في حياتهم‪ .‬فلو أّلف هذا اإلنسان ألف مجّلد من الكتب في سبيل أن يوضح لهم معنى الجوع‬ ‫والعطش‪ ،‬لما فهموه كفهمهم إياه بصورة عملية وتجريبية؛ فإن هذا اإل نسان ال يكلف شرحه لهم لمعناه‬ ‫بضع كلمات يسيرة‪.‬‬ ‫ما أكثر الذين خاضوا التجارب مع من أشرت إلى سيرتهم العلمية وجاءوا إلى الناس وشرحوا لهم ما‬ ‫شاهدوا وأطلعوهم على كل ذلك عن كثب؛ ولكن لم يستفد من تلك التجارب إال القليل من الناس ممن فتح‬ ‫توصل‬ ‫عقله وفهمه‪ ،‬واضطر البعض اآلخر لخوض التجربة بنفسه ووصل إلى ذات النتيجة النهائية التي ّ‬

‫إليها أولئك الذين سبقوه‪.‬‬

‫نسأل هللا تعالى العصمة من الزلل في القول والعمل‪.‬‬ ‫وآخر دعوانا أن الحمد هلل رب العالمين والصالة والسالم على رسول هللا محمد وآله الطيبين الطاهرين‪.‬‬

‫‪169‬‬


‫مذكراتي‬ ‫تعليقاتي على تداعيات وأصداء مذكّراتي‬


‫مذكراتي – تعليقاتي على تداعيات وأصداء مذ ّكراتي‬

‫تعليقاتي على تداعيات وأصداء مذ ّكراتي‬ ‫تمت المذكرات العشر؛ وهناك خواطر أخرى تأتي في‬ ‫هناك عدة أمور توضيحية ّ‬ ‫البد من إثارتها بعد أن ّ‬ ‫وقتها المناسب إن شاء هللا تعالى‪.‬‬ ‫وهذه األمور التي البد من إثارتها هي على النحو التالي ‪:‬‬ ‫األمر األول ‪:‬‬ ‫طلع عليها من يريد االطالع‬ ‫إن هدفي من كتابة ونشر هذه المذ ّكرات هو عرض تجربتي للتاريخ ؛ لكي ي ّ‬

‫يهمه أمرها‪.‬‬ ‫عليها‪ ،‬ومن ّ‬

‫ُ​ُرضي ربي وضميري‪ ،‬وال أُجامل أحداً على‬ ‫يهمني من رضي عني ومن لم َ‬ ‫يرض‪ ،‬بل المهم عندي أن أ ُ‬ ‫وال ّ‬

‫حساب العلم ؛ ألن العلم ال يحتاج إلى مجامالت وال إلى كالم معسول‪ ،‬وال إلى مراعاة الخواطر وترضية‬

‫المحددة‪.‬‬ ‫ظي في غير مجاالته‬ ‫حد ذاته غير قابل لالنشطار والتش ّ‬ ‫ّ‬ ‫النفوس ؛ ألن العلم في ّ‬ ‫فقد جاءتني بعض الرسائل واالتصاالت من هنا وهناك بين مؤيد ومعارض على خطوتي تلك‪ ،‬فالبعض‬ ‫بارك لي الخطوة والبعض اآلخر قال لي بأنها خطوة غير مدروسة‪ ،‬وثالث اتهمني بتزوير الحقائق والتاريخ‬ ‫وهلم ج اًر من اآلراء و المشاركات المختلفة‪.‬‬ ‫ورابع اتهمني بالكذب وخامس‪ّ ...‬‬ ‫ولكنني أقول لكل هؤالء الناس ‪:‬‬ ‫إن المهم عندي أن أكتب ما شاهدته وما انتهى إليه علمي‪ ،‬وال علي من الغير سواء رضي أو سخط‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وأتمّثل في هذا المقام بقول الفرزدق القائل ‪:‬‬ ‫تتقولوا "‪.‬‬ ‫" علينا أن نقول وعليكم أن ّ‬ ‫فهذه مشاهداتي ومذكراتي أكتبها للتاريخ وال أحجر على أحد حينما يكتب وجهة نظره حولها‪.‬‬ ‫البد لمن يكتب وجهة نظره أن يغل ّفها بغالف األدب واالحترام‪ ،‬وليس بغالف االتهام والدخول في‬ ‫بالطبع ّ‬

‫النوايا‪.‬‬

‫األمر الثاني ‪:‬‬

‫‪171‬‬


‫مذكراتي – تعليقاتي على تداعيات وأصداء مذ ّكراتي‬

‫هناك من اعترض على ما وصفه باتهامي لبعض الشخصيات بالكذب والتزوير عليها‪ ،‬وهي قد غادرت‬ ‫الدنيا‪ ،‬فليس من حّقي أن أنقل عنها هذا الكالم‪ ،‬فكيف ُيتاح لها أن تدافع عن نفسها ؟!‬ ‫أوالً ‪:‬‬ ‫أعز من األشخاص العاديين ممن ال يعيشون في دائرة العصمة‪ ،‬فكل إنسان ُيظهر فكره‬ ‫إن الدين عندنا ّ‬ ‫للعلن ويبسط بضاعته للناس فإنها خاضعة للمشرط والنقد‪ ،‬خاص ًة إذا كانت مرتبطة بدين الناس‪ ،‬فإن‬ ‫بضع شخصياتهم تحت المجهر‬ ‫وت ّ‬ ‫المحدثين الذين ُتدرس أحوالهم ُ‬ ‫هؤالء ليسوا بأعظم من سلسلة الرواة و ّ‬

‫في علم الرجال وعلم الحديث‪.‬‬ ‫ثانياً ‪:‬‬

‫رويت‬ ‫عذر من وراء كالمهم الذي يقومون بترويجه بيننا‪ ،‬ولم أدخل في النوايا‪ ،‬وإنما‬ ‫أنا ف ّتشت لهم عن ٍ‬ ‫ُ‬ ‫نية ليس إال‪.‬‬ ‫ثم قلت بأن ذلك من حسن ّ‬ ‫ذلك عنهم ّ‬

‫ق لنا كبير السن الذي نتحّلق حوله ونصغي إليه بانتباه وانشداد حكاي ًة على أنها كرامة أو أمر‬ ‫فربما َي ُسو ُ‬

‫خارق للعادة بحسب تفسيره القاصر لها‪ ،‬ولكنها قد تكون نظرية علمية أو ما شابه هو يجهل خلفياتها‬ ‫سأبين ذلك في األمر الثالث‪.‬‬ ‫أميته كما ّ‬ ‫أو تفسيرها بحكم ّ‬ ‫المرات يسرد لنا رؤى ومنامات شخصية‪ ،‬ويأمرنا ‪ -‬بلسان الحال ال بلسان المقال ‪-‬‬ ‫وفي كثير من ّ‬ ‫باالقتداء بها وأخذها بمثابة الحجية‪.‬‬

‫حجة فيما بين الشخص وبين هللا تعالى‪ ،‬غاية ما‬ ‫مع العلم أن الجميع يعلم بأن المنامات واألحالم ليست ّ‬ ‫حج ًة على الشخص‬ ‫صحت وكانت من المنامات الصادقة قد تكون ّ‬ ‫في األمر أن الرؤى و األحالم فيما لو ّ‬

‫نفسه وليس له الحق أن يلزم اآلخرين بها‪.‬‬

‫الشخصية التي ثّقفنا بها الحاج بو إدريس الوايل‬ ‫وأنا عندي مجموعة وطائفة من القصص والمنامات‬ ‫ّ‬ ‫(رحمه هللا وعفى عنه) وأرجو أن تسعفني الفرصة ألنقل بعضها في الوقت المناسب‪.‬‬ ‫شبع بها طائفة كبيرة من الشباب المؤمن ممن كان يتحّلق معنا حول‬ ‫وكل هذه المنامات واألحالم َت ّ‬ ‫ثقف َ‬ ‫وت ّ‬

‫بو إدريس ونظائره من كبار السن‪ ،‬وال زال أولئك العوام يستشهدون بها إلثبات اجتهاد عالم أو إلثبات‬

‫كرامة له أو منقبة‪ ،‬أو حتى إلسقاط شخصية يختلفون معها ضمن مرجعية أخرى‪ ،‬مع األسف الشديد‪.‬‬ ‫‪172‬‬


‫مذكراتي – تعليقاتي على تداعيات وأصداء مذ ّكراتي‬

‫وال زال الكثير من الشباب المؤمن البسيط على موقفه حتى الساعة‪ .‬وأنا أتأسف عليهم‪ ..‬مجاميع غفيرة‪..‬‬ ‫!! والبعض منهم من المشائخ ممن ال يزال يقنع الناس الذين يجلسون تحت منبره أو يقرأون ما يرعف‬ ‫إما إجازة رواية‬ ‫العامية الممجوجة في الرجوع إلى الفقيه (مرجع التقليد)‬ ‫ُ‬ ‫ومصدره ّ‬ ‫به قلمه‪ ،‬بهذه األساليب ّ‬

‫ِ‬ ‫الصرف‪.‬‬ ‫األميين ّ‬ ‫أو قصة أو حكاية عن كبير سن‪ ،‬لم َير أعتاب الحوزة العلمية‪ ،‬بل هو مصّنف في قائمة ّ‬ ‫ورسخها في وجدان الناس وضميرهم‪.‬‬ ‫وكل هذا في عنق من ّ‬ ‫أصل هذه الحالة ّ‬ ‫ترى‪ ..‬على من تقع هذه التبعات ؟!‬ ‫األمر الثالث ‪:‬‬ ‫أرحب بها إطالقاً‪.‬‬ ‫ربما يتهمني البعض بإنكار الكرامة والمعجزة وال ّ‬ ‫وهذا االتهام غير صحيح‪.‬‬ ‫يشك به مسلم‪.‬‬ ‫أصل مسّلم به وميسور وممكن لألنبياء واألولياء‪ ،‬وهذا ال ّ‬ ‫بل إن أصل المعاجز والكرامات ٌ‬

‫ومتنية‪.‬‬ ‫سندية‬ ‫ولكن تبقى المسألة تتعلق بدراسة هذه المعجزة أو الكرامة دراسة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬

‫يشك في هذا إثنان من المسلمين ؛ فإنه تناول معاجز‬ ‫فالقرآن الكريم ما دام‬ ‫قطعي الصدور عن هللا وال ّ‬ ‫َّ‬

‫األنبياء والمرسلين واألوصياء واألولياء‪ ،‬وهذا واضح بما ال مزيد عليه‪.‬‬

‫وأما الروايات واألحاديث الواردة عن أصحاب أئمتنا (عليهم السالم) وغيرهم والتي تحكي معاجزهم ومناقبهم‬ ‫فاألصل فيها أيضاً أنها أمور ممكنة وميسورة‪ ،‬ولكن ‪ -‬كما قلت ‪ -‬تخضع للنواميس العلمية وهي األدوات‬ ‫الفنية في إثباتها أو نفيها‪ ،‬وهي الشغل الشاغل للعلماء والمتخصصين في أروقة الحوزة العلمية وليس‬

‫القصاصين‪.‬‬ ‫شغل العوام و ّ‬ ‫وميزاتهم بين‬ ‫خصهم هللا تعالى بالكرامة ليظهر فضلهم ّ‬ ‫وهكذا بالنسبة إلى سائر األولياء والصالحين ممن ّ‬ ‫الناس‪.‬‬ ‫ولكن مع ذلك أقول بأن هذا النوع من الكرامات وخوارق العادات ليست مما ُيبتذل لكل الناس‪ ،‬بحيث نعتبر‬

‫وتبين زيفه‪ .‬فهذا مما ال يقبل به العقل وال الوجدان‪ ،‬بل قد يصبح‬ ‫كل شيء كرامة حتى لو خضع لالختبار ّ‬ ‫مردوده عكسياً وسلبياً على العقول الضعيفة والقلوب المريضة‪ ،‬ممن يهتز إيمانها عند أول ضربة‪ ،‬عندما‬

‫‪173‬‬


‫مذكراتي – تعليقاتي على تداعيات وأصداء مذ ّكراتي‬

‫يكتشف أصحابها زيف هذه الكرامة أو تلك‪ ،‬مما يجعلهم يعيدون النظر حتى في المعاجز والكرامات‬ ‫المقطوع والمسّلم بها للشخصيات الكبيرة كاألنبياء واألئمة (عليهم السالم) ويصبح ذلك مدعاة لإلنكار‬ ‫وعدم اإليمان‪.‬‬ ‫عبر عنه بالتزود بالمعارف‬ ‫ُ‬ ‫األمية العلمية في مجتمعنا‪ ،‬أو ما ُي ّ‬ ‫ونحن في الواقع بحاجة إلى ثقافة محو ّ‬ ‫األولية العلمية لدى شرائح كبيرة من الشباب‪ ،‬سواء من خالل نظامنا التعليمي في مجاله األكاديمي أو‬ ‫ّ‬ ‫االستعانة بدروس التجربة في الحياة بمختلف الوسائل‪ ،‬وكل ذلك متاح من خالل التقنية الحديثة وغيرها‪.‬‬

‫وما أقصده من محو األمية العلمية هو توافر أبجديات المعارف التي يفترض أهل العلم في زمان ومكان‬ ‫محددين أنها متوافرة لدى غيرهم من الناس‪.‬‬ ‫فمثالً ‪:‬‬ ‫لماذا ال يعتبر الناس أن األجهزة اإللكترونية المتطورة مثل الجوال أو الطائرة أو الصواريخ الذكية معجزة‬ ‫؟‬ ‫أقول إنهم ال يعتبرون ذلك معجزة ؛ بحكم التراكم العلمي المعرفي الذي وصلت إليه البشرية‪ ،‬عبر سلسلة‬ ‫طويلة من التجارب في الحياة على امتداد عشرات السنين أو مئات السنين‪ ،‬إلى أن وصلوا إلى هذا‬ ‫المستوى التكاملي من العلم والمعرفة‪.‬‬ ‫مقدمات أو‬ ‫وصياً من األوصياء جاء بهذه العلوم والتقنيات الحديثة بال أدنى ّ‬ ‫فلو أن نبياً من األنبياء أو ّ‬ ‫توصلت إلى ذلك بفعل التراكم العلمي الزمني‬ ‫تراكم معرفي‪ ،‬لكّنا نعتبر ذلك معجزة‪ ،‬ولكن بما أن البشرية ّ‬

‫فال يعتبر ذلك معجزة‪.‬‬

‫إن هللا تبارك وتعالى وضع قوانين في الكون‪ ،‬تحكم الموجودات التسخيرية‪ .‬ومن تلك القوانين واألنظمة‬ ‫في الكون قانونان ‪:‬‬ ‫األول ‪ :‬القانون العادي‪.‬‬ ‫الثاني ‪ :‬القانون فوق العادي أو االستثنائي‪.‬‬

‫‪174‬‬


‫مذكراتي – تعليقاتي على تداعيات وأصداء مذ ّكراتي‬

‫فالقوانين العادية من قبيل أن النار شأنها أن ُتحرق‪ ،‬ولكن القانون فوق العادي أو االستثنائي أن تتحول‬

‫إلى برٍد وسالم‪.‬‬

‫في القانون العادي أن التراب تراب‪ ،‬ولكن القانون فوق العادي أو االستثنائي أن يتحول إلى دم (مثالً)‬

‫كل ذلك بقانون غير اعتيادي‪.‬‬ ‫ّ‬

‫للمكونات تدبير اعتيادي وغير اعتيادي‪.‬‬ ‫فإذن تدبير هللا تعالى‬ ‫ّ‬ ‫فإن كان اعتيادياً ُعّبر عنه بالسنن العادية الطبيعية‪ ،‬وإن كان غير اعتيادي ُعّبر عنه بالسنن اإلعجازية‪.‬‬ ‫فالمعجزة ليست حالة عبثية أو فوضى في القانون التدبيري في الكون‪ ،‬وإنما هي قانون حاكم على قانون‪.‬‬ ‫توضيح الفكرة ‪:‬‬ ‫يتيسر له أن يكون في‬ ‫توجد قوانين وأنظمة أن اإلنسان ليس من صنف أن يطير في الجو‪ .‬بمعنى أنه ال ّ‬

‫الفضاء وفقاً للقوانين العادية الطبيعية‪ ،‬ولكن توجد قوانين مودعة في الكون إذا استطاع اإلنسان أن‬

‫يكتشفها ويستخدمها يمكنه أن يكون في الجو‪ ،‬كما هو في يومنا هذا‪ ،‬حيث نرى اإلنسان في الجو عن‬

‫طريق تواجده في الطائرة‪.‬‬ ‫فالطائرة هي عملية تحكيم قانون غير اعتيادي في قانون عادي‪.‬‬ ‫لكن الفرق أن المعجزة هي عبارة عن عمل خارق للعادة لكن ال بالكسب البشري‪ ،‬وإنما بطريق غير‬ ‫اعتيادي‪ ،‬وبقانون استثنائي‪.‬‬ ‫يحولها بفضل قانون غير اعتيادي‪ ،‬بحيث يح ّكمه هللا تعالى‬ ‫يحول النار إلى برد وسالم ّ‬ ‫فاهلل تعالى حينما ّ‬ ‫ولم ِ‬ ‫يهتد إليه البشر‪ ،‬أما الشيء الذي يهتدي إليه البشر ال يمكن أن يكون معجزة ؛ ألنه متاح ومبذول‬ ‫لكل الناس‪.‬‬ ‫فلو أن رجالً قبل (‪ )١٠٠٠‬ألف سنة استطاع أن يوجد الكمبيوتر ولكن ال عن طريق الكسب أو التعليم‬

‫البشري‪ ،‬وإنما هكذا فجأة ! ومن دون مقدمات‪ ،‬فعند ذلك يكون أم اًر خارقاً للعادة وأم اًر إعجازياً‪ .‬لكن‬ ‫البشرية اليوم توصلت إلى الكمبيوتر بعد كسب بشري وتراكم معرفي وتعليم‪ ،‬فال يسمى معجزة‪.‬‬

‫‪175‬‬


‫مذكراتي – تعليقاتي على تداعيات وأصداء مذ ّكراتي‬

‫فهنا الفرق بين المعجزة التي هي خرق لقانون عادي ولكن ليس عن طريق الكسب أو التعليم البشري‬ ‫وإنما عن طريق قانون ‪ :‬كن فيكون‪ ،‬هلل تعالى‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫السماو ِ‬ ‫ات َو ْاألَْر ِ‬ ‫ول َل ُه ُك ْن َفَي ُكو ُن)‬ ‫(بد ُ‬ ‫َ‬ ‫يع َّ َ َ‬ ‫َمًار َفِإَّن َما َيُق ُ‬ ‫ض ۖ َوِإ َذا َق َض ٰى أ ْ‬ ‫[سورة البقرة ‪]١١7‬‬ ‫تم االعتراض على ما يسمى بكرامة البيضة للمولى المير از حسن (رحمه هللا) لم يتم االعتراض‬ ‫ولذلك حينما ّ‬

‫صنعت‬ ‫تصور البعض واتهمنا بذلك‪ ،‬وإنما ّ‬ ‫هكذا بدون دليل‪ ،‬كما ّ‬ ‫قدمنا دليلنا العلمي ووضعنا الطريقة التي ُ‬ ‫بها تلك البيضة أمام الجميع‪ ،‬مع اإلشارة إلى المصدر‪ ،‬كما وأننا قمنا بالتجربة بأنفسنا‪ ،‬وكذلك قام‬

‫وكل كتب عبارات مختلفة على البيضة‪ .‬فالبعض قام بكتابة‬ ‫بالتجربة كثير من األشخاص ممن نعرفهم‪ٌ ،‬‬ ‫اسمه على البيضة ووضعها في بيته والبعض اآلخر كتب أمو ارً أخرى‪.‬‬ ‫عامية‪ ،‬ال‬ ‫ّ‬ ‫ثم أن العبارات التي ُكتبت على البيضة‪ ،‬ال يمكن أن نعتبرها عبارات معصوم‪ ،‬فهي عبارات ّ‬ ‫يتدفق منها النفس المعصومي ؛ ألن الذي يعرف عبارات المعصومين (عليهم السالم) بمن فيهم الصديقة‬ ‫ذرة من شك‬ ‫الكبرى فاطمة الزهراء (عليها السالم) وخطبتها العصماء ويأنس بها ؛ فإنه ال يشك بأدنى ّ‬ ‫بأن هذه العبارات ليست إال من تعبير البشر العاديين جداً‪.‬‬ ‫وأذكر كالماً لألديب المصري طه حسين قال معّلقاً على بعض الكلمات العظيمة لإلمام أمير المؤمنين عليه‬

‫السالم عندما قرأها في نهج البالغة ‪:‬‬

‫" لم أجد كالماً بعد انقطاع وحي السماء أعظم من هذا الكالم ألمير الكالم "‪.‬‬ ‫هذا الذي يعرف نسبة النص إلى قائله ؛ فإنه ال يسعه إال أن يعترف بالحق‪.‬‬ ‫أما تلك العبارات العادية فإنها ال يمكن أن ُتقارن بكلمات المعصومين (عليهم السالم) الذين كالمهم تحت‬

‫كالم الخالق وفوق كالم المخلوقين‪.‬‬

‫وأما العبارات الواردة على البيضة فهي كالتالي ‪:‬‬ ‫" إلى العبد الصالح المصلح مير از حسن‪.‬‬ ‫وطول في عمرك‪.‬‬ ‫عظم هللا أجرك بالزهراء ّ‬ ‫‪176‬‬


‫مذكراتي – تعليقاتي على تداعيات وأصداء مذ ّكراتي‬

‫بصحة وعافية وجعلك ذخ اًر للدين والمؤمنين بحق الحسين الشهيد "‪.‬‬ ‫ولعل القارئ الكريم يشاركني‬ ‫فهذه عبارات عادية جداً وليست من كالم معصوم في شيء‪ ،‬أو من كتابته‪ّ ،‬‬ ‫الرأي في ذلك‪ ،‬وخاص ًة من درس النقد األدبي القديم والحديث‪.‬‬ ‫والمولى المير از حسن (رحمه هللا) ليس بحاجة إلى هذه الكرامة غير الواقعية التي ال تصمد أمام النقد‬ ‫العلمي‪.‬‬ ‫وثانياً ‪ :‬لم َنر المير از عبدالرسول (رحمه هللا) قد ذكرها ضمن سيرة والده في كتابه ‪ :‬قرنان من االجتهاد‬ ‫والمرجعية‪ ،‬وحتى في شريط الفيديو الوثائقي الذي خرج من الكويت حول سيرة المولى (رحمه هللا) لم‬ ‫ُيتعرض لها ال من قريب وال من بعيد‪.‬‬ ‫كنت في سوريا اتصلت على الشيخ عبدالجليل األمير ألمر ما‪ ،‬فطلب مّني في هامش‬ ‫وثالثاً ‪ :‬عندما ُ‬

‫طبع في بيروت عام‬ ‫الخ ْمس التي وضعها في كتابه (فكر ومنهج) الذي ُ‬ ‫االتصال أن أنزع صور البيضة َ‬ ‫‪١٤١٥‬هـ الطبعة الثانية‪ ،‬وبقي في مستودع تابع لدار النخيل للطباعة والنشر لمدة خمس سنوات‪ ،‬فلما‬

‫استلمناه في سوريا‪ ،‬قمنا بنزع تلك الصور وكل ما يتعلق بها من كالم تنفي ًذا ألمر المؤلف‪ ،‬وقد شارك‬ ‫معي بعض الطلبة هناك‪.‬‬ ‫فإذا كانت هذه المنقبة والكرامة صحيح ًة فما الذي دعاه لنزعها وإبعادها عن كتابه بالكامل ؟!‬ ‫هل هو اكتشاف الحقيقة أم ماذا ؟!‬ ‫الهامة‪ ،‬كما أرجو للجميع‬ ‫وختاماً أرجو أن أكون قد ُوفقت لتوضيح ما يجب إيضاحه في هذه التعليقات‬ ‫ّ‬ ‫من هللا تعالى التوفيق والسداد بحق محمد وآله األطهار عليهم السالم‪.‬‬

‫‪177‬‬


Turn static files into dynamic content formats.

Create a flipbook
مذكراتي by aldumestani - Issuu